Subscribe:

Ads 468x60px

24 ديسمبر، 2011

تطهير الذاكرة له شروط


صحيفة الشرق القطريه السبت 29 المحرم 1433 – 24 ديسمبر 2011
تطهير الذاكرة له شروط – فهمي هويدي

حين دعا الدكتور كمال الجنزوري المصريين في كلمته التي جرى بثها يوم الخميس الماضي (22/12) لأنْ ينسوا ما فات، فإنني لم أشك لحظة في أن الرجل كان مخلصا فيما قاله.
بقدر ما أنني أشك كثيرا في إمكانية الاستجابة لهذه الدعوة، ذلك أن «الذي فات» يمكن تلخيصه في عناوين عدة من بينها ما يلي:
مقتل أكثر من 1200 شخص منذ بداية الثورة حتى الآن ــ إصابة أكثر من خمسة آلاف مصري ومصرية، بعضهم فقد عينيه والبعض الآخر فقد أطرافه ــ تقديم نحو 11 ألف شخص للمحاكمات العسكرية ــ تعذيب آلاف الشبان والفتيات على أيدي رجال الشرطة المدنية والعسكرية ــ هتك أعراض المتظاهرات ابتداء بتعريضهن لاختبار كشف العذرية وانتهاء بسحلهن في الشوارع بعد تمزيق ملابسهن ــ إهانة المعتصمين من أهالي الشهداء ومصابي الثورة ــ القسوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين الذين تعرضوا لإطلاق النار عليهم كما تعرضوا للاختناق بسبب القنابل المسيلة للدموع التي أثيرت شكوك خطيرة حول محتوياتها ــ تلفيق القضايا لشباب الثورة واحتجازهم في السجون جراء ذلك لإذلالهم وكسر إرادتهم.

لا أريد أن أنكأ جراحا أو أستثير أحدا، لكنني فقط أردت أن أقول إن ما جرى من الصعب أن يُنسى، وأن مطالبتنا بأن نقلب صفحة الذي فات قبل الاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المسؤولين عن وقوعها، والاعتذار للضحايا وتعويضهم، هي دعوة لإغلاق الجرح على ما فيه من تقيحات.

ولا يمكن الاطمئنان إلى هذه الخطوة قبل تنظيف الجرح وتطهيره أولا. وما لم يحدث ذلك فإن الدعوة إلى النسيان ستصبح في حقيقة الأمر حثْا على اختزان المرارات والأحزان. وهذا الاختزان هو أولى مراحل المفاصلة والقطيعة بين السلطة والمجتمع، كما أن الاختزان هو اللبنة الأولى في احتمالات الانفجار.

أدري أن الثورات بحسبانها تحولات انقلابية للأنظمة لها ثمنها وضحاياها. وأعلم أن الثورتين البلشفية في روسيا ومن قبلها الثورة الفرنسية أغرقتا البلدين في بحر من الدماء، وأن من الباحثين من اعتبر الثورات أشبه بمراحل الحمى التي تضرب الجسد وتحتاج إلى وقت طويل لكي يبرأ منها.
وقد احتاجت فرنسا إلى أكثر من مائة وخمسين عاما حتى تخلصت تماما من أعراض الحمى وآثارها.

لكننا في مصر لم نكن بصدد ثورة مسلحة تناطحت فيها قوى الاستبداد مع قوى الثورة. وإنما أحدثنا تغييرا فريدا في بابه حقق نموذجا باهرا لثورة سلمية أسقطت النظام وزلزلت أركانه بخروج ملايين الغاضبين إلى شوارع مصر وميادينها، وترديدهم للنداءات المجلجلة التي صمت الآذان وتفاعل معها الجيش، فلم يجد الفرعون عن الرحيل بديلا، في حين لم يطلق المتظاهرون رصاصة واحدة.

لست مع نسيان ما جرى ولكنني مع الدعوة إلى تجاوزه والاعتبار منه. وذلك لا يتحقق بدعوة عاطفية تطلق في خطبة تلفزيونية. وإنما له شروطه التي ينبغي أن تتحقق أولا، وقد أشرت إلى الشروط الثلاثة الضرورية لتطهير الذاكرة وتحقيق المصالحة المنشودة.
وهي التي تتمثل في الاعتراف بالخطأ ومحاسبة المسؤولين عنه وتعويض المتضررين منه.

إن أحد الفروق الجوهرية بين القطيع والمجتمع الحي، أن القطيع يلوح له بالعصا ــ أحيانا يضرب بها ــ فيتجه في مسيرته إلى حيث يشار إليه. ويمتثل دون أن تخطر له خاطرة الغضب أو التمرد.
 أما التعامل مع المجتمعات الحية فالأمر مختلف، ناهيك عن تلك التي لا تزال تعيش نبض الثورة وأجواءها. ذلك أن تلك المجتمعات لها حقوق يجب أن تستوفى. ولها كرامة ينبغي أن تصان.

لقد تمنيت أن يحدثنا رئيس الوزراء، وقد أعطيت له صلاحيات رئيس الجمهورية، عن الإجراءات التي اتخذها لاحتواء الأخطاء وعلاج آثارها، قبل أن يدعونا إلى نسيانها.
وأخشى ما أخشاه أن يكون قد تم إقناعه بأن السلطة لم ترتكب خطأ ولم تطلق رصاصة، وأن المتظاهرين ليسوا سوى نفر من العاطلين والبلطجية الأشرار الذين يستحقون ما نزل بهم.
كما أخشى أن يكون قد صدق أن الأخطاء التي وقعت ارتكبها مجهولون والحق فيها على الطليان.

إن تجاوز ما جرى ليس مطلوبا فقط لمصالحة المجتمع وتهدئة خواطره، ولكنه مطلوب أيضا لاستكمال مسيرة تلك الثورة النادرة التي ظلمها أهلها وحراسها بأكثر مما ظلمها خصومها.
.............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar