Subscribe:

Ads 468x60px

12 ديسمبر، 2011

أخيراً: مواطن له ثمن


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 17 المحرم 1433 – 12 ديسمبر 2011
أخيراً: مواطن له ثمن – فهمي هويدي

هذان اكتشافان جديران بالحفاوة والتسجيل.
الأول أن في مصر أناسا يصرون على أخذ حقهم من الحكومة،
والثاني أن المواطن المصري أصبح له ثمن.

ذلك أننا اعتدنا أن نتعامل مع الحكومة باعتبارها الطرف الذي لا يقهر، وأن كلمة «القاهرة» التي سميت بها العاصمة، أصبحت تصف علاقة السلطة بالمجتمع. ولئن قيل إنها قاهرة للأعادي ومقبرة للغزاة، فذلك قد ينطبق على مراحل التاريخ في عصور مضت، لأنها انتهت قاهرة للشعب المصري الذي انتفض أخيرا وأعلن رفضه للقهر.

الاكتشاف الثاني غير مألوف بدوره. ذلك أنه طوال العهود التي عانى فيها المصريون من القهر ظل المواطن معدوم القيمة.
وظل حكامه يتصرفون في مصيره، وكأن ما بينهم وبين الناس عقد ملكية وليس عقد وكالة، بمعنى أنهم يملكون الناس وليسوا وكلاء عنهم.
وفي ظل الملكية لا قيمة للفرد مادام أن هناك غيره. ولأن المصريين لا يكفون عن التناسل، فإذا غاب واحد فإن ذلك لا يغير شيئا من الواقع، لأن هناك عشرة يمكن أن يحلوا محله، علما بأن المصريين يتزايدون بمعدل مليون شخص كل عام. (نحو ثلاثة آلاف شخص كل يوم!).
وهي خلفية تبرر شعورنا بالدهشة حين نجد أن اختفاء المواطن أصبح أمرا يستحق التوقف والاهتمام، وإذا كانت السلطة طرفا في المسؤولية عن الاختفاء، فينبغي أن تتحمل الغرم الناشئ عن ذلك، وتعوض أهله عن فقده.

وهو أمر جديد تماما. ما كان لنا أن نشهده إلا بعد ثورة 25 يناير.
ما دعاني إلى الاستفاضة في هذه المقدمة أنني قرأت في جريدة الأهرام يوم الجمعة الماضي 9/12 خبرا نصه كما يلي:

 في سابقة لم تعهدها مصر، أصدرت محكمة استئناف الإسكندرية حكما يلزم محافظ الثغر بدفع تعويض قيمته ١٠٠ ألف جنيه لأسرة مصطاف غرق الصيف الماضي على شاطئ سيدي بشر، بسبب خلو الشاطئ العام من أدوات الإنقاذ اللازمة. فضلا عن عدم وجود نقطة إسعاف في المكان،
وكانت محكمة الإسكندرية الابتدائية قد قضت بإلزام المحافظ بصفته الوظيفية بدفع التعويض السابق، وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف.

وكانت التحقيقات التي جرت في الحادث قد أثبتت أن رواد الشاطئ حاولوا إنقاذ الضحية واسمه محمود عبدالغفار بعد أن جرفه التيار، غير أن محاولاتهم باءت بالفشل، نظرا لعدم وجود معدات الإنقاذ المساعدة. وهو ما يتحمل مسؤوليته المحافظ بحكم منصبه.
وقد أرسى الحكم مبدأ غاية في الأهمية طالما افتقده المواطن العادي، هو أن حياة المصري ليست رخيصة، وأن على المخطئ أن يتحمل تبعات عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على أرواح رواد الأماكن العامة.

صحيح أن الخبر عادي جدا في الدول الديمقراطية، التي للمواطن فيها قيمته والسلطة خادمة له وتعيش من الضرائب التي يدفعها.

صحيح أيضا أن الناس وكل مخلوقات الله كان لهم شأنهم المقدر في بواكير التجربة الإسلامية، حتى خشي الخليفة عمر بن الخطاب أن يحاسبه الله يوم القيامة إذا ما قصر في حق البغلة إذا عثرت في العراق،

وحتى إذا ما حدث أحدهم الخليفة معاوية بن أبي سفيان ووصفه بأنه «أجير» استأجره الله كي يقوم على مصالح المسلمين. إلا أننا انفصلنا عن كل ذلك. فلا نحن من الدول الديمقراطية. ولا عاشت معنا قيم تلك العهود الزاهرة في الخبرة الإسلامية.

فرحت حين وجدت أن أهل المواطن الذي غرق أصروا على أن يقاضوا الحكومة، وأن يختصموا مع محافظ الثغر باعتبار أنه مسؤول بحكم وظيفته عن توفير معدات الإنقاذ المساعدة للمصطافين.

وبالتالي فإنه يجب أن يحاسب على ذلك التقصير لأن ما جرى يحمله بالمسؤولية الأدبية، رغم أن المسؤولية الوظيفية المباشرة من نصيب غيره من المكلفين برعاية الشواطئ.

فرحت أيضا لأن محكمة الإسكندرية الابتدائية أدانت المحافظ وألزمته بدفع تعويض لأسرة المواطن الذي غرق.

وشعرت بنشوة حين قرأت العبارة التي وردت في الحكم وذكرت أن حياة المواطن المصري ليست رخيصة. وهو ما اعتبرته «خبرا» جديدا نسمع به لأول مرة منذ سنين عدة، كما فرحت لأن محكمة الاستئناف أيدت الحكم بالغرامة، وتضامنت مع رأي المحكمة الابتدائية فيما ذهبت إليه.

أدري أن نصوص القانون تضمن للمواطنين كل ذلك، لكن الذي حدث أن أزمنة القهر جعلت الناس يتهيبون محاسبة السلطة على تقصيرها في حقهم، ناهيك عن أن السلطة والقائمين عليها ظلوا يعتبرون أنفسهم فوق الحساب والمساءلة.

وكانت النتيجة أن جرائم كثيرة ارتكبتها مؤسسات السلطة بحق الناس ولم يعوضوا عما أصابهم، من حوادث احتراق القطارات إلى الجرائم التي وقعت في ميدان التحرير.
والأخيرة كان ينبغي أن يحاسب عليها وزير الداخلية لأن أجهزته إما اعتدت على المتظاهرين أو أنها قصَّرت في تأمينهم والقيام بواجب حمايتهم.

لو أن كل مواطن أثبت أنه تعرض للضرر أو الظلم جراء تقصير من السلطة وخاصم أمام القضاء أكبر رأس في الجهاز الذي قصر في حقه أو ظلمه فإن ذلك سيعد ميلادا لمواطن مصري جديد يدرك أن كرامته ينبغي ألا تستباح فضلا عن أن حياته ليست رخيصة.
.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar