Subscribe:

Ads 468x60px

13 نوفمبر، 2011

تحريض علني


صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 17 ذوالحجة 1432 – 13نوفمبر 2011
تحريض علني – فهمي هويدي

«نهيب بكم بعدم سداد فواتير الكهرباء حتى تتم مخاطبة محافظ القاهرة وهيئة النظافة للإسراع في رفع المخلفات من الشوارع» ـ
النداء موجه إلى أهالي قايتباي وبرقوق في مناطق الدراسة بمحافظة القاهرة، وقد نشرت صورته جريدة الوفد يوم 4/11، إلا أنني تمنيت أن يوجه النداء إلى جميع المصريين الذين يدفعون كل شهر رسوما للنظافة، في حين أن أكوام القمامة تحيط بهم من كل صوب.

لست أخفي أنني رحبت بالفكرة، ولم أتردد في الترويج لها لأكثر من سبب،
 الأول أنه لا يعقل أن يطالب الناس بدفع قيمة خدمة لا يتلقونها، ثم يستمرون في الدفع في استسلام غير مبرر وغير مفهوم.

الثاني أن جهاز الإدارة إذا لم يحاسب المسئول عن تقديم تلك الخدمة على تقصيره، فلا أقل من أن يمتنع الناس عن دفع الرسوم المقررة حتى تتعهد الجهة المعنية أن تؤدي  ما عليها، وتشرع في إزالة هذه الوصمة من الشوارع.

السبب الثالث أننا بعد الثورة ينبغي أن نتخلص من عقلية الرعية المستكينة التي لا حول لها ولا قوة، فتستقبل ولا ترسل. وتؤدي ما عليها من واجبات دون أن تتلقى أية حقوق.
وهي العقلية إذا كانت قد سادت حين كان البلد مختطفا من قبل القلة التي احتكرت السلطة ونهبت الثروة، فقد آن لنا أن نتخلص منها بعدما عادت البلد إلى أصحابها، وأصبح الرعايا مواطنين لهم حقهم في الكرامة والعزة. كما أنهم كسروا حاجز الصمت والخوف.

ثمة اقتراح آخر أكثر إيجابية مما نحن بصدده. لا يطالب الناس بالامتناع عن سداد رسوم النظافة، ولكنه يدعوهم إلى تجميع أكياس القمامة ووضعها أمام رئاسة الحي أو مقر المحافظة، لكي يرى المسؤولون بأعينهم ما يعاني منه الناس.
خصوصا أننا نعلم أن هؤلاء المسؤولين وغيرهم من «أكابر» البلد ربما سمعوا بالخبر فقط، ولم يروا أكياس القمامة أمام بيوتهم، لأن مسؤولي النظافة يحرصون على إبعاد ذلك الأذى عن أعينهم. وربما كانت تلك مهمتهم الوحيدة التي يؤدونها بجدية وإخلاص.

إذا استطعنا أن نجمع بين الاقتراحين فخير وبركة، وإذا وجد البعض هنا أن الثاني منهما يحملهم عبئا لا يقدرون عليه فلا تثريب عليهم. لكني أزعم أن أضعف الإيمان في هذه الحالة أن يتوقفوا عن دفع رسوم النظافة.
إذ المهم أن يخرج الجميع من حالة الاستكانة والسلبية وأن يدافعوا عن حقوقهم ولا يترددون في انتزاعها بكل ما يملكون من قوة يحميها القانون.

المثير للعجب أن هذه التلال من القمامة التي نتعامل معها باستهانة وازدراء تمثل ثروة كبيرة يمكن الإفادة منها من خلال إعادة تدويرها واستخدامها في توفير العديد من المنتجات التي لا تخطر على البال.
هذا إذا تعاملنا مع الموضوع بما يستحقه من جدية، وإذا استفدنا من الخبرات العلمية التي حققت نجاحات مدهشة على ذلك الصعيد.

صحيح أن بعض تجار القمامة في القاهرة يحققون مكاسب كبيرة من ورائها، وأصبح بعضهم من أصحاب الملايين، إلا أن المجتمع لم يستفد كما ينبغي من التوظيف العلمي لتلك القمامة.
وهو ما نجده مثلا في أربعة معامل أقامتها الجامعة الأمريكية لإجراء تجارب الإفادة من القمامة والمخلفات الصناعية والزراعية.

وما سمعته في هذا الصدد من الدكتور صلاح الحجار رئيس قسم الهندسة الميكانيكية بالجامعة الذي يشرف على الأبحاث التي تجريها تلك المعامل يفتح الأعين على آفاق واسعة وعريضة في كيفية استثمار ثروة القمامة التي نتحدث عنها.

فقد قال لي إن القاهرة وحدها تنتج يوميا 8 آلاف طن قمامة، وأن كمية القمامة التي تلقى في مصر سنويا كلها تقدر بنحو 26 مليون طن. وقد نجحت المعامل في تدوير القمامة بنسبة مئة في المئة.

بمعنى أن  القمامة التي تلقى في الشوارع يمكن استخدامها بالكامل في إنتاج سلع أخرى، من ذلك مثلا أنهم نجحوا في تصنيع جميع منتجات البلاستيك من أكياس القمامة السوداء.
واستطاعوا أن يوفروا لها خواص شديدة القرب من البلاستيك الأصلي.
كما نجحوا من خلال عملية التدوير في تصنيع أغطية بالوعات المجاري التي تقام على الأرصفة. بدلا من أغطية الزهر التي يتكلف الواحد منها نحو 900 جنيه، في حين أن قيمة المنتج الجديد لا تتجاوز عشر هذا الرقم. صنعوا منها أيضا بلاط الأرصفة .. الخ

ذكر الدكتور الحجار أن تدوير القمامة الذي قطع أشواطا بعيدة في الدول الصناعية إذا تم في مصر فإنه يمكن أن يحقق نقلة مهمة. ليس فقط في مجال التصنيع ولكن أيضا في فرص التشغيل واستيعاب الأيدي العاملة.

أشعرني كلامه بالحزن والحسرة، لأنه جاء مع اتساع وعمق الفجوة بيننا وبينهم، حيث مازلنا نبحث عن الدولة القادرة على رفع القمامة من الشوارع، قبل أن نتطلع إلى التفكير في تصنيعها. وألسنتنا تلهج بالدعاء:
اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.
...............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar