Subscribe:

Ads 468x60px

17 أكتوبر، 2011

رياح التسخين على أبواب العرب – المقال الأسبوعي


صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 20 ذو القعده 1432 – 18 أكتوبر 2011
رياح التسخين على أبواب العرب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إشارات تسخين الأجواء تتجمع في الفضاء العربي، بما يفتح الأبواب لاحتمالات تفجير المنطقة.لكن مصير «الربيع» سيظل مرهونا بمدى نجاح مصر وتونس في اجتياز الاختبار الديموقراطي.

(1)

موضوع التسخين هو سورية، التي تشهد انتفاضة شعبية لم تتوقف منذ سبعة أشهر، وفشل النظام في إخمادها طوال هذه المدة، الأمر الذي جعل الحالة السورية نموذجا للاستعصاء، الذي لا يُرى له حل سلمي في الأفق المنظور،
أما الاشارات التي أتحدث عنها فتتمثل فيما يلي:

<
مطالبة دول مجلس التعاون الخليجي بعقد جلسة خاصة هذا الأسبوع لمناقشة اتهام ايران بالتدخل في شأن الخليج، الى جانب بحث الموضوع السوري إزاء استمرار نزيف الدم في سائر أنحاء البلاد.

وكانت تلك الدول قد سحبت سفراءها من دمشق، ودعت دول الجامعة العربية الى اتخاذ موقف من النظام السوري، على غرار الموقف الذي اتخذه مجلس الجامعة من قبل، حين قرر تعليق عضوية ليبيا ثم دعا الى فرض حظر جوي لحماية المدنيين، الأمر الذي مهّد للتدخلات العسكرية الدولية التي تبناها حلف الأطلنطي واستهدفت الإطاحة بحكم القذافي.

وكان مجلس الجامعة قد ناقش قبل أسابيع اقتراحا مماثلا بخصوص سورية تقدمت به أربع دول هي السعودية والامارات وقطر والأردن، لكنه لم يصدر قرار في هذا الصدد.

<
تشكيل المجلس الوطني الانتقالي الذي توحدت فيه المعارضة السورية الداعية الى إسقاط نظام الرئيس الأسد.ورفض المجلس لفكرة التدخل الدولي، مع تأييده للمطالبة بالحماية الدولية للمدنيين، إعمالا لمبدأ التدخل الإنساني الذي أقرته الأمم المتحدة، الذي جرى الاحتجاج به في الحالة الليبية.
علماً بأن مطالب التدخل الدولي لحماية المدنيين كان شعارا رفعته بعض مظاهرات الداخل في الاسبوعين الأخيرين، إزاء استمرار مسلسل القتل والاعتقال والتعذيب الذي طال جميع المعارضين.

< التوتر الحاصل مع تركيا على الحدود الشمالية لسورية (910 كيلومترات) الذي طال العلاقات التجارية الحيوية بين البلدين. والحديث التركي عن مناورات عسكرية وفكرة اقامة منطقة عازلة لحماية اللاجئين على الأراضي السورية. والتلويحات السورية بإعادة فتح ملف لواء الاسكندرون.الذي ضم الى تركيا بعد الحرب العالمية الثانية وطوى صفحته الرئيس بشار الأسد حين تولى السلطة في عام 2002، ثمة تلويحات سورية أيضا باستثمار علاقات النظام التاريخية بحزب العمال الكردستاني الذي يحتمي قادته بالأراضي السورية في حين يقود التمرد ضد الحكومة التركية مطالبا بالحكم الذاتي وملوحا بالانفصال.

<
محاولة إرباك إيران وإشغالها عن مساندتها الراهنة للنظام السوري..انطلاقا من التحالف الاستراتيجي بين دمشق وطهران.وهذه المساندة تجاوزت حدود دعم النظام في الداخل، وإنما شملت أيضا التحركات التي شملتها منطقة الخليج أخيرا، وطبقا لما سربته المصادر الموالية في بيروت فإن طهران أبلغت بعض دول الخليج (الإمارات العربية بوجه أخص) بأن النظام السوري خط أحمر، وأن تعرضه للخطر سيؤدي إلى اشعال منطقة الخليج بأكملها (الشرق الأوسط 15/6).

<
أخيرا فجرت واشنطن قضية محاولة أحد الإيرانيين إجراء اتصالات لاغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، وكرر النفخ في هذه العملية الى حد الحديث عن نقل الموضوع الى مجلس الأمن، وباحتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران بسببها.

ورغم غرابة القصة، فثمة تحليل يرجعها الى أحد احتمالين،
الأول إرباك إيران وإشعارها بالخطر على نحو يضطرها الى الكف عن مساندة النظام السوري لمواجهة التهديد الذي تتعرض له طهران بسببها.
أما الثاني فهو توريط سورية في «المؤامرة» واتهامها بأنها وراء العملية، الأمر الذي يزيد من الضغط الدولي عليها، ويدفع مجلس الأمن الى اتخاذ قرار بتأييد اتخاذ إجراء مشدد جديد ضد دمشق.

(2)

يمثل النموذج السوري حالة متفردة في الربيع العربي، بوسعنا ان نقول إنه بمنزلة الوجه الرابع لذلك الربيع، الذي كانت ثورتا تونس ومصر موجته الأولى. ففي البلدين خرجت الجماهير في مظاهرات سلمية عارمة، فاجأت الجميع في الداخل والخارج.
وهذه المظاهرات إما وقف الجيش منها موقفا محايدا (تونس) أو أنه انضم اليها وأيدها (مصر). ولم يحتمل النظام وقع المفاجأة فانهار خلال أيام معدودة. ونجحت الثورة على النظامين.

الحالة الليبية نموذج آخر. إذ انتفض جزء من الوطن في بني غازي وبعد أن تم تحرير ذلك الجزء، وبمساندة من حلف الناتو. زحف الثوار نحو بقية أجزاء الوطن حتى حرروا العاصمة وأسقطوا النظام فيها.الا ان القذافي لم يستسلم فغادر العاصمة الى الجنوب حيث احتمى بقبيلته وحلفائها، وبالقوات التي وضعها تحت قيادة أبنائه.ولايزال الثوار يطاردونه ويسقطون معاقله واحدا تلو الآخر.

حالة اليمن قدمت نموذجا ثالثا لأن الثورة التي خرجت إلى الشارع مؤيدة بقطاعات عريضة من الجماهير تحدت النظام لكنها لم تسقطه بعد. وهو لايزال يعتمد في استمراره على عدة عوامل منها:
العنصر القبلي الذي ينتمي اليه الرئيس علي عبدالله صالح،
وأغلب الجيش والقوات الخاصة التي يقودها ابنه وأقاربه،
ومنها المساندة السعودية والخليجية التي لم ترغب في أن يتم التغيير ومن خلال الثورة.

الحالة السورية تعد نموذجا رابعاً. تميز بتماسك النظام بمختلف أجهزته ومؤسساته في مواجهة ثورة الجماهير.كما أنه اعتمد منذ اللحظة الأولى على المساندة الإيرانية في الخبرات والأدوات. فضلا عن أن البيئة الإقليمية والدولية أيضا تعاملت بحذر مع النظام بسبب ارتباطه بالخرائط المحيطة وتأثر تلك الخرائط بمصيره.

ذلك ان سقوطه ستكون له تأثيراته المباشرة على الوضع في لبنان والعلاقة مع ايران، وبدائله لابد ان يكون لها صداها في العراق والأردن وتركيا وربما اسرائيل أيضا.

ثمة قواسم مشتركة بين مسار الأحداث في تلك الدول،
 منها مثلا ان الذي ثار هو الجماهير العريضة ولم تقم بهذه الثورات أية قوة انقلابية مما اعتدناه في السابق.
منها أيضا أنها جميعا بدأت ثورات سلمية وطالبت بالاصلاحات التي تحقق لها الحرية وتعيد اليها كرامتها المهدرة، ولكن بعضها دفع دفعا الى اللجوء للقوة (كما في الحالة الليبية)، إلا أنها جميعا قوبلت بالعناد والاستعلاء، الأمر الذي أصابها باليأس من الاصلاح واضطرها الى المطالبة بإسقاط النظام، ولئن كان لكل ثورة صداها غير المباشر في المحيط العربي، إلا ان سورية كانت استثناء، حيث تفردت بتداعياتها المباشرة على محيطها الإقليمي.

وهذه التداعيات الاقليمية أضفت بعدا آخر على الاستعصاء السوري.لأنه إذا تساوت سورية مع اليمن في احتمالات الحرب الأهلية،
(إذا وقعت لا قدر الله ستكون طائفية بين العلويين والسنة في الأولى وقبلية في الثانية)، إلا ان سقوط نظام صنعاء سيظل صداه داخل حدود الدولة، أما سقوط نظام دمشق فإن صداه الإقليمي سيكون مدويا.

(3)

أمام الاستعصاء السوري ثلاثة سيناريوهات.
الأول ان يتمكن النظام من احتواء الأزمة واجتيازها. وهو الاحتمال الذي كان وارداً من خلال السياسة في البداية، إلا ان النظام انحاز الى الخيار الأمني وآثرت السلطة ان تقمع المعارضين وتسحقهم بدلاً من ان تتجاوب معهم وتستجيب لأشواقهم.
لكن من الواضح ان ذلك الخيار الأخير لم يحقق نجاحا حتى الآن، بدليل استمرار ثورة الجماهير لسبعة أشهر على الرغم من الترويع والقسوة المفرطة، إلا أن نفاد صبر الجماهير التي لم تعد تحتمل استمرار استبداد النظام وإذلاله لها، اضافة الى غزارة الدم الذي يراق كل يوم والتضامن الأخلاقي واسع النطاق مع الانتفاضة، ذلك كله عزز صمود الشعب السوري وزاد من اصراره على استعادة حريته.

هذا الإصرار من الجانبين يرشح المواجهة للاستمرار لفترة قد تتراوح بين سنة وسنة ونصفا، في تقدير الخبراء، إلا حدث طرأ على المشهد خياران آخران هما:

<
انشقاق الجيش وانفراط عقده، ذلك ان استمرار أجهزة الأمن في التعامل مع المظاهرات بالرصاص الحي، من خلال الشبيحة والقناصة من شأنه ان يستثير عناصر الجيش.فالأولون مدربون على القتل ويمارسونه منذ أربعة عقود جيلا بعد جيل.لكن وضع الجيش مختلف وتوريطه في القتل اليومي للجماهير لا يخلو من مغامرة.
وفي رأي البعض فانه اذا كان قادة الأجهزة الأمنية وقواعدها أغلبهم من طائفة العلويين الحاكمة، فان وضع الجيش مختلف.ذلك ان نسبة غير قليلة من الرتب الوسيطة وأغلب قواعده من أهل السنة.
وقد لاحت بوادر ذلك الانشقاق فعلا حيث تمرد بعض الجنود في درعا ومدينة الرستن بحمص وفي بانياس، مما دفع أجهزة الأمن الى تصفيتهم.
وبعد ذلك ظهرت الانشقاقات بين الضباط الذين ذكرت وكالات الأنباء أنهم شكلوا نواة لما سموه جيش سورية الحر.الا ان تلك الانشقاقات لا يبدو ان بمقدورها احداث تغيير جذري يهدد النظام.ولذلك يصعب المراهنة عليها في الأجل المنظور.

<
الاحتمال الثاني أو السيناريو الثالث يتمثل في التدخل الدولي الذي تلوح بعض مقترحاته في الوقت الراهن،
ورغم ان فرنسا تدفع بشدة في ذلك الاتجاه، بالتنسيق مع واشنطن بطبيعة الحال،
كما ان روسيا على رأس الدول التي تقاومه، وهي التي تعتبر سورية آخر موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط، الا ان المخاطر الاقليمية التي يمكن ان تترتب على ذلك السيناريو تجعل الأطراف المختلفة حذرة تلك الخطوة.وعلى ذلك يراهن النظام السوري في الأغلب.

(4)

هذه الخلفية تكاد تحاصر الربيع العربي في بلدين اثنين هما مصر وتونس.على الرغم من ان الدول الكبرى تحاول اختراق الوضع المستجد واحتواءه،
ففرنسا حاضرة بقوة في تونس كما ان الولايات المتحدة لها حضورها المماثل في مصر، الا ان ذلك ليس نهاية المطاف.فالبلدان مقبلان على انتخابات ديموقراطية هذا العام يفترض ان تعبر لأول مرة عن صوت الجماهير وتطلعاتها.
وتلك بحد ذاتها خطوة الى الأمام توفر طاقة أمل في تجسيد الربيع المنشود على أرض الواقع بل أزعم ان نجاح البلدين في هذه الجولة لن يقتصر أثره على حدودهما فحسب، وانما سيكون له صداه الإيجابي في المحيط العربي كله.

أدري ان الجماهير العربية في كل مكان قد علا صوتها وكسرت حاجز الخوف، يشهد بذلك ثباتها في الشارع العربي طوال الأشهر الماضية، منذ تفجرت الثورة في تونس ومصر.لكن التحدي الكبير والذي تواجهه هو كيف تحول الربيع من نسمة عابرة تنعشنا وترفع معنوياتنا، الى واقع حي نعيشه وليس فقط نتنفس عطره.

وهذا الأمل معقود في الوقت الراهن على هذين البلدين وبقدر نجاحهما في الاختبار الديمقراطي بقدر ما يكرم الإنسان العربي أو يهان.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar