Subscribe:

Ads 468x60px

26 أكتوبر، 2011

درس في الصحافة


صحيفة الشرق القطريه الاربعاء 28  ذو القعدة 1432 – 26 أكتوبر 2011
درس في الصحافة - فهمي هويدي


الانتخابات التي تجرى في القاهرة اليوم لاختيار نقيب الصحفيين ومجلس النقابة شجعتني على استخراج قصاصة من جريدة «الإندبندنت» البريطانية تضمنت مقالة نشرت منذ شهرين، لمعلق الجريدة البارز يوهان هاري، كان عنوانها «خنت ثقة القراء».

المقالة لا علاقة لها بالانتخابات. لكنها تقدم لنا درسا بليغا للغاية في أصول المهنة، التي أزعم أنها تراجعت كثيرا في مصر، وتآكلت تقاليدها على نحو مقلق. ولم تكن وحيدة في ذلك، لأن ما أصابها كان جزءا من «تسونامي» الانهيارات الذي ضرب المهن الأخرى في ظل سنوات القمع والفساد التي مرت بها البلاد.

مضمون المقالة كان أكثر إثارة من عنوانها، ذلك أنه سجل بعض الاعترافات التي أقر الكاتب فيها بأنه لم يكن وفيا تماما لآداب وأخلاقيات المهنة. فقد أجرى تعديلات على أجوبة أناس أجرى معهم مقابلات. حين وجد أن ردودهم ليست واضحة. بما يعني أنه وضع على ألسنتهم إضافات من عنده، أو استعان بإجابات لهم في أخرى أفضل من تلك التي سمعها منهم. الأمر الذي يعني أنه تخلى عن الصرامة المهنية التي تفرض عليه ألا يتدخل في إجابات مصادره وينقلها كما هي دون أية إضافة.

كما أنه دخل موقع «ويكيبيديا» على الإنترنت وأجرى تعديلات فيما نشره عنه متعلقا بسيرته وعمله في الصحافة

كما ألغى انتقادات وجهت إليه. واستهوته العملية فسعى إلى مجاملة أصدقاء له من زملائه وزميلاته حيث أجرى تعديلات فيما نشره الموقع عنهم.

لم يكتف يوهان هاري بهذه الاعترافات، ولكنه عزم على أن يكفر عن «ذنوبه» ويعاقب نفسه. فقرر أن يعيد جائزة «جورج أورويل» التي سبق أن فاز بها تقديرا لعمله الصحفي الذي تفوق فيه.

كما أنه قرر أن يحصل على إجازة غير مدفوعة الأجر حتى نهاية العام المقبل من صحيفة الإندبندنت، سوف يقضيها في الانضمام إلى برنامج تدريب على الصحافة حسب أصولها.
وحين يعود إلى عمله بعد ذلك فإنه سيضم إلى كل مقابلة يجريها هوامش تظهر المصادر التي اعتمد عليها. مع إضافة تسجيل كل مقابلة إلى الموقع الإلكتروني للجريدة.

هذا الذي فعله صاحبنا، شيء لا يكاد يصدق في عالم الصحافة، بل شيء نادر في الصحافة الغربية ذاتها.

ذلك أننا نعرف أن صحيفة نيويورك تايمز اعتذرت لقرائها عن المعلومات غير الدقيقة والمنحازة التي نشرتها أثناء الغزو الأمريكي للعراق.

ونعرف أيضا أن صحيفة واشنطن بوست لا تنشر خبرا إلا إذا أكده قبل النشر مصدران كل منهما مستقل عن الآخر.

أما الذي أقدم عليه يوهان هاري فهو خطوة غير مسبوقة، لكنه يقدم لنا نموذجا لمحاولة التطهر المهني لا أعرف لها مثيلا،
إضافة إلى أنها تبدو وكأنها ضوء بعيد في الأفق بيننا وبينه بعد السماء عن الأرض، خصوصا إذا ما قارنا ذلك النموذج بالواقع الذي نطالعه كل صباح،
وبعضه لا تكاد تصدقه أعين سلفيي المهنة من أمثالنا، الذين عملوا مع الكبار وخبروا الصحافة قبل انهيار صرحها وتحولها إلى مهنة أخرى غير التي نعرفها.

لا أستطيع أن أتجاهل الدور الجليل الذي قامت به بعض المنابر الصحفية المصرية في التصدي لاستبداد النظام السابق وكسر هيبته، الأمر الذي وضع اللبنات الأولى في حملة التعبئة التي انتهت بالانفجار الشعبي الذي أسقط النظام السابق.

واعتبر ذلك استثناء على القاعدة، أو نقطة تحسب لصالح الصحافة في مقابل نقاط أخرى تحسب عليها وتدين سلوك الأجيال التي تربت وتشكلت في ظل الاستبداد.

لا أتحدث عن الولاءات السياسية، لكنني أعني الصحافة كحرفة، دمرتها السياسة حين خنقت حرية التعبير،
وحين نصبت على رأس المؤسسات القومية أبواقا شغلت بخدمة النظام أكثر من انشغالها بخدمة القارئ.
وحين طال العهد بهذه المدرسة فإنها خرجت أجيالا عانى أغلبها من الإعاقة المهنية والفقر المعرفي والاسترزاق من أي باب.
حتى ضاقت الفرص أمام الشرفاء والموهوبين، فتحولوا إلى التلفزيون وتوزعوا بين الاكتئاب والصمود بالداخل، أو الانتقال إلى دول الخليج أو مراسلة الصحف العربية والأجنبية،
وصرنا نقرأ موضوعات منقولة عن الإنترنت ومقالات مترجمة بالكامل نشرت «بقلم» المترجمين، وأخبارا ملفقة ولا أساس لها، وتصفية حسابات لا علاقة للقارئ بها... إلخ.. إلخ.

لا أقيس على الصرامة المهنية النادرة التي تحلى بها يوهان هاري معلق الإندبندنت، ولكني أتحدث فقط عن قيم المهنة الأساسية وأخلاقياتها التي يفترض أنها تضع الولاء للقارئ في المقام الأول،

وأسأل: لو أن الصحفيين المصريين والعرب راجعوا أنفسهم بشجاعة وقرروا الاعتراف بإخلالهم بقيم المهنة وقواعدها،
ثم قرر هؤلاء العكوف على تعلم أصول المهنة من جديد، كم واحدا سيستمر في موقعه، وكم صحيفة ستغلق أبوابها؟

 لأنني أعرف النتيجة ولا أريد أن أحرج أحدا، فإني أسحب السؤال،
واكتفي باعتبار ما كتبه يوهان هاري مادة مرشحة للنشر في زاوية:
صدق أو لا تصدق.
.....................

1 التعليقات:

norahaty يقول...

لا إدرى أن كان
تعليقى قد وصل
ام لا ؟

Delete this element to display blogger navbar