Subscribe:

Ads 468x60px

22 أكتوبر، 2011

انتهى زمن الأغلبية الصامتة


صحيفة الشرق القطريه السبت 24 ذو القعدة 1432 – 22 أكتوبر 2011
انتهى زمن الأغلبية الصامتة – فهمي هويدي

في زماننا أصبح بمقدور كل أحد أن يسجل موقفه ويعلن رأيه ويحمله إلى المجتمع بأسره، بل وأن يوصله بغير عناء إلى أنحاء الكرة الأرضية.

وما عليه إذا رغب في ذلك إلا أن يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي، ممثلة في فيس بوك وتويتر. وأخرى مثل يوتيوب. وهى النقلة الكبيرة التي أزالت الحواجز بين الفرد ومحيطه والفرد وعالمه. ومكنت أي صاحب رأي أو قضية ليس فقط من أن يرفع صوته عاليا، وإنما أيضا أن يعبئ الآخرين لصالح الموقف الذي يتبناه والقضية التي يدافع عنها.
وهو ما رأيناه في صفحة كلنا خالد سعيد التي كانت إحدى الشرارات التي أطلقت الثورة المصرية، وما رأيناه في اليمن وتونس وسوريا.

والنموذج في الأخيرة أشد وضوحا، ذلك أن النظام السوري يمتلك تقليديا أجهزة أمنية جبارة أحكمت سيطرته على البلد طوال أكثر من أربعين عاما، وحين ارتكب مذبحة حماة في سنة 1982، التي قتل فيها أكثر من 25 ألف نسمة، فإن النظام استطاع أن يحتوي العملية ويتكتم على تفاصيلها، خصوصا أن التقنيات المتوافرة آنذاك لم تمكن المجتمع من توثيق وقائع المذبحة.

هذه المرة اختلف الأمر مائة في المائة. أعني أن تفاصيل الانتفاضة التي تشهدها المحافظات السورية منذ سبعة أشهر أصبحت تنقل تفاصيلها بالصوت والصورة ساعة بساعة إلى العالم الخارجي.

لقد لجأ النظام إلى الأساليب القديمة التي تتمثل في حشد أكبر عدد من المتظاهرين المؤيدين للنظام وإظهارهم على شاشات التلفزيون، ولكن مواقع التواصل الاجتماعي كانت تمحو أثر تلك التظاهرات على الفور، حيث رأينا على اليوتيوب والفضائيات شبيحة الأجهزة وهم يطلقون الرصاص ويفترسون المتظاهرين في المحافظات الأخرى. خلال ثوانٍ معدودة، فضح الناس اللعبة وكشفوا الحقيقة أمام العالم الخارجي.

في السابق لم يكن بمقدور المواطن العادي أن يخاطب المجتمع مباشرة. ومن كان يفعل ذلك في الطرقات أو وسائل المواصلات، فإنه كان يقابل بالسخرية وأحيانا يتهم بالبلاهة والجنون.

ولسنوات طويلة ظلت مخاطبة الرأي العام تتم من خلال النخبة وحدها، فضلا عن أن آراء الناس العاديين كانت تمر بمصفاة في مختلف وسائل الاتصال.
ولكي يخاطب المرء الرأي العام كان عليه أن يحفر لنفسه مكانة متميزة بأظافره وأسنانه. وهى العملية التي كانت تستغرق سنوات عدة.

ذلك كله اختلف الآن وانقلب رأسا على عقب. حتى بدا وكأن تلك المرحلة انتمت إلى زمن سحيق لم يعد له وجود إلا في ذكريات العجائز، الأمر الذي محا من سجل الواقع فكرة ومصطلح الأغلبية الصامتة. إذ لم تعد توجد في الدولة الحديثة فئة من الناس ينطبق عليها ذلك الوصف، صحيح أن ذلك مرهون بتوافر إمكانات التواصل من خلال الإنترنت، إلا أن تلك الإمكانات تزحف بسرعة هائلة على كل المجتمعات بلا استثناء.

إذ لم يعد الأمر يتطلب اقتناء جهاز كمبيوتر، وإنما انتشرت كالفطر المقاهي التي تسمح باستخدام تلك الأجهزة، فضلا عن أن ثمة توسعا مستمرا في إمداد المدارس بها. علما بأن الهند صنعت جهاز كمبيوتر بتكلفة ٣٠ دولارا. سيطرح في الأسواق بستين دولارا. وإذا دخلت الصين ذلك المجال فإن هذه الأجهزة ستنافس الهواتف النقالة في الانتشار.

الآثار التي ترتبت على ذلك الانقلاب محل رصد ودراسة من جانب أهل الاختصاص، فيما خص السلوك الشخصي والعلاقات الأسرية والاجتماعية ولغة التخاطب والتجارة غير المشروعة وغير ذلك ويظل لمواقع التواصل الاجتماعي دورها الذي لا ينكر في تعبئة الجماهير وحشدها.

كما أنها صارت تقوم بدور مهم في حملات الترهيب الفكري والاغتيال المعنوي بحيث أصبح بمقدور أي شخص أو عدد محدود من الناس أن يمارسوا ذلك الترهيب أو الاغتيال بحق غيرهم من المخالفين.

ذلك أن الناس لم يعودوا فقط يعرفون أكثر، لكنهم أيضا أصبحوا يتكلمون أكثر وأكثر في كل شيء.
بالتالي فلم نعد نعاني صمت الأغلبية، ولكننا أصبحنا نشكو من كثرة الأصوات وارتفاعها. وأصبح التحدي الكبير الذي نواجهه هو كيف يمكن أن نحول تلك الأصوات من مصدر للطنين والضجيج إلى قوة حية وبناءة في المجتمع.
............................

1 التعليقات:

ahlam يقول...

من يظل صامتا في هذا الزمن هو من لايرى لنفسه مساحة ولاوزن

Delete this element to display blogger navbar