Subscribe:

Ads 468x60px

19 أكتوبر، 2011

هديتنا للثورة المضادة


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 21 ذو القعدة 1432 – 19 أكتوبر 2011
هديتنا للثورة المضادة – فهمي هويدي

يوما بعد يوم نكتشف أننا نتعرض لحملة تشويش وبلبلة قد نفهم مقاصدها لكن الله وحده أعلم ببواعثها.

آية ذلك مثلا أننا عشنا طوال الأسبوعين الأخيرين فصول قصة هدم كنيسة الماريناب بمحافظة أسوان التي كانت ذريعة لمظاهرة الأحد الدامي (9/10) وانتهت بفاجعة قتل 25 شخصا وأصابت أكثر من مائتين.

وبعد كل ذلك تبين أن الكنيسة لم تهدم، وأن بعض الشباب هدموا قبة لها تجاوزت الارتفاع القانوني المقرر كما ذكرت صحيفتا أخبار اليوم والوفد. وهو ما أشرت إليه في سياق التدليل على أن الانفعال ذهب بالناس بعيدا في إساءة الظن، إلا أنه تبين لاحقا أننا كنا ضحية معلومات مغلوطة، وأن ثمة تلاعبا في تراخيص البناء، حيث لم تكن هناك كنيسة أصلا في المكان.

هذا الذي تكشف أخيرا لم يكن «كلام جرايد»، ولكنها معلومات وردت في بيان نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بأسوان المستشار حسين عبده، نشرته صحف الاثنين 19/10.

خلاصة البيان أو أهم نقطة فيه أن كاهنا بكنيسة إدفو، اسمه مكاريوس بولس مجلع، تقدم بطلب إلى الوحدة المحلية لمجلس مدينة إدفو لإجراء المعاينة اللازمة لترميم كنيسة رئيس الملائكة الجليل ميخائيل بقرية «خور الزق» التابعة لمدينة الرديسية التي تقع شرق النيل على مسافة 35 كيلومترا من مدينة إدفو.

وقد قامت الإدارة الهندسية بالوحدة المحلية بعمل المعاينة اللازمة واستجابت لطلبه حيث قررت هدم الكنيسة بالكامل وإجراء إحلال كلي لها، لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئا. ذلك أن التراخيص والموافقات الصادرة لإحلال مبنى كنيسة «خور الزق» في شرق النيل استخدمت لإنشاء كنيسة أخرى في الماريناب التي تقع غرب النيل، على أنقاض منزل قديم يملكه مواطن اسمه معوض يوسف معوض.

وتبين أن هذا التحايل في استخدام التراخيص تم بواسطة بعض الموظفين العاملين بالوحدة المحلية في مركز إدفو، وقد صدرت إيصالات تركيب عداد الكهرباء والمياه باسم الشخص مالك العقار المسجل في مستندات الجمعية الزراعية كمسكن وليس مضيفة أو دار عبادة.

بقية القصة معروفة، وهي أن شكاوى قدمت بخصوص الموضوع إلى محافظ أسوان الذي أحال الأمر للنيابة العامة للتحقيق، وخلاله تكشفت تفاصيل التلاعب في التراخيص والمستندات، فصدر قرار إزالة ما كان مخالفا للقانون. وأحدث هذا القرار أصداءه التي استخدمت في تفجير الغضب أمام ماسبيرو مما أدى إلى وقوع الكارثة.

يحتمل الأمر تساؤلا من قبيل:
لماذا اضطر كاهن كنيسة إدفو إلى التلاعب بالمستندات والالتفاف على القانون لإقامة كنيسة في الماريناب؟
وهل كان سيستجاب للرجل إذا اتبع الطريق القانوني في مطلب إقامة كنيسة لسكان القرية من الأقباط (40 أسرة قبطية وسط 50 ألف مسلم)؟
 وإذا كان مقتضى القانون أن يصدر قرار بإزالة المخالفة، فهل كان يمكن أن يعامل الأمر بأسلوب آخر يضع في الاعتبار حساسية المرحلة ودقة الموقف السياسي؟
وهل يقبل أن يقوم الأهالي من جانبهم بإزالة المخالفة؟

هذه كلها أسئلة مشروعة، لكنها ينبغي ألا تغيب حقيقة أن التلاعب في الأوراق والتصاريح هو الذي جر جميع التداعيات اللاحقة خصوصا المسيرة التي لا تزال ظروف إطلاقها محاطة بغموض محير، لا نستبين منه إلا أمرين:
 الأول أن ما جرى في القاهرة كانت أسبابه في العاصمة وليس في الماريناب،
 الثاني أن الأمر لم يخل من عمد وترتيب لا نستطيع أن نفترض البراءة فيه، بدليل ما آلت إليه الأمور بعد ذلك.

بالمثل فإننا لا نستطيع أن نفترض البراءة في الترويج لخبر وصورة إلقاء أربع جثث لضحايا مظاهرة ماسبيرو في النيل.
وهو الخبر الذي روعنا وأفزعتنا الصورة التي نشرت معه. ثم تبين أنه خبر مكذوب ومدسوس. حين كشف أحد المدونين أن الصورة نشرت قبل ثلاث سنوات في صحيفة «الرياض» السعودية لشخص غرق في أحد الوديان التي غمرتها المياه بالمملكة. وكان موقعا أطلقه بعض المتعصبين قد نشر الخبر والصورة. إسهاما منهم في تأجيج المشاعر الغاضبة جراء ما جرى في ماسبيرو، كأن مقتل 25 شخصا لم يكن فيه الكفاية. والتقطت الصورة إحدى صحف الإثارة فأبرزتها، الأمر الذي أدى إلى إشاعة الخبر ونقل الصورة في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي.

اللافت للنظر أنه بعد انفضاح أمر الكذبة فإن الموقع المذكور سحب الخبر والصورة، أما الصحيفة فقد تجاهلت الفضيحة والتزمت الصمت، ولم تكلف خاطرها أن تعتذر للقارئ عن الورطة التي وقعت فيها.

إن الهرج الذي يسود الساحة المصرية والتوتر المخيم على مختلف الأطراف، إذا انضافت إليهما السموم التي يبثها المتعصبون، ذلك كله يمكن أن يشكل «خلطة» تفسد أجواء الربيع الذي بشرتنا الثورة به، وهي أكبر هدية يقدمها الأبالسة الذين يحركون تلك الأحداث إلى أركان الثورة المضادة.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar