Subscribe:

Ads 468x60px

09 أكتوبر، 2011

استقيموا يرحمكم الله

صحيفة السبيل الاردنيه الاحد 11 ذوالقعدة 1432 - 9 أكتوبر 2011
استقيموا يرحمكم الله – فهمي هويدي


في نفسي شيء من الدور الذي تقوم به الجماعات الإسلامية في الساحة السياسية المصرية الآن، أخص بالذكر منهم السلفيين والمتصوفة.

وقد أفهم حماسهم واندفاعهم لإثبات الحضور في تلك الساحة بعد تغييبهم وإقصائهم وإهانتهم عدة عقود.
إلا أنني أفرق بين إثبات الحضور في الساحة السياسية كقوة تصويتية مقدرة. وبين انخراطهم في العمل السياسي وخوضهم غمار اللعبة بتعقيداتها المختلفة وقواعدها المغايرة.

يرد إلى ذهني في هذه التفرقة نموذج حركة «النور» في تركيا التي برزت في خمسينيات القرن الماضي وأسسها رجل له جذوره الصوفية (النقشبندية) هو بديع الزمان النورسي (توفي سنة 1960) وأصبحت الآن من أهم القوى التصويتية هناك، لكن لم يعرف عنها أنها شكلت حزبا سياسيا أو قدمت مرشحين لأي انتخابات، ولكنها منذ إنشائها شغلت بمسألة التربية والتعليم. حتى إنها بعدما انتشرت في تركيا اتجهت لإنشاء مدارسها في الخارج، من أمريكا إلى وسط آسيا مرورا باليمن ونيجيريا. ولها الآن أكثر من ألف مدرسة نموذجية في مختلف أنحاء العالم،

هم لم يشتغلوا بالسياسة التركية لكنهم انشغلوا بها فقط من زاوية واحدة، هي أنهم كانوا يختارون الأصلح في كل مرة ويصوتون لصالحه.
بالتالي فإن دورهم ظل إيجابيا في الساحة السياسية، إلى جانب أن نجاحهم الأكبر والأهم كان في مجال التعليم.

ملاحظاتي على أنشطة الجماعات الإسلامية في مصر أوجزها في ثلاث نقاط هي:

-
اندفاعهم باتجاه تشكيل الأحزاب السياسية، وانصرافهم عن العمل الاجتماعي والنشاط الأهلي الذي يصب بصورة مباشرة في خدمة الناس،
وإذ يفترض أن تلك الجماعات منسوبة إلى رسالة الإسلام الذي هو رحمة للعالمين، فليس مفهوما أن تترك كل أبواب الرحمة لتحشر نفسها وتصرف طاقاتها في التشكيلات الحزبية والانتخابات النيابية والرئاسية والتحالفات التي تفرضها متطلبات التنافس السياسي كل حين.

في هذا الصدد فإنني أعتبر الجمعية الشرعية التي تأسست في مصر عام 1912 نموذجا للفكرة التي أدعو إليها.
ذلك أنها منذ تأسيسها اختارت أن توجه طاقاتها إلى الدعوة الدينية والأعمال الخيرية ثم انتقلت خلال الخمسين سنة الأخيرة إلى مجالات خدمة المجتمع، فأقامت المراكز الطبية المتخصصة التي منها 650 حضانة للأطفال المبتسرين غير مستشفى كبير لعلاج الحروق والأورام.

كما أقامت 360 محطة لتنقية مياه الشرب، وأنشأت 24 مخبزا في أنحاء الجمهورية يوزع كل واحد منها 6 آلاف رغيف مجانا كل يوم. ولديهم إضافة إلى ذلك مشروع كبير لتنمية الثروة الحيوانية خصوصا في القرى الفقيرة.

إن مجالات التعليم ومحو الأمية والصحة والنظافة العامة والنشاط التعاوني والنهوض بالحرف والتدريب المهني ورعاية الأحداث والمشردين وغير ذلك من الأمور التي تهم الناس أهملت من جانب أغلب الجماعات الإسلامية، في الوقت الذي لم تستطع أن تنهض بها الحكومة على النحو المطلوب. ثم تركت للمنظمات الأجنبية لكى ترتع فيها كيفما شاءت.

-
النقطة الثانية ان الجماعات السلفية والمتصوفة تحديدا حينما تنصرف إلى العمل السياسي فإنها تخوض غمار تجربة لا قبل لها بها، وليست مؤهلة للانخراط فيها.
فهؤلاء دعاة وليسوا أهل سياسة. والفرق بين الاثنين كبير.
فأغلب الدعاة تتعلق أعينهم بالنص أما أهل السياسة فهم مهجوسون بالواقع.
والأولون مشغولون بالمطلق، والآخرون مهمومون بما هو نسبي
والدعاة أيديهم في المياه الباردة كما يقال، ويتعاملون مع الأبيض والأسود.
أما أهل السياسة فأيديهم في المياه المغلية، ومطلوب منهم دائما أن يفاضلوا بين درجات المنطقة الرمادية.

لا يعيب المرء أن يكون داعية بطبيعة الحال، لكن يعيبه أن يكون كذلك ثم يقرر أن يلقي بنفسه في خضم السياسة، لأنه في هذه الحالة يترك ما يجيده لكي يتخبط فيما لا يجيده.
أدري أن الأصوليين يشترطون في المجتهد أن يكون عارفا بزمانه ومدركا لحقائق الواقع المحيط به، لكن من قال إن كل الدعاة سلفيين منهم أو متصوفة مجتهدون.

أقرأ في الصحف وأسمعهم على شاشات التليفزيون يتكلمون بمنتهى الحماس عن تمكين الله وتحكيم شريعته. وهو ما لا يختلف عليه أحد من المؤمنين وإلا أنكر معلوما من الدين بالضرورة،

وإذ يقول الداعية هذا الكلام فإن السياسي المؤمن يحاول الإجابة عن أسئلة الموضوع كيف ومتى ومن وما هي الأولويات التي عليه أن يلتزم بها والأمور التي يتدرج فيها، والموازنات التي يعقدها، والضرورات التي قد تبيح المحظورات فتجعلنا نقبل مؤقتا بمنكر أصغر تجنبا لوقوع منكر أكبر.. إلى غير ذلك من التفاصيل التي تستغرق السياسي، في حين لا ينشغل بها الداعية عادة.

-
النقطة الثالثة التي تجعلني أقلق من دخول الدعاة إلى معترك السياسة أن خطابهم يخوف الناس المتعلمين على الأقل وينفرهم ليس فقط من جماعاتهم، وإنما من مجمل التيار الإسلامي.
من ثم فالضرر فيه يكون أكبر من النفع.

وإذا أضفت إلى ذلك أننا بصدد إعلام متصيد ومتربص، لا يكاد يلتقط هفوة أو رأيا ملتبسا حتى ينفخ فيه ويحوله إلى كارثة وطنية وقومية تتحدث بها الركبان وتتردد أصداؤها المفزوعة من كل ما هو إسلامي في أعمدة الصحف والبرامج التليفزيونية الحوارية.

أعرف أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا، كما أن المتصوفة بأسهم بينهم شديد، كما أعرف أن التعميم قد يظلمهم بقدر الظلم الذي يقع على بقية المسلمين حين تعمم عليهم مواقف الأولين،
لكننا قد نتجنب كل تلك المحاذير إذا استقام كل على طريقته ولم يقحم نفسه على طرائق غيره.
....................

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

السلام عليكم

ليست السياسة بطريق يبتعد عن السلفية او الاسلام بشكل عام وانما هي فرع من فروعه اقامه صلوات الله عليه وسلامه بجانب كافة طرق الاسلام التي اقامها في ان واحد .. فالاسلام في حدوده يقيم لنا الدين والدنيا والدولة ايا كانت

AbdulLibya يقول...

مع إني أًصنف نفسي من سلفيي العقيدة، ولكنني ضد إستخدام السلفية "لفظاً ورجالاً" في معامع السياسة التي لو فشل فيها المرء لأنعكس فشله على من يمثله وهنا نكون قد خسرنا جهود السلفيين "الحقيقيين" الدعوية والفقهية. بهذا إستقيموا يرحمكم الله

Delete this element to display blogger navbar