Subscribe:

Ads 468x60px

03 أكتوبر، 2011

مجرمون وقتلة

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 5 ذوالقعدة 1432 – 3 أكتوبر 2011
مجرمون وقتلة – فهمي هويدي

حين يختفي أحد رموز التطرف والإرهاب من الوجود فذلك خبر سار لا ريب لكن الأمر سوف يختلف حين ندرك أن الحكومة الأمريكية هي التي صنفت صاحبنا إرهابيا وقررت إعدامه دون محاكمة، فتعقبته في بلده إلى أن قتلته في نهاية المطاف.

ثم إنها وهي تستهدفه لكي تجهز عليه قتلت معه ستة آخرين. وهو ما يطرح على الضمير الإنساني السؤال التالي:
هل تعد هذه عدالة دولية، أم إجراما وإرهاب دولة؟
والسؤال يستدعي آخر هو:
ماذا لو لجأت كل دولة أو جماعة إلى تصفية كل من اقتنعت بأنه يستحق القتل، أيضا دون تحقيق أو محاكمة من أي نوع، فيفعلها الفلسطينيون مع قاتليهم الإسرائيليين، والجزائريون مع الفرنسيين والهنود مع الإنجليز، والعراقيون والأفغان وقبلهم الفيتناميون مع الأمريكيين، وكل مقهور آخر مع من قهره وحاول تدمير حياته ومستقبله.

في أخبار الجمعة 29/9 أن الزعيم الروحي لتنظيم القاعدة في اليمن ومؤسس قاعدة الجهاد في جزيرة العرب أنور صالح العولقي (40 سنة متزوج ولديه خمسة أبناء) قتلته طائرة تجسس أمريكية بدون طيار، ومعه ستة من رفاقه، في منطقة صحراوية باليمن، بين محافظتي مأرب والجوف،

وكانت الاستخبارات اليمنية قد زودت الأمريكيين بمعلومات دقيقة عن مكان وجود العولقي وتحركاته في الجوف، حصلت عليها من أحد معتقلي القاعدة.

وكان العولقي، اليمني الأصل والأمريكي الجنسية الذي درس الهندسة المدنية في جامعة كولورادو قد نجا من ثلاث محاولات سابقة لقتله.

وليس ثابتا بحق العولقي الضلوع في أي عمل إرهابي، لكن عرف عنه أنه ولد في الولايات المتحدة وعاش فيها طوال 21 عاما، ثم أصبح خطيبا مفوها ومبلغا متميزا يتمتع بروح فكاهية جذبت إليه كثيرين، الأمر الذي أسهم في انتشار أحاديثه الدينية وشروحه في بيوت آلاف المسلمين الأمريكيين،

وقد ظل الرجل يعتبر نفسه وأمثاله جسرا للتواصل بين الأمريكيين ومليار مسلم. لكن أفكاره تغيرت وانقلبت رأسا على عقب بعدما هاجمت الولايات المتحدة المسلمين في أفغانستان والعراق بوجه أخص. فأعلن أن الولايات المتحدة كلها أصبحت دولة للشر. واعتبر أن «الجهاد» ضدها صار واجبا شرعيا بعدما اجتاحت بلاد المسلمين وانتهكت حرماتهم
(قال إن الجهاد أصبح كفطيرة التفاح الأمريكية وشاي الساعة الخامسة عند الإنجليز).

كان العولقي ممن دعوا إلى الذهاب إلى البيت الأبيض عقب أحداث سبتمبر باعتباره أحد قادة الجالية المسلمة، ولكنه أصبح خطرا على الأمن العام بعدما تحول إلى مهاجمة الولايات المتحدة وتحريض الشباب المسلم على «الجهاد» ضدها، الأمر الذي انتهى بهروبه إلى اليمن في عام 2007،

في حين انتشرت أحاديثه وبياناته على شبكة الإنترنت، وذاع صيتها حتى اعتبرته الولايات المتحدة «أكثر الإرهابيين خطورة».

 وظل طول الوقت في حماية قبيلة «العوالق» في «شبوة»، التي رفضت تسليمه إلى السلطات اليمنية للتحقيق معه، إلى أن اكتشف مكانه وتم قتله ومعه رفاقه الستة.

يتحدث البعض عن مغزى التزامن بين عودة الرئيس علي عبدالله صالح إلى صنعاء وبين ترتيب أمر قتل العولقي، ويرى هؤلاء أن أجهزة الرئيس اليمني أرادت بتسريب المعلومات الخاصة بمكان الرجل أن تبلغ الأمريكان أن استمرار الرئيس في منصبه مفيد لهم، وأنه القادر على إحباط مخططات تنظيم القاعدة والقضاء على كوادرها.

ليس عندي أي دفاع عن آراء الرجل ومواقفه. ولدي اعتراضات قوية على ثلاثة أرباع كلامه على الأقل. لكنني لا أتردد في القول بأن قتله مع رفاقه الستة بهذه الطريقة هو جريمة بشعة. تعبر عن استمراء للعربدة والاستهتار بالقوانين وبالحياة الإنسانية. إذ لو تم إعدامهم بناء على حكم قضائي أدانهم لربما قلت إنهم نالوا جزاءهم الذي يستحقونه.

لقد أباد الأمريكيون منذ القرن السابع عشر 400 شعب وقبيلة من الهنود الحمر لكي يقيموا دولتهم الكبرى فوق جثثهم وجماجمهم.

وتذكر المراجع أن الحجاج الإنجليز الذين رحلوا إلى الأرض الموعودة آنذاك أطلقوا على مستعمراتهم اسم «إسرائيل»، التي بدورها قامت فوق جثث وجماجم الشعب الفلسطيني، ولا تزال إلى الآن سائرة على درب العربدة المجلل بالدم.

لا تكمن المشكلة فقط في أن غرور القوة يدفعهم إلى إهدار كل القيم التي تقف في طريق رغباتهم، حتى ما تعلق منها باحترام حق الإنسان في الحياة، لكنها تكمن أيضا فيما نستشعره نحن من ضعف وهوان يمنعاننا من أن نشير إليهم بأوصافهم الحقيقية، ونعلن على الملأ بأنهم مجرمون وقتلة.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar