Subscribe:

Ads 468x60px

07 سبتمبر، 2011

في الاحتشام والشجاعة المجانية

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 9 شوال 1432 – 7 سبتمبر 2011
في الاحتشام والشجاعة المجانية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/09/blog-post_07.html

أدعو إلى بعض الاحتشام والمروءة في إدارة الخلاف والخصام.
وأعترض على نشر صورة الرئيس السابق في إحدى الصحف وقد غطى نصفها حذاء لأحد الغاضبين.

أفهم أن يقدم على ذلك شخص منفعل، ربما قتل له ابن أو شقيق برصاص رجاله، لكني لا أفهم أن تتصدر الصفحة الأولى لإحدى الصحف كما حدث أمس (الثلاثاء 6/9)،
وأرجو ألا أكون مضطرا للتذكير بأنه ليس لدي أي تعاطف مع مبارك الرئيس، كما أنه لم يكن لي أي تعامل معه، كما يعرف الجميع.
أدري أن نظام مبارك لم يبق لأحد على كرامة، وأنه انتهك كل حرمات مخالفيه، حرياتهم وأموالهم وأعراضهم.
وما أصابني من النظام يظل قليلا إذا ما قارنته بما أصاب آخرين، الذين أعرف أن بعضهم فقد عقله وفقد حياته ودمرت أسرته.

ولا أريد أن أزيد، خصوصا أن إعلامنا لم يكف عن هجائه وفضح نظامه والتشهير بشخصه وأسرته، وكان المصفقون له والمتعلقون بأذيال نظامه في مقدمة الهجائين والشامتين،
ولو أننا راجعنا كتابات البعض خلال سنوات حكمه بما كتبوه بعد سقوطه، فسوف تسود وجوه كثيرة وتصدم الرأي العام المصاب بضعف الذاكرة.
مع ذلك فإن كرامة مبارك الإنسان، وكرامة أي آخر، مسؤولا كان أم غير مسؤول ينبغي أن تظل محل احترام، ليس فقط لأن لكل إنسان حقه في الكرامة، ولكن أيضا لأن لدينا مجتمعا نريد أن نشيع فيه قيما إيجابية كثيرة غيبتها سنوات الاستبداد التي دأبت على استباحة كرامات المخالفين والمعارضين، سواء من خلال القمع الأمني أم التشهير الإعلامي، الذي تفننت منابره في أساليب الاغتيال الأدبي والمعنوي.
على هامش هذه النقطة أقول إن الشجاعة حين تمارس بالمجان بعد سقوط النظام فإنها لا تحسب فضيلة بأي حال، وقد تكون قرينة على الجبن والانتهازية.
ولكن اختبارها الحقيقي يكون حين تتبدى أثناء وجود النظام وفي ظل جبروته، وهو ما فعله نفر قليل من أصحاب الأقلام الذين نجحوا بجدارة في ذلك الاختبار ودفعوا ثمن موقفهم بصورة أو أخرى.
على صعيد آخر، فإنني أستغرب الغمز الذي عبرت عنه بعض الكتابات والرسوم في سياق التعليق على خبر تطوع بعض المحامين الكويتيين للدفاع عن مبارك.
حيث لا أجد مبررا لا للتنديد أو السخرية أو التلويح بأية إشارات غير مهذبة جراء ذلك، خصوصا أن الذين قدموا لا يمثلون الحكومة الكويتية ولا هم الشعب الكويتي، ولكنهم مجموعة من المحامين الذين توافقوا على موقف معين ظنوه مروءة وشهامة، وقدموا إلى القاهرة لكي يعبروا عنه.
تماما كما فعل البعض في مصر ممن يوصفون بأنهم أبناء مبارك، علما بأنني أشك كثيرا في أن يوجه ذلك الغمز والتوبيخ للمحامين لو أنهم كانوا أوروبيين أو أمريكيين.
لست في مقام الدفاع عن مهمة المحامين الكويتيين أو انتقادها، لأنني أتحدث عن قضية أخرى تتمثل في أهمية احترام الموقف المخالف، والالتزام بضوابط الاحتشام والمروءة في التعامل معه، خصوصا إذا كان الطرف الآخر غير ممكن من الدفاع عن نفسه ورد ما يكال له من اتهامات وما ينسب إليه من تصرفات.
وفي أكثر من مقام آخر قلت إن المروءة لا تختبر حين تتوافق مع من تحب، لكنها تختبر حقا حين يدب الخلاف بينك وبين من تكره.
لا أريد أن أعطي درسا في الأخلاق، لكنني لا أخفي ضيقا بالتدهور المستمر في قيم إدارة الخلاف، وعلى رأسها احترام الآخر والاحتشام في التعامل معه،
وكنت قد أشرت إلى هذا المعنى قبل أيام قليلة حين تحدثت عن الخلافات بين الجماعات السياسية في مصر، خصوصا الليبرالية والعلمانية من ناحية، والإسلامية من ناحية ثانية.
ثمة حديث نبوي يتحدث عن صفات المنافق التي منها أنه إذا «خاصم فجر»، وهو حديث كثيرا ما أستحضره كلما صادفت موقفا تتجاوز فيه منابرنا الإعلامية حدود الاحتشام والمروءة مع المخالفين وتذهب بعيدا في إهدار كراماتهم والحط من شأنهم،

وأستحي أن أقول إن بعض حملات التشهير الإعلامى التي كانت تتم لم تكن فقط تطوعا من جانب الإعلاميين، وإنما كانت تتم أيضا بتعليمات من جانب القيادة السياسية.

وفي الجعبة ما لا حصر له من القصص والنماذج التي تشهد بذلك، وحين طال العهد بمثل هذه الممارسات فإن جيلا من الإعلاميين أصبح يمارس تلك الاستباحة باعتبارها سلوكا عاديا، تماما كما فعل ضباط الشرطة الذين تربوا في ظل الطوارئ وأصبحوا مقتنعين بأنهم فوق المجتمع وفوق القانون.

وذلك كله يحتاج إلى مراجعة الآن، لأننا لا نستطيع أن نطمئن إلى استقامة مسيرة الثورة إذا ظلت تتكئ على قيم النظام القديم، إذ أزعم أنها بدورها من «الفلول» التى يجب أن نتصدى لها بكل حزم.
......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar