Subscribe:

Ads 468x60px

25 يوليو، 2011

الدرس الأول


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 24 شعبان 1432 – 25 يوليو 2011
الدرس الأول – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_25.html

قرر أربعة شباب في بلجيكا أن يفضحوا صحف بلادهم ويجعلوها موضوعا للسخرية والتندر. فكرتهم انطلقت من السؤال التالي:
هل يمكن أن تنشر الصحف أخبارا غير موثوقة؟

لكي يجيبوا عن السؤال فإنهم قرروا أن يختبروا العملية بأنفسهم.
ولأنهم يعملون لمصلحة شركة الإنتاج البلجيكية المعروفة «سمكة الصحراء»، فقد قرروا إنشاء شركة بحوث وهمية سموها «داتا درفن» (المعطيات الدافعة). واختلقوا موظفا وهميا مهمته محصورة في إرسال أخبار الشركة من بريد إلكتروني باسمه.

وبعد أن أعدوا عدتهم وحملوا كاميراتهم ليوثقوا كل خطوة يخطونها، فإنهم أعدوا خبرا مختلقا حول الانتخابات التي كانت تجري في بلجيكا.
واختاروا لذلك زاوية تضمن له الإثارة والرواج.

قال الخبر إن الشركة راقبت 50 مقرا انتخابيا، وخلصت إلى أن الناخبين قضوا هذه المرة في غرفة الاقتراع ضعفي الوقت الذي يقضونه عادة.
وأن الرقم القياسي للوقت الذي قضاه الناخبون في غرف الاقتراع كان لسيدة عجوز قضت أكثر من 14 دقيقة هناك،

أرسلوا الخبر إلى كل وسائل الإعلام المعروفة. وكان عليهم الانتظار تسع ساعات فقط كي يروا النتيجة التي كانت مفاجأة، ذلك أن كل الصحف البلجيكية المهمة، الناطقة بالهولندية، نشرت الخبر، بما فيها الصحيفتان الكبيرتان «دي مورجن» و«ستاندارد».

لم يقم أي صحفي منها بتعقب المصدر، والتأكد منه، على رغم إلحاق رقم الهاتف وعنوان بريد إلكتروني بالخبر المرسل.

بارقة أمل وحيدة بانت حينما بعث صحفي واحد من جريدة «الأخبار الأخيرة» برسالة إلكترونية مستوضحا، لم يرد الشباب عبر الشخصية الوهمية. واكتفوا بالمراقبة. فما كان من الجريدة إلا أن نشرت الخبر على صفحتها الأولى، والأنكى أنها واكبت ذلك بنشر تحليل عن لماذا يستغرق الرجال وقتا أقل من النساء عند الاقتراع.
كل مراحل طبخ الخبر سجلت بالصوت والصورة. وإمعانا في السخرية. فإنهم كرروا المحاولة مع خبرين آخرين اختلقوهما،
أحدهما عن الارتباط بين الجنس ومن يقترعون للأحزاب،
والثاني عن دراسة وهمية لأطروحة دكتوراه تناولت قصة يتداولها البلجيكيون بفخر، تقول إن يوليوس قيصر قال عن البلجيكيين إنهم «الأكثر شجاعة» خلال حروبه في بلاد الغال (شمال أوروبا).
إذ اختلقوا طالب دكتوراه، ونقلوا على لسانه أنه بحث الأمر جيدا واكتشف أن قيصر قال إن «الفلمانيين» سكان إقليم فلاندر البلجيكي هم الأكثر شجاعة، وليس البلجيكيون كلهم.
المفاجأة أن الخبرين تصدرا عناوين الصحف، في حين أن الأمور أخذت أبعادا أخرى في خبر «الجنس والتصويت»، الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية «بيلجا» نقلا عن المصدر الوهمي، إذ أضاف محررو الوكالة أن من يصوتون للحزب الديمقراطي الليبرالي هم الأكثر ممارسة للجنس، والأكثر رضا في حياتهم الجنسية.

بعدما نقلت الجرائد الخبر علق رئيس الحزب المقصود أمام أنصاره «هذه الأيام نحن غارقون في الإحصاءات، لكن ما يهمنا هو إحصاء واحد يقول إن من يصوتون لليبراليين لديهم الحياة الجنسية الأفضل». إلا أن ممثل حزب منافس لم يعجبه ذلك، فتوسل السخرية، ووجد بديهيا أن «الليبراليين لديهم سعادة جنسية لأنهم يخونون زوجاتهم».
مغامرة الصحفيين الأربعة تحولت إلى مسلسل تليفزيوني، سجل كل مراحل اختلاق الأخبار والحوار الذي دار حول صياغتها والعبث بمضمونها، وصولا إلى صفحات الصحف التي شربت المقلب، وأبرزت الأخبار على صفحاتها الأولى، وهو ما هز الوسط الصحفي وصدم الرأي العام، بعدما أدرك الناس أن صحفهم المحترمة وقعت في الفخ ولم تتردد في نشر أخبار مكذوبة دون أن تحاول التأكد من صدقيتها.
في تقديم المسلسل اقتبس الشبان قاعدة ذهبية في المهنة سجلها في أحد كتبه نك ديفيس محرر جريدة «الجارديان» البريطانية تحدث فيها عن تحول اتجاهات التغطية الإخبارية المعاصرة وكيف صارت الخفة هي المعيار السائد في العمل الصحفي.

ومما قاله في هذا الصدد «أن العمل الأساسي للصحفي هو التأكد من المعلومات، ولكن غالبية الصحفيين لم يعودوا يفعلون ذلك لأنهم أخذوا منا الوقت. والوقت هو الآلة الأساسية لشغل الصحافة».
الصحف التي تورطت في الفضيحة التزمت الصمت. لكن أحد ممثلي الصحافة الفلمانية تصدى للرد قائلا:
إن ما فعله الشبان الأربعة «كان فظيعا» ويقلل من صدقية الصحفيين، مضيفا أننا لا نستطيع أن نطالب الصحفيين أن يتأكدوا من كل المصادر.

وأمام ذلك «السخط»، لم يفعل الشبان سوى أنهم أعادوا ترديد، ما قاله الصحفي ديفيس، ووجهوا كلامهم إلى ممثلى الصحف الفلمانية قائلين: «إن أولى مهماتك كصحفي هو التأكد من المصادر. وإن لم تفعل ذلك فأنت لست صحفيا». وهو تنبيه يهم كل المشتغلين فى المهنة.
إن شبابنا العاملين في الصحف المصرية والعربية أحوج ما يكونون إلى قراءته مرة واثنتين وثلاثة، باعتبار أن ذلك أحد مفاتيج النجاح في العمل التي ضاعت في زماننا. بعدما أصبح الصحفي مشتتا بين جريدته التي يعمل بها والصحف الخارجية التي يراسلها ووكالات الأنباء التي تشتري منه الأخبار وبرامج التليفزيون التي يشارك في إعدادها مستثمرا مصادره، فكسب مالا كثيرا وخسر مهنته.
إذ أصبحت «مهنة البحث عن المتاعب» مهنة أخرى تتحرى البحث عن «المصاري».
..................

2 التعليقات:

Moaaz Mady يقول...

راااااائع

م/محمود فوزى يقول...

معاذ
جزاكم الله خيرا
هذا هو المعتاد من الاستاذ فهمي هويدي
ربنا يكرمك ويوفقك

Delete this element to display blogger navbar