Subscribe:

Ads 468x60px

20 يوليو، 2011

رحيل رجل نبيل

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 19 شعبان 1432 – 20 يوليو 2011
رحيل رجل نبيل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_20.html

ليس سهلا أن تفقد رفيقا عاشرته طيلة أربعين عاما، فلم تر فيه إلا نبلا في الخلق واستقامة في السلوك وسعة في المعرفة وإخلاصا للمهنة ومحبة للجميع. وفي عالم الصحافة بوجه أخص، فقد كان صعبا ولا يزال أن يمضى شخص تلك المدة دون أن يتلوث أو يتلون. وقد كان زميلنا مصطفى نبيل الذي اختطفه الموت منا أمس الأول هو ذلك الشخص النادر الذي أبكى كل من عرفه، وأحدث غيابه فراغا في قلوب الذين احترموه وبادلوه الحب والتقدير.
كنا قد تواعدنا على أن نلتقي في المصيف، وأن نتبادل الكتب التي لم نتمكن من قراءتها وسط شواغل العمل الرتيب. وكان قد أعطاني مسودة كتاب أعده للنشر تضمن عرضا سياسيا وتاريخيا للسير الذاتية التي كتبها سبعة عشر مثقفا مصريا. واختار للكتاب عنوانا هو: الحرية والطغيان في سيرتهم الذاتية.
كنت قد فرغت من قراءة المسودة يوم السبت 16/7 وسجلت ملاحظاتي التي كنت سأناقشه فيها مساء السبت أو يوم الأحد. لم يرد على الهاتف يوم السبت، ولأنه مثلي ممن يستيقظون مبكرا، فقد اتصلت هاتفيا به صبيحة الأحد لكنه لم يرد. وتكرر الاتصال بعد ساعتين فلم أتلق ردا أيضا، لا الهاتف الأرضي أجاب ولا المحمول.

رجحت أن شيئا شغله في القاهرة، وقد فشلت محاولاتي في الاتصال حتى بعد ظهر الاثنين، حتى زوجته وصديقة الجميع «منى» لم تجب. حينئذ ساورني بعض القلق، فكلفت من يتحرى الأمر من محيط العائلة، وأخيرا أبلغت في التاسعة مساء بأنه تعرض لأزمة قلبية شديدة وأنه نقل إلى العناية المركزة في حالة خطرة. ولم يطل أجل عدم تصديقي لما سمعت حتى رن الهاتف المحمول في الحادية عشرة مساء لينعي آخر خبر في مسيرته.
كان أسبقنا وأقربنا إلى الأستاذ أحمد بهاء الدين الذي اكتشف ذكاءه ونقاءه وموهبته في وقت مبكر، فأخذه من وكالة أنباء الشرق الأوسط وضمه إلى دار الهلال، التي أصبح فيها أحد الصحفيين الخبراء في الشؤون العربية. كان ذلك في بداية الستينيات، وهى المرحلة التي لمع فيها اسم مصطفى نبيل وانتخب عضوا في مجلس نقابة الصحفيين. لكن لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي قررت فصله وحرمانه من عضوية النقابة هو وستة آخرين، لأنهم أيدوا التظاهرات التي خرجت احتجاجا وغضبا على هزيمة 67. وهو القرار الذي لم ينفذ في حينه لأن الأستاذ هيكل اعترض على فصل صحفيى الأهرام، فحذت بقية المؤسسات الصحفية حذوه.
في السبعينيات استدعاه الأستاذ بهاء لينضم إلى فريق العاملين في مجلة العربي الكويتية. وكنت قد سبقته إلى هناك بعدما غضب علىّ الرئيس السادات ومنعني من الكتابة في الأهرام ثم فصلني منه في وقت لاحق. وفي الكويت تزاملنا في العمل وتجاورنا في السكن، وكان لمصطفى نبيل وقتذاك إبداعاته الصحفية وإشراقاته الشخصية والإنسانية.

وحين عاد إلى القاهرة عين رئيسا لتحرير مجلة الهلال التي انطلق بها وأعادها إلى زمن مجدها حين كانت منبرا ثقافيا راقيا ورفيع المستوى. وخلال سنوات رئاسته للمجلة أصدر كتاب الهلال الذي قدم للقارئ المصري والعربي مجموعة من أهم الإصدارات الأدبية والسياسية.
حين أحيل مصطفى نبيل إلى التقاعد بعد بلوغه الخامسة والستين، وأصبح كاتبا حرا ومنتظما في المصور، صادف ما لم يخطر له على بال، حيث دفع ثمن نظافته ونزاهته وكبريائه، ذلك أنه لم يكن ذيلا لأحد، ولا بصاصا لأي جهة. وحين تولى أمر المجلة أحد البصاصين الذين ربَّتهم الأجهزة الأمنية وتعهدتهم بالرعاية حتى دفعتهم إلى الصدارة، فإن أول قرار أصدره صاحبنا هو أنه لا يستطيع التعاون مع مصطفى نبيل. فأبعد من المجلة لكنه ظل في إطار الدار ويكتب أحيانا في مجلة الهلال.
وأخيرا ـ بعد الثورة ـ جرت «غربلة» للعاملين في الدار فتقرر الاستغناء عن عدد من الناس كان مصطفى نبيل أحدهم، في حين تم الإبقاء على من هم أدنى منه قامة وأقل قيمة.
الأدهى من ذلك والأمر أن مصطفى نبيل في آخر عمره أقصي إلى الشارع في حين بقي ربيب الأجهزة الأمنية في موقع الصدارة يمارس التهليل للثورة بعدما ظل طيلة السنوات التي خلت يهلل لنظام مبارك وابنه. وبقي الأخير شاهدا على أن العملة الرديئة لا تطرد العملة الجيدة فحسب، لكنها تقتلها أيضا.
..................

5 التعليقات:

norahaty يقول...

رحم الله الفقيد
واسكنه فسبح جناته
وعوضنا عنه من يستكمل
مسيرته

اد أحمد سامي يقول...

يا أستاذ فهمي
كم بمصر من النبلاء. فهو ولا شك ليس النبيل الوحيد ولا الأخير. فكما ترحمنا علي مصر , فاليوم نترحم علي من لحقوا بها. فلقد التقي الفرع بالأصول.
إلا أنك يا مصر لكي جذور ضاربه في أصل التاريخ , ما تلبثي أن تعودي للنماء مره تلو المره , وكل مره بأرواح خير أجناد الأرض عاشقي ترابك و مبادئك الساميه يا أرض الكنانه

اد أحمد سامي يقول...

استاذ فهمي
لن يكون النبيل آخر النبلاء. فكما ترحمنا علي مصر, ها نحن نترحم علي من لحقوا بها. فلقد التقي الفرع بالأصول
الا أنك يا مصر لكي جذور ضاربه في عمق التاريخ روتها تللك الأرواح الذكيه .جذور سوف تعيد نماءك عاليه فتيه . فأنتي غاليه و سلعتك غاليه و خير أجناد الأرض فداكي فكذلك يحي الله الأرض بعد موتها

م/محمود فوزى يقول...

دكتوره نور
ربنا يرحمه ويرحمنا جميعا
ربنا يكرمك ويوفقك

م/محمود فوزى يقول...

اد أحمد سامي
بالفعل مصر مليئه بالنبلاء وستظل باذن الله
وهو ماكنت أؤكد عليه وقت نظام مبارك الذى كان يحاول ايهام الناس ان لايوجد في مصر سوى فاسدون وانه مهما حدث فسيحكمنا الفاسدون
ربنا يرحمنا
ربنا يكرمك ويوفقك

Delete this element to display blogger navbar