Subscribe:

Ads 468x60px

22 يناير، 2011

مناضلون بأثر رجعي

صحيفة الشرق القطريه السبت 18 صفر 1432 – 22 يناير 2011
مناضلون بأثر رجعي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_22.html


في الأسبوع الماضي بث التلفزيون التونسي تسجيلا لشيخ المدينة (عمدة العاصمة) حيا فيه ثورة الشعب التونسي العظيم التي نجحت في إزاحة الطاغية الأعظم ونقلت البلاد من ظلمات الاستبداد إلى نور الحرية،

وقبل ستة أسابيع فقط كان الرجل ذاته يتحدث في برنامج « قهوة تركية » الذي يبثه التلفزيون التركي الناطق بالعربية مشيدا بالقائد العظيم الذي انتشل تونس من ظلمة التخلف إلى نور الرقي والتقدم والنهوض،

لم يكن الرجل وحيدا في ذلك، ولكنه كان واحدا في طابور طويل من ،« المتحولين » الذين ظلوا طوال السنوات التي خلت يمجدون القائد العظيم ويتقدمون مواكب التهليل له، ثم صاروا يتقدمون الآن مواكب التهليل للثورة ويعبرون عن اعتزازهم بما أنجزه الشعب العظيم الذي أطاح بالطاغية الذي أذل البلاد والعباد،

قبل أشهر قليلة كان هؤلاء جميعا يتسابقون على تسجيل أسمائهم في قوائم المناشدات التي دعت إلى تعديل الدستور وإلغاء قيد السن لتمكين الرئيس بن على من ترشيح نفسه في انتخابات عام 2014 ، كي لا تغيب شمسه الوضاءة عن أرض تونس، ولكي لا يستشعر التونسيون اليتم بغيابه!

لقد قرأت تصريحات لبعض الفنانات والفنانين برروا فيها وضع أسمائهم ضمن المناشدين، قال أغلبهم فيها إن أسماءهم وضعت دون علمهم، وقال آخرون إنهم هددوا وأكرهوا على ذلك، واعترف آخرون بأن الخوف دفعهم إلى ذلك،

وأمثال هؤلاء جيش من الأدباء والشعراء والسياسيين والأكاديميين، وقد تحول هؤلاء الآن إلى مناضلين وطنيين فخورين بثورة الشعب وانتصاره على نظام القهر والفساد الذي ظل جاثما على كل الصدور لأكثر من عشرين عاما، جميعهم غسلوا أيديهم من التزلف للنظام السابق والتهليل له.

الحاصل في تونس رأيناه أيضا في أصداء الحدث في الإعلام العربي، ذلك أن النظام السابق أنشأ وزارة للاتصال الخارجي (ألغيت في الوزارة التي شكلت بعد سقوطه) كانت مهمتها إغواء الإعلاميين في الخارج ورشوتهم، عن طريق استضافتهم وإغراقهم بالكرم التونسي، لكي يشتركوا في حملة تمجيد النظام وتبييض صفحته،

ذلك إلى جانب نشر الإعلانات في الصحف العربية التي ما برحت تتحدث عن إنجازات عصر بن علي وفضائل نظامه، وأي قارئ للصحف العربية، خصوصا في مصر ولبنان، لابد أنه يذكر ما نشرته تلك الصحف من مقالات وإعلانات لم تقصر في عملية التهليل والتضليل.

لن أنسى في هذا الصدد أن اتحاد الصحفيين العرب عقد في العام الماضي دورة في تونس، التي حل فيها ضيفا على وزارة الاتصال الخارجي، وبعد انتهاء اجتماعاته التقى الرئيس بن على وفدا يمثل الاتحاد حيث قدم إليه هدية رمزية تقديرا لدوره في النهوض بالإعلام والدفاع عن الديمقراطية،

على الأقل فإن هذا ما ذكرته الصحف التونسية والعربية، التي نشرت صورة الرئيس وهو يستقبل الوفد، بعدما قامت وزارة الاتصال الخارجي بتوزيعها على كل من هب ودب ضمن سعيها إلى تسويق النظام وتجميل صورته،

وقتذاك (في 2 مايو 2010 ) كتبت تعليقا في هذا المكان كان عنوانه « ليس باسمنا » تحدثت فيه عن القمع الذي يمارسه نظام الرئيس بن على بحق التونسيين عامة والناشطين منهم بوجه أخص، كما أشرت إلى معاناة الصحفيين في عهده،

واعتبرت أن إهداء درع اتحاد الصحفيين العرب إليه بمثابة « فضيحة » ما كان لرئاسته أن تتورط فيها وخلصت إلى أن ذلك الدرع لا ينبغي له أن يقدم باسم الصحفيين العرب، ولكنه في أحسن فروضه يعبر عن موقف الذين قدموه دون غيرهم.

هذا التصرف من جانب رئاسة اتحاد الصحفيين العرب كان له وجهه الآخر، إذ جاء كاشفا عن أن التزلف إلى الحكام ليس مقصورا على تونس وحدها، ولكنه وباء يعم كل المجتمعات غير الديمقراطية، وللنخب حظها الوفير منه،

ذلك أن الأنظمة المستبدة التي لا تستند في شرعيتها إلى رضاء الناس وانتخابهم باتت ترتكز على فئتين هما العسكر والمثقفون.

الأولون يقمعون ويؤدبون، والآخرون يتسترون ويزينون ويضللون، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال.

والفرق بين الاثنين أن العسكر يؤمرون فيطيعون، أما المثقفون فجرمهم أكبر لأنهم في أغلب الأحوال متطوعون ومنافقون، ومن ثم فلا عذر لهم، وحسابهم ينبغي أن يكون أكثر عسرا من الآخرين.

لا تثريب على من ضموا إلى قوائم المهللين دون علمهم، أو الذين أكرهوا على ذلك ولم يستطيعوا للإكراه ردا،

ولست أطالب المثقفين جميعا بأن يصبحوا مناضلين، لكنني أطالبهم فقط بألا يصبحوا منافقين، ذلك أنه إذا كان من أوجب واجباتهم أن يتصدوا للاستبداد والفساد ويفضحوهما، فإنهم يخونون أماناتهم إذا تستروا عليهما أو سوغوهما،

والمعيار الذي أرجو أن يلتزم به الجميع هو أن المثقف إذا لم يستطع أن يكون صوتا للحق فلا ينبغي له أن يكون سوطا للباطل .
والله أعلم .
....................................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar