Subscribe:

Ads 468x60px

30 ديسمبر، 2010

متى تغضب مصر؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 24 المحرم 1432 – 30 ديسمبر 2010
متى تغضب مصر؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_30.html
لا أريد أن أصدق أن بنيامين نتنياهو سيزور مصر خلال الأيام القليلة المقبلة. صحيح أننى واحد ممن تمنوا ألا يشاهدوا صورته فى القاهرة فى أى وقت، هو وأمثاله من مجرمى الحرب الإسرائيليين، إلا أننى لم أتخيل أن نستقبله فى الظروف الراهنة بوجه أخص.

أعنى بعد أيام معدودة من الإعلان عن ضبط شبكة تجسس إسرائيلية فى مصر، اتهم فيها أحد المصريين، وفى الوقت الذى يصر فيه الرجل على تدمير المستقبل الفلسطينى بانطلاقه المجنون فى سياسة الاستيطان والتهويد، ضمن سعيه الحثيث لتصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب تنصله حتى من الاتفاقات التى وقعها سابقوه لتسوية القضية. ومن ثم فضح الفلسطينيين وأذل العرب أجمعين. إذ لم يعد اتفاق أوسلو يعنى له شيئا، كما أن «المبادرة العربية» عوملت بدرجة عالية من الاحتقار والازدراء.

هل بعد كل ذلك يستقبل الرجل فى مصر، ويمد كبار المسئولين فى الدولة أيديهم لمصافحته، ثم يجالسونه ويبتسمون فى وجهه ويتضاحكون معه على مائدة الطعام؟
ــ ذلك واحد من الأسئلة التى عنت لى حين صفعت عينى فى ذلك الصباح الأخبار التى ناقلتها الإذاعات ووكالات الأنباء حول زيارة للقاهرة يفترض أن يقوم بها مستشار الأمن القومى الإسرائيلى عوزى آراد يوم الأحد المقبل (2 يناير) لمناقشة ترتيبات زيارة السيد نتنياهو.

وكانت جريدة «الحياة» اللندنية قد نشرت فى 26/12 الخبر منسوبا إلى «مصدر مصرى رفيع»، ونقلت عنه قوله «سنحدد مع آراد موعد الزيارة»، وقد استفزنى فى الخبر المنشور قول المصدر المذكور إن الزيارة ستتناول المسار السلمى وضرورة تحريك العملية السلمية (التى فشل فيها أوباما؟!) وسنبلغ الإسرائيليين استياءنا من عدم الالتزام باستحقاقات العملية السلمية، وعلى رأسها تجميد الاستيطان. وهذا «الاستياء» الذى عبر عنه المصدر المصرى تكرر فى عبارة أخرى بالخبر المنشور.

قبل أى استطراد أنبه إلى أمرين،
الأول أننا نتحدث عن أخبار صحفية متداولة.
والثانى ان الجهات الرسمية فى مصر لم تنفها أو تصحح مضمونها، رغم اهميتها وعمق دلالتها. وهو ما يسوغ لنا ان نرجح تصديقها، والتعامل معها باعتبارها معلومات سليمة، حتى إشعار آخر على الأقل.

سواء كانت كلمة «الاستياء» الواردة فى الخبر من عند من حرره، أو انها وردت على لسان المصدر المصرى الرفيع، فإنها تظل تعبيرا مستفزا للغاية. ذلك ان من حق المرء أن يتساءل إذا كان مجرد الاستياء هو كل ما يمكن أن تستشعره السلطة فى مصر، كرد فعل على جرائم السيد نتنياهو وحكومته، فإن ذلك يعد تسامحا أقرب إلى التفريط فى حق المروءة والكرامة.

ليس التعبير جديدا فى حقيقة الأمر، إذ لا أشك فى أن مصر أبلغت إسرائيل فى بعض المواقف الحرجة المماثلة باستيائها وربما عتابها أيضا، لكن القدر الثابت ان مصر لم تغضب فى أى وقت، أو بالدقة فإنها لم تعلن غضبها. حتى بالوسائل الدبلوماسية التى تتمثل فى تقليص التمثيل الدبلوماسى أو سحب السفير أو التلويح بورقة العلاقات الاقتصادية.

حتى إذا ذهبنا إلى مدى أبعد ونفضنا أيدينا من الملف الفلسطينى التزاما بروح اتفاقيات كامب ديفيد، ونظرنا إلى المصالح المصرية المباشرة. فسنجد أن إسرائيل ارتكبت قائمة من الجرائم بحق مصر منها ما يلى:

اختراق المجال الجوى وقصف منطقة الحدود مع غزة بحجة تدمير الأنفاق
ــ قتل ما لا يقل عن 12 شخصا من الجنود المصريين الذين يحرسون الحدود مع القطاع
(محكمة استئناف القاهرة أصدرت فى 16/9/2009 حكما بإلزام السفير الإسرائيلى بدفع عشرة ملايين دولار تعويضا لورثة أحد الجنود المصريين (عامر أبوبكر أبوسعدة) وهو أحد ثلاثة تعمد الإسرائيليون قتلهم فى 17/11/2004، ولم يكترث أحد بالحكم لا فى مصر ولا فى إسرائيل
ــ تكرار عمليات التجسس على الأوضاع الداخلية فى مصر
ــ الإسهام فى دفع عملية فصل جنوب السودان لتكثيف الضغط على مصر
ـــ اختراق دول أعالى النيل (إثيوبيا بوجه أخص) وتحريضها ضد القاهرة.

هذه الخلفية تستدعى عدة أسئلة منها مثلا: إذا لم تغضب مصر الرسمية لكرامة ابنائها ولا لأمنها القومى، وإذا لم تغضب لإذلال الفلسطينيين ومحاولة تركيعهم وتصفية قضيتهم، فمتى تغضب إذن؟

ــ ولماذا تستأسد مصر على المقاومة الفلسطينية وتشتد فى قطيعتها مع سوريا، وخصومتها مع إيران، فى حين تخاطب إسرائيل بلغة الحملان؟

ــ ثم لو أن إسرائيل تصرفت على ذلك النحو مع تركيا، فهل كان يمكن ان يستقبل رئيس وزرائها فى أنقرة، قبل أن يعتذر عما اقترفته حكومته، ويعد بألا يعود إلى ذات الأفعال مرة أخرى؟

إن استقبال نتنياهو فى القاهرة فى أى وقت إهانة لمصر وشعبها؟
أما قدومه إليها فى الوقت الراهن على وجه التحديد فهو العار بعينه.
ولم أفهم بعد ما الذى يضطر مصر إلى القبول بالإهانة أو احتمال وصمة العار.
....................

29 ديسمبر، 2010

فرصة نادرة للتسلية

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 23 المحرم 1432 – 29 ديسمبر 2010
فرصة نادرة للتسلية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_29.html

حين قال الرئيس حسني مبارك في تعليقه على فكرة البرلمان الموازي الذي تحدثت عنه أحزاب المعارضة «دعوهم يتسلَّوا»، فإنني ظللت أتدبر كلامه طوال الأيام الماضية، إلى أن فهمته أخيرا على نحو يختلف عن ذلك الذي شاع في أوساط المثقفين والسياسيين المصريين.

ذلك أنني ثقة في حكمة الرئيس وخبرته رفضت أن آخذ الكلام بظاهره، واستبعدت اعتباره نوعا من الاستخفاف بالأحزاب الشرعية التي ذكر الرئيس في أكثر من مرة أنها جزء مقدر من النظام.

وقد تحقق حدسي حين تابعت جلسات مؤتمر الحزب الوطني، واستمعت إلى كلمات قادته. وحين وجدت أنها تحولت إلى منافسة في البلاغة اللغوية واللعب بالألفاظ والأفكار، أدركت كم هي مسلية أيضا. الأمر الذي دعاني إلى إعادة النظر في الانطباع المسطح والشائع عن تعليق الرئيس،
ونبهني إلى أنه لم يقصد الغمز في مبادرة أحزاب المعارضة والإقلال من شأنها، وإنما قصد بلباقته المعهودة أن يقول إن الحزب الوطني لن ينفرد وحده بتسلية الجمهور، ولكن هناك فرصة مواتية لإشراك أحزاب المعارضة في تلك المهمة الوطنية. بما يعني أنه سيتم توزيع الأدوار بحيث يقوم الحزب الوطني بعروض التسلية الخاصة به في قاعة المؤتمرات، في حين تؤدى أحزاب المعارضة «واجبها» في الشارع.

إذا لم تصدقني فحاول أن تتابع جلسات المؤتمر على شاشات التليفزيون ومن خلال الصفحات التي تخصصها لها الصحف القومية كل صباح، إذ ستجد أن قيادات الحزب الوطني بذلت جهدا مشكورا في تسلية الجمهور، وأنه أتقن العملية بحيث قدم عروضه بصورة متقنة اتسمت بالاحتشام والرصانة، بحيث يبدو لك الكلام جادا للغاية، لكنك إذا أعدت قراءته، وتأملت رسالته ومعانيه جيدا ستستلقي على قفاك من شدة الضحك، وستسارع إلى دعوة من تعرف للانضمام إليك للاستمتاع معك بفقرات التسلية والترويح.

لدى الكثير من النماذج التي تدلل على ما أقول، لكنني سأكتفي بإيراد بعض الفقرات التي وردت في كلمات قيادات الحزب الحاكم يوم الأحد الماضي، التي كشفت عن وجه آخر غير معهود في نمط القيادات السياسية، اتسم بقدر كبير من سعة الخيال وخفة الظل والقدرة على المرح المحتشم، من تلك الفقرات ما يلي:

< إننا نعد أنفسنا ونؤهل كوادرنا لعام الحسم الوطني القادم، واثقين في قدرة حزبنا وثقة شعبنا، فخورين بإنجاز وحكمة وقيادة زعيمنا في الحاضر والمستقبل.
< إن هناك تطورا كبيرا حدث وغيَّر من وجه الحياة على أرض مصر. وأن هناك تحسنا واضحا في الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية والصحية. فضلا عن حدوث طفرة اقتصادية كبيرة أتاحت للملايين فرص العمل، كما وفرت مساحة غير مسبوقة لحرية الرأي والتعبير.
< إن الحزب الوطني يتصدى بكل قوة وحسم لأي جرائم تتعلق بسوء استخدام السلطة أو التعدي على المال العام، وإنه يصر على محاسبة مرتكبيها وعدم التهاون معهم حتى لو كانوا بين صفوف الحزب.
< إن ضعف تمثيل المعارضة تحت القبة في البرلمان الحالي لا يعني ضعف المساءلة ــ وسوف يقدم الحزب نموذجا جديدا للرقابة السديدة في البرلمان الجديد.
< إن أمامنا مرحلة جديدة لتوسيع دائرة المشاركة السياسية لتشجيع الشباب والشابات على الانخراط في النشاط السياسي والمشاركة في أنشطة المجتمع المدني.
< سيظل الحزب الوطني متابعا ويقظا وملاحقا لأي خروج على التعددية الحزبية ومبادئ الدولة المرئية التي حددها الدستور ونظمها القانون. وأمامنا عام من العمل الجاد، نبصر الناس بالحقائق ونكشف زيف المدعين وحملة الأجندات الأجنبية وفلول الخاسرين في الانتخابات البرلمانية.
< كنا ننتظر أول انتخابات برلمانية للفوز بثقة القوة الصامتة المتابعة من أبناء مصر الواعين لما يجري على أرض الوطن من إنجاز. وكنا نعد أنفسنا على مدى خمس سنوات للفوز بثقة الغالبية من الطبقات والفئات والعمال والفلاحين..
كنا ننتظر ونستعد ليوم الاختبار والمواجهة. كتابنا في يميننا. صفحاته تشهد بالوفاء بما تعهدنا به.. وتحققت ثقة الشعب في الحزب الوطني في انتخابات 2010. وحصوله على أغلبية تمثل في حقيقتها توكيلا شرعيا دستوريا لمواصلة المسيرة للوفاء بتعهداتنا ومواصلة إنجازاتنا لسنوات خمس مقبلة.
< لقد التزمنا بمبدأ مهم في الانتخابات. وهو خسارة مقعد بشرف أفضل من الفوز به بغير حق. وليس منا من يعبث بصندوق أو يفسد ورقة اقتراع.
< إن الحزب الوطني بدأ من الآن في الإعداد لانتخابات مجلس الشعب عام 2015 وتسبقها انتخابات الشورى في 2013. بينما تفصلنا عشرة أشهر عن انتخابات الرئاسة. ويتوقع الوطني عودة المعارضة لمجلس الشعب عام 2015.
أراهن على أن أحزاب المعارضة تستطيع أن تقدم عرضا مماثلا للتسلية، وأثق في أن الحزب الوطني سوف يكتسحها عن جدارة في هذا المضمار.
.......................................

27 ديسمبر، 2010

بكائية على باب العام الجديد – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 22 المحرم 1432 – 28 ديسمبر 2010
بكائية على باب العام الجديد – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_7701.html

لأن أفق العام الجديد يبدو معتماً أكثر من سابقه، فلا أعرف ما اذا كان لايزال لدينا طاقة لاحتمال مزيد من الشدائد أم لا.
حيث يبدو أننا نسيج مختلف عن غيرنا. ممن تنفرج أحوالهم حين تبلغ بهم الشدائد مبلغها.
أما في حالتنا فإنها تشتد علينا كل حين، لكننا نفاجأ بأنها تزداد شدة بعد ذلك. الأمر الذي أشاع بيننا قدراً كبيراً من الخوف على المستقبل ومنه. ليس على مصر وحدها ولكن على العالم العربي بأسره.

(1)

من كان يتصور مثلاً أن يتم «تقفيل» مصر في نهاية العام، وأن تجرى فيها انتخابات تشيع بيننا الفزع على الحاضر والمستقبل؟
من كان يتصور أن تنتقل مصر خلال خمسين عاماً من القومية الى القطرية، ومن الاشتراكية المنقوصة الى الرأسمالية المغشوشة، ومن الحزب الواحد الى التعددية الشكلية، الى الديموقراطية المزورة و«المضروبة»؟

من يصدق أن مصر التي وقفت يوماً ما الى جانب حركات التحرير في افريقيا حتى ساندتهم بالرجال والعتاد، هي ذاتها التي تحاصر قطاع غزة، وتلاحق المقاومين وتلقي بهم في غياهب سجونها ومعتقلاتها.

إن رسالة الانتخابات التشريعية الى التيارات والقوى الداعية الى الإصلاح والتعبير في مصر تتلخص في الآتي:
ان أفق المشاركة في العمل العام مسدود.
إذ طالما خرجت من بيت الطاعة ولم تنسق مع السلطة فليس مسموحاً لها بأن تنجح في الانتخابات التشريعية، أو ان تنشط في النقابات المهنية، أو أن توجد في الاتحادات الطلابية أو أن تشارك في منظمات المجتمع المدني.
وليس أمامها سوى أحد حلين:
إما ان تقدم على الانتحار وتخرج من الساحة تماماً،
أو ان تنخرط في العمل السري بكل شروره ومخاطره.

في ظل التقفيل يتراجع دور الجماهير وحضورها. ويصبح الحضور حكراً على الأجهزة الأمنية وحدها، لأن أي نظام حينما لا يتكئ على قاعدته الشعبية، فإن البديل الوحيد الذي يمكن أن يعول عليه هو أجهزته الأمنية، الأمر الذي يسهم في قتامة الصورة.

فصّلت من قبل في أصداء عواقب سياسة «تقفيل مصر» التي تبلورت ودخلت حيز التنفيذ على أرض الواقع في نهايات العام الحالي. وكان ظننا أن التعديلات الدستورية التي تمت في سنة 2007 استهدفت تقفيل مستويات معينة من مراتب السلطة العليا لصالح استمرار القيادة الحالية للنظام،
لكننا اكتشفنا بعد ذلك أن دائرة التقفيل أوسع بكثير مما ظننا بحيث أدت من الناحية العملية الى «تأميم» السياسة والإعلام والجامعات والقضاء وإلحاقها بالسلطة بصورة أو أخرى.

من حقنا أن نتساءل في ضوء خبرتنا بما جرى أثناء الانتخابات التشريعية، عما يمكن أن يحدث في العام المقبل عندما يحل موعد الانتخابات الرئاسية في ربعه الأخير. خصوصاً أننا نعلم ان الخطوات التي تمت في العام المنقضي موصولة بالتمهيد لتلك الانتخابات.

(2)

من المفارقات أن هذه الصورة التي أصبحت عليها مصر في الداخل تشكلت في ظل شعار «مصر أولاً»، الذي فهم بحسبانه عنواناً لإصلاح البيت من الداخل، والنهوض به.
لكن التجربة أثبتت أنه كان دعوة للانسحاب من الخارج وتكريساً للعزلة التي ترتبت على توقع اتفاقيات كامب ديفيد، آية ذلك أن مصر حين لم تحقق الإصلاح المأمول في الداخل، فإنها خارجياً انخرطت فيما سمي بمعسكر الاعتدال، وهو مربع الموالاة للأمريكيين والإسرائيليين،

وهذا الانخراط أسهم مع عوامل أخرى في تسليم ملف القضية الفلسطينية للولايات المتحدة، التي وظفته لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعد لمصر دور في القضية الفلسطينية الى جانب حصار غزة سوى ممارسة الضغط على حركة حماس والجهاد الإسلامي للتوقيع على ورقة المصالحة مع فتح المرفوضة من جانب الحركتين.

في الوقت ذاته اصطفت مصر الى جانب المعادين لإيران والمخاصمين لسورية والمنحازين الى حركة 14 آذار في لبنان. وهو الانحياز الذي فتح الباب لتسريب شائعات عديدة حول الدعم الذي تقدمه مصر لتيار الحريري وجماعته (الأقرب الى محور الاعتدال).

على صعيد آخر فليس واضحاً حجم اسهام تراجع السياسة الخارجية المصرية في الأزمة التي أثيرت بشأن مياه النيل والدعوة التي انطلقت لإعادة النظر في حصص الدول المطلة عليه.
ولكن الحاصل أن تلك الأزمة تفاقمت، الى الحد الذي أدى الى توتير علاقة مصر بدول المنبع، وادعاء رئيس الوزراء الاثيوبي أن مصر تلوح بفكرة الحرب في تعاملها مع ملف مياه النيل.

اتصالاً بهذه النقطة فإن عدداً غير قليل من المثقفين السودانيين يحمِّلون مصر قسطاً عن المسؤولية عن التدهور الذي حدث في علاقة الشمال بالجنوب، الأمر الذي يقدر البعض انه سيفضي الى انفصال الجنوب واستقلاله بعد الاستفتاء المزمع إجراؤه في التاسع من شهر يناير المقبل،

واذا ما تحقق ذلك فإن مصر ستكون ضمن أكثر المتضررين، لسببين
أولهما ان جنوب السودان المستقل سيكون بمثابة دولة جديدة يفترض أن تطالب بحقوقها في مياه النيل،
وثانيهما ان الجنوب سيتحول الى قاعدة عسكرية إسرائيلية وأمريكية، وهذه تستهدف مصر قبل السودان بطبيعة الحال.

(3)

إذا تلفتنا حولنا في العالم العربي فسنجد ما يلي:

< السودان مهدد بانقسام وشيك يؤدي الى استقلال الجنوب، ويفتح الباب لاحتمالات تمزق البلد، خصوصاً ان قادة التمرد في دارفور أصبحوا يطالبون بحكم ذاتي ينتهي باستقلالهم.
< فلسطين تصفى فيها القضية بالتدريج، في ظل الصمت العربي والتقاعس الفلسطيني. الذي لا يخلو من تواطؤ من جانب البعض فقد فشلت كل المفاوضات التي أجريت بين الطرفين، وعجزت الولايات المتحدة عن تجميد الاستيطان، وأعلنت عن تراجعها عن الوعود التي سبق أن أطلقها الرئيس أوباما بهذا الخصوص،
وهناك كلام عن تشجيع الرئيس الأمريكي لفكرة إغلاق ملف القضية في العام الجديد، أملاً في ان يؤدي ذلك الى زيادة شعبيته بين اليهود وحلفائهم، مما يمكنه من التجديد لمدة ثانية.
< العراق على كف عفريت كما يقال. فبعد تدمير البلد، لوح الأكراد بالانفصال استنادا إلى حق تقرير المصير، وهو ما شجع أهل السنة في البصرة على المطالبة بالحكم الذاتي أيضاً، لإقتناعهم بأن لهم حقا ثروة النفط في اقليمهم.
< ان لعنة التصدع والانفصال تضرب اليمن بقوة. ذلك ان الحكومة المركزية تحارب على جبهتين. الحوثيون في الشمال والحراك الجنوبي في الجنوب. ذلك الى جانب العناصر التي تنسب نفسها الى تنظيم القاعدة. وهي اشتباكات تجعل الوضع الداخلي هشا بدرجة تهدد بتمزق الوطن وتشرذمه.
< لبنان أيضاً يغلي ويوشك على الانفجار طول الوقت. وعملياً فالبلد منقسم الآن بشدة بين السنة والشيعة من ناحية، وبين تياري 14 و8 آذار من ناحية ثانية. ويشكل موضوع المحكمة الدولية عنصر تفجير قويا في الوقت الراهن، جراء اقتناع قيادة حزب الله بأن رأس الحزب مطلوب في هذه القضية، من خلال توريطه في جريمة القتل.
< التوتر قائم بين المغرب والجزائر، وموضوع الصحراء يزداد تعقيدا، لدرجة ان الصحف المغربية بدأت الحديث عن احتمالات حرب بين البلدين وقضية الأمازيغ أو البربر تمثل لغما موقوتا في البلدين قابلاً للانفجار في أي لحظة.
< الصومال العضو المنسي في الجامعة العربية أصبح حالة قصوى للدولة الفاشلة أو اللادولة.
هذا التشرذم لم يقف أثره عند حدود اضعاف وزن الأمة وغياب دورها، وانما ترتبت عليه ثلاث نتائج مهمة.
الأولى أنه حول الأمة العربية الى جسد بلا رأس وأحيانا بلا عقل.
الثانية أنه أدى الى انهيار النظام العربي، واعتماد أغلب الدول العربية على القوى الخارجية، الأمر الذي يعني أن الانتداب والوصاية اللذين فرضا على العرب بعد الحرب العالمية الأولى، وتخلصوا منهما بعد ذلك عادا مرة أخرى في الألفية الثانية برغبة وطلب عربيين.
أما النتيجة الثالثة فهي ان الفراغ المخيم على المنطقة استدعى ثلاث دول غير عربية لكي تنزل الى الساحة وتسعى للعب أدوار مختلفة فيها. وهذه الدول هي: إسرائيل وإيران وتركيا.
(4)

من مفارقات الأقدار أنه حين يخرج العرب من عام 2010 مشتتين، ومعولين على «الوصي» الأمريكي كسند حينا، وكحارس في أحيان أخرى، فإن ذلك «الوصي» يتأهب في العام الجديد لرفع يده عن الكثير من الملفات التي تورط فيها.
وليس ذلك مجرد استنتاج لأن المعلومات التي خرجت من واشنطن خلال شهر ديسمبر الحالي بوجه أخص تشير الى ان السياسة الخارجية الأمريكية بصدد التغير في منطقة الشرق الأوسط.
وهناك أسباب عدة لذلك على رأسها الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان. والانتكاسة التي منيت بها سياسة الولايات المتحدة في الموضوع الفلسطيني.

تشير تلك المعلومات أيضاً الى ان الولايات المتحدة بصدد التفاهم مع إيران وحل المشاكل العالقة بينهما، وأن الاجتماع الذي تم خلال الشهر الحالي بين الجانبين في جنيف كان مخصصا لهذا الموضوع. ولم يبحث فيه موضوع الملف النووي، الذي نوقش في اجتماعات اسطنبول.

في هذا السياق سمعت من مصدر سوري التقى في واشنطن أخيراً مستشار الأمن القومي الأسبق بريجنسكي الذي ينشط ضمن الفريق الذي يتعامل مع ملف الشرق الأوسط ان واشنطن أصبحت تستبعد فكرة الحرب على إيران، وأنها حذرت حكومة تل أبيب من الإقدام من جانبها على هذه الخطوة
(استبعاد الحرب لا يلغي احتمال توجيه ضربات إسرائيلية مفاجئة الى أهداف إيرانية، وأن أضعفها بدورها).

وبلغني من مصدر آخر أن السيد جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي قال في اجتماع لعدد من الخبراء والدبلوماسيين الأمريكيين ان إيران ليست عدوا لواشنطن، ولكنها فقط على خلاف شديد معها.
وأن الإدارة الأمريكية أدركت ان لها مصلحة أكيدة في التفاهم مع طهران، مشيراً الى ان القيادة الشيعية أقدر على ضبط سلوك المتطرفين الشيعة، في حين ان الأنظمة السنية عجزت عن ذلك.

معلوماتي أن هذه الرسالة وصلت الى قيادات المنطقة. وأن تحركات كويتية أخيرة على صلة بها،
وأن زيارة أمير قطر الى طهران قبل أسبوعين كانت في السياق ذاته.
وأن الرسائل التي تم تبادلها بين طهران والعاصمة الأردنية عمان لم تكن بعيدة عن هذه الخلفية.

رغم أنه ليس هناك آخر كلام في السياسة، وأن حسابات المصالح يمكن ان تغير القرار السياسي في أي لحظة، فإن هذه المعلومات اذا صحت فإنها تعني ان العام الجديد سيكون مسكونا بمفاجآت كثيرة قد تؤدي الى مضاعفة الأحزان في العالم العربي، وزيادة الاستعلاء الإسرائيلي، الذي أخشى ان يكون الرابح في كل ما يجري، ليس لقوة فيه ولكن لوهن وانكسار الأنظمة العربية.

إذا كفكفت الدمع وسألتني عن مكان الأمل في تلك العتمة الموحشة، فردي أن أملنا الوحيد
أولا في عفو الله أكثر من عدله،
وثانياً في أجيال شبابنا التي لم تنكسر ولم تتلوث.
شباب من جنسنا ولكنهم ليسوا مثلنا.
.......................

شعب مصر الموازي

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 21 المحرم 1432 – 27 ديسمبر 2010
شعب مصر الموازي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_27.html

أخطر ما في نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في مصر مؤخرا، أنها أحدثت انفصالا شبه كامل بين السلطة والمجتمع، بحيث أصبح بمقدور كل أحد أن يستدل بما جرى في تلك الانتخابات لكي يخلص إلى أن هذه السلطة لم تعد تمثل المجتمع في شيء، وأن تلك المؤسسات التي تنتجها تعبر عنها ولا تعبر عنا.
الذي لا يقل خطورة أو غرابة عما سبق، إذ تستهين السلطة بالمفاصلة التي تمت، ولا تدرك أن ثمة تحولا جذريا في علاقتها بالمجتمع حدث. ويصبح ذلك مصدرا للسرور والبهجة، فينعقد مؤتمر للحزب الوطني بعد ذلك، يتحرك خلاله قادته بخيلاء ملحوظ، ويتكلمون بلهجة الواثق وخطاب المطمئن.

وتكثف الصحف القومية تغطيتها للمؤتمر، فتتوسع في نشر تقاريره واجتماعات لجانه وصور أعضائه، وتعطي المبالغة في التغطية الإعلامية انطباعا بأن هناك من حرص على إقناع الناس بأن شيئا جادا حدث ويحدث، وأن أولئك الوجهاء مهمومون بالمستقبل حقا، ومشغولون بمشكلات المجتمع ومعاناة الجماهير.
وبدا الافتعال واضحا في الجهد الذي يبذل لإقناع الناس بأنهم منا حقا وأنهم غيورون على مصالحنا، ولن يهدأ لهم بال أو يستريح لهم ضمير إلا إذا اطمأنوا إلى أن مشكلات البلد حلت وارتسمت بسمة التفاؤل على وجوه الجميع.
عناوين الصحف القومية التي صدرت أمس أبرزت تلك العناوين. فجدول أعمال الحزب ومناقشاته شملت الموضوعات التالية،
محاربة الفقر والبطالة ــ تحقيق الإصلاح الاقتصادي ــ الارتقاء بالجهاز الإداري وزيادة فرص العمل ــ إسقاط 500 مليون جنيه من ديون الفلاحين ــ تخفيض رسوم تراخيص البناء في الأرياف ــ قضايا الشباب ــ تثبيت قواعد العدل الاجتماعي ــ تدعيم المشاركة الشعبية ــ وقف إساءة استخدام السلطة ــ تطوير منظومة التعليم ــ توسيع نطاق الضمان الاجتماعي... إلخ.
لم يترك المؤتمر شيئا في حياة الناس لم يتطرق إليه سوى أمرين هما:
الإصلاح السياسي والسياسة الخارجية،
أغلب الظن لأن قيادة الحزب تعتبر أن استمرارها في مواقفها واختطافها للانتخابات ومجلس الشعب دليل على نجاح الإصلاح السياسي الذي يتطلعون إليه، ثم لأن ملف السياسة الخارجية بيد الرئيس ولا علاقة للحزب أو الحكومة أو مجلس الشعب به.
للأسف فإنه في ظل «
التقفيل» السائد فإنه ليس لدينا أي قياس للرأي العام يحدد لنا كيف استقبل الناس هذا الكلام. وهل يصدقون التعبئة الإعلامية التي تلح على تسويق الحزب أم لا،

لكني أستطيع أن أسجل ثلاث ملاحظات في هذا الصدد،
الأولى أن الإعلام الموازي غير الحكومي حافل بالتعليقات التي تعبر عن حالة «المفاصلة» التي أشرت إليها، حتى أن الذين كانوا يقفون موقف الحياد إزاء السلطة ولا يمانعون في التعاطف معها في بعض المواقف، انتقلوا جميعا وبدون استثناء إلى مربع الرافضين لما جرى واليائسين من القائمين عليه،

الملاحظة الثانية أن كل التقارير التي تصدر في العالم الخارجي حين تطرقت إلى موضوع الانتخابات وموقف السلطة ومستقبلها في مصر تحدثت بسلبية شديدة عن الوضع القائم، وبعضها لم يتردد في الطعن في شرعية استمراره.

الملاحظة الثالثة هي أن الثقة التي يتحدث بها قادة الحزب بعد الانتخابات والاكتساح الذي يتباهون به الآن ولغة التنديد والتفرج للتيارات السياسية الأخرى التي أصبحوا يتحدثون بها، ذلك كله لم يكن له وجود قبل الانتخابات. وإنما كان الخوف والارتباك واضحين داخل الحزب الحاكم وقتذاك. حتى أن الصراع بين من يسمون بالحرس القديم والجيل الجديد كانت أصداؤه مسموعة ومحسوسة في أوساط الطبقة السياسية.

وهذه الجرأة في التعبير والخيلاء في الإطلال على الناس لم يتوفرا إلا بعد التزوير والتقفيل والقمع الذي مارسته السلطة لتمكين الحزب الوطني من «الاكتساح» غير المسبوق.
إن الحزب الوطني اصطنع أكذوبة كبيرة ما برحت أبواقه تلح علينا لتصديقها، لكنها هذه المرة من عيار ثقيل يصعب على الناس ابتلاعه، لكن استهانته بالمجتمع وازدراءه بالرأي العام، جعلاه يفرط في الاعتماد على أجهزة الأمن لافتعال انتصار وهمي يختال به الآن ويتباهى.

وباتت مشكلته الآن أنه صدق الكذبة، ولم يدرك بأنه بما فعل انفصل عن الناس وبات يغرد وحده. ومن ثم أصبح يخاطب جموع الانتهازيين والمنتفعين الذين تحولوا إلى شعب موازٍ غير الشعب المصري الذي نعرفه.
.......................................

26 ديسمبر، 2010

اختراق مسكوت عليه

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 20 المحرم 1432 – 26 ديسمبر 2010
اختراق مسكوت عليه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_26.html

هذا موضوع دقيق وحساس من النوع الذي قد يغامر المرء بالخوض فيه ويشعر بالذنب إذا سكت عليه.

تتمثل حساسيته في أنه يتعلق بالجيل الثاني من أبناء كبار المسئولين العرب الذين يثار من حول ممارساتهم وعلاقاتهم الكثير من اللغط والهمس في مختلف العواصم العربيه
والذين يقدر لهم أن يترددوا على تلك العواصم يسمعون ذلك الهمس بوضوح ويستشعرون إزاءه خليطا من الحيرة والحزن.

الحيرة لأن ما يسمعونه يصعب تصدقيه كما يصعب التثبت منه
والحزن لأنهم لا يستطيعون استدعاء ملف الموضوع ومناقشته في العلن على الأقل للتثبت من معلوماته.

حدث ذلك معي في مرات عديده ولا بد أنه يحدث مع غيري بطبيعة الحال والذين يترددون على العواصم الأوروبيه يسمعون أضعاف ما يتردد في دوائرنا الضيقه خصوصا أن الشائعات والأقاويل التى تتردد هنا هي في الأغلب صدى لما يحدث هناك.

لا أتحدث عن البذخ الذي يبلغ حد السفة الذي يعيش في ظله أبناء أؤلئك الأكابر حيثما حلوا في العواصم الأوروبيه سواء في فنادقها وملاهيها أو في صالات القمار التي يتجلى فيها ذلك السفة في أبعد صوره حتى أن أحدهم ظل يخسر ذات ليلة حتى خسر في الرهان الطائره التي قدم عليها ولم ينقذه من الورطة سوى تدخل "نسيب" من عاصمة أخرى في آخر الليل.

مع ذلك أزعم أن هذا البذخ أهون مما أقصده رغم ما فيه من فحش وسفة ذلك أن ما في بالي أتعس وأشد فحشا.
إذا سألتني كيف فإليك الحكاية أو القدر الذي يمكن البوح به من معلوماتها.

ذلك أن أغلب كبار المسئولين خصوصا العائلات الحاكمه في العالم العربي يوفودون أبناءهم للدراسة في العواصم الأوروبيه التي ترحب بهم سواء في الكليات العسكريه أو في بعض الجامعات التي تقدم لهم شهادات خاصة من ذلك النوع الذي تنفصل فيه الشهادة عن العلم والمعرفة وكثيرا ما يمنح " الطالب" الشهادة والإجازة وأحيانا تعد له رسالة الدكتوراه دون أن ينتظم في الدراسة أو يكلف خاطره فتح كتاب أو الاستماع إلى محاضرة باعتبار أن " مقاماتهم " أكبر من ذلك.

وغاية ما يمكن أن يحصله هؤلاء الشبان أنهم يتمكنون من اللغة الإنجليزيه بالقدر الذي يسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم والتواصل مع الآخرين إلى جانب أن ذلك النوع من التحصيل هو أيضا من قبيل التشبة بالأجانب الذي يعوض شعور بعضهم بالنقص إزاءهم.

أحيانا يكون بعض أولئك الشباب تحت رعاية الأصدقاء الأجانب ذوي العلاقات الخاصة مع أكابر الغرب وأحيانا يترك أمر "رعايتهم" للجهات المختصه في الهيئات العلميه التي يلتحقون بها .

لكن الأهم من ذلك أن جهات عدة ذات مصلحة تتابعهم وتنسج من حولهم شباكا تستهدف في حدها الأدني استمالتهم والتواصل معهم ومن ثم ينخرطون معهم في علاقات معقده ظاهرها يوحي بالبراءه وسلامة القصد
ولأنهم جميعا يعودون إلى أوطانهم لكي يحتلوا مواقع محجوزه لهم في صدارة السلطه ببلادهم فإن تلك العلاقات التى تم نسجها يحين أوان استثمارها ومن ثم حصد ثمار ما تم زرعه في سنوات " الدراسة".

مايهمنا ويزعجنا في ذلك الاستثمار أنه يستهدف مجالين أساسيين هما : السياسة والاقتصاد
إذ يراد به التأثير على سياسات الدول التي ينتمون إليها وعلى قراراتها الاقتصاديه التى تتعلق بالصفقات الكبيره فيها وحين يكون أصحاب المصلحة في ذلك الاختراق هم الإسرائيليون والأمريكيون فإن قناع البراءة يختفي من المشهد ويظهر لنا في الصورة الوجة القبيح لتلك العلاقات التى نسجت خيوطها منذ سنوات الدراسة المبكره.

هذه الخلفيه تقبع وراء الشائعات التي تروج في بعض الأوساط عن اختراقات إسرائيليه كبيره للجيل الثاني من أبناء بعض المسئولين العرب (منهم من كان ثوريا يوما ما).
وعن اجتماعات يحضرها هؤلاء وهؤلاء في لندن وباريس وجينيف بل إن الشائعات تتحدث أيضا عن بعض أبناء مسئولين كبار في الأجهزة الأمنيه التحقوا بشركات خرجت من رحم ذلك الاختراق وعن دخول عناصر فلسطينيه في اللعبة.

أرجو أن يغفر لي كتمان الأسماء والتفاصيل للأسباب التى لا تغيب عن فطنتك . ذلك أن أى خطوة أبعد مما ذكرت توقعنا في المحظور وتلك مهمه أحيلها إلى المستقبل أملا في أن تتسرب يوما ما وثائق المشهد من أي "ويكيليكس" يظهر في الأفق.
.......................................

24 ديسمبر، 2010

ضرب الحبيب

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 19 المحرم 1432 – 25 ديسمبر 2010
ضرب الحبيب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_24.html


الرقة التي تتعامل بها السلطة الفلسطينية مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية تثير الدهشة،وتحتاج إلى تفسير، خصوصا أنها لا تقارن بالغلظة والشدة اللتين تتعامل بهما السلطة مع المخالفين الفلسطينيين.

ما دعاني إلى إبداء هذه الملاحظة أنني قرأت في صحف الأحد 19 ديسمبر تصريحا لرئيس البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة قال فيه إن المشروع العربي بخصوص النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة سيتم تأجيل عرضه على مجلس الأمن لتجنب "إحراج" الولايات المتحدة.

لم أصدق عيني حين وقعت على الخبر في صحيفة "الشرق الأوسط" صبيحة ذلك اليوم. إذ تصورت لأول وهلة أن السلطة الفلسطينية مشغولة بتعبئة الرأي العام الدولي ضد الاستيطان بأكثر من انشغالها بمجاملة الإدارة الأمريكية وتجنيبها الحرج الذي سوف تستشعره حين تجد نفسها مستخدمة "الفيتو" لرفض القرار، رغم أن الرئيس أوباما تبنى الدعوة إلى وقف الاستيطان في بداية توليه السلطة، وهو يعلم جيدا أنه يعد جريمة تنتهك القوانين والأعراف الدولية. وفي ذلك لم يكن يسدي معروفا للفلسطينيين، بقدر ما كان يحاول في بداية ولايته أن يمسح بعض العار الذي يجلل الوجه الأمريكي، ويضفي على سياستها مسحة أخلاقية تفتقدها.

لم يكن الكلام منصبا على الاحتلال الذي هو أصل الداء، ولكنه كان منصبا على فرع عنه، ثم أن ذلك الوعد تراجع عنه الرئيس أوباما بصورة تدريجية، إلى جانب أن وثائق ويكيليكس الأخيرة كشفت النقاب عن أن الرئيس الأمريكي لم يكن جادا فيه، باعتبار أن تجميد الاستيطان لم يكن يعني بالضرورة إيقافه، ولكنه يتسع لاستمرار العمل في المشروعات الجاري تنفيذها، وتأجيل المشروعات الجديدة، لفترة محدودة قيل إنها 90 يوما.

باختصار، فإن الموقف الأمريكي كان متلاعبا ومخادعا للفلسطينيين والعرب، في الوقت الذي كان مستمرا في استدراج الفلسطينيين إلى مفاوضات غير مباشرة وأخرى مباشرة، حين فشلتا فإن خزانة الاحتيال السياسي أفرزت "نمرة" جديدة أطلقوا عليها اسم المفاوضات الموازية. وهو ما أعطى انطباعا قويا بأن القضية أصبحت لغوية في نهاية المطاف، وأن المراد هو إشغال الفلسطينيين بالثرثرة حول الطاولات، في حين تستمر "إسرائيل" في تغيير الواقع على الأرض.

طول الوقت كان الموقف الأمريكي متسما بالاحتيال والتواطؤ مع الإسرائيليين، والتستر على ممارساتهم وتمكينهم من إجهاض الحلم الفلسطيني وتصفية القضية.
وطول الوقت كانت القيادة الفلسطينية تتلقى الصفعات والصدمات والإهانات، حتى فقدت ثقة الجماهير في داخل فلسطين وخارجها، ونعتت بأوصاف لا تشرفها كثيرا.

مع ذلك، فحين تهيأت الظروف لتقديم قرار من مجلس الأمن لإدانة الاستيطان، الذي لا تستطيع دولة عضو في الأمم المتحدة أن تؤيده، فإن القيادة الفلسطينية رق قلبها وغضت الطرف عن مسلسل الإهانات والإذلال الذي تتعرض له طوال نحو عشرين عاما، منذ استدرجت إلى عملية السلام، ودعت إلى تأجيل المشروع العربي الخاص بالمستوطنات، مجاملة للولايات المتحدة الأمريكية.
ثمة سابقة مماثلة لجأت إليها الرئاسة الفلسطينية في عام 2009، حين عرض تقرير القاضي الدولي جولدستون، الذي فضح وأدان الممارسات الإسرائيلية أثناء العدوان على غزة. إذ عندما عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جينيف، فإن الرئيس الفلسطيني آثر أيضا ألا يحرج الإسرائيليين، وطلب من مندوب السلطة لدى المجلس تأجيل بحث الموضوع، الأمر الذي كان بداية لتمييع الملف ونسيانه بمضي الوقت.

وبدا واضحا آنذاك أن رئاسة السلطة كانت مشغولة بتطييب خاطر الإسرائيليين ورفع الحرج عنهم، بأكثر من انشغالها بعذابات الفلسطينيين في غزة والجرائم الوحشية التي ارتكبت في حقهم.

حين يقرأ المرء أخبار التعذيب الذي يتعرض له المئات من الفلسطينيين الذين يحتجزهم جهاز الأمن الوقائي في رام الله، فإنه لا يستطيع أن يقاوم السؤال عن سر ذلك الاستئساد على الفلسطينيين في الوقت الذي تمارس السلطة فيه مختلف صور الحنو والدعة مع الأمريكيين والإسرائيليين، وهي مفارقة تثير الحيرة والبلبلة بما يجعل المرء يتساءل:
هي مع مَنْ وضد مَنْ؟

في العامية المصرية مثل يقول إن ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب.
وعلماء النفس يصفون تعلق الضحية بأهداب الجاني بأنه "ماسوشية"، ويعتبرونه نوعا من الخلل في الشخصية يجعل الإنسان يتعاطف مع جلاده ويستعذب إهانته له،
ولا أعرف ماذا كان أيهما يصلح لتفسير سلوك القيادة الفلسطينية، وذلك سبب إضافي للحيرة.
........................

23 ديسمبر، 2010

يحدث فى السودان الآن

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 17 المحرم 1432 – 23 ديسمبر 2010
يحدث فى السودان الآن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_23.html

ليس واضحا ولا مفهوما الهدف من الزيارة التى قام بها للخرطوم الرئيسان حسنى مبارك ومعمر القذافى، ومعهما الرئيس الموريتانى محمد ولد عبدالعزيز. ذلك اننا إذا استبعدنا ان يكون الهدف هو الحفاظ على وحدة السودان.
وهو الأمر الذى لم يعد واردا الآن، فلا يبقى أمامنا سوى مباركة اتمام الانفصال والدعوة إلى التسريح بإحسان، إذا استخدمنا المصطلح القرآنى الذى يحث عن ايقاع الطلاق مع الحفاظ على كرامة الطرفين وتقليل الخسائر قدر الامكان.

وإذا كان الأمر كذلك، فللمرء أن يتساءل لماذا لم يتحرك أحد خلال الفترة السابقة للدفاع عن وحدة السودان،
ولماذا جاء التحرك لمباركة الانفصال؟
وما هى حقيقة الدور الذى قام به العقيد القذافى فى تأجيج الصراعات التى تفتك بالسودان، خصوصا فى دارفور؟
وبماذا يفسر استقبال جوبا، عاصمة الجنوب، لقادة فصائل التمرد فى دارفور فى نفس الوقت الذى كان وفد الرؤساء مجتمعا فى الخرطوم مع الرئيس البشير ونائبه سلفاكير؟
وما هى حصة الولايات المتحدة وإسرائيل فى الجنوب المستقل؟
وما هى طبيعة وحدود الأضرار التى يمكن أن تلحق بمصر جراء ذلك؟
وبماذا تفسر أن الولايات المتحدة بعد ان تكللت جهود مبعوثها إلى السودان بالنجاح النسبى الذى يفترض أن يؤدى إلى الانفصال، فإنها عمدت إلى تعيين مبعوث آخر لدارفور؟

حين كان الرئيس مبارك وصاحباه فى الخرطوم كانت تتفاعل على الأرض العوامل التالية:

● وصل إلى جوبا عاصمة الجنوب حشد كبير من الخبراء الإسرائيليين فى مختلف المجالات من الزراعة والتعدين والاقتصاد إلى الفنون والسياحة والإدارة. وقدر عددهم بنحو ألف خبير تقاطروا خلال الأسابيع الأخيرة.

● أقامت إسرائيل جسرا جويا لنقل السلاح والعتاد فى تل أبيب إلى بانجيه عاصمة أفريقيا الوسطى. ومنها تحمل على الشاحنات إلى جوبا.

● سارعت أديس أبابا إلى انشاء بنك إثيوبى جنوبى فى جوبا، واستنفرت قواتها للتدخل لتثبيت الانفصال إذا لزم الأمر، فى الوقت الذى أوفدت فيه مجموعة من المستشارين للعمل إلى جانب السلطة فى الوضع المستجد.

● أوغندا استنفرت قواتها فى الوقت ذاته لصالح الانفصال، وعقد الرئيس موسيفينى سلسلة من الاجتماعات فى عنتيبى مع مجموعتين احداهما تمثل السلطة فى الجنوب، والأخرى تمثل جماعات التمرد فى دارفور.

● استقبلت إسرائيل خمسة آلاف عنصر من المتمردين فى دارفور لتدريبهم عسكريا، بعدما أقامت فصائل التمرد تحالفا للتنسيق فيما بينها، استعدادا للتعامل مع المرحلة التى تعقب الانفصال.

هذه بعض المعلومات التى حصلتها من مصادر على صلة بمتابعة المشهد السودانى، وهى تعنى أن القادم بعد الانفصال سيكون أخطر وأبعد أثرا مما نتصور. وانه عند الحد الأدنى ــ وهذا كلامهم ــ فإن الجنوب سيتحول إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية.
وان هذا النموذج يراد له أن يتكدر فى دارفور. التى تستعد الآن للانتقال إلى تمثل النموذج الجنوبى وتعيين مبعوث أمريكى للتعامل مع ملف دارفور إشارة واضحة إلى ذلك.

ناقشت الأمر مع أحد أبرز الخبراء السودانيين فوجدته مؤيدا لذلك الاستنتاج. وأدهشنى قوله ان الأمر لو توقف عند ذلك الحد فإن السودان لن يتضرر كثيرا، وان قطاعات عريضة من السودانيين أصبحت على استعداد للقبول بالوضع الذى سيستجد إذا تم الانفصال، وان هناك من بات يقول ان العلاقات بين الشمال والجنوب فى الوضع المستجد ربما صارت أفضل مما كانت عليه فى السابق.

أما الأمر الأخطر والذى ييستحق انتباهنا حقا فهو أن مصر ستكون المتضرر الأكبر مما سيحدث، لأن وجود القاعدة الإسرائيلية سيظل عنصرا ضاغطا عليها دائما. ثم ان الدولة المستجدة ستكون لها كلمة فيما يخص المياه، وبالتالى فإنه من الناحية الاستراتيجية فإن انفصال الجنوب سيعد انقلابا فى الخرائط الاستراتيجية،
ليس واضحا أن مصر مكترثة به ناهيك عن ان تكون متحسبة له.

ليس لدى تعليق على هذا الكلام، ولكنى لدى أسئلة متعددة بخصوصه، لا أعرف إلى من أوجهها، فضلا عن اننى لم أعد واثقا من صواب الرؤية الاستراتيجية المصرية، حتى صرت اتشكك أحيانا فى ان هناك رؤية أساسا. واتمام الزيارة الرئاسية وسط التحولات الخطيرة الحاصلة فى الجنوب أبلغ دليل على ذلك.
.................

22 ديسمبر، 2010

شكرًا للأخ العقيد

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 16 المحرم 1432 – 22 ديسمبر 2010
شكرًا للأخ العقيد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_22.html

وحده العقيد معمر القذافي يمكن أن يفعلها:
أن يدعو إلى عقد اجتماع لمجلس الدفاع العربي المشترك.

ذلك أنني لا أعرف زعيما عربيا يمكن أن يخطر على باله أنه لا يزال في العالم العربي كيان أو مؤسسة باسم مجلس الدفاع المشترك.

وإذا افترضنا جدلا أن بين أولئك الزعماء من احتفظت ذاكرته باسم المجلس، فإنني أشك كثيرا في أن «يتهور» واحد منهم ويدعو أعضاءه للاجتماع في ظل الظروف الراهنة.

وإذا وجد من يغامر بذلك، فلدى شك كبير في أن تلقى الدعوة أي ترحيب من جانب أغلب الحكومات العربية، لسبب جوهري هو أن ملفات هذا «الشغل» انتقلت إلى عواصم أخرى بعيدة لا علاقة لوزراء الخارجية والدفاع العرب بها،
الاستثناء الوحيد الذي يمكن أن يخرج على ذلك المألوف هو الأخ العقيد، بوصفه الزعيم العربي الذي يتعذر التنبؤ بتصرفاته، وقد عود الجميع على مفاجآته.
ليس لديّ أي تحفظ أو استنكار للدعوة، وإنما العكس هو الصحيح. حيث أعتبرها من مفاجآت العقيد المنعشة والسارة.
ولست أخفي أنني أتمنى أن يؤخذ الأمر على محمل الجد، بحيث يصبح العمل العربي المشترك حقيقة نعيشها، وليس حلما يداعب خيالاتنا، وألا يقتصر التعاون العربي على اجتماعات وزراء الداخلية وتبادل معلومات الأجهزة الأمنية.

كما أتمنى أن يكون لوزراء الخارجية والدفاع العرب كله في قضايانا المصيرية، بدلا من المشهد المهين والمزري الذي صرنا إليه، منذ قيل لنا إن 99٪ من أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة الأمريكية.
الدعوة لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك جاءت من ليبيا باعتبار أنها ترأس القمة العربية في الوقت الراهن.
وقد فوجئت بها الأمانة العامة لجامعة للدول العربية منذ ثلاثة أسابيع حين تلقتها ضمن مذكرة بعثت بها الخارجية الليبية، التي اقترحت عقد الاجتماع المفترض في مدينة «سرت» في الفترة ما بين 15 و20 ديسمبر الحالي..

لم تشر المذكرة إلى سبب توجيه الدعوة وعلاقة ذلك بالظروف التي تمر بها الأمة العربية، لكنها أشارت إلى أن الهدف هو تفعيل معاهدة الدفاع التي وقعت بين الدول العربية في سنة 1950، وتنشيط مؤسسات العمل العربي المشترك وذلك من خلال دراسة السبل الكفيلة بتنفيذ نصوص المعاهدة المذكورة، ومواكبة التطورات في مجال الدفاع على المستوى الوطني العربي، بما يحقق الأهداف والغايات المرجوة من إنشائه.
لغة المذكرة تمتص شحنة الحماس التي يستشعرها المرء لأول وهلة حين يتلقى الخبر، حيث تعطي انطباعا بأن الهدف منها هو مجرد تفعيل آليات المجلس، وليس شيئا آخر مما يخطر على بال الذين يبحثون عن عرب حقيقيين يدافعون عن عرض الأمة المستباح، أو حتى الغيورين على العمل العربي والحالمين به.

وأغلب الظن أن الذين أعدوها كانوا مدركين لحدود حركة وسقف الإرادة العربية. ولذلك فإن أمانة الجامعة العربية تعاملت معها بهدوء يليق بحدودها المتواضعة، فوزعتها على الدول الأعضاء التي لم تأخذها بدورها على محمل الجد، إذ لم تقبلها ولم ترفضها، لكنها فوتت الموعد المقترح، وطلبت أغلب الدول دراسة الموضوع دراسة وافية بما يعنى إحالة الاقتراح إلى المستقبل المجهول.
هذا الذي حدث ليس مستغربا، لأن مجلس الدفاع العربي لم يجتمع منذ أكثر من 40 عاما، وكانت آخر اجتماعاته قبل حرب 67 وبعد عبور الجيش المصري إلى سيناء عام 73.

وبعد انتقال الجامعة العربية إلى تونس عقد المجلس دورة طارئة عام 81، لم تحضرها مصر التي كانت قد وقعت اتفاقية الصلح مع إسرائيل عام 1979. وبعد ذلك الاجتماع مباشرة اجتاحت إسرائيل لبنان واحتل العراق الكويت ودمر العراق في وقت لاحق وتواصل الانقضاض الإسرائيلي على فلسطين، وظلت الحكومات العربية متفرجة على ما يجرى، دون أن يحرك فيها كل ذلك شيئا.
شكرا للأخ العقيد لأنه ذكرنا بما نسيناه، وأخرج اتفاقية الدفاع المشترك من مدفنها لكي تطل علينا في خبر منشور، قبل أن تعود إلى كفنها مرة أخرى.
..........................

20 ديسمبر، 2010

قبل ان يسقط المغرب من الذاكرة المشرقية – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 15 المحرم 1432 – 21 ديسمبر 2010
قبل ان يسقط المغرب من الذاكرة المشرقية – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_6490.html

كون مشاكلنا في المشرق أكثر من الهم على القلب، لا يغفر لنا ان نسقط المغرب من حسابنا، ونتركه نهبا للطامعين والكائدين والمتفرنسين.

(1)

أتحدث عن دول المغرب، وليس المملكة المغربية وحدها التي أمضيت فيها أياما خلال الأسبوع الماضي كانت مليئة بالحوار والدهشة، مما أقنعني بأن المغرب يزداد بعدا وعزلة عن المشرق، وأن ذلك حين يتم تحت أعيننا وبرضا أو عدم اكتراث من جانبنا، فاننا نصبح بغير حاجة الى أعداء يتآمرون لاحداثه.

فتحت جريدة الصباح فوقعت عيناي على العنوان التالي:
المغرب والجزائر من يقرع طبول الحرب؟
فتحت صحيفة أخرى فصادفت حوارا لأحد قادة الحزب الاشتراكي الموحد تحدثت عناوينه عن ان الجزائر لن تعرف الاستقرار في حالة الحرب على المغرب،
وفي صحيفة ثالثة قرأت بيانا لحزب الحركة الشعبية دعا الى «استبدال خيار السلم والمهادنة والدبلوماسية مع الجزائر بخيار التصدي، وحتى المواجهة العسكرية اذا لزم الأمر».

الى جانب هذه العناوين وجدت في الصحف المغربية أخبارا أخرى عن صفقات سلاح بقيمة تجاوزت الملياري دولار عقدتها الجزائر مع روسيا، وعن صراع في الجزائر بين معسكرين، أحدها يحبذ شراء السلاح الروسي، والثاني منحاز أكثر الى شركات السلاح الفرنسي.

وكان واضحا من الاشارات ان ذلك السلاح يدخل ضمن الاستعدادات للمواجهة العسكرية، التي تتحدث عنها الصحف.
بل قرأت أيضا ان شحنات من ذلك السلاح أرسلت عبر الحدود الى جبهة البوليساريو، التي تساندها الجزائر وتدعمها.

كان ذلك السيل من الأخبار مفاجئا لي مرتين،
مرة لأنه حاصل وواصل الى تلك الدرجة المفجعة من الاحتشاد والتأهب.

ومرة ثانية لأننا لا نجد له صدى في المشرق، لا في وسائل اعلامنا ولا في دوائر «القمة»، ولا حتى في اطار جامعة الدول العربية التي يفترض ان يسارع أمينها العام الى زيارة البلدين، لاطفاء مقدمات الحريق قبل ان يتفاقم.

وجدت ان مظاهر البؤس السياسي واحدة في المشرق والمغرب.
فعندنا تحاصر مصر غزة وتخاصم دمشق، في حين تظل أبواب القاهرة مفتوحة أمام الاسرائيليين.
وعندهم تمتد الجسور بين الرباط وتل أبيب ويتدفق السياح الاسرائيليون على المغرب، في حين تغلق الحدود على الجزائر منذ نحو عشر سنوات، ولا يستطيع الشقيق ان يعبر خط الحدود في أي من البلدين ليلتقي شقيقه في البلد الآخر.

سألت، فانتقد الجميع موقف الجزائر من دعم جبهة البوليساريو الداعية الى الانفصال عن التراب المغربي، لكن الآراء اختلفت في تشخيص الأسباب وراء ذلك، فمن قائل ان هناك تطلعات الى ثروات منطقة الصحراء.

وقائل ان الجزائر التي تطل على البحر الأبيض تريد منفذا لها الى المحيط الأطلسي، ولا سبيل الى ذلك الا باختراق منطقة الصحراء،
وقائل ان التنازع بين البلدين ليس حول الصحراء فحسب، ولكنه أيضا حول زعامة منطقة المغرب العربي، كما ان الفرنسيين والأمريكيين ليسوا بعيدين عنه.

(2)

في حين كانت الصحف تتحدث عن الأزمة مع الجزائر، وجدت البرلمان المغربي هائجا على اسبانيا ومتهما وسائل اعلامها بالتزوير والتدليس، بل وارتفعت فيه أصوات داعية الى قطع العلاقات مع مدريد.

كنت أعرف ان هناك مشكلة معلقة بين البلدين لم تجد حلا منذ أكثر من خمسة قرون، أعني بذلك مشكلة سبتة ومليلية اللتين احتلتهما اسبانيا وضمتهما الى ترابها، ولا تزال ترفض الجلاء عنهما على الرغم من تعلق أهلهما المغاربة بوطنهم الأم.
وهي مشكلة تكاد تماثل قضية الجزر الثلاث، التي تسيطر عليها ايران.

والفرق ان المشرق بحكوماته ومؤسساته مشغول بالجزر الثلاث طوال الوقت، ولم يأت على ذكر سبتة ومليلية في أي وقت، حتى أصبح المغرب يقف وحيدا أمام اسبانيا، ولم يستطع ان يتوصل الى حل للاشكال حتى الآن.

لم تكن مشكلة البلدتين هي موضوع الأزمة، وانما كانتا في خلفيتها ممثلة في حالة التوتر والمرارة وسوء الظن.

وفهمت ان الأمر متعلق بموضوع الصحراء، ذلك ان هجوما من بعض الصحراويين الغاضبين وقع على بعض رجال الشرطة المغاربة في منطقة «العيون» أسفر عن مقتل 11 شخصا من عناصر الشرطة.

ولكن بعض الصحف الاسبانية قلبت الآية، ونشرت قصة مفبركة عن قمع الشرطة المغربية للصحراويين، واستشهدت في ذلك بصورتين تبرزان قسوة وبشاعة القمع الذي مارسته الشرطة.

وأحدثت التقارير التي نشرت بهذا الخصوص أثرها السريع في أوساط الاعلام الاسباني وفي موقف البرلمان الأوروبي، حيث اتجه الرأي الساند الى ادانة المغرب والتنديد بسلوكه «الوحشي» واضطهاده للصحراويين.

وتبين فيما بعد ان الصور مزورة، وأن واحدة منها كانت لجريمة قتل وقعت في الدار البيضاء، والثانية كانت لأطفال من ضحايا الهجوم الاسرائيلي على غزة.
ولم يكن لأي منهما صلة بأحداث الصحراء أو ما جرى في العيون.

وحين انفضح الأمر على ذلك النحو ثارت ثائرة المغاربة ونواب البرلمان، واحتجت الحكومة، لأنهم اعتبروا اختيار تلك الصور والتنديد بالمغرب بناء عليها تعبيرا عن سوء النية وتعمد الاساءة والتشهير.

بعد يوم من وصولي الى فاس تابعت على شاشة التلفزيون مظاهرة هائلة خرجت الى شوارع الدار البيضاء، قيل انها ضمت ثلاثة ملايين شخص، وشاركت فيها كل القوى السياسية، وقد رفعت شعارات الاحتجاج والادانة «ضد تعنت الحزب الشعبي الاسباني اليميني، الذي تعمد أسلوب التلفيق والتزوير والكذب ضد أهم القضايا الوطنية في الساحة المغربية»، كما ذكرت صحيفة الشروق المغربية في اشارتها الى قضية الصحراء.

كانت المظاهرة حاشدة حقا، وان لم أجد لها ذكرا في الصحف المصرية، لكن نجاحها لم يشف غليل بعض المثقفين، فتعددت كتاباتهم مثيرة أسئلة من قبيل:
ماذا بعدها؟
وهل يكفي الغضب لحل مشكلة الصحراء؟
وهل يتطلب الأمر مقاربة من نوع آخر تحل الاشكال مع المغرب والجزائر؟

وحدهم كانوا يتساءلون، ووحدهم كانوا يجيبون.
لكن حواراتهم ظلت محكومة بحدود المغرب ولم يكن لها صدى يذكر في فضاء المشرق.

(3)

في كل مكان ذهبت اليه كنت أرجو ممن التقيتهم ان يحدثوني باللغة العربية.

حدث ذلك في الفندق والمطعم والسوق والتاكسي وصولا الى شرطة المرور والحمالين، الذين يتزاحمون في المطار.

ولم يكن ذلك جديدا علي لأن فرنسة اللسان المغاربي كانت أهم انجاز حققه الاحتلال، الذي سحب عساكره وترك لغته لكي تبقي على الاحتلال وتكرسه.

وكانت المفارقة ان اللغة الفرنسية منيت بهزيمة نسبية،، وصارت تتراجع في مواطنها (كما تحدثت لوموند دبلوماتيك في عددها الصادر في أول ديسمبر الحالي) الا أنها مازالت ثابتة القدم ومهيمنة في المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا على الأقل،

المتغير الذي لاحظته هذه المرة في المغرب تمثل في أمرين،
الأول ان الحديث بالفرنسية صار وباء ولم يعد مجرد مرض عارض،
والثاني ان الثقافة الأمازيغية أصبحت تحتل موقعا متقدما في لغة الخطاب العام.

والأمازيغية لهجة البربر التي كانت في الأصل منطوقة ثم تحولت الى مكتوبة، وأصبحت هناك قناة تلفزيونية ونشرات اخبارية ناطقة بها، وتولي رعاية هذا المد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

وهو أمر لا غضاضة فيه طالما ان 30٪ من ذوي الأصول البربرية في الجمهور المغربي لا يتكلمون العربية.
الا ان المشكلة أنه في حين تتقدم الفرنسية والأمازيغية فان التراجع مستمر في حظوظ اللغة العربية حتى ظهرت جماعات دعت الى اعتماد الدارجة المغربية محل العربية الفصحى، واعتبارها لغة وطنية بدلا من الفصحى.

المدافعون عن العربية الفصحى يقاومون ما يسمونه «تسونامي» الفرنسية.
وقد نددوا بوزير التعليم حين تحدث في مؤتمر صحافي باللغة الفرنسية.

وأثاروا ضجة في وسائل الاعلام حين وجدوا ان الكلمات والخطب، التي ألقيت في عيد الاستقلال كانت كلها بالفرنسية، واعتبروا ان تلك المفارقة دليل على ان استقلال المغرب لايزال منقوصا.

وسمعت من بعضهم ان الدوائر الرسمية لا تزال منحازة الى الفرنسية في مكاتباتها، حتى ان نشرات الأخبار والبرامج الحية تقدم باللغة الفرنسية في أوقات الذروة.
أما النشرات والبرامج العربية فيتم بثها في الأوقات، التي يضعف الاقبال فيها على المشاهدة.

حين ناقشت الأمر مع من أعرف من المثقفين المغاربة أرتأى أكثرهم ان المغرب العربي كله يواجه أزمة هوية، وأن رياح التغريب والتفتيت تعصف به بقوة.

وقالوا ان انصراف المشرق واستغراقه في همومه ومشاكله ترك المجال واسعا لانطلاق كل من يريد ان يعبث بمقدرات المغرب وهويته.

سألت عن المقصود بهؤلاء، فقال أكثر من واحد ان أهم اللاعبين في المغرب العربي الآن هم الأمريكيون والفرنسيون والاسرائيليون، والعرب يأتون كأفراد سائحين للصيد أو المتعة أو الالتقاء بالسحرة وقراء الكف والمشعوذين.

وانتقد بعضهم موقف الاعلام العربي، قائلين ان:
الاعلاميين يفضلون الذهاب الى دول الخليج والنفط ولا يجدون في دول المغرب ما يجذبهم أو يغريهم.

وبسبب هذا الغياب فان منطقة المغرب أصبحت في ادراك المشارقة مهرجانات فنية وغنائية وفرقا لكرة القدم، ومشاحنات ومكايدات بين المشجعين لهؤلاء وهؤلاء،
أما المجتمعات بتحدياتها ومشاكلها وحراكها.فهي بعيدة عن ادراك المشارقة.

قلت ان تراخي المشارقة في متابعة ما يجري في المغرب قصور لا مفر من الاعتراف به، لكننا يجب ان نقر أيضا بأن ثمة ضيقا في دول المغرب بحرية الاعلام.وهو ما تمثل في اغلاق مكاتب قناة الجزيرة في تونس والمغرب والجزائر.

رد واحد قائلا ان منظمات المجتمع المدني احتجت وعارضت اغلاق مكاتب الجزيرة.
وهو ما لا ندافع بدورنا عنه.

وما دمت قد ذكرت الجزيرة فقد لاحظنا ان الحوار الأخير، الذي أجرته القناة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حين تطرق الى أوضاع العالم العربي، فانه لم يشر بكلمة الى بلاد المغرب، حتى المذيع محمد كريشان، وهو تونسي، فاته ان يسأله عنها، الأمر الذي جاء شاهدا على ان المغرب لم يعد حاضرا حتى في بال كبار المثقفين المشارقة.

(4)

بقيت عندي كلمتان.

الأولى ان للصورة في المغرب وجها آخر لا ينبغي تجاهله.
ذلك ان التحديات التي أشرت اليها اذا كان قد استسلم لها البعض، خصوصا فيما يتعلق بالتغريب والتطبيع، الا ان هناك أيضا من تصدى بشجاعة ونبل مشهودين.

ذلك ان في المغرب فئات ومنظمات مازالت قابضة على الجمر، ومستبسلة في الدفاع عن هوية المغرب ورافضة التغريب والتطبيع.

لكن تلك الفئات التي لا تملك الا رفع الصوت والاعراب عن الغضب، تحتاج الى دعم ومساندة نظرائها في المشرق، خصوصا المثقفين المهجوسين بهموم الأمة والحادبين على مصيرها.

الكلمة الثانية تتعلق بالمناسبة التي أتاحت لي هذه الاطلالة على المشهد المغربي.
ذلك أنني ذهبت مدعوا الى المؤتمر السنوي لمنتدى فاس حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي، الذي شارك فيه مثقفون وخبراء من العالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

ومما قلته في المناقشات ان ثمة عملا يجب ان ننجزه قبل ان ننخرط في الحوار مع الحضارات الأخرى.
يتعلق بحوارنا الداخلي في الساحتين الوطنية والعربية.
وضربت مثلا بالقطيعة بين المغرب والجزائر.التي لا نستطيع ولا ينبغي ان نتجاهلها وننشغل بالحضارات الأخرى.

قلت أيضا ان مشكلة التنوع الثقافي أصبحت مثارة في بعض الدول الأوروبية بأكثر منها عندنا.
ونموذج فرنسا وألمانيا وسويسرا وهولندا دال على ضيق الصدر بالآخر تتسع دوائره في الأوساط الأوروبية، التي دأبت دولها على ان تلقننا دروسا في أهمية القبول بالآخر.

لم يكن ذلك أهم ما قيل في المنتدى بطبيعة الحال، لأنه تطرق الى أمور كثيرة أرجو ان يتاح لي ان أتطرق اليها في مرة لاحقة باذن الله.
........................

أسلحة الجيش للبيع

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 14 المحرم 1432 – 20 ديسمبر 2010
أسلحة الجيش للبيع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_20.html

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وشيوع الفوضى في أرجائه،دأبت بعض الصحف على نشر إعلانات لبعض السماسرة والعسكريين السابقين تعرض للبيع دبابات وصواريخ وطائرات مختلفة الأحجام والأصناف.
وهذا الذي حدث -وأدهشنا- قبل نحو عشرين عاما تكرر هذه الأيام على نحو أكبر وأبعد بكثير في النمسا.
ذلك أن الحكومة عرضت للبيع في الأسبوع الماضي 500 دبابة ومئة مدفع ثقيل وسبعة مبان يملكها الجيش النمساوي. ولم تشترط في ذلك سوى أن يتم البيع لجهات معروفة دون وسطاء. وذلك خشية أن تقع تلك الأسلحة في أيدى مرتزقة أو تجار سلاح في السوق السوداء.
عملية البيع هذه يبدو أنها تجد رواجا ومنافسة بين بعض الدول الأوروبية التي أصبحت تعتبر الجيوش وتسليحها وعتادها عبئا اقتصاديا يثقل كاهلها في الظروف الراهنة، إلى جانب أن الأوروبيين أصبحوا يستشعرون قدرا من الاستقرار والدعة، أصبحوا يستشعرون في ظلها أن احتمالات الحرب صارت منعدمة، فليس لديهم أعداء يهاجمونهم، كما أنهم لا يتوقعون اعتداء من أحد. من ثم فلم تعد هناك حاجة ملحة لا للاحتفاظ بالجيوش ولا للإنفاق على أسلحتها ومستلزماتها تلك الأموال الطائلة، التي سيكون عائدها أجدى وأربح لو أنها أنفقت في خدمة المواطنين ولصالحهم.
ذلك ما حدث في النمسا، التي اتجهت إلى تقليص عدد الجيش وعدته، بعدما أعلن وزير دفاعها أنه لم يعد مقتنعا بفكرة أن تحتفظ بلاده بجيش عرمرم في حين أنها دولة محايدة -حسب دستورها- منذ عام 1955.
ولكي يعزز رأيه، ذكر أن ميزانية الجيش تكلف دافع الضرائب 1 و2 مليار يورو سنويا، إذا استثمرت لصالح أية مشروعات اقتصادية منتجة تحتاجها النمسا، لتحقق من وراء ذلك خيرا كثيرا ينفع الناس ويسهم في النهوض بالمجتمع.
في الوقت ذاته، أعلنت ثلاثة أحزاب رئيسية، بما فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم تأييدها إجراء استفتاء حول موضوع آخر وثيق الصلة بتقليص الجيش وبيع أسلحته، يتمثل في مستقبل نظام الخدمة العسكرية الإجبارية الذي يلزم الشبان بالانخراط في الجيش "لخدمة العلم". وهو ما يتطلب سنويا استدعاء 46 ألف شاب نمساوي بعد إكمالهم مرحلة التعليم الثانوي، وأحيانا الجامعي، لإجراء الفحوص الطبية اللازمة عليهم لمدة يومين.
وذلك بهدف انتقاء 25 ألفا منهم لتمضية ستة أشهر في تدريبات عسكرية، في حين يوجه الآخرون لتمضية الفترة ذاتها في تقديم الخدمات الاجتماعية.
فكرة تقليص الجيوش جاءت لاحقة لفكرة خصخصة الحروب لدى بعض الدول. وتتلخص في أن تحتفظ الدول بجيوشها وتتعهدها بالرعاية ورفع الكفاءة. في حين تتعاقد مع شركات القطاع الخاص للقيام بالحروب الصغيرة والمهام القذرة.
وهذه الشركات يديرها سماسرة وضباط متقاعدون، وتضم أعدادا من الجنود المرتزقة (أغلبهم مسرحون من الجيوش النظامية ومن المجرمين الهاربين وأرباب السوابق).
وهؤلاء الجنود مدربون على الاقتحام والعنف ويتمتعون بلياقة بدنية عالية، ويتقاضون أجورا باهظة، لأن العمليات التي يقومون بها تعرض حياتهم للخطر.
تقوم هذه الشركات أو المنظمات بالعمليات القتالية المطلوبة لصالح الدولة أو الجهة الممولة، وهؤلاء المرتزقة كان لهم إسهامهم في بعض الانقلابات التي حدثت في القارة الإفريقية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية استعانت ببعض شركاتهم بعد احتلال العراق وغزو أفغانستان.
وتولت وزارة الدفاع إبرام العقود معها، ودفعت لقاء ذلك ملايين الدولارات، حيث أطلقت يدها في أن تفعل ما تشاء من جرائم بحق الأهالي، حتى كانت لها معسكراتها وسجونها الخاصة. والقصص التي تروي الآن عما فعلته منظمة "بلاك ووتر" في العراق يشيب لها الولدان، وبعض جرائمها وصلت إلى ساحات المحاكم.
ومن وجهة النظر الأمريكية، فإن جيوش المرتزقة الخاصة تقوم بمهامها وتتحمل وحدها المسئولية عنها، وتتلقى مقابل ذلك ما تشاء من أموال.
أغلب الظن أن ذلك التراجع في دور الجيوش بما في ذلك خصخصة الحروب يعد بمثابة مرحلة انتقالية تسبق التحول من حروب الجيوش النظامية إلى الحرب الإلكترونية، التي تستخدم فيها التقنيات الحديثة في تخريب مرافق "العدو" وشل حركته، ومن ثم هزيمته واضطراره إلى التسليم دون أن تطلق قذيفة أو تسيل أي دماء، لكن تلك لغة عالم آخر لا علاقة لنا به في الأجل المنظور على الأقل.
..........................

19 ديسمبر، 2010

ثرثرة المثقفين في الوثائق

صحيفة الشرق القطريه الأحد 13 المحرم 1432 – 19 ديسمبر 2010
ثرثرة المثقفين في الوثائق – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_19.html

المثير في وثائق موقع ويكيليكس ليس فقط مضمونها الذي فضح بعض أوجه السياسة والسياسيين في العالم، ولكن أيضا كيفية تعامل الإعلام العربي معها.

صحيح أنها كشفت عن عمق واتساع الفجوة بين الأنظمة والشعوب في المنطقة وأسهمت في تعرية مواقف بعض السياسيين الذين يقولون في الغرف المغلقة كلاما ويقولون للناس كلاما آخر، إلا أن الإعلام في كل دولة أخذ راحته بصورة نسبية في الكلام عن الدول الأخرى.

أما في داخل الدولة ذاتها، فإن الإعلام سكت عن بعض الوثائق ورحب بنشر وثائق أخرى، بعد اللعب في صياغتها بحيث تضم إلى مواكب التهليل وخطاب تمجيد الأوضاع القائمة.
أدري أن الوثائق المسربة لا ترسم كل الصورة المودعة في الخزائن الأمريكية لأن السرية في الأرشيف الأمريكي درجات ثلاث في الأغلب، وما ظهر إلى العلن حتى الآن يخص وثائق من الدرجة الثالثة، الأمر الذي يعني أن هناك ما هو «أعظم» منها ما يندرج ضمن الدرجتين الثانية والأولى، إلا أن ما وقع بين أيدينا لا يمكن التقليل من أهميته الكاشفة.

صحيح أن ما خص إسرائيل منها لا يزال مسكوتا عليه، أو سرب منه النزر اليسير، إلا أن ما نشر عن العالم العربي ومصر بوجه أخص يستحق أن يقرأ بعناية، لم تتوافر حتى الوقت الراهن على الأقل.

وفيما يتعلق بمصر قيل لي: إن فريقا من الناشطين يعملون على جمع أشتاتها وترجمتها، وأرجو ألا ننتظر طويلا حتى نرى ثمرة ذلك الجهد، الذي أتصور وأرجو ألا تمتد إليه يد الرقابة وتعليمات الحظر.
لقد ذكرت صحيفة «الجارديان البريطانية» أن نصيب مصر من تلك الوثائق 2.700 وثيقة. ورغم أن بعضا منها تحدثت عنه صحفنا المصرية واعتبرته في بعض الأحيان شهادة براءة للسياسة المصرية، وشهادة تفوق في أحيان أخرى، فإن معلوماتي أن ثمة توجيها يحظر نشر عدد غير قليل مما تم تسريبه ونشره في الخارج، خصوصا تلك التي تعلقت بمستقبل الحكم وخلفيات وتفاعلات قضية التوريث (وهي بالمناسبة تؤيد ما نعرفه وما يتهامس به كثيرون في مجالسهم الخاصة)، أو تلك التي تتصل بالمسائل العسكرية والأمنية.
إزاء ذلك فإن المرء لا يملك إلا أن يتوخى قدرا كبيرا من الحذر في الحديث عما ينشر هناك من وثائق وما يحجب عندنا، للأسباب التي لا تخفى على فطنتك.
وهذا الحذر دفعني إلى غض الطرف عن بعض الوثائق، ولم يمنعني من التوقف عند وثيقة وجدتها في منزلة بين المنزلتين. فهي تتحدث عن المثقفين المصريين وليس عن صُنَّاع القرار وبيت الحكم، وتلك منطقة آمنة إلا أنها تخوض في محظور الأمور الأمنية.
الأمر الذي يدعونا إلى الاقتراب من الموضوع دون الإشارة إلى التفاصيل التي وردت بخصوصه، وهو ما أرجو أن يجنبني الوقوع في المحظور، ويشفع لي عند النائب العام وعند أهل الرصد والمراقبة.
الوثيقة ليست خطيرة، ولكن موضوعها فقط هو الحساس في مصر على الأقل. إذ هي جماع انطباعات واستنتاجات تعلقت بالمؤسسات الأمنية،
وقد استوقفني فيها أمران،
أولهما حرص السفارة الأمريكية على التعرف على مستقبل الحكم في مصر.
وثانيهما المصادر التي لجأ إليها دبلوماسيو السفارة في تحري هذه الأمور،
ولم تخرج عن مجموعتين من المثقفين هما
أساتذة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية والجامعات الأخرى،
وخبراء مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام،

ومن الواضح في البرقية أن الانطباعات التي تضمنتها تشكلت من خلال مناقشات مع هؤلاء الأشخاص حرص دبلوماسيو السفارة على أن يطرحوا خلالها أسئلتهم، التي منها ما يلي على سبيل المثال:

ما هو مستوى كفاءة الأجهزة الأمنية في مرحلة ما يسمى بالسلام التي بدأت بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979؟
وما موقفهم من قضية التوريث؟
وهل يمكن أن يكون تنامي دور رجال الأعمال في الحياة السياسية المصرية قصد به معادلة للنفوذ الذي تمارسه الأجهزة الأمنية؟.
الاهتمام الأمريكي بهذه الأمور يفتح الباب لتساؤلات تتعلق بدوافعه ومقاصده، رغم صدوره عن أطراف يفترض أنها «صديقة»، بعض تلك التساؤلات تنصب على ما إذا كانت تلك التقارير تدخل في ضمن الاهتمام الأمريكي فحسب، أم أنها تصل إلى إسرائيل أيضا؟

أيا كان الأمر فإن تطوع بعض المثقفين المصريين بتقديم تحليلات أو تخمينات تتعلق بالمسائل الحساسة في مصر يغدو منزلقا ينبغي الانتباه إليه والحذر من الوقوع فيه.
..........................

18 ديسمبر، 2010

نقلة في خطاب الأزهر

صحيفة الشرق القطريه السبت 12 المحرم 1432 – 18 ديسمبر 2010
نقلة في خطاب الأزهر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_18.html

اعتذار شيخ الأزهر عن عدم حضور مؤتمر الإخاء الإسلامى المسيحى الذى عقد فى دمشق يوم الأربعاد الماضى 15/12، لم يستوقف كثيرين، رغم أنه يعد وثيقة مهمة تستحق أن تقرأ جيدا. حتى أزعم أنه يعد نقلة فى خطاب الأزهر، الذى ظلت مواقفه محل لغط كبير خلال السنوات الأخيرة.

وتكمن أهمية الاعتذار ليس فقط فيما عبر عنه من اعتزاز بسوريا وشعبها ومن آمال كبار معلقة على اجتماع «ركنى الأمة»، وإنما أيضا فى الموقف الذى سجله الإمام الأكبر، وانتقد فيه مقررات سينودس الفاتيكان بخصوص مسيحيى الشرق.

كان وزير الأوقاف السورى، الدكتور محمد عبدالستار، قد دعا الدكتور أحمد الطيب لحضور المؤتمر الذى أقيم فى دمشق بالتعاون مع بطريركية الروم الكاثوليك لعرض ومناقشة مقررات السينودس

(الكلمة يونانية الأصل ومعناها مجمع، والإشارة هنا إلى انعقاد مجمع كنائس الشرق الأوسط الذى رعاه الفاتيكان فى الشهر الماضى وخصص دورته لبحث أوضاع المسيحيين فى الشرق).

لم يتمكن شيخ الأزهر من المشاركة فى المؤتمر بسبب ضغط شواغله، لكنه لم يكتف بالاعتذار عن عدم الحضور، وبعث برسالة قيل لى إنها أودعت ضمن وثائق المؤتمر.

وفى الرسالة التى أتيح لى أن أطلع على نصها ذكر أن المسلمين فى ماضيهم وحاضرهم حرصوا على أن تبقى المجتمعات المسيحية فى الشرق حية ومزدهرة، وأن يظل إسهامها فى البناء الحضارى قائما طول الوقت، وقد اعتبروا ذلك التزاما شرعيا باعتبار أن الإسلام لم يكتف بالاعتراف بالديانات السماوية التى سبقته، وإنما حفظ كرامة كل إنسان وجعل الاختلاف بين الناس سنة كونية، كما جعل العلاقة بين كل بنى البشر باختلاف أجناسهم وأديانهم على أساس من الأخوة التى تعبر عن نفسها بالبر والتراحم.

وفى حين قرر الإمام الأكبر أن الشرق الإسلامى وطن لكل أبنائه بغير تفرقة أو تميز، فإنه ندد بفكرة يهودية الدولة الإسرائيلية واعتبرها من قبيل الغلو وبلوغ «الدرك الأسفل فى مراتب العدوان والاحتلال».

حين تطرق إلى وثيقة المجمع (السينودس) فإنه رحب بما قررته من أن الصراع العربى الإسرائيلى يمثل عاملا أساسيا فى الضغط على المسيحيين، كما رحب بتأكيدها على أهمية أن يشارك المسيحيون بدور إيجابى فى مجتمعاتهم باعتبارهم جزءا أصيلا من مكوناتها جنبا إلى جنب مع شركائهم المسلمين.
لكنه انتقد فى الوثيقة أربعة أمور وصفها بأنها سلبية هى:

1ــ الإشارة إلى أن المسيحيين فى الشرق يواجهون الآن وضعا شبيها بما واجهه المسيحيون الأوائل، حين كانوا يعانون الاضطهاد وتخضع بلادهم لاحتلال الرومان (وهو توصيف غير صحيح وغير صحى).

2 ــ الإيحاء بأن الخطر على الوجود المسيحى يرجع إلى السياسات التى تتبعها الدول الإسلامية وإلى الضغوط الاجتماعية الناشئة عن تزايد الاتجاهات الإسلامية.

3 ــ الإشارات المتكررة إلى أن المسلمين لا يعرفون حرية العقيدة والضمير، وإنما يسمحون بحرية العبادة، وأنهم لا يستطيعون التفرقة بين الدين والدولة ولا يكفلون للمسيحيين فرصا متكافئة.

4 ــ الموقف المائع من القضية الفلسطينية الذى يطالب بإنشاء وطنين قوميين لليهود والفلسطينيين دون أية إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلى أو الانسحاب من الأراضى المحتلة، أو وضع القدس.

يضاف إلى ذلك رفض المجمع فى الوثيقة للعنف أيا كان مصدره، فى مساواة بين الضحية والجلاد، وبين المعتدى ومن يدفع عن نفسه العدوان.

هذا كلام جديد على خطاب مشيخة الأزهر، ليس فقط فى تمحيص الوثيقة وموقفه النقدى لمضمونها، ولكن أيضا لما تضمنه من رؤية سياسية ناضجة لامست قضية الاحتلال الإسرائيلى بشكل مباشر. وتجنبت الدخول فى متاهات التفاصيل. الذى لا يقل عن ذلك أهمية أن شيخ الأزهر تبنى موقفا واضحا وشريفا دافع فيه عن المقاومة بمختلف أشكالها، ورفض المساواة بين المعتدى ومن يدفع عن نفسه العدوان.

حين فرغت من قراءة الرسالة خطر لى السؤال التالى:

هل أراد الإمام الأكبر برسالته أن ينبه مؤتمر دمشق فقط إلى مواضع الخلل فى وثيقة المجمع الكنسى،
أم أنه أراد أيضا أن يعالج البلبلة التى تحدثها تصريحات وزير الخارجية المصرى والمتحدث باسم وزارته بخصوص الشأن الفلسطينى، والعصبية التى تنتابهما حين يسمعا كلمة «المقاومة»، التى يعتبرانها رجسا من عمل إيران.
..........................

16 ديسمبر، 2010

غباء أم مؤامرة؟

صحيفة الشرق القطريه الخميس 10 المحرم 1432 – 16 ديسمبر 2010
غباء أم مؤامرة؟ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_16.html


لا أستبعد أن يكون من سموا أنفسهم مجاهدي أوروبا وراء التفجير الإرهابي الذي وقع في العاصمة السويدية أستوكهولم يوم الأحد الماضي (12/12)،
لكنني لا أخفي شكوكا في العملية تدفعني إلى عدم التسليم بأن ذلك هو الاحتمال الوحيد.

أدري أن لدى أمثال تلك المنظمات المجهولة التي لا نعرف من أين أتت ولا من وراءها، قدر من الغباء والسذاجة يجعلها تقدم على عملية من ذلك القبيل، لكن الشكوك راودتني حين وجدت أن التفجير الذي تم في أستوكهولم يضر بالمسلمين بأكثر من إضراره بالمستهدفين في السويد. وخطر لي أن يكون الأمر أكثر تعقيدا وخبثا مما بدا لنا لأول وهلة.
لقد تحدثت الصحف عن انفجارين وقعا في أحد الأحياء المزدحمة بالعاصمة السويدية، وأن أحدهما انطلق من سيارة كانت محملة بأسطوانات الغاز. وأن الانتحاري الذي قتل في انفجار السيارة كان يرتدي كوفية فلسطينية مرقطة، وأنه كان يردد عبارات رجح الذين سمعوها أنها باللغة العربية.

كما ذكرت وكالات الأنباء أن الانفجارين وقعا بعد عشر دقائق من تلقي وكالة الأنباء السويدية (تي.تي) رسالة تهديد عبر البريد الإلكتروني بشأن الوجود العسكري السويدي في أفغانستان، وتفجر أزمة الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي وقت لاحق ظهر في الأفق موقع يسمع به لأول مرة يحمل اسم «شموخ الإسلام»، أعتبر أنه حقق نصرا إعلاميا كبيرا حين نشر اسم الانتحاري الذي قام بالعملية (تيمور عبدالوهاب، قيل إنه من العراق). وظهر الشاب وسط واد أخضر وقد ارتدى بدلة سوداء، ونظارة من ذات اللون وقد وضع يديه في جيبي سرواله.
أثار انتباهي في العملية اختيار المكان وتوقيت العملية وبعض التفاصيل المتعلقة بالانتحاري الذي قام بالتنفيذ. فقد ذكرت التقارير أن التفجير كان تصفية للحساب مع السويد التي أرسلت بعض قواتها للاشتراك في القتال بأفغانستان، والتي نشرت فيها الرسومات المسيئة للرسول.
واستغربت أن يتذكر هؤلاء تلك الخلفية الآن، بعدما مر عليها أكثر من ثلاث سنوات.

ولاحظت أن التفجير تم في الوقت الذي عبرت فيه دول شمال أوروبا عن تضامنها مع الفلسطينيين بصور شتى. فقد راج في المنطقة بصورة منقطعة النظير كتاب «عيون على غزة» الذي ألفه الطبيبان النرويجيان مارس جيلبرت وإيريك فرس، اللذان سجلا تجربتهما حينما ذهبا لإغاثة الجرحى والضحايا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008، وفضحا فظاعة الحدث وبشاعة الممارسات الإسرائيلية.

طبع الكتاب ست مرات في النرويج، وترجم أخيرا إلى اللغة الإنجليزية. وقد امتدح وزير خارجية النرويج يوناس جار ستور الكتاب، ونظمت حملة نرويجية ضمت مائة شخصية بارزة دعت إلى مقاطعة إسرائيل أكاديميا وثقافيا. قادها إيجيل أولسن، مدرب الفريق الوطني لكرة القدم، الذي قال إن الحملة تمثل رأي 90٪ من النرويجيين.

كما أن وزيرة خارجية الدنمرك ليني إسبرسن أعلنت موقفا جريئا ضد المستوطنات، أزعج الخارجية الإسرائيلية التي طلبت إيضاحات من سفارة الدنمرك. إذ هاجمت المستوطنات وقالت إنها غير شرعية وتمثل عقبة أمام السلام، وطالبت رجال الأعمال الدنمركيين بعدم القيام بأي عمل يساعدها.
الخلاصة أن دول إسكندنافيا شهدت في الآونة الأخيرة أجواء إيجابية متضامنة مع العرب والفلسطينيين، بدت نشازا وسط حملة العداء لهم والتي هبت رياحها في هولندا وألمانيا وسويسرا، وإذا بعملية التفجير الأخيرة تنطلق في أستوكهولم لتقلب الصورة رأسا على عقب.


من ناحية أخرى، استوقفتني حكاية الكوفية الفلسطينية التي تلفع بها الانتحاري وهو ذاهب لكي يفجر نفسه. في حين يفترض أن يتخفى حتى لا ينكشف أمره. وكأن هناك من قصد وضع الكوفية لكي يشير بسهم الاتهام إلى الفلسطينيين ــ واستغربت أن يذهب صاحبنا لكي يفجر نفسه بالكوفية الفلسطينية،
وحين نشر موقع «شموخ الإسلام» صورة له، بدا واقفا وسط الخضرة وقد ارتدى بدلة غربية ونظارة سوداء، كأي ممثل سينمائي.


أمام هذه الملاحظات فإننا نصبح أمام أحد احتمالين،
إما أن هذه المجموعة اتسمت بغباء لا حدود له وأساءت تقدير كل شيء، حتى تصرفت على ذلك النحو.
وإما أن نكون بصدد ملعوب تم تدبيره من جانب أطراف ذات مصلحة لترويع الأوروبيين، وتنفير الجميع من المسلمين، وصرف الانتباه عن فضائح وثائق ويكيليكس التي شغلت الدنيا وحيرت الناس ــ والله أعلم.
......................

15 ديسمبر، 2010

الإجماع هو الحل!

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 9 المحرم 1432 – 15 ديسمبر 2010
الإجماع هو الحل! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_15.html


في أول إطلالة لمجلس الشعب الجديد تم انتخاب الدكتور أحمد فتحي سرور رئيسا له بصورة لها دلالتها العميقة، التي تسلط ضوءًا كاشفا على الصورة الحقيقية للمجلس والآمال المعلقة عليه.
ذلك أنه حين فتح باب الترشيح لرئاسة المجلس تقدم اثنان. أحدهما الدكتور سرور، والثاني الدكتور محمد عبدالعال الذى يفترض أنه يمثل حزب العدالة الاجتماعية مجهول الهوية الذى لم يسمع به أحد في الساحة السياسية أو في مجالات العمل العام.

وعند فرز الأصوات تبين أن الدكتور سرور حصل على 505 أصوات، في حين حصل منافسه على صوت واحد، أغلب الظن أنه صوته هو،
الأمر الذى يستدعي إلى الذاكرة تجارب التصويت في انتخابات جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، حين كانت الأجهزة الأمنية تدفع بمرشح متفق عليه لكى ينافس مرشح الحكومة المطلوب. فيحصل الأول على صوته في حين يحقق الثاني فوزا كاسحا.

وقد حدث في جمهورية أوزبكستان أن مرشحا منافسا للرئيس إسلام كريموف ذهب إلى مقر اللجنة المختصة يوم الانتخابات وأعلن أنه سوف يعطي صوته لغريمه المبجل والمحبوب الرئيس كريموف!
لقطة انتخابات الدكتور سرور تنبهنا إلى أمرين، أولهما أن ذلك سيكون مصير التصويت في برلمان اللون الواحد والرأي الواحد. حيث تبين أن الذين أداروا العملية الانتخابية لم يكتفوا بإقصاء كل من رفع صوته بالمناقشة أو المساءلة، ولا كل الذين رفعوا شعار الإسلام هو الحل، وإنما كان شعارهم الذين اهتدوا به في تصميم المجلس الجديد هو «الإجماع هو الحل».
الأمر الثاني أنه إذا كان الدكتور سرور قد انتخب بأغلبية 505 أصوات. وحصل «منافسه» على صوت واحد، فكيف نتوقع التصويت حين يحين موعد ترشيح رئيس الجمهورية؟
صحيح أن الدستور بعد التعديل يتطلب لترشيحه تأييد 65 عضوا في مجلس الشعب (وآخرين من مجلس الشورى والمجالس المحلية)، إلا أن الذين أخرجوا العملية حين حرصوا على «تنقية» المجلس من «شوائب» سابقة، توسموا في تشكيله الجديد أن يندفع بكامل أعضائه لتأييد مرشح الحزب الوطني، الذى هو الرئىس مبارك، حتى إشعار آخر على الأقل.
إذ في هذه الحالة كيف سيعبر أعضاء المجلس عن حماسهم وإجماعهم،
وهل يليق أن يتساوى الحماس لانتخاب رئيس المجلس مع الحماس لانتخابات رئيس الجمهورية،
وهل يمكن في هذه الحالة أن يلجأ الأعضاء إلى التصويت هم وعائلاتهم لصالح مرشح الحزب الوطني، تعبيرا منهم عن ابتهاجهم وحفاوتهم؟
كانت تلك ملاحظتي الأولى على عملية انتخاب رئيس المجلس. أما ملاحظتي الثانية فتتعلق بتمسك السلطة بترشيح الدكتور سرور الذى بلغ من العمر 77 عاما، ويتولى رئاسة المجلس وإدارته لحساب الحكومة منذ واحد وعشرين عاما،
الأمر الذى يستدعى إلى الأذهان مفهوم «الشخصنة» في إدارة البلد الذى تحدث عنه المستشار طارق البشرى في بعض كتاباته، وقصد بها أن تظل إدارة الدولة بيد أفراد بذواتهم من الفئة المحيطة (أهل الولاء والثقة) بحيث يظل هؤلاء في مواقعهم ووظائفهم لأطول مدة ممكنة، وبحيث تحل العلاقات الشخصية محل علاقات العمل الموضوعية

وذهب في ذلك إلى القول إن النظام المتشخصن نظام مغلق لا ينفتح على خارج ذاته، وأن الدولة المتشخصنة هي تلك التي تسعى دائما إلى تثبيت الأمر الواقع ومقاومة التغيير حتى وإن ادعته. وأي تغيير تضطر إليه يكون بالاستنساخ السياسي، بحيث يكون المستنسخ الجديد على صورة سابقة، فيحمل خصائصه وعمره.

لذلك فإن النظام المتشخصن لا تقوم له أية قدرة أو إمكانية على التجديد الذاتي، وإنما يشكل فقط حالة من حالات الاستبقاء لأطول أجل، بأي ثمن وأي مقابل.
في رأى المستشار البشرى أن الركود في العمل العام يفضى إلى الشخصنة، وإلى دوام بقاء الناس في أوضاعهم بحيث لا يلحقهم فيها تغيير أو تبديل. إذ هم باقون لأن تحديا لا يطرأ واحتياجا جديدا لا يظهر، ومشاكل مختلفة لا تحدث. ومن ثم لا تظهر ضرورة ملحة إلى التغيير أو التعديل.
وهذا الركود الذى يفضى إلى الشخصنة يظل بدوره سببا لقيامها واستمرارها. لأن الأوضاع الجديدة تحتاج إلى أناس جدد وإلى خبرة مختلفة لفهم المشاكل التي تجد واستحداث حلول لها.

ولأنه لا جديد في الأفق ولا أمل في أي تغيير. فلا مناص من تثبيت الأمر الواقع بمختلف حقائقه وشخوصه ــ وهى الفكرة التي فسَّرت لي الشعار الذى رفعه الحزب الحاكم ذات مرة وقال فيه إن بلدهم ستتقدم بهم، دون غيرهم!
..........................

13 ديسمبر، 2010

مستقبل المنطقة في قبضة التطرف الإسرائيلي – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 8 المحرم 1432 – 14 ديسمبر 2010
مستقبل المنطقة في قبضة التطرف الإسرائيلي – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_655.html

يبدو أننا صرنا أمام لحظة الحقيقة في الشأن الفلسطيني، حيث تشير كل الدلائل الى أن مستقبل القضية، والمنطقة بأسرها، أصبح يحدده أفيغدور ليبرمان، كبير الإرهابيين في إسرائيل، وعصبة المتطرفين والغلاة في الكنيست الذين يشايعونه ويزايدون عليه.

- 1 –

سيقول قائل إن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء هو الرجل الأقوى في الساحة، الذي أذل الفلسطينيين وأهان العرب أجمعين، وتحدى الرئيس أوباما شخصياً، ومن ثم هزم الجميع، وجعلهم يمشون وراءه ويتبعونه حيث يذهب.
وهذا كلام صحيح وغير دقيق. صحيح من حيث انه يصور الواقع كما تسجله عناوين الأخبار. وغير دقيق لأنه لا يغوص في العمق ولا يلامس القوى التي تحرك نتنياهو وتحدد وجهته وتدفع مسيرته.
لديّ شهادة تؤيد ما أدعيه، أوردها لاري درفنر أحد المعلقين البارزين في صحيفة «جيروزاليم بوست» قال فيها إن بعض المراقبين المحايدين احتاروا في معرفة النهج الذي يسير عليه نتنياهو…
لكن هذا التساؤل حسم في منتصف شهر أكتوبر الماضي، حين أيد الرجل قانون الولاء، الذي يلزم من يرغب في الحصول على المواطنة بأن يقسم يمين الولاء لإسرائيل باعتبارها دولة يهودية وديموقراطية.
كما أيد القانون الذي يقضي بإجراء استفتاء عام على أي اتفاق سلام محتمل، وبعد أن طالب الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية في مقابل تجميد الاستيطان شهرين اضافيين. بعد أن تصرف نتنياهو على ذلك النحو، فإن التقدير الأكثر واقعية بات يشير الى ان الرجل في حقيقة الأمر ليس سوى سيئ السمعة أفيجدور ليبرمان، ولكن في منصب رئيس الحكومة.
أضاف الكاتب قائلاً إنه لا يعرف لماذا يعتقد كثير من الناس ان نتنياهو يحتفظ بليبرمان في الحكومة رغماً عنه، وانه مضطر لتحمله لأن الحقائق السياسية تفرض ذلك (يقصد تأييد أحزاب اليمين له في البرلمان والائتلاف الحكومي).
في حين ان الذي صنع ليبرمان هو نتنياهو ذاته، فلا أحد خارج الدوائر السياسية اليمينية سمع بليبرمان حتى سنة 1996، عندما عينه نتنياهو مديراً عاماً لديوان رئيس الحكومة. ثم أصبح ساعده الأيمن بعد ذلك، بعدما أصبحا يريان الأمور بمنظار واحد.
وفي حقيقة الأمر فإن نتنياهو لم يكن جاداً بشأن التوصل الى سلام ينطوي على إقامة دولة فلسطينية على أرض الواقع. بل إنه على استعداد فقط لرمي عظمة أو عظمتين الى الفلسطينيين، ولا شيء أكثر من ذلك.
ذكر الكاتب أن كل الشواهد تدل على ان نتنياهو متمسك بتحالفه الإيديولوجي مع ليبرمان والمستوطنين وبقية اليمين المتطرف. وهؤلاء يركبون موجة عالية. ولديهم مجموعة كبيرة أخرى من القوانين الاستبدادية المناهضة للعرب التي يسعون لتمريرها، وهم مطمئنون الى ان الطريق مفتوح أمامهم لتحقيق ذلك. حيث لم يعد يعنيهم كثيراً موقف حزب العمل أو حزب كاديما. أو يهود الشتات أو حتى واشنطن أو وسائل الإعلام.. كما أنهم لم يعودوا يكترثون بأي رد فعل فلسطيني أو عربي.

- 2 –

ليبرمان وجماعته لم يكتفوا بما حققوه من اغتصاب لفلسطين وسرقة للجغرافيا، لكنهم أصبحوا يلحون على سرقة التاريخ أيضاً، ويطالبون الفلسطينيين بأن يقرأوا تاريخ بلادهم بعيون إسرائيلية، والقصة الغريبة التي حدثت متعلقة بحائط «البراق» أبلغ دليل على ذلك.

خلاصة القصة أنه في أواخر الشهر الماضي كتب وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية المتوكل طه مقالة عن حائط البراق الذي يمثل الجدار الغربي للمسجد الأقصى، ويدعي الإسرائيليون ملكيته حتى سموه حائط «المبكى»، ذكر فيها ما هو ثابت في كتب التاريخ من ان الحائط جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى ومن الحرم القدسي الشريف، وهو وقف إسلامي لعائلة بومدين المغاربية المسلمة.
وما إن نشر المقالة في الموقع الرسمي لوزارة الإعلام حتى ثارت ثائرة الإسرائيليين وقامت الدنيا ولم تقعد. اذ تتابعت ردود الأفعال التي رصدها زميلنا الأستاذ بلال الحسن «الشرق الأوسط 12/2» على النحو التالي:
- طالب مارك ريجيف (2010/1/12) المتحدث الرسمي باسم رئاسة الوزراء الإسرائيلية، بإزالة المقالة من موقع الوزارة الفلسطينية، معللا طلبه بأن المقالة تحريضية، وأنها تؤكد إسلامية حائط البراق. وطالب الرئيس عباس ورئيس الوزراء سلام فياض بمحاسبة الكاتب بذريعة تحريضه على العنف (!) وذهب ريجيف في موقفه الى ما هو أبعد فقال:
«إن مقالة المتوكل تثير تساؤلات حول التزام الحكومة الفلسطينية بعملية السلام»، من حيث انها تشكك في العلاقة التي تربط اليهود بالقدس وبأرض إسرائيل.
- لم تمض سوى ساعات قليلة على هذا التصريح الإسرائيلي، حتى بادر «بي جي كولوني»، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية الى عقد مؤتمر صحافي قال فيه:
«نحن ندين بشدة هذه التصريحات ونرفضها رفضاً تاماً بوصفها خاطئة من منظور الوقائع (!)، ولا تراعي أحاسيس الآخرين، واستفزازية للغاية.
وقال كولوني أيضاً: «لقد ناقشنا مراراً مع السلطة الفلسطينية ضرورة مكافحة جميع أشكال نزع الشرعية عن إسرائيل، بما في ذلك الارتباط اليهودي التاريخي بالأرض (أرض فلسطين)».
- اتسع نطاق رد الفعل الأمريكي الرسمي، فشارك فيه رجال البرلمان، وقال هاورد بيرمان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، إنه يدين بشدة هذه المقالة، وان الرئيس عباس ورئيس الوزراء سلام فياض يعرفان الأهمية الروحية للحائط الغربي لدى اليهود في العالم.
ما يثير الدهشة أن الضجة التي أثيرت حول الحائط لها جذور تمتد الى عام 1929 حيث ثار الفلسطينيون على اليهود المهاجرين الذين ادعوا ملكيتهم له، فيما عرف آنذاك بـ«هبّة البراق» التي سقط فيها العديد من القتلى والجرحى، وأقلقت المشكلة سلطة الانتداب البريطاني، فشكلت آنذاك لجنة دولية وضعت تقريرها في عام 1930 (أيدته بريطانيا وعصبة الأمم)، وقد أوصت بما يلي:
- تعود ملكية الحائط الغربي الى المسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لأنه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف.. وتعود اليهم ملكية «الرصيف» الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط
(هدم الجيش الإسرائيلي حي المغاربة بالكامل فور احتلال الجيش الإسرائيلي لمدينة القدس عام 1967).
- ان أدوات العبادة، من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط.. ولا يجوز أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له.
- لليهود حرية السلوك الى الحائط لإقامة التضرعات في جميع الأوقات.

- 3 –

الإنجاز الأخير الذي حققه الثنائي نتنياهو ليبرمان تمثل في نجاحهما في فرض موقفهما على الإدارة الأمريكية، واثنائها عن مطالبة إسرائيل بالوقف المؤقت للاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين،
وهو الموقف الذي اعتبر بحق إعلاناً أمريكياً عن التبني الكامل لخطة نتنياهو للخطة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بالتسوية السياسية مع الفلسطينيين.
وهي الخطة التي كان الرجل قد أعلنها مع بدء الحديث عن العودة الى المفاوضات برعاية أمريكية، وذكر فيها أنه لا يريد ان يفاوض بناء على شروط مسبقة (بما فيها الاتفاقات التي تمت مع الحكومات الإسرائيلية السابقة)، لا حول الحدود أو الاستيطان أو أي شيء آخر.
ولم يكن ذلك سوى تمهيد لخطته الأساسية التي لخصها في أنه يريد ان يتوصل مع الفلسطينيين والعرب الى اتفاق مبادئ أو اطار مرحلي حول الدولة الفلسطينية وملفاتها المختلفة. يتم تنفيذه خلال عشر سنوات.
هذا الموقف أيدته الولايات المتحدة رسميا، حيث أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية ان واشنطن قررت ان تجميد الاستيطان لن يزودنا بأرضية صلبة لاستئناف مفاوضات مباشرة ذات مغزى. وارتأت أنه من الأفضل التركيز على محاولة التوصل الى «اتفاق اطار» حول قضايا الحل الدائم.
ويبدو أن مصر أيدت الخطة، لأن السيد أحمد أبوالغيط وزير خارجية مصر تحدث في تصريح صحافي عن فكرة اتفاق الإطار، تبين حدود الدولة الفلسطينية ووضع القدس الشرقية وتضمن أمن إسرائيل.
وقال إن الاتفاقية يمكن ان يصوغها الأمريكيون أو الرباعية الدولية أو مجموعة من الخبراء، يحددون توقيتاً زمنياً للتوصل الى الاتفاق.
الموقف الإسرائيلي أعلنه في مؤتمر صحافي الجنرال شاؤول موفاز رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، قال فيه ان الخطة المقترحة تتم على مرحلتين:
في الأولى يُعقد اتفاق مرحلي تعلن فيه إقامة الدولة الفلسطينية على %66 من أراضي الضفة بالإضافة الى غزة، على ان تكون بدون حدود ودون إخلاء المستوطنات، مع ضرورة الاعتراف بسلطة دولة إسرائيل على كتل الاستيطان في الضفة، وفي ظل التسليم بالحد الشرقي (حد نهر الأردن بعمق 14 كيلومترا بدعوى الحفاظ على أمن إسرائيل).
أما في المرحلة الثانية التي يفترض فيها التطرق الى المسائل الجوهرية، فالقدس تبقى تحت السيادة الإسرائيلية مع البحث عن «حل مبدع» لتنظيم سير الحياة فيها (!)..
أما اللاجئون فانهم لا يعودون الى بلداتهم في إسرائيل، ولكن مشكلتهم تحل من خلال منظومة دولية.

- 4 –

المعروض على الطاولة الآن من جانب نتنياهو وليبرمان هو ذات المشروع الذي رفضه الجميع في البداية:
دولة فلسطينية مؤقتة منزوعة الصلاحية والعافية تقام على %66 من الضفة، لا مكان فيها للقدس ولا أمل في عودة اللاجئين
وهي خلاصة تستدعي على الفور السؤال التالي:
ما العمل إذن؟

ما يدهش المرء ان وصول عملية التسوية الى الطريق المسدود لم يحرك شيئا في العالم العربي، باستثناء دعوة لجنة المتابعة العربية للاجتماع.
ذلك أننا لم نسمع مثلاً عن أي مشاورات على مستوى القمة حول الموضوع.

وهذا السكون خير مشجع لإسرائيل على أن تتشبث بموقفها وأن ترفع سقف طلباتها، وهي مطمئنة الى ان العرب أصبحوا منزوعي القدرة على الحركة، وأن أنظمة المنطقة باتت تعول على الموقف الأمريكي وتنتظره، خصوصا أنها باتت مشغولة بما سمي بالخطر الإيراني، وقلقها أقل ازاء استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

أما السلطة الفلسطينية فإن رئيسها أبومازن ما فتئ يتحدث عن سبعة خيارات هي:
المفاوضات شريطة وقف الاستيطان
مطالبة الجانب الأمريكي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية فوق الأراضي المحتلة عام 67
اذا رفضت أمريكا ذلك يتم اللجوء الى مجلس الأمن مع مطالبة واشنطن بعدم استخدام الفيتو
اذا استخدمت واشنطن الفيتو يتم اللجوء الى الجمعية العامة للأمم المتحدة
مطالبة الأمم المتحدة بوضع فلسطين تحت الوصاية الدولية
وقف تطبيق الاتفاق الموقع مع إسرائيل،
حل السلطة ووضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كدولة احتلال.
فيما يبدو فإننا لا نكاد نلمس شيئا يوحي بأن العرب جادون في مواجهة التحدي والاستكبار الإسرائيلي، أو بأن السلطة الفلسطينية تملك شجاعة الإصرار على شيء من الخيارات السبعة التي تحدث عنها أبومازن.
ومن ثم فإن الإسرائيليين حين يجدون ان جرأتهم وصلافتهم وتماديهم في الاستكبار والغرور تقابل بمثل تلك الأصداء المسكونة بالوهن والذل، فسيكون من الغريب حقا ان يستجيبوا لشيء مما يتمناه الفلسطينيون والعرب الذين لم يجرؤ أحد منهم على أن يتحدث عن تعزيز الصف العربي لمواجهة الإعصار، ولا عن الرجوع الى الشعب الفلسطيني واستمزاج رأيه الحقيقي فيما هو مطروح.
ناهيك عن ان أحدا لم يجرؤ على النطق بكلمة «المقاومة» السلبية منها والإيجابية كأسلوب في ادارة الصراع وانهاء الاحتلال.
.................

على أبواب عام التماسيح

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 7المحرم 1432 – 13 ديسمبر 2010
على أبواب عام التماسيح – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_13.html

هل هناك علاقة بين فضيحة الانتخابات التي تمت في مصر وبين إعلان وزارة البيئة عن أن العام القادم سيكون عام التماسيح في بحيرة ناصر؟
ــ وهل يكون ظهور أسماك القرش في شرم الشيخ فور إعلان نتائج الانتخابات بمثابة تمهيد للغزو المنتظر من جانب التماسيح؟
قبل أن أحاول الإجابة عن السؤالين، أرجو أن تفكر معي في القصة الرمزية التالية التي سمعتها من بعض خبراء الرأي،
إذ حدثوني عن قرية في جنوب السودان مطلة على غابة بها ثلاثة أسود. وبين الحين والآخر كانت تلك الأسود إذا ما استبد بها الجوع، تلتهم واحدا من أهل القرية، ممن شاء حظهم العثر أن يخرجوا إلى الغابة.
وإذ ضاق القرويون بذلك فإنهم ظلوا يتربصون بالأسود ولم يهدأ لهم بال إلا حين نجحوا في اصطيادها والخلاص منها.
لكن أملهم خاب، لأنهم ما إن اطمأنوا إلى اختفاء الأسود حتى فوجئوا بجيوش القرود، التي انهمرت من فوق الأشجار بعدما خلا لها الجو، الأمر الذي قلب حياة القرويين رأسا على عقب، فاضطروا إلى الهجرة من القرية كلها وتركوها خاوية على عروشها.


سبق أن استشهدت بالقصة في مقام آخر، في سياق محاولة تحليل ظاهرة بروز الجماعات الإسلامية المتطرفة. حيث أرجعت الظاهرة إلى عوامل عدة، كان من بينها إغلاق أبواب الشرعية والعلنية أمام العمل الإسلامي، الأمر الذي ترتب عليه تتابع ظهور الجماعات غير الشرعية، التي شبهتها بالقرود التي انهمرت من فوق الأشجار حين غابت الأسود.

تحضرني في هذا السياق قصة أخرى يتداولها خبراء البيئة وعلماء الاجتماع، تتحدث عن منطقة جبلية في أستراليا انتشر فيها نوع من الثعالب تميزت بالفراء الفاخر، ولكن الذئاب التي وجِدَت في المنطقة كانت تلاحق الثعالب وتقتنص بعضها بين الحين والآخر.

ولأن أهل المنطقة كانوا حريصين على صيد أكبر عدد من الثعالب، فإنهم تربصوا بالذئاب حتى أبادوها وقضوا عليها نهائيا. وظنوا أنهم بذلك سوف يفوزون بفراء الثعالب الفاخر،
لكنهم لاحظوا بعد حين أن نوعية الفراء تغيرت، وأن الشعر فيه صار رخوا ولم يعد منتصبا كما كان. وفسر لهم الخبراء الظاهرة، حيث قالوا إن وجود الذئاب في المنطقة وملاحقتها للثعالب كان يؤدى إلى تنشيط حركتها وتوترها، مما ظل يضفى قوة على شعر الفراء،
ولكن حين اختفت الذئاب فإن التوازن البيئي اختل، ولم تعد الثعالب تعاني أي توتر، الأمر الذي أدى إلى إضعاف فرائها.
وكانت نصيحة الخبراء أنه من الضروري استعادة بعض الذئاب مرة أخرى وإطلاقها في المنطقة، ليعود التوازن البيئي إليها، الأمر الذي من شأنه تنشيط حركة الثعالب واستعادة فرائها للوهج الذي افتقدته. وهى الوصية التي أخذ بها المعنيون بالأمر، وحققت نجاحا فاجأ الجميع وأسعدهم.


إذا سألتني عن علاقة القصتين بالسؤالين اللذين أوردتهما في بداية الكلام. فردي أنني أردت بهما أن ألفت النظر إلى أن استقرار المجتمعات له قواعد وأصول، وأن الإخلال بتلك القواعد يحدث خللا من شأنه أن يصيب المجتمعات بتصدعات وأضرار لا تعرف حدودها.


وفي الحالة المصرية فإن «
تقفيل» البلد على النحو الذي شهدنا نموذجا له في الانتخابات التشريعية الأخيرة قد يبدو انتصارا في نظر قادة الحزب الحاكم والأجهزة الأمنية المتحالفة معهم.

إذ في ظله تم استبعاد «الأسود» و«الذئاب» من مجلس الشعب المقبل، لحسابات متعددة لا مجال للخوض فيها الآن. وقد يحقق التقفيل مبتغاه، لكن لا أحد يعرف صدى ذلك وتأثيره في حركة المجتمع الذي تشيع فيه درجات مختلفة من السخط والغضب سواء لأسباب اقتصادية لدى البعض أو لأسباب سياسية لدى البعض الآخر.
أفهم أن الذين أداروا الانتخابات وأشرفوا على عملية التقفيل يعتمدون على أدوات السلطة، خصوصا الأجهزة الأمنية، وقد يعطيهم ذلك شعورا بالراحة والاطمئنان لبعض الوقت، لكن ذلك لا ينبغي أن يستمر كل الوقت. لأن حركة المجتمع في بلد يعيش فيه أكثر من 80 مليون شخص مسكون بأسباب التوتر وتفاعلاته لا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها. وهو ما يستدعى السؤالين سابقي الذكر.


ورغم أنني لا أشك في أن وزارة البيئة حين تحدثت عن عام التماسيح القادم لم يخطر لها أن تسقط الخبر على الحياة السياسية، إلا أنني وجدت أن حالة الاحتقان التي تمر بها مصر لا تسمح لنا بالتفاؤل باحتمالات العام الجديد.
بل إنها تدعونا بشدة إلى التحذير من تداعيات ما جرى على الساحة السياسية وخشية ظهور التماسيح، ليس في بحيرة ناصر وحدها، وإنما في بر مصر كلها.
.........................

11 ديسمبر، 2010

حكومة العرب الخفية؟

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 6 المحرم 1432 – 12 ديسمبر 2010
حكومة العرب الخفية؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_11.html


هذه مصادفة كاشفة ساقتها إلينا الأقدار: أن تتولى الأجهزة الأمنية في مصر إدارة المعركة الانتخابية وقمع المرشحين غير المرضي عنهم بطريقة فجة وقسوة غير مسبوقة.
وأن تقوم شرطة مكافحة الشغب في الكويت بالاعتداء بالضرب على عدد من النواب المعارضين والمستقلين لأول مرة في تاريخ التجربة البرلمانية في الكويت.
وأن يتزامن ذلك مع اجتماع لقادة الشرطة والأمن العرب في تونس. ذلك أنني أزعم بأن ثمة خيطا رفيعا يربط بين الأحداث الثلاثة له دلالته المهمة في الفضاء العربي الراهن.


الذي فعلته الأجهزة الأمنية في مصر بالمرشحين والمندوبين والناخبين والقضاة وأعضاء اللجان بات معلومات للكافة، إذ تكفلت تلك الأجهزة، مستعينة بعناصر "صديقة" من البلطجية وأرباب السوابق بتنفيذ تعليمات "تأديب" كل من تحدى مرشحي الحزب الوطني.


أما الذي حدث في الكويت مساء الأربعاء الماضي (8/12)، فخلاصته التي تناقلتها التقارير الصحفية، كما يلى:
عقد بعض النواب المعارضين اجتماعا في ديوانية أحدهم (النائب جمعان الحربش)، لمناقشة ما اعتبروه مخالفات للدستور نسبت إلى الحكومة، وهي واحدة من سلسلة لقاءات دعا إليها أولئك النواب لذات الغرض.
وحين عقد الاجتماع تبين أن القاعة لا تتسع لكل الحاضرين، الأمر الذي اضطر بعضهم للوقوف خارج سور المنزل، ولأن التعليمات تقضى بأن لا يكون للندوات التي تعقدها المعارضة أي وجود خارج ديوان النائب، فإن وقوف البعض خارج البناية بدا مخالفة، تعاملت معها القوى الأمنية بسرعة، فانهالت بالضرب على الواقفين.
وحين خرج أعضاء مجلس الأمة من داخل الديوانية للتفاهم مع الضباط المشرفين على العملية، فإن بعضهم استقبل بالهراوات، الأمر الذي أدى إلى كسر يد أحدهم، ونقل اثنين منهم إلى المستشفي للعلاج.


هذا المشهد جديد تماما على الكويت، حيث لا يخطر على بال أحد ممن اقتربوا من التركيبة السياسية والاجتماعية هناك أن أعضاء مجلس الأمة يمكن أن يتعرضوا للضرب. رغم أننا صرنا نسمع عن تعذيب في السجون وانتزاع للاعترافات بالقوة، إلا أن ذلك كله يظل في كفة وما حدث لأعضاء مجلس الأمة في كفة أخرى.
أدري أن الاعتداء على النواب المنتخبين ليس غريبا في مصر، حيث لا كرامة لمعارض، ومن جانبي أعرف ثلاثة منهم على الأقل تعرضوا للضرب رغم الحصانة(!) من جانب عناصر أمن الدولة، (هم النواب السابقون عصام العريان وحمدين صباحي ومحمد فريد حسنين)، إلا أنني ما توقعت أو ما تمنيت أن يأتي يوم تنتقل فيه العدوى إلى الكويت.
أخشى ما أخشاه أن تكون جرأة أجهزة الأمن المصرية على المجتمع، خصوصا مثقفيه وسياسييه، التي تضاعفت في ظل قانون الطوارئ، قد شجعت آخرين في العالم العربي على أن ينتهجوا ذات النهج.

وقد خطر لي ذلك لأنني ما زلت أذكر رأيا مماثلا سمعته ذات مرة من الأستاذ أحمد بهاء الدين، قال فيه:
إن الثورة المصرية منذ خمسينيات القرن الماضي أهانت السياسيين والمثقفين من الناقدين والمعارضين، واتبعت معهم أساليب لم تكن معهودة.
ذلك أن هؤلاء كانوا يودعون عادة في "سجن الأجانب"، أو كانوا تخصص لهم عنابر متميزة في السجون العادية (كانوا يسمونها معاملة أ)، حيث جرت العادة على تزويد حجراتهم بالأسرّة والمكاتب والكراسي.
في حين يقدم لهم طعام متميز قد يكون مستجلبا من الخارج، لكن ذلك كله ألغي بعد الثورة، وعومل السياسيون والمثقفون أسوأ معاملة، وتعرض بعضهم للتعذيب.
وقد أرتأى الأستاذ بهاء أن هذا الأسلوب كانت مصر "رائدة" فيه، وأن الدول العربية الأخرى اقتبسته وطبقته بجرأة على سياسييها ومثقفيها.

وإذا صح ذلك التحليل، فربما فسر لنا لماذا تجرأت الشرطة على أعضاء مجلس الأمة في الكويت، وفي بعض الدول الخليجية الأخرى.
ما علاقة الذي حدث في مصر وفي الكويت باجتماع قادة الأجهزة الأمنية العربية في تونس؟
ليست لدي معلومات في هذا الصدد، لكن مساحة الاستنتاجات واسعة، ذلك أننا نعرف جيدا أن التعاون الأمني هو أهم عمل عربي مشترك تهتم به تونس، التي تحتضن منذ سنوات مقر واجتماعات وزراء الداخلية العرب.

كما أن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل الدور المتعاظم للأجهزة الأمنية في العالم العربي، التي أصبحت القوة الحقيقية التي تديره
(لا تنس الدور القمعي الذي مارسته تلك الأجهزة في عمَّان مؤخرا).
بالتالي، فإن تفاهمات قادة الأجهزة الأمنية العربية هي التي تزودهم بالجرأة التي تدفعهم إلى التمادي في القمع الذي نشهد تجلياته في مختلف الساحات العربية، والتي كان لمصر دور "الريادة" فيها.
هل يصبح قادة الأجهزة الأمنية بمضي الوقت أركان الحكومة الخفية في العالم العربي؟!
.......................

09 ديسمبر، 2010

فاز الحزب وخسرت مصر

صحيفة الشرق القطريه الخميس 3 المحرم 1432 – 9 ديسمبر 2010
فاز الحزب وخسرت مصر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/12/blog-post_09.html


شاء حظي أن أشارك في مؤتمر دولي حول الحوار بين الحضارات عقد بمدينة فاس المغربية، وقت إجراء انتخابات الإعادة التي تمت يوم الأحد الماضي (4/12)،

بحسن نية ذهبت، ولم أكن مشغولا بشيء في الانتخابات. إلا أني اكتشفت بعد وصولي ولقائي بالمشاركين من الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة واليابان، أن موضوع الانتخابات وفضائحها على كل لسان
إذ فوجئت بكم غير عادي من الأسئلة الحائرة وسمعت سيلا من التعليقات المحزنة، التي أغرقتني في بحر من الانكسار والخجل، حتى تمنيت في بعض اللحظات أن تنشق الأرض وتبتلعني حتى لا أظل هدفا لتلك الأسئلة والتعليقات.
كانت المشكلة أن عددا غير قليل من المشاركين من المتابعين الجيدين لما يجري في مصر، ومنهم من عاش فيها زمنا ووعى خرائطها، أثناء عملهم في السفارات الأجنبية والملحقيات الثقافية. أما الباقون فقد سمعوا بالفضيحة من الصحف والإذاعات ووكالات الأنباء التي لم تترك كارثة مما وقعت أثناء الانتخابات إلا ورصدتها وعممتها على أنحاء الكرة الأرضية.
ولأننا عشنا فصول القصة في مصر، وتابعنا وقائعها في الصحف القومية والخاصة وفيما تيسر في القنوات الفضائية، فإننا لم نلتفت إلى الأصداء التي تتفاعل في الخارج، وبالتالي لم ندرك حجم الضرر الخارجي الذي أصابنا جراء الممارسات الهوجاء التي تمت، وما استصحبته من قمع وبلطجة وتزوير، وتلاعب في الأصوات،

ومن الواضح أن الذين أداروا اللعبة الانتخابية لم يتجاهلوا الشعب المصري ويديروا ظهورهم له فحسب، ولكنهم أيضا تجاهلوا الرأي العام العالمي، ولم يكترثوا بنظرة العالم الخارجي لنا. وذلك أمر غير مستغرب، فالذي لا يحترم شعبه حري به ألا يحترم العالم الخارجي أيضا.

آية ذلك أنهم شكلوا لجنة من المهتمين بالإعلام لمتابعة ورصد كل ما يجري في الداخل، وتولت تلك اللجنة لفت نظر البعض والتحقيق مع آخرين من الإعلاميين المصريين، لإحكام الرقابة على الأداء الإعلامي في الداخل، لكن تلك اللجنة لم تأبه بما يحدث في الخارج، ولم تنقل إلى أولي الأمر شيئا من الصور المشينة التي رسمت للحياة السياسية في مصر في وسائل الإعلام الأجنبية.
إليك نماذج من الأسئلة التي تكررت على ما مسامعي خلال الأيام الأربعة التي قضيتها في مدينة فاس،

كيف استهانت السلطة والحزب الحاكم في مصر بإرادة الشعب المصري وأصرت على تزوير الانتخابات بتلك الصورة الفجة التي حدثت؟
ــ ما هي تلك الأحزاب الصغيرة التي لم يسمع بها أحد، وهل صحيح أنها واجهات للأجهزة الأمنية والحزب الحاكم؟
ــ هل يعقل أن تكون شعبية حزب التجمع اليساري في مصر خمسة أضعاف شعبية الإخوان المسلمين؟

ــ أليس ذلك الاستعراض المبالغ فيه لمظاهر القوة السياسية علامة على ضعف النظام؟
ــ بعد إلغاء المعارضة في داخل مجلس الشعب، هل يمكن القول بأن المعارضة الآن أصبحت داخل الحزب الوطني الحاكم نفسه، بين جماعة صفوت الشريف وجماعة جمال مبارك؟

ــ إلى أي مدى يمكن الربط بين حالة القمع والتزوير الشديدة التي حدثت في الدوائر وبين الإعداد لانتخابات رئاسة الجمهورية؟
ــ وهل لهذا الذي جرى علاقة بمشروع التوريث الكامن وراء الأستار؟
ــ وألا يشكك ما جرى في بطلان انتخابات مجلس الشعب، وبطلان انتخابات الرئيس القادم في مصر؟
ــ إلى أين مصر ذاهبة؟
لاحظت أن مشاعر المشاركين العرب لم تختلف في بؤسها عن مشاعرنا في مصر، ذلك أن هؤلاء على اقتناع بأنه إذا كان هناك أمل في المستقبل وفي الأمة، فينبغي أن تلوح إرهاصاته في مصر. وكلما انسد باب الأمل وأجهضت أحلامه ــ كما حدث في الانتخابات ــ أدركوا أن أفق المستقبل يزداد قتامة في بلادهم، حتى سألني أحدهم بصوت كسير:
هل نكف عن الرهان على مصر ونسلم بأن العجز تمكن منها بحيث لم يعد هناك أمل في أن تقوم لها قيامة؟
أما الذي وخزني حقا، فهو تعليق الدبلوماسي الفرنسي الذي أقام في مصر زمنا ثم انتقل منها إلى عواصم عربية أخرى، والذي قال:
هل أصبح الحزب الوطني خطرا على البلد، بحيث كان لابد أن تخسر مصر لكي يتحقق الفوز للحزب ويظل قابضا على السلطة؟،
وهو سؤال لم أجب عنه، لكني وجدته مهما وجديرا بالتفكير.
.........................

Delete this element to display blogger navbar