Subscribe:

Ads 468x60px

29 نوفمبر، 2010

لبنان فوق بركان – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 24 ذوالحجة 1431 – 30 نوفمبر 2010
لبنان فوق بركان – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_7980.html
أستغرب اللامبالاة العربية بما يدبر للبنان ويجهز لتفجيره من الداخل،
وأستغرب أكثر أن يكون أبرز المعنيين الإقليميين بما يجري هناك هم الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون ولا تسأل عن اللاعبين الغربيين بطبيعة الحال.

- 1 –

رأس حزب الله مطلوبة بشدة، ليس فقط لإلحاق لبنان بقطار التسوية وتعميده في معسكر «الاعتدال»، ولكن أيضاً لتأمين ظهر إسرائيل قبل توجيه الضربة العسكرية إلى إيران، لكي يهدأ بال الدولة العبرية وتنصب «القبضاي» الأوحد في المنطقة، ومن ثم يتم تركيعها بالكامل.

هذا منطوق يلخص المطلوب باختصار شديد، وهو يحتاج إلى بعض الشرح، ذلك أنه بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979 بما أدى إليه من خروج مصر من ساحة الصراع، ومن ثم انكسار العمود الأساسي في البنيان العربي، أصبحت التطلعات الإسرائيلية بغير حدود، لكن فرحتها آنذاك بإنجازها الذي اعتبرته «التأسيس الثاني لدولة إسرائيل» لم تكتمل، نظراً لانتصار الثورة الإسلامية بإيران في العام ذاته ومساندتها لمعسكر الصمود الذي وقفت فيه سورية آنذاك لتحالفه مع فصائل المقاومة الفلسطينية.

وشاءت المقادير أن ينقلب السحر على الساحر بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، لأن حزب الله خرج من رحم تلك المغامرة، وتحول إلى شوكة في خاصرة إسرائيل.

وبرزت خطورة دوره حين أجبرها على الانسحاب بليل من جنوب لبنان، وحين تحداها وفاجأها بقدرته على التصدي لها في محاولة الاجتياح التي قامت بها في عام 2006، وهي التجربة التي لم تكن موجعة لإسرائيل فحسب، وإنما كانت مهينة لها أيضاً ولم يقف دور حزب الله عند ذلك الحد، وإنما أهلته قدرته وإنجازاته لأن يتحول بمضي الوقت إلى لاعب مهم للغاية في الحياة السياسية اللبنانية، نجح في أن يوقف مخططات إلحاق لبنان بمعسكر التطبيع مع إسرائيل.

إزاء ذلك أصبح حزب الله عقبة كأداء يتعين إزالتها. وكانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال، أكثر الأطراف التي ألحت على ذلك،
وتضاعف ذلك الإلحاح حين برز المشروع الثوري الإيراني في الأفق، واعتبرته إسرائيل خطراً يهدد نفوذها ووجودها، فقررت منذ اللحظة الأولى ان ذلك المشروع ينبغي أن يدمر، كما فعلت من قبل مع المفاعل النووي العراقي، وإنجاز ذلك يتطلب تأمين الجبهة المحيطة بإسرائيل، خصوصاً حزب الله، لعلمهم أن لديه أسلحة وصواريخ تستطيع الوصول إلى تل أبيب، وهو ما أعلنه صراحة السيد حسن نصر الله في إحدى خطبه.

- 2 -

يوم الخميس الماضي 1/25 نشر موقع «كاونتر بانش» الالكتروني الأمريكي فقرات من حديث لمساعد وزيرة الخارجية الأمريكية والسفير السابق في لبنان جيفري فيلتمان إلى السفيرة الحالية في بيروت مورا كونيلي التي كانت مساعدة له،
قال فيه، لقد حاصرت حزب الله وستشاهديننا ونحن نمزقه ونقضي عليه بضربات بطيئة من خلال استخدامنا لقرار الأمم المتحدة 1757، وستكون تلك هديتي إلى لبنان بمناسبة عيد الميلاد».

بطبيعة الحال تم نفي هذا الكلام وتكذيبه، على الرغم من أن شواهد الواقع لا تستبعده، وفي هذا السياق نقلت صحيفة الشرق الأوسط في 11/26 عن بلال فرحات النائب عن حزب الله قوله إن فيلتمان ذكر أمام الكونغرس أنهم خصصوا 500 مليون دولار لضرب صورة حزب الله، وتبين لاحقاً ان الرقم تخطى المليار دولار».

كانت قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري هي الكمين الذي نصب لاصطياد حزب الله والانقضاض عليه من خلال قرارات مجلس الأمن والمحكمة الدولية،
وكانت الوسيلة التي اتبعت في ذلك هي محاولة اثبات ضلوع قيادات حزب الله (مثل الشهيد عماد مغنية وأربعة آخرين ترددت أسماؤهم) في ترتيب عملية القتل التي تمت في عام 2005، وشكلت على إثرها لجنة دولية للتحقيق تمهيداً لنظر الموضوع أمام محكمة دولية لمعاقبة الفاعلين. وهو الإجراء الذي لم يتخذ مثلاً في حالة تسميم الرئيس ياسر عرفات وقتله قبله بعام واحد (2004)، على الرغم من أن الجريمة كانت أخطر وأثرها في خرائط المنطقة أهم بكثير.

ما أثار الانتباه في هذا الصدد أن المحكمة التي شكلتها الأمم المتحدة لمحاسبة المسؤولين عن قتلة الحريري تمت تحت الفصل السابع من ميثاقها الذي تجيز بنوده استخدام القوة المسلحة لتنفيذ ما تقضي به، كما أنها تسمح بمقاطعة الدولة التي تمتنع عن تنفيذ الحكم.

خلال السنوات الخمس التي مرت لم تتوقف التحقيقات التي أثارت لغطاً كبيراً، سواء في اتجاهها صوب سورية التي كانت أول من اتهم في العملية أو في اعتمادها على افادات شهود زور تسببت شهاداتهم في توقيف أربعة من كبار الضباط اللبنانيين ثبتت براءتهم لاحقاً.

وتضاعف اللغط أخيراً حينما تسربت أنباء عن اتجاه لجنة التحقيق إلى اتهام قيادات في حزب الله بالضلوع في العملية، على الرغم من أن الحزب لم يعرف عنه في تاريخه أنه لجأ إلى تصفية خصومه السياسيين، علماً بأن الرئيس الحريري لم يكن مصنفاً ضمن أولئك الخصوم، ولأن الساحة اللبنانية تعج بالصراعات السياسية فإنها انقسمت في نهاية المطاف إلى فريقين 14 و8 آذار.

وبدا الانتماء السنّي متبلوراً في الأولين الذين وقفوا مع المحكمة الدولية، في حين كان اللون الشيعي ظل غالباً على الآخرين، الذين تشككوا في تسييس التحقيق والمحكمة الدولية،
وحين قويت القرائن الدالة على صحة التسريبات التي تحدثت عن الاتجاه إلى توجيه الاتهام إلى حزب الله فإن السيد حسن نصر الله الأمين العام للحزب دعا في خطاب له يوم 10/28 إلى مقاطعة المحققين الدوليين.

- 3 –

إذا وضعت الكلام الذي نسب إلى مساعد وزير الخارجية الأمريكية جنباً إلى جنب مع كلام السيد نصر الله، فسوف يصور لك ذلك حقيقة البركان الذي أصبح يقف فوقه لبنان فالولايات المتحدة ومعها إسرائيل ومن والاها في لبنان يدفعون بشدة لتأييد قرار الاتهام واستدراج قيادات حزب الله إلى قفص الاتهام تمهيداً للانقضاض عليه،
والأمين العام لحزب الله يهدد بقطع يد من يقترب من قيادات الحزب وأعضائه.
وهذه المواقف المتعاكسة تعني أن الموقف في لبنان أصبح على وشك الانفجار وأن شبح الحرب الأهلية يلوح في الأفق، بتآمر غربي مكشوف هذه المرة.

لم أجد صدى عربياً لكل ذلك باستثناء تحرك قامت به السعودية وسورية، اللتان اعتادتا على القيام بدور إطفائي الحرائق في لبنان، وأصبح يرمز إليهما بحرفي س. س. ولم يكن ذلك كافياً لأن الأطراف الأخرى الدولية والمحلية تمارس ضغوطها بقوة وتواصل الشحن والتعبئة لصالح إصدار قرار الاتهام والإسراع بالمحاكمة،

في هذه الأجواء ظهرت إيران على المسرح بقوة. اذ قدم إلى بيروت بدعوة رسمية السيد أحمدي نجاد رئيس جمهورية إيران مصطحباً معه وفداً كبيراً من الوزراء ورجال الأعمال. والتقى كبار رجال الدولة، وقام بتوقيع 16 اتفاقية ومذكرة تفاهم وتعاون في مختلف المجالات.

أغضبت الزيارة الولايات المتحدة حتى ان السفيرة الأمريكية في بيروت عبرت في بيان مكتوب عن غضب بلادها إزاء أي عمل ادعت أن من شأنه أن يقوض السيادة والاستقرار في لبنان.
وقبل الزيارة التي تمت في منتصف أكتوبر الماضي كتب معلق صحيفة معاريف مناحيم بن مقالة قال فيها إن الوقت قد حان لاغتيال الرئيس أحمدي نجاد أثناء زيارته لبنت جبيل بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

رغم أن حزب الله احتفى كثيراً بزيارة أحمدي نجاد، إلا أن الرئيس الإيراني حرص على أن يلتقي الجميع (باستثناء سمير جعجع)، وظل يؤكد في كل مناسبة على أن إيران تقف إلى جانب لبنان على طول الخط.

رسالة الدعم الثانية جاءت من تركيا، حيث جاء إلى بيروت رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان في الأسبوع الماضي، وعقد اجتماعات شهدها كل الفرقاء اللبنانيين، اضافة إلى كبار المسؤولين بطبيعة الحال.

وفي خطبة ألقاها في بعبدا طالب إسرائيل بأن تتوقف عن أعمالها وألا تلقي ظلالاً على السلام. وحذر من انه اذا ما نشبت الحرب فإن الخاسر لن يكون أهل المنطقة فحسب، ولكن الإسرائيليين أيضاً سيعانون منها.
مضيفاً أن تركيا ستستمر في رفع الصوت عالياً تجاه الطغيان، وفي الدفاع عن الحق مادام هناك أناس يمتهنون القرصنة في عرض البحار (مشيراً إلى دور إسرائيل) كما أنها ستستمر في الدفاع عن الأبرياء والمظلومين والمغتصبة حقوقهم

وتحدثت التقارير الصحافية عن ان أردوغان أراد أن يوصل رسالة تضامن مع لبنان، وأن يسهم في تهدئة الأوضاع الموشكة على الانفجار بين فرقائه المختلفين،
ونقلت عنه صحيفة الحياة اللندنية قوله ان بلاده ستلعب دوراً لدى سورية وإيران لما لديهما من تأثير على بعض الأطراف اللبنانية لتكريس التهدئة في البلاد.

اللافت للنظر أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بدأ زيارة لطهران بعد يوم واحد من سفر أردوغان بصحبة وفد وزاري كبير، مما أعطى انطباعاً بتواصل مساعي ومشاورات التهدئة بين بيروت وكل من العاصمتين الإيرانية والتركية.

- 4 -

الأعين في إسرائيل متجهة إلى بيروت والآذان تتلمس بصورة يومية أخبار المحكمة الدولية،
يقول شلومو بروم المدير السابق لوحدة التخطيط الاستراتيجي في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إن الأوضاع الحالية في لبنان تحتم على إسرائيل ان تكون مستعدة لأي طارئ، في حال إعلان عريضة اتهام حزب الله بالضلوع في قتل الحريري.
ولم يستبعد أن يلجأ حزب الله إلى الاستيلاء على السلطة في لبنان لقطع الطريق على المحاكمة.
واعتبر ذلك وضعاً أفضل لإسرائيل، لأنه في هذه الحالة سيكون هناك عنوان واضح تخاطبه وتمارس ضده الضغوط.

وقد نشرت الحياة اللندنية تقريراً من القدس المحتلة في 11/16 ذكر أن إسرائيل بمتابعتها الدقيقة تريد أن تبقى لاعباً مركزياً له حضوره في الساحة اللبنانية.

وهناك اتفاق بين القيادات الأمنية والعسكرية على أن تطورات الأحداث في لبنان ستكون لها انعكاسات عديدة على إسرائيل وخططها الاستراتيجية.

وسط سيل التقارير التي تتحدث عن سيناريوهات المستقبل في لبنان، والجهود التي تبذل لتفجيره من الداخل، فإنني ظللت أبحث عن دور للجامعة العربية أو لمصر، فلم أجد سوى حديث السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية المصري لصحيفة الشرق الأوسط 11/13 بدا فيه منتقداً للسيد حسن نصر الله وغامزا فيه، وملوحا بأن حديثه عن قطع اليد الممتدة إلى جماعته يمكن أن يصيبه بدوره ويرتد عليه،

عندئذ انتابني شعور بالاستياء وقلت:
ليته سكت ولم يتكلم فذلك حضور أفضل منه الغياب.
..................

بُص ــ شوف!

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 23 ذوالحجة 1431 – 29 نوفمبر 2010
بُص ــ شوف! – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_29.html

«اليوم انتخابات المستقبل»،
كان ذلك هو العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من عدد «الشروق» أمس (28/11)،
وتحت العنوان نشرت الصحيفة صورة ملونة على ستة أعمدة لأحد الحواة. وهو يستعرض مهاراته أمام جمع من الصبية حيث ظل يتقافز مخترقا طوقا اشتعلت النار فيه،
وفي أعلى الصورة لافتة من القماش بعرض الشارع كتبت عليها عبارات حثت الناخبين وأهالي الدائرة «الأحباء» على انتخاب ابن الدائرة الأصيل.
اللقطة كانت معبرة تماما عن واقع الانتخابات. فالعنوان كان يتحدث عن مستقبل الوطن، كما أن عناوين بقية الصحف ومقالاتها الرئيسية ما برحت تحتفي بالمناسبة وتنفخ فيها،
حتى إن أحدهم قال إنها أهم انتخابات في تاريخ مصر الحديث، ثم تواضع في وقت لاحق وقال إنها الأخطر.
لكن الصورة كانت تقول شيئا آخر. وتصور المشهد باعتباره مجرد «سيرك» تتوالى فيه فقرات اللاعبين والمهرجين.
ظهور «الحاوى» في الدعاية الانتخابية ليس أمرا مستغربا، لأن تفنن المرشحين في جذب انتباه الناخبين اتخذ صورا عدة.
فسمعنا عن ذبح عجول وخرفان، وقرأنا عن مرشحة حجزت كامل المقاعد «للجمهور الحبيب» لمشاهدة فيلم أحمد حلمي الأخير «بلبل حيران».
وهناك مرشحون وزعوا أدوية على الناس، ومنهم من أراد أن يسهم في زيادة أعداد الناخبين فقام بتوزيع أقراص«الفياجرا» بالمجان، وآخرون وزعوا بطاطين بمناسبة فصل الشتاء.
ومنهم من وزع حقائب الأدوات المدرسية أو حقائب الطعام المحفوظ. في حين أن البعض اختصر العملية ووزع الفلوس على الناخبين لكي يشتري كل واحد منهم ما يروق له.
الوزراء التسعة المرشحون توددوا إلى أهالي دوائرهم بوسيلتين أساسيتين،
الأولى تعيين شباب الدائرة في وزاراتهم،
والثانية الوعد بإعطاء الدائرة الأولوية في تنفيذ المشروعات الجديدة.

في هذا الصدد قرأت وصفا لزيارة قام بها وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي لأهالي دائرته في حي شبرا بالقاهرة كان كالتالي:
استقبل الأهالي الوزير بالطبل البلدي والزغاريد وهتفوا له، زي ما قال الريس بطرس غالي كويس ــ «هوا دا الكلام الوزير تمام».

وقال الوزير في كلمة وجهها إلى الأهالي إن جميع زملائه في مجلس الشعب يحسدونه على الدائرة التي يحظى فيها بالحب والتأييد ووعد ببرنامج طموح يحقق فيه خدمات أهالي المعهد الفني، مشيراً إلى أنه خلال الدورتين الماضيتين بدأ برنامجه ولابد من استكماله، مؤكداً أن عددا من الخدمات سيقدمها للدائرة أبرزها التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية،
وقال: «أنا اللي بانفذ المشاريع دي وهابتدي من هنا»،
وفي رده على سؤال أحد المواطنين الذي قال له: «انت مبتجيلناش ليه؟»،
قال غالي: «أنا أجيلك على عيني بس بعيد عن الصحافة والحراسة وكل الدوشة دي ونشرب سوا نفسين شيشة نضاف كمان»،
كما داعب أحد الجالسين على مقهى بالمنطقة كان يشرب لبنا قائلا: «يا عم خليه للعيال الصغيرين».
ورد على أحد الشباب الذي قال له: «عايزين نشتغل يا ريس»، قائلا: «تعالالي وأنا أشغلك بس نخلص من دوشة الانتخابات». (المصري اليوم 25/11).
في الحوار ــ كما رأيت ــ قال الوزير إنه هو الذي ينفذ المشروعات وسيبدأ بدائرته فيما خص التأمينات، ووعد بأنه سيشارك ناخبيه شرب نفسين من الشيشة على المقهى، وعاتب آخر مازحا لأنه يشرب اللبن الحليب، ملمحا إلى أن الكبار يشربون أشياء أخرى.
حين يدقق المرء فيما تنشره الصحف اليومية عن المرشحين فلن يجد أن أحدا يتكلم في السياسة حتى ما هو محلي منها. حتى وزير المالية الذي أقام الدنيا وأقعدها في مصر بحكاية الضريبة العقارية، والذي يعرف أكثر من غيره كيف غرقت مصر في الديون على نحو لم تعرفه في تاريخها، إلا في عهد الخديوي إسماعيل باشا، لم يناقشه أحد في هذه الأمور ولا في أي قضية عامة.
صحيح أن الأحزاب نشرت «برامج» لها في الصحف، لكني لا أعرف أن أيا منها نوقش في أي مناسبة أو دائرة انتخابية، حتى بدا الشارع الانتخابي منفصلا تماما عما تروج له الأحزاب وتدعيه.

وربما كان في الحديث عن الشارع الانتخابي بعض المبالغة، لأن الانتخابات في مصر باتت مجرد ظاهرة إعلامية ومشاحنات ومساجلات عائلية. لذلك لا استغرب أن يلجأ بعض المرشحين إلى الحواة أو توزيع اللحوم أو الفياجرا لكسب الأصوات.
الملحوظة الأخرى المهمة في هذا السياق أن الترشح للانتخابات وعضوية مجلس الشعب لم يعد له علاقة بالسياسة، يشهد بذلك التنافس بين بعض الرياضيين والفنانين والصحفيين على الترشح والسعي لعضوية المجلس، رغم أن أغلب هؤلاء لا علاقة لهم بالعمل العام.

ولست ألومهم في ذلك لأنه طالما أن مجلس الشعب بدوره لا شأن له بالسياسة إلا في حدود تمرير ما تريده الحكومة ثم توجيه الشكر لها،
فلا غرابة في أن يترشح لعضويته ذلك العدد الكبير من غير المشتغلين بالعمل العام، تطبيقا لشعار العضو المناسب للمجلس المناسب!
.................

28 نوفمبر، 2010

فگّـر وخبـرنى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 22 ذوالحجة 1431 – 28 نوفمبر 2010
فگّـر وخبـرنى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_28.html


إذا كنا قد فهمنا وأيدنا الرفض المصرى للرقابة الدولية على الانتخابات. فإن ما يحيرنا حقا هو ذلك الإصرار على رفض الرقابة المحلية أيضا، الأمر الذى يعجز المرء عن أن يجد له تفسيرا بريئا له.
أدرى أنه بوسع أى مسئول أن يقسم بالثلاثة على أن منظمات المجتمع المدنى المصرية حاضرة فى المشهد وقائمة باللازم، إلا أن ذلك القسم لا يصمد أمام التفاصيل التى تسربت خلال الأسبوعين الماضيين، وكشفت عن أنه حضور أقرب إلى الغياب.
قبل أى كلام فى التفاصيل لابد أن نقرر بوضوح أن العملية الانتخابية كلها، من أولها إلى آخرها تديرها الأجهزة الأمنية، وأن أى طرف آخر يقحم فى السياق هو إما مستخدم من قبل تلك الأجهزة، أو أنه مجرد «ديكور» لتجميل الصورة وتحسين المنظر أمام العالم الخارجى.

لقد أدركت الأجهزة أن منظمات المجتمع المدنى كانت نشطة فى انتخابات عام 2005، وأنها اكتسبت خبرة شجعتها على التحفز لمراقبة مراحل الانتخابات الحالية، فقررت اختراق ذلك القطاع بأسلوب بسيط للغاية، تمثل فى تشكيل منظمات أهلية تابعة لها، وتشجيع بعض الجمعيات الأهلية التى تسيطر عليها فى الأقاليم على أن تتقدم بطلبات لمراقبة الانتخابات. وكان لها ما أرادت.

فى إحدى دوائر الإسكندرية التى رشح الحزب الوطنى أحد الوزراء بها، تشكلت جمعية وأشهرت خلال ثلاثة أيام و«انتخب» لها مجلس إدارة، وادرجت ضمن منظمات المجتمع المدنى التى ستراقب الانتخابات، وضمت قائمة تلك المنظمات جمعية لمكافحة السرطان وأخرى لمكافحة التدخين.

أما الائتلاف المستقل لمراقبة الانتخابات مثلا ، الذى ضم ثلاثا من الجمعيات الجادة، على رأسها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية فلم يسمح له بالإسهام فى المراقبة، علما بأنهم قاموا بدورهم فى انتخابات عام 2005.
(جمعية النهوض بالمشاركة وحدها حصلت على 800 تصريح فى ذلك الوقت).
ورغم أنهم أعدوا قائمة بأسماء 960 شخصا تدربوا على العملية، إلا أنهم حين ذهبوا إلى مقر اللجنة «العليا» للحصول على التصاريح اللازمة، فإن ضباط أمن الدولة الذين استقبلوا ممثليهم أبلغوهم صراحة بأن ثمة اعتراضات أمنية عليهم، بل وطردوهم شر طردة بعدما وجهوا إليهم ما تيسر من السباب والشتائم المناسبة للمقام. ولدى المحامى أحمد فوزى عضو الائتلاف القصة كاملة لمن يريد أن يعرف التفاصيل.

ما حدث مع الائتلاف تكرر مع آخرين. والنتيجة أن نحو 90٪ من المنظمات الأهلية الجادة حرمت من الحصول على تصاريح المراقبة، وأن الحصة الأكبر من التصاريح منحت إما لمنظمات «الموالاة» سابقة الذكر أو إلى المنظمات المتصالحة مع الأجهزة الأمنية.

لا يعنى ذلك أن المنظمات الجادة أصبحت خارج كامل المشهد لأن أعضاءها يتحركون وسط الناخبين فى دوائر عديدة بغير تصاريح، وقد تعرض بعضهم للاحتجاز فى أقسام الشرطة جراء ذلك، لكنهم لن يتمكنوا من دخول مقار لجان التصويت لأن التصريح ضرورى فى هذه الحالة.

ما يثير الدهشة أيضا أنه لم يكتف بالتضييق على المنظمات الأهلية فى الحصول على تصاريح، وإنما ضيقت التعليمات أيضا على الذين اعطيت لهم التصاريح. فقد ترك أمر دخول حامل التصريح إلى مقر لجنة التصويت مرهونا بموافقة رئيس كل لجنة.
وإذا ما قدر للمندوب أن يدخل فليس مسموحا له أن يتحدث مع أحد، فضلا عن أن التصوير محظور، وكل مايستطيع أن يفعله أن يجلس صامتا ويدون ملاحظاته، علما بأنه فى غياب التصوير فإنه يتعذر توثيق أى انتهاكات. وهو ما يعنى أن الإجراءات والقيود الموضوعة ضيقت كثيرا من المتابعة الجادة للانتخابات سواء من جانب المجتمع المدنى أو الإعلام.

حتى إشعار آخر، فإن الجهة الوحيدة التى أفلتت من قبضة الأمن وسيطرته كانت محاكم القضاء الإدارى، التى ألغت الانتخابات فى العديد من الدوائر، وأصدرت المحكمة العليا قرارها الشجاع بضرورة تنفيذ تلك الأحكام. لكن «الأجهزة» لن تعدم وسيلة للتسويف والمماطلة فى ذلك.

لا أخفى أن لدىّ رغبة فى تصديق ما قيل عن نزاهة الانتخابات، بقدر حماسى لرفض الرقابة الدولية عليها، لكننى أرجوك أن تفكر معى ــ ولا تتردد فى الاستعانة بصديق إذا احترت ــ فى الإجابة على السؤال التالى:
لماذا يا ترى ذلك التشدد المفرط فى تعطيل مراقبة الانتخابات؟
....................

27 نوفمبر، 2010

لمبارك لا لمصر

صحيفة الشرق القطريه السبت 21 ذوالحجة 1431 – 27 نوفمبر 2010
لمبارك لا لمصر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_27.html


أوافق على انتقاد السياسة الأمريكية الذي تحفل به وسائل الإعلام المصرية هذه الأيام وعندي منه المزيد لمن يريد.
وإذ أتمنى لذلك الموقف الثبات والاستمرار، فإنني أتساءل:
هل هذا النقد غضب لنظام الرئيس مبارك، أم غيرة على سيادة مصر وكرامتها؟

قد لا يستسيغ البعض السؤال لأن خطابنا السياسي والإعلامي اختزل مصر في شخص الرئيس ونظامه، بحيث اعتبر كل نقد لأي منهما نقدا لمصر وهجوما عليها باعتبارها ــ كما تقول بعض اللافتات ــ مصر مبارك.
ونحن لا ننفرد بذلك في حقيقة الأمر. لأن تلك آفة أكثر الدول غير الديمقراطية. علما بأن الاختزال في بعض الدول المحيطة بنا وصل إلى حد تسمية الدولة باسم العائلة. واعتبارها وقفا خاصا على أفرادها يتوارثونه إلى الأبد.

لا أجادل في ضرورة احترام شخص رئيس الدولة خصوصا إذا كان منتخبا من شعبها، لكنني لا أرى في نقد سياسته التي تتبناها حكومته إهانة له أو إهانة لبلده.
وطوال عمرنا ونحن نلعن الاستعمار البريطاني والفرنسي ومن بعدهما الأمريكي، لكن أحدا من «الملعونين» لم يدع علينا بأن الإهانة لحقت أيا من الدول الثلاث أو شعوبها. صحيح أن الصحف في بعض الديمقراطيات الغربية لا تتردد في تجريح سياسات الرؤساء
(إحدى الصحف البريطانية وصفت توني بلير أثناء غزو العراق بأنه «كلب بوش»، ورأيت صورة كاريكاتورية رسم فيها بوش وهو يجره وراءه من حبل حول رقبته)
إلا أننا لا نستطيع أن نجاريها في ذلك. ولا نطمح في أكثر من احتمال نقد السياسات بأدب واحتشام، مع فك الارتباط بين سياسات النظم وكرامة الدولة والمجتمع، وإباحة الأولى وكراهة الثانية إن لم يكن تحريمها.

الهجوم الشديد في الإعلام المصري على الولايات المتحدة كان صدى لأمرين،

أولهما وأخفهما صدور تقرير الحريات الدينية الذي صدر في واشنطون وانتقد موقف الحكومة المصرية إزاء الإخوان المسلمين والأقباط.
وثانيهما وأهمهما مطالبة فريق «العمل الأمريكي لأجل مصر» بإشراف دولي على الانتخابات التشريعية الراهنة لضمان نزاهتها.

وهاتان الرسالتان اعتبرتا تدخلا في الشأن المصري ومساسا بالسيادة وقد رفضا رسميا وشعبيا، وكانت وسائل الإعلام المختلفة هي المنصة التي أطلقت قذائف النقد للسياسة الأمريكية والتشهير بها.
وفي ذلك تنافس رؤساء تحرير الصحف القومية الذين يجيدون مثل هذا النوع من السجال والتراشق، وفي ذلك فإنهم ومن لف لفهم لم يكفوا عن غمز الولايات المتحدة والتنديد بخيباتها وفشل سياساتها في الشرق الأوسط وفي العراق وأفغانستان.
حتى إن رئيس تحرير الأهرام انفعل بالدور وكتب مقالة عيَّر فيها الأمريكيين بما صادفوه من عجز وفشل حيثما ذهبوا. الأهم من ذلك أن المقالة كانت تحت عنوان «الشيطان يعظ»، الذي اقترب فيه صاحبنا من الهتاف الإيراني الذي دأب على وصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر.

رغم أن ذلك الموقف النقدي الصريح «للحليف الاستراتيجي» يبدو أمرا إيجابيا، إلا أن المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من طرح السؤال التالي:
لماذا تذكر هؤلاء موضوع «السيادة» حين جرى التشكيك في موقف النظام من نزاهة الانتخابات ومن الأقباط والإخوان، في حين تجاهلوا مسألة السيادة وسكتوا عليها في مواقف أخرى كانت جديرة بالغضب والغيرة؟

ــ لا تزال حاضرة في الذاكرة حادثة تفتيش الضباط الإسرائيليين قبل أيام لزميلتنا الصحافية الفلسطينية صابرين دياب على الأرض المصرية، قبل أن تركب الطائرة الإسرائيلية التي ستعيدها إلى موطنها وسط عرب 48. وهو ما مثل اعتداء صارخا على السيادة المصرية تجاهله الإعلام الرسمي،

وليست غائبة على الأذهان واقعة اتفاق الأمريكيين والإسرائيليين (كونداليزا رايس وتسيبي ليفني) على إقامة السور العازل فوق الأراضي المصرية (يناير 2009)، التي فاجأت القاهرة في حينها ثم سكتت عليها.

ولا تحصى المرات التي اعتدت فيها الطائرات الإسرائيلية على السيادة المصرية بقصفها للشريط الحدودي لسيناء بدعوى هدم الأنفاق ووقف التهريب إلى غزة.

والقصص الأخرى المماثلة كثيرة، وهى تشير إلى أن انتفاضة الأبواق الإعلامية دفاعا عن السيادة تمت حين جرى التشكيك في نزاهة النظام واتهامه بتزوير الانتخابات،
في حين جرى غض الطرف عن السيادة حين تعلق الأمر بكرامة الوطن وأمنه.
وهو تحليل إذا صح فإنه يدعونا إلى القول بأن ما عبرت عنه الأبواق الإعلامية المصرية في انتقادها للولايات المتحدة لم يكن غضبا لمصر ولكنه كان غضبا لنظام الرئيس مبارك.
ولست ضد ذلك الغضب الأخير، لكنى أذكر فقط بأن مصر الوطن تستحق بدورها أن تأخذ نصيبها من الغيرة والغضب.
..........................

25 نوفمبر، 2010

في مديح الانتخابات واحتقار التاريخ

صحيفة الشرق القطريه الخميس 19 ذوالحجة 1431 – 25 نوفمبر 2010
في مديح الانتخابات واحتقار التاريخ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_25.html


لم أفهم لماذا الإصرار على النفخ في الانتخابات التشريعية الراهنة، إلى حد وصفها بأنها «الأهم في تاريخ مصر الحديث»،
والوصف ليس من عندي، ولكنه ورد في استهلال مقالة لرئيس مؤسسة الأهرام يوم الثلاثاء الماضي 23/11.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي أصادف فيها هذه المبالغة، فقد تحدث آخرون من إعلاميي «الموالاة» عن أنها حاسمة ومصيرية ونقطة تحول، وغير ذلك من الأوصاف التي تضفي أهمية على الحدث،
واعتبرها مبالغات تعتمد على النفخ والتلاعب بالألفاظ. لذلك فإنني حين سئلت في الموضوع في بعض الحوارات التلفزيونية قلت إنها انتخابات عادية للغاية، لا يتوقع منها أي مفاجآت من زاوية المصلحة العامة.
بل إنها أضعف وأقل شأنا من الانتخابات التي سبقتها في عام 2005 ــ لماذا؟
لأن الانتخابات تكتسب أهميتها سواء من أنها غير معلومة النتائج سلفا، أو من كونها قد تؤدي إما إلى تغيير النظام أو السياسات أو الحكومة أو تغيير الحزب القابض على السلطة.
لكن حينما لا يحدث شيء من كل ذلك، وتظل الأمور بعد الانتخابات هي ذاتها التي كانت قبلها، فإن الكلام عن الحسم ونقطة التحول والتأثير على المصير يغدو مبالغة غير مبررة،

كما أن الكلام عن اعتبار الانتخابات الأهم في تاريخ مصر الحديث يصبح هزلا في موضع الجد، وتدليسا على القارئ يبتذل التاريخ.
كما أنه يسيء إلى تقدير المرسل ويزدري بعقل المستقبِل.
أفهم أن تعد الانتخابات حاسمة وفاصلة ونقطة تحول وتاريخية أيضا فيما يخص الأفراد والعائلات التي يمثل الفوز بالعضوية وبرضا الحزب الوطني بابا لتحقيق طموحات الثراء والالتحاق بطبقات المجتمع العليا، أو لتعزيز الوجاهات العائلية.
ومن ثم تصبح الانتخابات نقلة وتحولا في رحلة الشخص والأسرة ولا علاقة لها لا بالبلد ولا بتاريخه.
صحيح أن ثمة طوارئ معلنة في مقر الحزب الوطني، وأن الأبواق الإعلامية تسعى جاهدة لإيهام الناس بأن مصر تشهد معركة انتخابية حقيقية، تتصارع فيها الأحزاب، وتعقد المناظرات التلفزيونية بين قياداتها،
وهناك كلام عن عشرات الآلاف من المندوبين تم توزيعهم على اللجان، كما أن ثمة حشدا من ممثلي منظمات المجتمع المدني يستعدون لمراقبة التصويت.

لكن ذلك كله يظل من باب تحسين إخراج الفيلم لا أكثر، لأن النتيجة معروفة سلفا، وليست هناك أي بادرة قلق بخصوصها في أوساط مراتب السلطة العليا بدليل أن الرئيس مبارك قرر أن يقوم بجولة خليجية قبل 48 ساعة من المعركة التي يفترض أن يحسم فيها وضع الحزب الوطني الذي يرأسه،
ولو كانت لديه ذرة شك في اكتساح الحزب للنتيجة لأجل رحلته إلى ما بعد التصويت يوم الأحد المقبل.
أما كون الانتخابات أضعف وأسوأ من سابقتها، فالشواهد والقرائن التي بين أيدينا تدل على ذلك بما لا يدع مجالا للشك،
تكفى في ذلك إجراءات التعتيم والقمع والتخويف التي أشاعتها السلطة هذه الأيام في الوسط الإعلامي. إذ ليست مصادفة أن تتلاحق تلك الإجراءات قبل إطلاق المعركة الانتخابية من إلغاء برنامجي إبراهيم عيسى وعمرو أديب وإقصائهما
إلى الانقضاض على صحيفة الدستور ومسخها،
إلى إغلاق العديد من القنوات الفضائية بحجج مختلفة،
إلى إنذار الفضائيات الأخرى بضرورة الالتزام بحسن السير والسلوك الحكوميين
إلى ملاحقة مقدمي البرامج الحوارية بالإنذارات والتحذيرات،
إلى ابتداع جهاز أمني قمعي باسم لجنة متابعة ورصد الدعاية الانتخابية،
إلى تكبيل الفضائيات لمنعها من استخدام أجهزة البث على الهواء في متابعة أحداث الانتخابات، من خلال وضع اشتراطات من شأنها أن تحول عمليا دون تمكينها من القيام بمهامها.
هذا كله لم يكن حاصلا في انتخابات 2005، الأمر الذي يعني أن الانتخابات الراهنة تعد انتكاسة إذا قورنت بالتي سبقتها ولست هنا ممتدحا ما جرى وقتذاك، لأن انتخابات 2005 شهدت صنوفا من القمع والتزوير والتلاعب خصوصا في مرحلتها الثالثة.
لكني أقول إن تلك الانتخابات إذا كانت سيئة فالراهنة أسوأ منها بكثير. ذلك أنه لم يعد سرا أن ثمة قرارا غير معلن يقضي بعدم السماح بتكرار ما حدث في عام 2005، وأدى إلى فوز الإخوان بـ88 مقعدا في مجلس الشعب، ظل شاغلوها مصدر إزعاج و«عكننة» للحكومة طول الوقت.

وقد نفذت التعليمات بدقة في انتخابات مجلس الشورى التي تمت في شهر يونيو. فلم يسمح لأحد من الإخوان بالنجاح في أي دائرة. والرائج في الأوساط السياسية أن الموقف ذاته سيتكرر في مجلس الشعب،
وقد يسمح لعدد منهم بالنجاح ـ قيل إنه لا يزيد عددهم على عشرة، بدلا من الـ88 الذين نجحوا في الانتخابات السابقة ـ وقد مهد لذلك الدكتور علي الدين هلال حين استبق وأعلن قبل أيام (في 22/11) أن الناس انصرفوا عن الإخوان، ولم يقل لماذا؟
إذا صح ذلك، فلا أعرف على أي أساس تعتبر الانتخابات حاسمة أو نقطة تحول، الأمر الذي يدفعني إلى التساؤل عما إذا كان يليق بباحث محترم أن يصفها بأنها الأهم في تاريخ مصر الحديث؟
وعما إذا كان يقبل بأن يحتقر تاريخ البلد ويستغبي القارئ إلى هذه الدرجة؟
........................

24 نوفمبر، 2010

كسب الوطن أم خسر؟

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 18ذوالحجة 1431 – 24 نوفمبر 2010
كسب الوطن أم خسر؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_24.html


الذي يتابع الصحف المصرية هذه الأيام يلاحظ أن العنوان العريض الذي ظل يتصدر الصفحات الأولى للصحف المستقلة على الأقل لم يكد يخرج عن متابعة مسلسل الصدام بين الإخوان وأجهزة الأمن بسبب الانتخابات،
في حين أن أنشطة الأحزاب الأخرى جميعها بقيت أخبارا متناثرة موزعة على الصفحات الداخلية،
الأمر الذي يسلط ضوءا كاشفا على أحجام وأوزان القوى السياسية في مصر. وهو ما يترك انطباعا بأن المعركة الحقيقية والتحدي الأساسي للنظام في الشارع لا يزال يتمثل في حركة الإخوان.

وذلك يفسر لنا لماذا كان يجب أن تظل «محظورة»، ولماذا صدرت التعليمات صريحة إلى وسائل الإعلام التابعة للدولة بإخفاء اسمها وعدم الإشارة إليه إلا بكلمة المحظورة؟
ولماذا ظلت «شيطنة» الإخوان أحد محاور الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي.

وقد بينت الصور التي نشرت على الصفحات الأولى حقيقة أن المعركة ليست بين الإخوان والحزب الوطني في واقع الأمر، ولكن جحافل الشرطة ظلت هي التي تخوض المعركة نيابة عن الحزب،

وربما لا يجد البعض غرابة في ذلك، لأنه طالما أن الشرطة في خدمة «الوطن»، فإن مسارعتها إلى مساندة «الوطني» تغدو واجبة، مراعاة لأواصر «النسب» بين الاثنين.
المفارقة التي أتحدث عنها كانت واضحة في عدد صحيفة «المصري اليوم» الصادر يوم الإثنين الماضي 22/11. إذ كان «المانشيت» الرئيسي عن
«اشتعال حرب المسيرات والتصريحات بين الإخوان والوطني»،
وتحت العنوان تصريح نشر على ستة أعمدة لمرشد الإخوان الأستاذ محمد بديع اتهم فيه النظام بالتزوير والديكتاتورية،
ثم رد للدكتور علي الدين هلال قال فيه إن «الجماعة» آخر من يتحدث عن الشرعية، وأن الناس انصرفوا عنها.

وفي حين كان خبر الإخوان هو العنوان الرئيسي الذي فرض نفسه على التحرير، فإن حزب الوفد لم يستطع أن يثبت حضورا في نفس العدد إلا من خلال إعلان نشر على كامل الصفحة السابعة،
وقد حرصت الجريدة على التنويه في رأس الصفحة بأنه «إعلان تسجيلي مدفوع الأجر».

وتضمنت الصفحة نص خطبة ألقاها رئيس الوفد الدكتور السيد البدوي في حفل انتخابي أقيم بالدقهلية، وخطبة أخرى ألقاها السيد فؤاد بدراوي أحد تيارات الحزب في الحقل ذاته، باعتباره مرشحا في بلده «نبروه» التي استضافت اللقاء (المفارقة ذاتها تكررت في اليوم التالي أيضا).
حين وجدت أن أخبار الإخوان فرضت نفسها بشكل يومي على مختلف وسائل الإعلام التي تابعت الانتخابات، الأمر الذي ذكرنا بأيام عرض مسلسل «الجماعة» والذي ظل اسم الحركة يذكر خلاله على مدار اليوم طوال شهر رمضان،
تفهمت وجهة النظر التي نقلت إلي يوما ما حين دعوت إلى مقاطعة الانتخابات من البداية. وانتقدت فيها موقف الإخوان، معتبرا أن المقاطعة وسيلة لإشهار الاحتجاج على عمليات التلاعب والتزوير، في حين أن المشاركة تسهم في تجميل الوضع وإنجاح الفيلم الديمقراطي.

وقتذاك قيل لي إن ما يفضح التلاعب والتزوير هو المشاركة وليس المقاطعة. وكانت وجهة نظر مسؤولي الجماعة الذين حدثوني في الموضوع أن المقاطعة كانت ستريح الحزب الوطني والأجهزة الأمنية، لأنهم سيدركون عند ذاك أن الحزب أصبح بلا منافس، وأن فوز مرشحيه بات مضمونا في كل الدوائر التي نزلت فيها، الأمر الذي لن يضطر الأجهزة الأمنية إلى استخدام الوسائل التقليدية في التلاعب والقمع والتزوير.

وفي هذه الحالة فإن الانتخابات ستمر بهدوء نسبي، يمكن أن يسهم في تحسين الصورة العامة من خلال ادعاء النزاهة بما يصرف الانتباه عن الوجه الآخر (المعروف) لممارسات تلك الأجهزة.
وأضافوا أن من شأن المشاركة أن تبرز التحدي الذي يتهدد مرشحي الحزب الوطني، لأن شعبيتهم حينئذ ستواجه امتحانا عسيرا،
وفي هذه الحالة ستضطر الأجهزة الأمنية وقيادات الحزب لأن تسفر عن وجهها الحقيقي. ومن ثم ستستخدم أساليبها المعتادة سواء في مرحلة الدعاية الانتخابية أو أثناء التصويت أو خلال فرز الأصوات، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم حتى الآن اعتقال أكثر من 1200 شخص من المنتسبين إلى الجماعة.

وأصبحت الصحف تتحدث كل يوم عن أخبار التلاعب في تقديم أوراق الترشيح وقمع المرشحين وترهيب الناخبين، والصدامات التي لم تتوقف في بعض المدن مع جحافل الأمن المركزي ومدرعاته. إلى غير ذلك من ردود الأفعال التي تناقلتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية. وكانت لها أصداؤها المختلفة خصوصا في أوساط المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها «هيومان رايتس ووتش».
محدثيَّ أضافوا أن الجماعة لو أنها قاطعت لمكنت الذين يديرون اللعبة الانتخابية من ادعاء البراءة. فضلا عن أنها كانت ستقف موقف المتفرج وستظل خارج الصورة ولن يأتي على ذكرها أحد. في حين أنها بالمشاركة أصبحت في قلب الصورة وعلى رأس قائمة الأخبار والأحداث الداخلية طوال الأسابيع التي استغرقتها المعركة.

وهي بذلك ضربت عصفورين بحجر واحد، من ناحية فإنها كشفت أمام الملأ عن الأساليب التي تستخدمها السلطة في مواجهة المنافسة الجادة للحزب الوطني.
ومن ناحية ثانية فإنها أثبتت أنها المنافس الحقيقي الذي ينبغي أن يعمل له ألف حساب في أي انتخابات حرة أو غير حرة.
إذا صح ذلك التحليل فربما بدا منه أن الإخوان سجلوا نقطة في مواجهة الحزب الوطني، ولكن أكثر ما يتمنى في الموضوع هو ما إذا كان الوطن قد كسب أم خسر في الموقعة؟
.....................

23 نوفمبر، 2010

تحرير بعض الذي جرى في مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 17 ذوالحجة 1431 – 23 نوفمبر 2010
تحرير بعض الذي جرى في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_5388.html


إذا لم تكن تعرف ما هو «الأنومي»، فأنت لا تعرف حقيقة ما جرى لك في هذا الزمن، ومن ثم لا تعرف أنك مواطن بدرجة «مأزوم»، وحل مشكلتك ليس بيدك!

1
«الأنومي» باختصار مصطلح شائع في كتابات أساتذة علم الاجتماع، يستخدمونه في وصف الانفلات الذي ينتاب قيم المجتمع بحيث تصبح عاجزة عن القيام بوظيفتها الإيجابية.

والكلمة لها أصل في اللغة اليونانية القديمة ومعناها اللا قانون «نوموس تعني القانون».

ولكن عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم أشاعها في كتاباته للتعبير عن الحالة التي يتراجع فيها الدور الإيجابي للقيم، بحيث تكرس التراجع والتخلف بدلا من أن تكون رافعة للنهوض والتقدم.

ومنذ ذلك الحين (آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين) دخل المصطلح إلى موسوعة العلوم الاجتماعية وأصبح يستخدم في وصف أزمة القيم أينما حلت.
أما مناسبة استدعاء المصطلح في الوقت الراهن فترجع إلى عاملين، أحدهما شخصي والآخر موضوعي.
السبب الشخصي أنني كنت بصدد إعداد بحث طلبته مني إحدى الهيئات الدولية عن القيم في العالم العربي،
وحين قطعت شوطا في مطالعة المراجع المصرية بوجه أخص، وجدت أن أساتذة علم الاجتماع بلا استثناء تقريبا يتحدثون عن أن مصر تعاني أزمة في منظومة القيم الاجتماعية السائدة، وأنهم يشيرون إلى الحالة المصرية باعتبارها نموذجا «للآنومي»، التي في ظلها جرى تفكيك القيم الإيجابية وتراجعها بشدة، لحساب عديد من القيم السلبية التي أصبحت كالسوس ينخر في جسد المجتمع.
وقد راعتني بعض الشهادات والأحكام التي أطلقها أولئك الخبراء، إلى الحد الذي أقنعني بضرورة الانضمام إلى حملة دق الأجراس التي تستهدف التنبيه إلى خطورة الظاهرة والتحذير من مغبة التهوين من الأمر أو الانصراف عنه.
أما السبب الموضوعي فيتلخص في أنني لاحظت أن أجواء الانتخابات التشريعية الراهنة دفعت بعض حملة المباخر في مصر إلى المبالغة في تزيين الواقع والإشادة بالإنجازات التي تمت في مختلف المجالات، مستخدمين في ذلك سيلا من الأرقام التي يتعذر على المواطن العادي أن يتحقق من صحتها.

وإذ لا أشك في أن ثمة إنجازات تحققت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أن حفاوتنا بها لا تتحقق إلا بعد الإجابة عن أسئلة منها على سبيل المثال:
من الذي استفاد منها؟
وكيف ترجمت إلى واقع في حياة المواطن العادي؟
وما القيم الاجتماعية التي أفرزتها؟

2
في 18 أغسطس من العام الماضي (2009) كتبت مقالا تحت عنوان «
محاكمة مثيرة لقيم المصريين»، استعرضت فيه ما توصلت إليه دراسة تحليلية لمنظومات القيم السائدة خلال نصف القرن الأخير.

وكانت الدراسة قد صدرت عن مركز الدراسات المستقبلية بمجلس الوزراء المصري، وقام بتحريرها الدكتور محمد إبراهيم منصور والباحثة سماء سليمان.
وحين تتبعت متغيرات القيم في مصر منذ قامت ثورة يوليو عام 1952 إلى أن دخل المجتمع المصري عقد التسعينيات، وجدت أن من سماتها عدة معالم أعيد التذكير بها تمثلت فيما يلي:
* انتفاء قيمة الخير والحب، إذ أصبح الخير والسعي إليه والعمل على تحقيقه سواء للذات أو للآخرين من الأمور النادرة، وكأنه أصبح معقودا على الذات فقط.
* تراجع قيمة الإحساس بالأمان والطمأنينة، إذ في عهد الرئيس عبد الناصر كان ميل المصري للطمأنينة قويا، لاعتماده على شخصه وعلى الدولة التي وفرت له كل شيء.
وفي عهد السادات بدأ القلق والاكتئاب يتسربان إليه، واستمر ذلك خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم، إلى أن لوحظ أن المصري أصبح مسكونا بالانفعالات المختفية تحت بعض الصمت والسكينة، وهو ما يعبر عنه بالمجاملة حينا وبالنفاق حينا آخر.
وانتهى الأمر به أن هرب إلى الغيبيات التي وفرت للبعض طمأنينة مزيفة، وامتزجت عند المصري روح الفكاهة بالاكتئاب. حتى أصبحت تعبيرا عن المرارة والسخرية وليس عن المرح.
* انتفاء قيمة العدالة، إذ غابت العدالة الوظيفية بسبب المحسوبية، والعدالة السياسية جراء تزوير الانتخابات، والعدالة الاقتصادية بسبب الرشوة والفساد، والعدالة الاجتماعية بسبب تصعيد المنافقين والمؤيدين وكتاب السلطة. ومن ثم باتت قيم النفاق والوصولية والنفعية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين هي الصفات الغالبة.
* تراجع القدوة، إذ أصبح الناس يفتقدون النموذج الذي يقتدون به، خصوصا في ظل انتشار أخبار فساد أصحاب المناصب العليا والزعماء السياسيين والروحيين.
* تراجعت قيم العلم وازداد احتقار اللغة، كما تراجع التفكير العلمي، ومعهما تراجعت قيمة العمل، الذي أصبح مقصورا إما على أصحاب الواسطة أو خريجي الجامعات الأجنبية، وإزاء انتشار الفساد تراجعت قيمة الأمانة وشاع التسيب واللامبالاة.
* تراجعت قيمة الأسرة التي أصبحت تواجه خطر التفكك، في ظل غياب التراحم، وزيادة مؤشرات الفردية والأنانية واستغراق في المظهرية والتطلعات الشخصية.
* تراجع قيمة الانتماء للوطن، إذ أصبح المواطن المصري جزيرة منعزلة مستقلة عن الوطن يشعر بوحدة غريبة، وانكفاء على الذات، وذلك نتيجة لإقصائه عن أي مشاركة، إضافة إلى أنه لم يعد يشعر بأن الدولة تحتضنه وترعاه.

3
هذا التشوه في منظومات القيم هو بالضبط بعض أعراض «الأنومي». وهي الحالة التي تعبر عن هشاشة المجتمع وتراجع قيمه الإيجابية، بما يؤدي إلى تعثر مسيرته وتدهور أوضاعه العامة.

وقد وجدت أن ثمة اتفاقا بين الباحثين على أن ذلك التدهور محصلة للتقلبات والهزات الثقافية التي تعرض لها المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير.
وهو ما أطلق عليه البعض وصف «الحراك الاجتماعي»، الذي فسر به الدكتور جلال أمين «ما جرى للمصريين»،
وتحدث عنه كتاب مركز الدراسات المستقبلية، واستفاض في شرح تأثيراته الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس في كتاباته عن تحولات الثقافة ومنظومات القيم في مصر،

وفي تعليقه على ذلك الحراك في بحث أخير له حول الموضوع، فإنه أورد شهادة خطيرة وموجعة ذكر فيها أنه:

«على مدى نصف قرن جرت مياه كثيرة في نهر المجتمع، فعلى الصعيد الواقعي حدثت تحولات من المدهش أن يجود بها خيال. فقد بدأ المجتمع منذ صباح ثورة يوليو 1952 من مجتمع تقوده أيديولوجيا ليبرالية مشوهة إلى جانب منظومات قيمية مجاورة لم تندمج معها إن لم تعادها،
فإذا بنا نعود بعد نصف قرن إلى مجتمع تقوده أيديولوجيا ليبرالية فاسدة، إلى جانب منظومات قيمية تجاوزها. قد تختلف أو تتناقض معها،
كما أننا تحركنا من مجتمع بدأ بطبقة عليا تسلك سلوكا أنانيا في غالبه، وتتعايش مع البرجوازية العالمية، إلى مجتمع تسيطر عليه الطبقة العليا ذاتها، بعواطفها الأنانية ونزعاتها الفردية، مجتمع بدأ بالثورة على الفساد وتغيير القيم الفاسدة فإذا بنا ننتهي إلى مجتمع منتج للفساد متخلٍ عن القيم، تعوق حالته عملية الإصلاح والتغيير».
في الشق الثاني من شهادته ذكر الدكتور علي ليلة أن الفضاء الثقافي المصري اخترقته ثلاث منظومات للقيم «سوف تأتي على الأخضر واليابس إذا استمر الحال على ما هو عليه» ــ على حد تعبيره، هي كالتالي:


1ــ «القيم الانتهازية التي حلت محل القيم النضالية لدى شرائح عديدة من أبناء الطبقة الوسطى وقد استذابت تلك القيم الانتهازية على خلفية تفضيل أهل الثقة والولاء على أهل الخبرة،

وحين تقلدت نماذج الطبقة الوسطى المناصب العليا لإحساس النظام بالأمان تجاههم، فإن ذلك دفع كثيرين من نظرائهم لأن يسعوا أو يطلبوا أن يكونوا بدورهم أهل ثقة.

يضاف إلى ذلك أن مناخ الدولة الاشتراكية ساعد على نمو هذه البذور الانتهازية، حين عودت الدولة بعطائها السخي دون مقابل أبناء الطبقة الوسطى على ثقافة الأخذ دون العطاء، الأمر الذي تطور إلى تفضيل الصالح الخاص على الصالح العام، ثم إلى استغلال الصالح العام لتمكين الصالح الخاص.

وحين غرقت سفينة الاشتراكية سارع هؤلاء إلى السفينة الليبرالية. فأبناء الطبقة المتوسطة هم الذين ساعدوا في صياغة أيديولوجيا الانفتاح وترسانتها القانونية.. وهم الذين تحالفوا مع الطبقة العليا الوطنية والعالمية، متناسين أنهم كانوا عُمد الاشتراكية وأنهم شاركوا في تصفية تلك الطبقة.
وهذه القيم الانتهازية ازدهرت واتسعت مساحتها، حتى باتت تشكل إحدى منظومات الفساد والانهيار الثقافي والقيمي في المجتمع.
2ــ إن المنظومة القيمية الثانية تتمثل في اتساع مساحة الثقافة الاستهلاكية بصورة تدريجية، سواء مع ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، أو جراء هجرة أعداد كبيرة من أبناء الطبقة المتوسطة إلى دول الخليج، أو نتيجة اختراق ثقافة العولمة لمجتمعاتنا.
وهي الثقافة التي استهدفت المرأة في الشباب بالأساس، واستخدمت الإعلام والإعلان وتكنولوجيا المعلومات لتصبح ترسانة جديدة من أجل القهر والتركيع الثقافي للشعوب.
3ــ ثقافة الانحراف هي المنظومة الثقافية الثالثة التي بدأت توجد بمساحة واسعة في فضائنا الثقافي. إذ حين يغيب المشروع الاجتماعي أو القومي الذي يستنفر الطموحات ويلهمها،
وحين تلعب الظروف الاقتصادية والسياسية القائمة أدوارها في تهميش فئات اجتماعية عديدة، فإن الهروب من ذلك الواقع يصبح أمرا مفهوما. واللجوء إلى المخدرات يمثل شكلا من أشكال الهروب،
كما أن الانحياز إلى التطرف من جانب ذوي المرجعيات الدينية يعد هروبا من نوع آخر.
ولأن التطرف يكون عادة وليد حالة الحصار، فإن الخروج من الحصار لابد له من عنف وذلك منزلق آخر له شروره الكثيرة.
وفضلا عما سبق فإن ثقافة الجنس خارج الشرعية تعد حراما آخر متعدد الأوجه، التي تتراوح بين الاغتصاب والتحرش والزواج العرفي وقد تصل إلى زنى المحارم.

4
الدراسة التي أعدها مركز الدراسات المستقبلية في عام 2009 لتكون أساسا لرسم معالم الرؤية المستقبلية لمصر في سنة 2030 تحولت إلى منشور سري لم يسمع به أحد،
وحين أشرت إليها في أحاديثي مع بعض من أعرف من الوزراء فإنهم أبدوا دهشتهم حين سمعوا بأمرها، الأمر الذي يعني أن الأمر في نهاية المطاف لم يؤخذ على محمل الجد، وأن الدراسة عرفت طريقها إلى عالم النسيان بمجرد الانتهاء منها.
ومن ثم بقي الحال كما هو عليه في ظاهره، إلاَّ أن الحقيقة غير ذلك، لأنك حين تقف على منحدر بالحدة التي تبينت فإنك لن تثبت في مكانك، ولكنك ستتدحرج حثيثا نحو القاع.
إن الانهيارات التي أصابت قيم العدل والأمان والعلم والانتماء والأسرة فضلا عن قيم العمل والأخلاق الخاصة من شأنها أن تؤثر على تماسك المجتمع وقوته.
وحينما ينفرط عقد المجتمع وتسري فيه عوامل التفكيك والتشرذم، فلا ينقذه من كل ذلك سوى مشروع واضح المعالم، يحدد ركائز الاستمرار ووجهة السير. وهو أهم ما تفتقده مصر في الوقت الراهن.
(لقد قرأنا عن نظرية «الأوز الطائر» التي اهتدت بها تجربة التنمية في دول جنوب شرق آسيا، التي تصور عملية النمو بطيران أسراب الأوز،
في المقدمة تأتي اليابان باعتبارها القائدة،
يليها السرب الأول الذي ضم كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة،
ثم السرب الثاني الذي يشمل ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا،
أما السرب الثالث فيضم كمبوديا وفيتنام).
سمعنا أيضا عن سياسة «النظر شرقا» التي اتبعتها ماليزيا في الثمانينيات في اقتدائها باليابان وكوريا الجنوبية، وكيف أن تلك الرؤى حين خرجت إلى حيز التنفيذ بإصرار وجدية، شكلت رافعة لتقدم شعوب تلك الدول التي سميت بالنمور الآسيوية،

لكننا لم نسمع حتى الآن في مصر نداء يرد إلينا الروح ويحيي فينا الأمل في المستقبل. في حين أن كل ما نسمعه لا يخرج عن كونه ضجيجا بلا طحن وهرج هواة أو حُواة لا يغني ولا يسمن من جوع.
........................

حلال الانتخابات وحرامها

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 16 ذو الحجة 1431 – 22 نوفمبر 2010
حلال الانتخابات وحرامها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_23.html

صباح أمس (الأحد 21/11) نشر الأهرام الخبر التالى:

فى تحديها الصارخ لقرارات اللجنة العليا للانتخابات زارت (السيدة) جميلة إسماعيل المرشحة المستقلة بدائرة قصر النيل كنيسة المرعشلى بالزمالك (كما زارت) أحد المساجد بنفس المنطقة، فى إطار جولاتها الانتخابية،
وحرر لها محضر لمخالفتها القرارات، واستغلال دور العبادة فى الدعاية الانتخابية.

فى نفس اليوم نشرت صحيفة «الشروق» أن السيد عبدالسلام المحجوب مرشح الحزب الوطنى فى دائرة الرمل بالإسكندرية زار كنيسة مارميان، وعقد فيها مؤتمرا انتخابيا، أعلن خلاله الوكيل البابوى بالإسكندرية تأييد الكنيسة له.
وحين سئل رئيس اللجنة العليا للانتخابات القاضى عبدالعزيز عمر عن الموضوع رد قائلا:
حين تقدم لنا شكوى ضد المحجوب بشأن الزيارة سنبحثها من الناحية القانونية لتقدير مدى مخالفة الواقعة لتعاليم اللجنة، وسيتم اتخاذ الإجراء القانونى اللازم.

وحين قيل له إن الأمر لا يحتاج إلى شكاوى، وأن ندوة المحجوب وزيارته الانتخابية إلى كنيسة مارمينا موثقة بالصور التى نشرتها وسائل الإعلام فإنه اكتفى بالقول إنه لا يمكن التحقيق فى الأمر إلا بعد تقديم شكوى وفى هذه الحالة سيتم اتخاذ اللازم ضده. لو ثبتت مخالفته، إذ من الطبيعى أن تحال الشكوى إلى النيابة للتحقيق فيها لتحديد حجم وطبيعة المخالفة التى تمت.

المقارنة بين صياغة الخبرين تكشف مؤشرات النزاهة والحياد فى التغطية الإعلامية. فمحرر الأهرام أدان زيارة جميلة إسماعيل للكنيسة واعتبر تصرفها «تحديا صارخا» لقرارات لجنة الانتخابات. منوها إلى أنه تم تحرير محضر لها لوقوعها فى محظور استغلال دور العبادة فى الدعاية الانتخابية. ومن ثم اعتبر نفسه خصما لها فحاكمها وأدانها فى السطر الأول من الخبر.

فى حالة السيد عبدالسلام المحجوب فإن الأمر مختلف لأنه مرشح الحزب الوطنى، ذلك أن زيارته للكنيسة لم تعتبر تحديا صارخا للتعليمات، ولم يحرر محضر بالواقعة بخلاف ما حدث مع السيدة جميلة إسماعيل، وإنما ارتأى رئيس لجنة الانتخابات أنه يجب على المتضرر أن يقدم شكوى، تحال إلى النيابة للتحقيق فيها، ثم ينظر بعد ذلك ما إذا كانت هناك مخالفة أم لا.

علما بأن زيارة المحجوب للكنيسة لها حساسية خاصة، لأن منافسه فى الدائرة ذاتها من أعضاء جماعة الإخوان.
وفى تأييد الوكيل البابوى للوزير فى مواجهة مرشح الإخوان له مغزاه الذى يصب فى مجرى الفتنة الطائفية من أكثر من باب.

لا مفاجأة فى ذلك لأن الجميع عليهم أن يفهموا من البداية أن استخدام دور العبادة فى الدعاية الانتخابية محظور حقا وصدقا، لكن القرار سقطت منه سهوا عبارة تشير إلى أن ذلك ينطبق على غير أعضاء الحزب الوطنى.

ولذلك لم يعترض أحد على قيام السيد سيد مشعل وزير الإنتاج الحربى ومرشح الحزب الوطنى فى دائرة حلوان بإمامة المصلين فى أحد المساجد، وقد نشرت له الصحف صورة كبيرة وهو يتطلع إلى الكاميرا مبتسما بعدما ختم الصلاة، ولم يحرر محضر بذلك ولا اعتبر تصرفه مخالفا للتعليمات.

تماما كما ان التعليمات تقضى بحظر استخدام الشعارات الدينية وتضرب بيد من حديد على الذين يستخدمون لافتة الإسلام هو الحل،
ولا تقصر الداخلية فى أن تحتجز العشرات فى أقسام الشرطة كل يوم لأنهم تظاهروا تأييدا لمرشح من الإخوان،
لكن حينما تنظم مظاهرة داخل كنيسة، ويعلن وكيل البابا تأييد مرشح الحزب الوطنى، فإن ذلك لا يعد بدوره مخالفة للتعليمات، لأن ما هو حرام على المستقلين وغير المرضى عنهم. حلال على مرشحى الحكومة والحزب الوطنى.

الحاصل فى الشارع حاضر بقوة على شاشات التليفزيون. ذلك أن قواعد «النزاهة» الإعلامية اقتضت أن يكون الحزب الوطنى (صاحب المحل) وحده الحاضر على تلك الشاشات، والبرامج الحوارية إذا انتقدته فسيف الإنذار والحـظر وسحب الرخص مسلط فوق رقاب الجميع. ولذلك تم تخفيض سقف الحوارات المسائية، بعد إطلاق رسائل ترهيب مقدمى البرامج وأصحاب القنوات الفضائية.

وإذا كان لابد من الحوار فليكن إما مع الحكومة ودعاية للحزب الوطنى، أو يدور خارج السياسة مع الفنانين ولاعبى كرة القدم.

أيضا لا يفاجئنا كل ذلك، فمنذ عقود ونحن نشاهد نفس الفيلم، الذى يقوم فيه أشخاص معروفون بدور البطولة، فى حين يؤدى المجتمع كله دور الكومبارس.
لذلك فإننى مازلت عند رأيى فى أن الانتخابات كلها بصورتها الراهنة لا لزوم لها فى مصر، وأن ما يهدر لأجلها من وقت ومال لو أنفق فى شىء مفيد للبلد لكان أفضل بكثير.

كما أننى مازلت عند دهشتى إزاء اشتراك الأحزاب وإدمانها دور الكومبارس فى الفيلم الذى أصبح استمرار عرضه دون أى تغيير فى وقائعه أو أبطاله أمرا مهينا، ليس فقط لفريق الكومبارس التقليدى، ولكن للجمهور أيضا الذى ملَّ القصة ولم يعد يحتمل تكرار وقائعها أو مشاهدة أبطالها.
..................

21 نوفمبر، 2010

سوء حظ أم سوء تقدير؟

صحيفة الشرق القطريه الأحد 15 ذو الحجة 1431 – 21 نوفمبر 2010
سوء حظ أم سوء تقدير؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_21.html

الأسوأ من الجفاء بين القاهرة ودمشق، الأعذار التي تساق لتفسيره.
إذ ربما يذكر البعض أنني تطرقت إلى هذا الموضوع من قبل، وتساءلت عن أسباب استعصاء مشكلات علاقات البلدين على الحل.
وكان الرئيس بشار الأسد قد ذكر في حديث له نشرته صحيفة الحياة أنه لا مشكلة لسوريا مع مصر، وأن المشكلة قد تكون لدى الطرف الآخر.
الأستاذ جهاد الخازن دخل على الخط في تعليق له نشرته صحيفة الحياة يوم الجمعة الماضي (19/11) وحاول أن يجيب على التساؤلات التي طرحتها بعد أن ذكر أنه يعرف تفاصيل ما جرى، حين استمع إلى وجهتي نظر الطرفين بحكم علاقاته الوثيقة معهما.

وإذ قال إنه لا يستطيع أن ينشر كل ما يعرف، إلا أن ثمة حدودا مسموحا بها لخصها في أن «سوء الحظ» أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

وأشار في هذا الصدد إلى أن الجفاء بين القاهرة ودمشق عمره سبع سنوات وليس خمسا، منوها إلى أنه بعد الغزو الأمريكي للعراق وتهديد واشنطن بإسقاط النظام في سوريا، فإن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول زار دمشق لفرض شروط «المنتصر»، التي رفضها الرئيس بشار الأسد.

وقد اعتبرت سوريا أن مصر لم تساندها آنذاك وتركتها وحيدة أمام عاصفة سياسة المحافظين الجدد. لكن مصر ذكرت أنها ساندت سوريا ووقفت إلى جوارها آنذاك. وهو ما أحدث فجوة في علاقات البلدين.

تحدث الأستاذ الخازن أيضا عن قمة «سرت» التي عقدت في ليبيا، وقال إن الأسد أراد أن يكون أول رئيس عربي يهنئ الرئيس مبارك بسلامة العودة بعد الجراحة التي أجريت له في ألمانيا، ولكن تحديد موعد الزيارة صادفته عدة عثرات أدت إلى إلغائها. مما دفعه إلى القول إن سوء الحظ ظل واقفا بالمرصاد بحيث لم تنجح محاولات رأب الصدع بين البلدين طوال السنوات السبع الماضية.
لست أشك في أن ما يعرفه الأستاذ جهاد الخازن أضعاف ما ذكره. كما أنني لا أشك في ذكاء الرجل الذي حين روى ما رواه فإنه أراد التلميح إلى أن ثمة خلافا بين البلدين حول الموقف من السياسة الأمريكية، كما أن ثمة حساسية خاصة بين الرئيسين مبارك والأسد،
ومن جانبي أزعم أن دور الحساسيات الشخصية في الجفاء الحاصل بين القاهرة ودمشق لا يقل أهمية عن دور الخلاف السياسي بين البلدين.
وذاكرتنا لا تزال تعي أن الحساسية الشخصية و«الكيمياء» حين لم تتفاعل بشكل إيجابي بين الرئيسين أنور السادات ومعمر القذافي، فإن ذلك سبب قطيعة بين البلدين لعشر سنوات تقريبا.
يؤيد ما أدعيه ذلك الجفاء الحاصل الآن بين القاهرة والدوحة، حيث لا أظن أن ثمة خلافا سياسيا جوهريا بين البلدين سواء حول فيما خص العلاقات مع الولايات المتحدة أو حتى إسرائيل. حتى موقف قناة «الجزيرة» إزاء مصر لا أظنه يمكن أن يكون سببا للجفاء، خصوصا أن ما تبثه عن مصر أحيانا لا يكاد يقارن بما تنشره الصحف المصرية ذاتها من نقد أو تحفظات.

ولذلك فإنني أميل إلى أن تكون المسألة في حدود الحساسيات الشخصية التي فتحت الباب لإساءة الظن وأدت إلى الجفاء الراهن. وكان ذلك واضحا في مواقف كثيرة أحدثها امتناع وزير الثقافة المصري عن حضور اجتماع وزراء الثقافة العرب في الدوحة قبل أسبوعين، وتعلله في ذلك بارتباط له في القاهرة.
وحين عرض عليه تأجيل إحدى الجلسات ليتمكن من الحضور في اليوم التالي للافتتاح فإنه اعتذر أيضا. وظل مقعد مصر خاليا في المؤتمر الذي حضره 17 من وزراء الثقافة العرب.
لا أعتقد أن مصطلح «سوء الحظ» يمكن أن يكون تفسيرا مقنعا للجفاء الحاصل بين القاهرة ودمشق، ولا أتصور أن الحساسيات الشخصية بين الزعماء العرب يمكن أن تقبل كتفسير لتوتر العلاقات بين القاهرة وبين أي دولة عربية.
وأخص القاهرة بالذكر لأن «الشقيقة الكبرى» ينبغي أن تقيم موقفها بمعيار خاص يختلف عن أي دولة أخرى في المنطقة. ناهيك عن أنه ليس مفهوما ولا مقبولا بأي معيار أن تنجح إلى حد كبير جهود التغلب على التناقض الحاصل بين مصر وإسرائيل. العدو الاستراتيجي والتاريخي. في حين تفشل تلك الجهود في حل التناقض بين مصر وسوريا أو قطر، أو بين مصر وإيران.

وعندما يحدث ذلك فإنه يعنى أن ثمة خللا في الرؤية الاستراتيجية ينبغي أن نتحرى مصادره وأن نسارع إلى علاجه، لأن استمرار ذلك الخلل لا يخدم المصالح العليا لمصر، حتى وإن كان مريحا ومنسجما مع مصالح أي دول أخرى خارجية. ولا أتردد في القول إن المستفيد الأكبر من ذلك الجفاء هي الولايات المتحدة وإسرائيل.
لقد كان من بين الإنجازات المهمة التي حققتها حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا أنها عملت منذ اللحظة الأولى لتوليها السلطة على حل مشاكلها مع كل جيرانها فيما عرف بسياسة (زيرو مشاكل)،
ولا أعرف كيف يمكن أن تظل مصر عاجزة عن حل مشكلاتها مع محيطها الاستراتيجي وأن تترك تلك المشاكل لكي تتراكم وتتعقد وتتحول بمضي الوقت إلى عقد وعاهات!
..........................

20 نوفمبر، 2010

حكاية قمر تاه

صحيفة الشرق القطريه السبت 14 ذوالحجة 1431 – 20 نوفمبر 2010
حكاية قمر تاه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_20.html


شغلنا بواقعة اختفاء القمر الصناعي «إيجيبت سات واحد»، لكن أحدا لم يرو قصته، كأن الجميع تواطأوا على أن يتستروا على ما شاب العملية من تهريج وعبث.

ذلك أن القمر الصناعي الذي وصفته وسائل الإعلام بأنه «مصري»، وأعرب البعض عن الأسف لفقدانه، كان بمثابة ورطة مصرية وليس صناعة مصرية.
فأهل الاختصاص يعرفون أن أوكرانيا هي التي صممته وصنعته، وهي التي أطلقته في عام 2007 من على متن أحد الصواريخ الروسية، من قاعدة خصصت لهذا الغرض في كازاخستان. وظل الدور المصري مقصورا على دفع فاتورة العملية، التي بلغت 21 مليون دولار.

الشق المسكوت عليه سمعت تفاصيله من الدكتور سيد دسوقي شيخ علماء الفضاء المصريين، الذي قال إن التفكير في الموضوع بدأ بداية صحيحة في منتصف تسعينيات القرن الماضي حين تعاونت لإنجاز المهمة ثلاث جهات مختصة هي:
هيئة الاستشعار عن بُعد، وأكاديمية البحث العلمي، وقسم هندسة الطيران والفضاء بجامعة القاهرة.

وتشكلت في ذلك الوقت عدة لجان بأكاديمية البحث العلمي، كانت أبرزها لجنة تكنولوجيا الفضاء التي تولى هو رئاستها، وضمت اللجنة كوكبة من علماء مصر الموجودين في مختلف المراكز البحثية.

في ذلك الوقت بدأ الإعداد الجاد لمشروع الفضاء المرتقب في هيئة الاستشعار عن بعد بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي. كما بدأ التفكير في اكتساب الخبرات من الخارج، فسافرت عدة وفود إلى إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.

وارتأى الدكتور دسوقي آنذاك أن يكون البدء بتصميم وتصنيع وإطلاق أقمار صغيرة، فإذا نجحت التجربة يتم الانتقال إلى ما بعدها.
وكانت خبرة صناعة تلك الأقمار متوافرة في جامعة ستانفورد الأمريكية (التي حصل منها الدكتور دسوقي على شهادة الدكتوراه).
وقد برز فيها الدكتور تويجز، أحد أهم العلماء الأمريكيين ــ سافر الدكتور دسوقي إلى هناك واتفق مع العالم الأمريكي ومساعده على أن يقضيا في مصر أسبوعين، وأن يستقدما معهما المكونات اللازمة لتصنيع عشرة أقمار علب صغيرة، لتطلق عن طريق بالون. على أن تكون تلك بداية التعاون في إجراء أبحاث مشتركة لتطوير الأقمار.

وكل ما طلب آنذاك لم يتجاوز إصدار بطاقتي سفر للرجلين، وخمسة آلاف دولار لكل منهما لنفقات الأسبوعين، وخمسة آلاف دولار قيمة المكونات المطلوبة للأقمار العشرة، أي أن التكلفة لم تتجاوز 20 ألف دولار.

(للعلم فإن فكرة الأقمار الصغيرة أصبحت سائدة في العالم الآن، حيث أصبحت الجهات المختصة تطلق مجموعة من تلك الأقمار وتوزع عليها مهام القمر الكبير في نفس المدار وحول بعضها البعض،
وفي الصيف الأخير ــ بعد مضي عشر سنوات ــ زارت مصر وفود يابانية تريد أن تبدأ معها مشاريع لتلك الأقمار الصغيرة، بعدما أصبح اسم الأستاذ تويجز ملء السمع والبصر في أوساط علوم الفضاء في العالم).

حمل الدكتور سيد دسوقي العرض الذي عاد به من أمريكا وقدمه إلى اللجة العليا للفضاء التي رأسها الدكتور علي صادق، لكنه فوجئ بأمرين،
أولهما رفض الفكرة من أساسها.
وثانيهما أن ثمة مشروعا للتعاقد مع أوكرانيا لتصنيع القمر، أعده الدكتور علي صادق والدكتور بهي الدين عرجون.

في تلك الفترة جاء وفد من أوكرانيا لزيارة هيئة الاستشعار عن بعد، استعدادا لبدء المشروع. واقترح أحد الباحثين المصريين أن يلتقي كبير علماء مشروعات الفضاء الأوكراني مع الدكتور سيد دسوقي باعتباره كبير العلماء المصريين فوافق على ذلك.

وحين تسرب الخبر فوجئ الدكتور دسوقي بأن الجو قد توتر، وأن بعض أصحاب المصلحة في المضي في المشروع عملوا على إلغاء اللقاء، بحيل متعددة، وتحقق لهم ما أرادوه لأسباب بعضها معلوم وبعضها لا يزال في علم الغيب،

في النهاية تم تجاهل فكرة تصنيع الأقمار العشرة بتكلفة 20 ألف دولار، وتسارعت خطى تنفيذ القمر الأوكراني الذي بلغت تكلفته 21 مليون دولار.
وذهب مدير المشروع المصري إلى أوكرانيا بصحبة 50 مهندسا مصريا أجلسوهم هناك ليتفرجوا على اختبارات بعض الأجهزة، فلم يتعلموا شيئا، وعادوا لكي يكملوا دراساتهم العليا في القاهرة، ثم تشتتوا بعد ذلك، وأغلبهم غادر البلاد بحثا عن عمل في الخارج.

الأهم من ذلك أن مصر فشلت في أن تنفذ مشروعها الوطني لصناعة الأقمار، ثم فقدت القمر الأوكراني الذي مولته، وخرجت من المولد بلا حمص!
.............................

18 نوفمبر، 2010

نداء للأتراك: تناسلوا تصحوا

صحيفة الشرق القطريه الخميس 12 ذوالحجة 1431 – 18 نوفمبر 2010
نداء للأتراك: تناسلوا تصحوا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_18.html

لم يعد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي يفوِّت فرصة اجتماعية دون أن يدعو الأتراك إلى زيادة نسلهم، مشددا على أن كل أسرة لا ينبغي أن تنجب أقل من ثلاثة مواليد (مثله)، وحبذا لو كانوا أكثر من ذلك.

بل إنه أصبح يمازح الأتراك قائلا:
إن ذلك هو شرطه لحضور أي مناسبة لعقد قران.

ولأنه كرر الدعوة عدة مرات، فإن ذلك أثار حماس رئيس بلدية مدينة «بايداغ» التي تبعد ثلاثين كيلومترا عن العاصمة أنقرة، فأعلن على الملأ أن كل أسرة تثبت أن الزوجة أصبحت حاملا، ستعفى من دفع قيمة استهلاك المياه لمدة سنتين.
هذا الكلام لا ينطلق من فراغ، وإنما تكمن في خلفيته رؤية مميزة وحسابات تتطلع إلى المستقبل البعيد. ذلك أن قيادة حزب العدالة والتنمية تعتبر البشر ثروة ينبغي تنميتها واستثمارها على أفضل وجه ممكن.
خصوصا إذا تحولوا إلى طاقات إنتاجية تسهم في نهضة البلد وتقدمه. وهو الحاصل الآن في تركيا، التي لم تبلغ ما بلغته من نمو وعلو إلا لأن المجتمع تحول إلى آلة إنتاجية ضخمة تتحرك بهمة في مختلف المجالات.

ولأنهم يتطلعون لأن تصبح تركيا عام 2020 في المرتبة العاشرة بين الدول الصناعية في العالم (ترتيبها الآن 16 عالميا وفي المرتبة السادسة أوروبيا) فهم لا يزالون بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة لن تتوافر إلا بزيادة معدلات الإنجاب.
من ناحية ثانية فإن الجهات المعنية لاحظت أن تأثر المجتمع التركي بالثقافة الغربية المنحازة إلى الأسر الصغيرة بدا واضحا، إذ تراجعت معدلات الإنجاب في المدن حتى أصبحت الأسرة تكتفي بطفل أو اثنين،
كما أن منطقة الأناضول التي كان متوسط عدد الأبناء والبنات يتراوح بين 5 أو 6 لكل أسرة، لكن أهالي المنطقة لحقوا بأقرانهم في الحضر وأصبحوا يكتفون بطفلين أو ثلاثة كحد أقصى.
وخلصت تلك الجهات المعنية إلى أنه بعد 30 سنة ستكون نسبة الشيوخ في تركيا 70% من مجموع السكان، الأمر الذي يؤثر سلبا على عافية المجتمع وقدرته على النهوض والتقدم.
صحيح أن الخبراء لا يرون قلقا أو خطرا في الوضع الراهن، فعدد سكان تركيا حسب آخر إحصاء 73 مليونا و650 ألفا، ونسبة الشبان في حدود 60%، إلا أن المؤشرات التي تتعلق بالمستقبل هي التي دفعتهم إلى تنبيه رئيس الحكومة إلى ما ترتبه من نتائج، الأمر الذي دعاه إلى الخروج على الملأ بالدعوة إلى زيادة النسل.
الصورة في مصر معكوسة تماما كما تعلم، فتقليل النسل أحد أهداف الحكومة والمؤسسات الرسمية، بل هي الوظيفة الرئيسة لوزارة الأسرة، التي لا تكف عن الإلحاح عليها في كل مناسبة خصوصا عبر التلفزيون الذي باتت إعلاناته اليومية تعطي السيدات دروسا يومية في كيفية قطع الخلفة، مع تزيين فكرة تقليل الإنجاب التي تسهم فيها الملصقات المنتشرة في مختلف المدن والأماكن العامة.
ليس ذلك فحسب، وإنما أصبحت كثرة المواليد هي المشجب الأول الذي تعلق عليه الحكومة أسباب تعثر مشروعات التنمية أو فشلها.
وأصبح المسؤولون في السلطة ينددون بزيادة السكان في كل مناسبة، ويقرعون الناس ويتهمونهم بأن زيادة أعدادهم هي السبب في كل المشاكل التي تواجه المجتمع وتحول دون تقدمه.

حتى إن أحد كبار المسؤولين بلغ به ضيق الصدر درجة جعلته يتساءل ذات مرة ضاحكا،
هل سنضطر يوما ما لأن نوقف شرطيا عند كل سرير في البلد؟!?

المقارنة تستدعى السؤال التالي:
لماذا يشجعون زيادة النسل في تركيا في حين تحارب الفكرة في مصر وتستهجن؟
ربما قال قائل إن ثمة مشكلة يتحسبون لها في تركيا بزيادة النسل، لكن الموقف في مصر مختلف، باعتبار أن ما يقلقهم هناك ليس واردا عندنا، لأن المصريين يقومون بالواجب، ويتناسلون بمعدلات تبدد أي مخاوف بالنسبة لوفرة الأيدي العاملة في المستقبل،
ثم إن تأثير الثقافة الغربية على أوضاعنا الاجتماعية ليس بالقوة التي تشهدها تركيا.
قد لا تخلو هذه الحجة من بعض الوجاهة، لكنني أزعم أنها غير مقفعة، وفي أحسن أحوالها فإنها تصلح عنصرا ثانويا وليس رئيسا،

ذلك أننا إذا أردنا أن نتصارح فلا مفر من أن نعترف بأن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين الذين يعملون ويحاسبون والذين لا يعملون ولا يحاسبون
ــ بين من شغلهم طموح التنمية والتفوق وبين من شغلهم الاستمرار واحتكار السلطة.
وهو ما دفع الأولين لاعتبار الطاقات البشرية ثروة وسلاحا فعالا في سباق التفوق،
في حين أن الآخرين اعتبروها عبئا وسببا للإزعاج ومصدرا للمشاكل
ــ والله أعلم.
.............................

17 نوفمبر، 2010

وقاحة على أرض مصر

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 11 ذو الحجة 1431 – 17 نوفمبر 2010
وقاحة على أرض مصر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_17.html

هذه واقعة لا ينبغي أن تمر دون تحقيق وتدقيق، إذ طبقا لما نشرته صحيفة «العربي» يوم الأحد الماضي (14/11) فإن مراسلة الصحيفة في الأرض المحتلة، الزميلة صابرين دياب، كانت في زيارة للقاهرة
وفي يوم عودتها إلى بلادها ــ مساء الخميس 11/11 ــ كان عليها أن تستقل طائرة إسرائيلية، وبعدما أنهت إجراءات السفر اتجهت صوب الطائرة،
وقبل أن تدخل إليها استوقفها ضباط أمن إسرائيليون، واقتادوها إلى غرفة جانبية حيث جرى تفتيشها بشكل مهين للغاية، وأسمعوها سيلا من الشتائم البذيئة.

وتم ذلك كله أمام أعين رجال الأمن المصري، الذين وقفوا متفرجين على المشهد.
وبعد مصادرة هاتفها الجوال وآلة للتصوير كانت تحملها، أجروا تحقيقا معها تركز حول هدف زيارتها والشخصيات المصرية التي التقتها، والأماكن التي ترددت عليها، ثم سمحوا لها بعد ذلك بالدخول إلى الطائرة.
لأول وهلة، لا يكاد يصدق المرء أن ذلك حدث في مطار القاهرة وعلى الأرض المصرية، وحين رجعت إلى زميلنا الأستاذ عبد الله السناوي رئيس تحرير العربي فإنه أكد لي صحة التفاصيل المذكورة في الخبر،

وزاد على ذلك أن الجريدة حجبت بعض التفاصيل المتعلقة بصور الإهانة التي تعرضت لها الزميلة صابرين احتراما لمشاعرها وحفاظا على كرامتها.

ثم سمعت قصة ما جرى في المساء مرة أخرى حين اتصلت بها إحدى القنوات الخاصة هاتفيا حيث تقيم داخل إسرائيل، وجاء كلامها الذي تم بثه تلفزيونيا مطابقا لما نشرته صحيفة العربي، الأمر الذي يستدعي توقفا عن ثلاث نقاط.

الأولى تتعلق بصور الإهانة والإذلال التي يتعرض لها عرب 48، الذين هم أصحاب الأرض والبلد، في حين يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، تصر السلطات الإسرائيلية على تحويل حياتهم إلى جحيم للخلاص منهم في نهاية المطاف.
صحيح أن الزميلة صابرين صحفية نشطة فضحت الكثير من الممارسات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية هناك إلى توقيفها والتحقيق معها عدة مرات، ومن ثم تم تعمد إهانتها، إلا أن تلك الإهانات تظل الأصل في التعامل مع عرب 48، وإن اختلفت جرعاتها من شخص إلى آخر.
النقطة الثانية تتعلق بحدوث الواقعة على الأراضي المصرية، الأمر الذي يعد مساسا وقحا بسيادة مصر على أراضيها، من جانب ضباط الأمن الإسرائيليين.
وقد رجعت إلى من أعرف من أهل القانون وخبراء الطيران لاستجلاء الموقف القانوني في هذه الحالة، فتلقيت ردين.
الأول ذكر أن ما جرى يمثل عدوانا على السيادة المصرية، لأنه طبقا للقانون الدولي فإن السيادة الإسرائيلية أو سيادة أي دولة أجنبية على الطائرات التي توجد في أي مطار لا تتجاوز حدود الطائرة ذاتها.
بالتالي فإن إهانة الزميلة صابرين من جانب ضباط الأمن الإسرائيليين تكون قد وقعت على الأرض المصرية.
الرد الثاني يؤيد الأصل الذي قرره القانون الدولي الذي لا يرى سيادة لإسرائيل أو لأي دولة أخرى خارج حدود طائراتها، لكنه يضيف أن ثمة «بروتوكولا» لم يعلن عنه، تم توقيعه بين مصر وإسرائيل، سمح للأخيرة بتوسيع نطاق سيادتها بحيث تتجاوز حدود الطائرة، لتشمل دائرة معينة متفقا عليها.

يرجح ذلك أن جريدة العربي حين صاغت الخبر ذكرت أن «التحقيقات التي أجريت معها (الزميلة صابرين) تمت في منطقة يتولى تأمينها ضباط أمن الطائرة الإسرائيلية».

وإذا صح ذلك فإنه لا يبرر الإذلال والمهانة في المشهد الذي نحن بصدده، إلا أنه يثير أكثر من سؤال حول تخصيص إسرائيل بذلك الاستثناء. ومبرر توقيع البروتوكول المذكور ــ إن وجد ــ بالمخالفة للقانون الدولي، رغم أنه ينتقص من السيادة المصرية على أراضيها.
النقطة الثالثة التي تثيرها الواقعة تتمثل في التساؤل عن مضمون وحدود الاتفاقات الأمنية التي وقعتها مصر مع إسرائيل ــ ذلك أننا نعرف جيدا مدى قوة الهاجس الأمني لدى الدولة العبرية، شأنها في ذلك شأن أي لص أو مغتصب يعلم أنه سطا على حق ليس له، ولم يعد يشغله سوى كيفية تأمين وضعه وتثبيته و«تطبيع» علاقاته مع جيرانه.

ولذلك فإنها اعتبرت أن التنسيق الأمني مع الأجهزة المختصة في السلطة الفلسطينية أحد أهم إنجازاتها. ولئن صار ذلك معلنا ومفضوحا في الضفة الغربية، إلا أننا لا نعرف بالضبط حدود ذلك التنسيق مع مصر، الذي فهمنا أن معبر رفح يعد من أبرز ساحاته.

إنني أخشى أن تكون الواقعة التي حدثت في مطار القاهرة كاشفة لقمة جبل التنسيق الأمني فقط في حين يكمن تحت السطح جسم لا ندري حجمه أو كُنهه.
.............................

16 نوفمبر، 2010

ينتظرون صدقات واشنطن – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 10 ذو الحجة 1431 – 16 نوفمبر 2010
ينتظرون صدقات واشنطن – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_16.html

أرأيت كيف أن «لاءات» العرب تحولت الى توسلات ورجاءات، حتى انتهى بنا الهوان ان صرنا نقف عراة عاجزين على أبواب واشنطن، ننتظر منها «صدقة» نستر بها عورتنا؟!.

-1-
ليست هذه هي الكارثة الوحيدة، لأن الكارثة الأكبر ان ذلك الهوان وجد من يدافع عنه ويستعذب استمراره، ويتجرأ على التنديد ببدائله، على الأقل فذلك ما سمعناه في خطاب السيد محمود عباس، الذي ألقاه في مهرجان ذكرى عرفات الذي أقيم في رام الله يوم الخميس الماضي (11/11).

اذ اعتبر ان الممانعة والمقاومة أكذوبة ومجرد شعارات تنفع للاستهلاك في الفضائيات وهو الكلام الذي احتفت به وأبرزته صحيفة الشرق الأوسط على صدر صفحتها الأولى في اليوم التالي مباشرة.
قبل أيام قليلة من خطبة «أبومازن» كان الدكتور صائب عريقات كبير مفاوضيه يتحدث في ندوة عقدت في مركز «ودرو ويلسون» بواشنطن (يوم 11/5)، وأعلن ان السلطة الفلسطينية ستعطي الادارة الأمريكية مزيدا من الوقت لحل مشكلة الاستيطان الذي تصر الحكومة الاسرائيلية على استمراره، في حين ترفض السلطة الفلسطينية استئناف المفاوضات المباشرة ما لم توقف مشروعات الاستيطان. وهذه «المهلة» التي تحدث عنها السيد عريقات لها قصة لابد ان تروى.
ذلك ان الأمريكيين بعدما استدرجوا الفلسطيني الى لعبة المفاوضات غير المباشرة التي تحولت بعد ذلك الى مباشرة. وجدوا ان الأخيرة وصلت الى طريق مسدود وتوقفت في 26 سبتمبر الماضي. وهو اليوم الذي استأنفت فيه اسرائيل بناء المستوطنات بصورة علنية ورسمية.
وكانت تلك الخطوة بمثابة صفعة «لأبومازن» وفريقه، فسارع الى عرض الأمر على لجنة المتابعة العربية التي أصبحت تؤدي دور «المحلل» لخطواته التي لا يستطيع تمريرها من خلال الشرعية الفلسطينية المعتبرة.

حينذاك لم تجد لجنة المتابعة شيئا تفعله سوى اعطاء الادارة الأمريكية التي أصبحت تملك مفاتيح الملف مهلة شهر للبحث عن مخرج من ذلك المأزق.
وأغلب الظن أنه وضع في الاعتبار في ذلك القرار ان تكون انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي قد تمت خلال ذلك الشهر، وأن يكون الرئيس الأمريكي قد تحلل بصورة نسبية من بعض شواغله الداخلية.

المهم ان هذه المهمة انتهت في 9 نوفمبر، دون ان يصدر شيء عن الادارة الأمريكية. في حين ان اسرائيل واصلت مشروعاتها الاستيطانية باندفاع لافت للأنظار، فقررت بناء 1300 وحدة سكنية في القدس المحتلة و800 وحدة أخرى في مستوطنة «أرئيس» كبرى مستوطنات الضفة الغربية. وكل الذي فعله الرئيس أوباما أنه صرح بأن مثل هذه الخطوات «لا تساعد» في عملية السلام، كما ان فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي أعربت عن «أسفها» ازاء ذلك.
ولأن السلطة الفلسطينية راهنت على الموقف الأمريكي، فانها لم تجد مفرا من تمديد المهلة لأسبوعين أو ثلاثة، الى ما بعد العيد، وكأن البيت الأبيض سيكون بدوره في عطلة خلال عيد الأضحى!.

-2-
أشهر وصف للرئيس أوباما بعد ظهور الانتخابات وفوز الجمهوريين بالأغلبية في مجلس النواب أنه تحول الى «بطة عرجاء» ستتعثر في مشيتها خلال السنتين القادمتين اللتين بقيتا له في الحكم.
من ثم فما عجز الرئيس أوباما عن الوفاء به في السنتين الماضيتين (وقف الاستيطان مثلا)، سيصبح أعجز ازاءه خلال السنتين القادمتين. ذلك ان مزايدة الجمهوريين على الجميع في الانحياز الى جانب اسرائيل والعداء للفلسطينين أمر معلوم للكافة.
آية ذلك مثلا ان النائبة الجمهورية المرشحة لرئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب (ايليناروس) وصفت بأنها نسخة أخرى من أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلية، لأنها متطرفة ليكودية الهوى. وقد أيدت كل حرب اسرائيلية ضد الفلسطينين، وكل حرب أخرى ضد العرب والمسلمين (جهاد الخازن 11/6).
لا غرابة في ان تعزز نتائج الانتخابات التشريعية الأمريكية من موقف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لم يكترث بعتاب الادارة الأمريكية عليه جراء رفضه وقف الاستيطان. وقد ظهر ذلك الاستقواء جليا حينما رد على انتقاد أوباما لمشاريع البناء الاستيطاني الجديد في القدس بقوله
«القدس ليست مستوطنة. انها عاصمة دولة اسرائيل الموحدة الى الأبد».
وهو ما اعتبره الأمريكيون وقاحة و«استفزازا مقصودا».
في التقرير الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط (فى 11/11) من تل أبيب بخصوص هذه الواقعة، ذكر مراسلها ان كلام نتنياهو صدر عشية اجتماعه مع وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، مما فسر على أنه تحد سافر للولايات المتحدة وأن المراقبين الاسرائيليين رأوا في هذا التحدي بالون اختبار يقيس به نتنياهو مدى ضعف الرئيس أوباما بعد نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس. (الشرق الأوسط 11/11).
كي نعطي الغضب الأمريكي حجمه ونفهم حدوده نلاحظ هنا، ان العتاب أو حتى الغضب الأمريكي يظل عند حدوده الدنيا، وربما كان محصورا في التراشق الاعلامي فحسب.
آية ذلك أنه في الوقت الذي يتحدث البعض عن أزمة في العلاقات الأمريكية الاسرائيلية تبين ان الكونجرس صادق في الشهر الماضي على زيادة حجم المعدات العسكرية التي تحتفظ بها في مخازن الطوارئ الأمريكية في اسرائيل في العامين المقبلين من 800 مليون دولار الى مليار و200 مليون دولار.
وهو ما يعني عمليا زيادة حجم المعدات التي توضع تحت تصرف اسرائيل في حالة الطوارئ بنسبة %50، علما بأن العتاد الجديد يشمل قنابل ذكية.
وفي تعقيب صحيفة «هاآرتس» على هذه العملية ذكرت أنها من قبيل طمأنة الدولة العبرية الى وقوف أمريكا الى جانبها، وأنه لا قلق على اسرائيل من «المجازفة» بتحقيق السلام مع الفلسطينيين.

-3-
نتنياهو يعلم جيدا ان الرئيس أوباما صار أضعف مما كان عليه قبل الانتخابات الأخيرة، كما أنه على دراية كافية بقلة حيلة السلطة الفلسطينية ورئيسها، وهو ما يدفعه ليس الى التمسك بموقفه والمضي في مشروعه بغير تردد. ليس ذلك فحسب وانما يشجعه ذلك على ان يرفع من سقف طلباته ويتدلل الى أبعد مدى ممكن.
فهو أولا يتحدث عن وقف جزئي ومحدود المدة للاستيطان لا يشمل القدس كما أنه يساوم على المقابل الذي تتلقاه اسرائيل اذا ما قبلت بذلك «التنازل»، فتارة يتحدث عن شرط الاعتراف بيهودية الدولة العبرية، وتارة أخرى يبحث مع الأمريكيين في شروط صفقة أمنية كبيرة أصبحت تفاصيلها محورا لسيل من التقارير الصحافية التي خرجت من واشنطن أخيرا. اذ تحدثت تلك التقارير عن «حزمة حوافز» ستقدمها الولايات المتحدة الى اسرائيل لمجرد ان تقبل بالوقف الجزئي والمحدود لمشروعاتها الاستيطانية.
الأفكار التي تضمنتها الحزمة المقترحة هي:
عقد اتفاق أمني مع الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات يوفر لها الحماية ضد الصواريخ ويضمن تفوقها العسكري
- الابقاء على وجود اسرائيل في منطقة الأغوار لعشرات السنين بحجة منع المتسللين من الأردن
- ضمان منع الفلسطينين أو العرب من تدويل الموضوع عبر نقل القضية الى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، الى غير ذلك من الشروط التي اعتبرها سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني أسوأ من الاحتلال.
من المفارقات ان رئيس الوزراء الاسرائيلي كان قد اجتمع في بداية هذا الأسبوع لمدة 7 ساعات مع وزيرة الخارجية الأمريكية لبحث العقبات التي تحول دون استئناف المفاوضات المباشرة، والاستيطان في مقدمتها،
لكن البيان الذي صدر بعد الاجتماع لم يشر الى مسألة الاستيطان، وتحدث فقط عن وجوب «أخذ حاجات اسرائيل الأمنية في الاعتبار في أي اتفاق سلام مستقبلي مع الفلسطينين. وكرر التزام واشنطن الراسخ بأمن اسرائيل وبالسلام في المنطقة».

-4-
لا تفوتك ملاحظة ان نتنياهو خاطب واشنطن مباشرة ولم يخاطب الفلسطينين أو حتى العرب «المعتدلين»، وانما أصبح ينقل اليهم ما تم الاتفاق عليه مع الأمريكيين. وهو ما فعله من قبل بشأن المفاوضات غير المباشرة والمباشرة. بما يعني ان الانتاج يتم بين الطرفين، وأن الاخراج يتولاه الفلسطينيون والمعتدلون العرب من خلال لجنة المتابعة العربية أو في مؤتمرات ترتب لاحسان الاخراج وستر عورات الموقف.
لاحظ أيضا ان كل تلك الجهود تدور فقط حول امكانية استئناف المفاوضات، التي تمهد للحل النهائي الذي لا يعرف له أجل، على الرغم من ان الرئيس الأمريكي تحدث عن فترة سنة للاتفاق على ذلك الحل.
في الوقت ذاته فليس ثمة أي أفق أو اشارة الى الاحتلال الذي هو جوهر القضية ولا لحدود الدولة الفلسطينية أو اللاجئين. ولا حديث عن القدس بطبيعة الحال. ولكن أمثال هذه العناوين الرئيسية مؤجلة عمدا لاتمام الانقلاب الجغرافي الذي تفرضه اسرائيل على الأرض يوما بعد يوم، والذي من شأنه استحالة قيام الدولة من الناحية العملية.
لاحظ كذلك ان اسرائيل وهي تسعى الى توقيع اتفاق أمني لمدة عشر سنوات مع الولايات المتحدة تريد توفير غطاء يحميها مما تتصوره مخاطر تهددها من محيطها، في الوقت الذي تتولى فيه السلطة الفلسطينية حمايتها مما يقلقها من الضفة الغربية من خلال التنسيق الأمني، في حين يتكفل حصار غزة الذي تقوم فيه مصر بدور أساسي بتأمين اسرائيل من أي مصدر للقلق يلوح من القطاع.
وفي حين تؤمّن على هذا النحو من كل صوب، فانها تستمر في اتمام تهويد القدس وطرد فلسطينيي 48 بالتدريج، من خلال سحب الهويات واجبار كل من يطلب الجنسية الاسرائيلية على الاعتراف بيهودية الدولة، ومطالبة كل موظف باعلان الولاء لتلك الدولة اليهودية والا طرد من وظيفته.. الى غير ذلك من الاجراءات التي تستهدف اقتلاع من تبقى من الفلسطينيين من بلادهم.

كأن كل ما يحدث الآن له هدف واحد هو حراسة اسرائيل لتمكينها من ابتلاع فلسطين وطمس الوجود العربي فيها تماما. وهو المناخ الذي سوغ لأحد أعضاء الكنيست (اربيه الداد) ان يدعو الى عقد مؤتمر في تل أبيب خلال شهر ديسمبر القادم لمناقشة خيار التخلي عن حل الدولتين لشعبين، وتحويل الأردن الى دولة الفلسطينيين القومية.
ذلك كله يحدث والسلطة الفلسطينة ومعها عرب الاعتدال لايزالون يقفون بالباب الأمريكي ينتظرون حلا. وهم يعرفون جيدا أنهم سلكوا طريقا لا يمكن له ان يوصل الى حل طالما بقيت موازين القوى مختلة بين طرفي الصراع.
لكنهم لأسباب يطول شرحها اختاروا ان يستجدوا الحل على ان يسعوا لاعادة التوازن للميزان المختل. وحاربوا بضراوة مستغربة كل دعوة للاستقواء بأسباب أو عناصر القوة الحقيقية،
حتى الممانعة سخروا منها كما رأينا في كلام أبومازن الذي اعتبرها أكذوبة وشعارات تلفزيونية.
أما المقاومة فقد أصبحت مصطلحا سيئ السمعة وجريمة تعاقب عليها قوانين مكافحة الارهاب. علما بأن القضاء عليها واجتثاثها يعد المهمة الأساسية لجهاز الأمن الوقائي في الضفة، وحجر الزاوية في التنسيق الأمني مع الاسرائيليين.

الآن يتحدث السيد أبومازن ورجاله عن «خيارات» تراوحت بين مطالبة واشنطن بالاعتراف بدولة فلسطين أو التوجه الى مجلس الأمن بذلك الطلب، واذا عطله الفيتو يتوجهون الى الجمعية العامة.
وهم بذلك يضحكون علينا ويحاولون ايهامنا بأنهم أصحاب قرار، في حين ان أي طفل فلسطيني يعرف أنهم لا يملكون سوى الانصياع لما تريده واشنطن التي تدفع لأبومازن وجماعته رواتبهم.

وهم أيضا يعرفون جيدا ان أبوعمار قتل لأنه تمسك ببعض الثوابت على الرغم من كل ما قدمه من تنازلات

من ثم فالسؤال ليس الى أي خيار سينحازون، ولكنه كيف سيقومون باخراج الخيار الذي تقرره واشنطن. لأن الذين يستجدون ليس لهم الحق في الاختيار وغاية ما يسمح لهم به ان يقبلوا أيادي المانحين.
..........................

15 نوفمبر، 2010

ليست هذه مصر الكبيرة

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 9 ذوالحجة 1431 – 15 نوفمبر 2010
ليست هذه مصر الكبيرة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_15.html

تحيرنا بعض تصريحات السيد أحمد أبو الغيط، فمنها لا نكاد نصدق أنها يمكن أن تصدر عن وزير الخارجية، ومنها ما نستغرب صدوره عن وزير خارجية بلد كبير مثل مصر،
فلا أحد ينسى مثلا تهديده يوما ما بكسر رجل أي فلسطيني يعبر الحدود المصرية، الذي توقعناه من قيادة أمنية وليس رمزا سياسيا ودبلوماسيا.

لكن ما يهمني في اللحظة الراهنة هو الصنف الثاني من تصريحاته، التي كانت شديدة الوضوح في الحوار الذي نشرته له صحيفة الشرق الأوسط يوم السبت الماضي 13-11 .إذ آثار انتباهي ودهشتي في ذلك الحوار كلامه عن القضية الفلسطينية وعن لبنان.
في الموضوع الفلسطيني قال السيد أبو الغيط في تعليقه على التعنت الإسرائيلي في المفاوضات إنه يتعين على واشنطن وعلى الرباعية الدولية والأسرة الدولية بشكل عام أن تتخذ من المواقف ما يفرض على إسرائيل أن تعود إلى المنطق «الصواب» إذ لم نجد في كلامه أي إشارة إلى دور لمصر أو العرب أو لفلسطين. وكأن هؤلاء ليسوا طرفا في الموضوع. وأن دورهم لا يتجاوز حدود انتظار وترقب ما يصدر عن واشنطن والاتحاد الأوروبي.
الذي لا يقل غرابة عن ذلك ما قاله وزير الخارجية عن شكل التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، الذي تمثل فيما يلي:
إقامة الدولة الفلسطينية خلال عام على خطوط عام 1967، (لم يذكر أنها أرض احتلت في ذلك العام)
ــ الدولة ستقبل بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي على تبادل محدود للغاية للأراضي
ــ يجب على الدولة أن تساعد إسرائيل على تحقيق أمنها
ــ يجب النظر إلى قضية اللاجئين بواقعية وموضوعية، في ضوء قرار قمة بيروت عام 2002 (التي دعت إلى حل «عادل» لهم).
لم يشر وزير خارجية الشقيقة الكبرى بكلمة إلى القدس الشرقية المحتلة. ولا أعرف إن كان ذلك على سبيل السهو أم مجاملة للإسرائيليين.
ثم إنه أيد مبدأ تبادل الأرض، الذي يعني في حقيقة الأمر أن تحصل إسرائيل على أخصب الأراضي التي تضم خزانات المياه الجوفية في مقابل الصحارى الجرداء التي تقدم للفلسطينيين،
كما أنه قدم تنازلا ضمنيا، ملفوفا عن حق عودة اللاجئين،
وفي الوقت ذاته فإنه اعتبر أمن إسرائيل من واجبات الدولة الفلسطينية.

أدري أنه لم يخترع هذا الكلام، ولكنه يستند إلى موافقات مسبقة من السلطة الفلسطينية أو مرجعية قمة بيروت. وإذ فهم ذلك، فإنني أتصور ألا يكون موقف مصر ملتزما بالحد الأدنى ومفرطا في القدس والأراضي وفي حق العودة. وهي من الثوابت التي تمنينا على وزير خارجية البلد الكبير أن يتبنى موقفا يليق بمكانته ويعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني الذي لا يملك أحد أن يتنازل عن أرضه أو حق لاجئيه في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها.

وأستشعر حرجا حين أقول تلك المواصفات إذا عبرت عن تطلعات الإسرائيليين وحازت رضاهم، فإنها يقينا لا تعبر عن تطلعات الفلسطينيين. وكان متوقعا من «الشقيقة الكبرى» أن تنحاز إلى تطلعات الأخيرين لا أن تضم صوتها إلى صوت الأولين.
في كلامه عن لبنان اختار السيد أبو الغيط أن يرد على السيد حسن نصر الله وأن يغمز في قناته. وكان الأمين العام لحزب الله قد تحدث في خطاب أخير له عن تسييس المحكمة الدولية لقضية مقتل السيد رفيق الحريري ومحاولات إقحام حزب الله في العملية من خلال قرار الاتهام (الظني) المتوقع صدوره.
وفي ذلك قال إن اليد التي ستمتد إلى عناصر حزب الله ستقطع. فما كان من السيد أبو الغيط إلا أن قال في ثنايا حديثه إنه «لا يتصور أحد أنه قادر على قطع الأيدي، فذلك القطع يؤدي إلى الكثير من الخسائر التي تصيب صاحب القطع».

مما أعطى انطباعا بأن وزير الخارجية المصري أراد أن ينتقد السيد حسن نصر الله ويحذره من مغبة كلامه. وهو بذلك وجد نفسه واقفا بغير مبرر في مربع جماعة 14 مارس، وطرفا في التراشق الحاد الحاصل بينهم وبين جماعة 8 مارس،
في حين أن الموقف المصري كان ينبغي أن يستعلي فوق الاصطفاف اللبناني، لا أن يكون منحازا إلى طرف بعض رموزه سيئة السمعة وليست فوق الشبهة.
من المفارقات أنه في حين تحولت مصر إلى طرف في المعادلة اللبنانية، فإن الموقف السعودي والسوري بدا أكثر نضجا ومسؤولية، حيث وجد البلدان في كلام السيد نصر الله إشارات إيجابية جرى توظيفها لصالح التخفيف من التأزم السياسي الحاصل في لبنان، وهو ما أكده تقرير نشرته صحيفة «الحياة» في اليوم ذاته (13/11).

أدري أن السيد أبو الغيط لا يعبر عن نفسه فحسب ولكنه ينطق بلسان جهات أعلى، الأمر الذي يعني أننا بصدد مشكلة أكبر من الوزير، وأن الخلل الحقيقي يكمن في رؤية تلك الجهات، التي احترنا بدورنا في شأنها بحيث لم نعد نعرف هي مع من وضد من.
..........................

14 نوفمبر، 2010

شهادة رجل مُندَس

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 8 ذوالحجة 1431 – 14 نوفمبر 2010
شهادة رجل مُندَس – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_14.html


تعليقا على ما كتبته بشأن ما جرى من أحداث مؤسفة داخل حرم جامعة عين شمس يوم 4 نوفمبر، وما استتبعه من بيان فضائحي صدر عن إدارة الجامعة،
وحيث إني كنت ضمن وفد الأساتذة (من كليات الهندسة والطب والعلوم والآداب وغيرهم) الذين ذهبوا إلى الجامعة لتوعية الطلبة بالحكم التاريخي الخاص بـ«الحرس الجامعي»،
أود أن أضيف ما يلي:

أولا: نشرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير أخيرا تقريرا حددت فيه المعايير التي على أساسها يمكن اختيار أسوأ جامعة مصرية.
والمؤسسة منظمة حقوقية معنية بالذود عن الحريات الأكاديمية والدفاع عن طلاب مصر.
أما المعايير فهي كالتالي:
أكثر جامعة تعرض طلابها للعنف البدني من قبل مسؤولي الأمن ــ
للفصل التعسفي أو الحرمان من دخول امتحان للتحقيق أو مجالس تأديب
للاعتقال والتحقيق في النيابة
للاحتجاز في مكاتب أمن الجامعة.

بناء على ما تقدم من معايير، رأت المؤسسة أنه منذ بداية العام الجامعي الحالي وحتى نهاية أكتوبر الماضي، فإن أسوأ جامعة مصرية هي جامعة عين شمس.
وكان هذا الاختيار أحد الأسباب التي دعت مجموعة 9 مارس إلى تحديد هذه الجامعة للقيام بجولة داخلها، على أساس أن طلابها هم الأشد احتياجا إلى التوعية بحقوقهم في مواجهة الوجود غير الشرعي لقوات وزارة الداخلية.

ثانيا: عندما دخلت حرم الجامعة الخميس الماضي بسيارتي التي تحمل شارة جامعة القاهرة، فتح «الحرس الجامعي» باب الجامعة لي، ولم يجرؤ أحد على أن يسألني عما إذا كنت قد استأذنت من أحد من أجل الدخول أم لا.
ومع ذلك سمعنا عميد كلية حقوق جامعة عين شمس على إحدى الفضائيات يصف دخولنا الحرم بأنه «اقتحام بدون استئذان»، فضلا عن وصف بيان الجامعة لنا بأننا «قلة مندسة»،
وهو ما يعني من ناحية أن ضباط «الحرس الجامعي» كانوا أكثر ذكاء وفطنة في التعامل معنا من قيادات جامعة عين شمس،
ومن ناحية أخرى فإن هذه الأقوال تفرض التساؤلات التالية:
كيف وصلت هذه القيادة إلى مناصبها؟
هل الولاء للنظام ورضا تقارير أمن الدولة هما المعياران الوحيدان لاختيار تلك القيادات بغض النظر عن أي اعتبار آخر؟
ثم ألا تعتبر هذه السلوكيات دليلا دامغا على كون هذه الجامعة هي حقا الأسوأ في مصر؟

ثالثا: أكثر ما يبعث على الأسف هو موقف وزير التعليم العالي، وهو زميل لي ليس في نفس الكلية وحسب، وإنما في نفس القسم أيضا.
فقد حمَّلنا د.هاني هلال مسؤولية ما جرى داخل حرم عين شمس، واتهمنا باستفزاز الطلاب توزيع منشورات (ما فعلناه هو إشهار لحكم قضائي)،
ولم يقل كلمة بخصوص وجود بلطجية يحملون الأسلحة البيضاء والسلاسل والجنازير داخل الحرم.

طوال السنوات الماضية، ولأجل اعتبارات الزمالة فإنني ظللت أتجنب التعليق على مشاكل د.هلال مع أساتذة الجامعة.
أما أن يصل به الأمر إلى درجة أن يبرر أعمال البلطجة داخل الحرم الجامعي الأمر الذي يمثل أكبر إهانة لمقامه وقيمه، ويتماهى بالكامل مع بيان الجامعة الفضائحي، فهو ما لا يصح السكوت عليه، خاصة أننا بصدد واقعة كنت أنا ــ وليس د. هلال ــ شاهدا عليها.

وعليه، يكفيني في هذا الصدد أن أذكر سيادته بالآية الكريمة
(ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين(

رابعا: نتمنى عندما نقوم بجولة أخرى في جامعة عين شمس أن تنزل قيادات الجامعة وتتحاور معنا أمام الطلبة بأسلوب متحضر بدلا من الاختباء داخل مكاتبهم والسماح للبلطجية بالتعامل معنا.

صلاح عز ــ أستاذ بهندسة القاهرة.

تلقيت هذه الرسالة ضمن تعليقات عديدة جاءتني عقب نشر عمود يوم الخميس الماضي 11/11، تحت عنوان «لسنا بهذا الغباء»،
ووجدت بأنها جديرة بأن توضع بين يدي لجنة التحقيق التي قيل إنها شكلت لبحث الموضوع، باعتبارها شهادة لأحد عناصر «القلة المندسة»، تصلح لمساءلة رئيس الجامعة وتحري الأسباب التي حولت الزيارة إلى فضيحة لطخت وجه الجامعة وحطَّت من قدر قياداتها.
.....................

13 نوفمبر، 2010

بشرى للفقراء والمهمشين

صحيفة الشرق القطريه السبت 7 ذوالحجة 1431 – 13 نوفمبر 2010
بشرى للفقراء والمهمشين – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_13.html


يثير الاهتمام لا ريب إعلان الرئيس حسني مبارك عن أن السنوات الخمس المقبلة ستكون من أجل الفقراء والمهمشين،

وقد أدركت جريدة الأهرام أهمية هذا الكلام فاختارت الجملة عنوانا نشر بالحبر الأحمر على صدر صفحتها الأولى لعدد الخميس الماضي.
وقد ضاعف من أهمية الكلام أنه قيل في مناسبة إطلاق البرنامج الانتخابي للحزب الوطني في الانتخابات التشريعية التي تجرى هذا الأسبوع، لتعقبها الانتخابات الرئاسية في العام القادم.

وهو ما يعني أن البرنامج المعلن ليس للحزب الحاكم فقط، لكنه للرئيس أيضا، الذي فهمنا أخيرا أنه سيرشح نفسه لولاية سادسة.
ولأن إشارته تحدثت عن السنوات الخمس القادمة فقد طمأننا الرئيس أيضا إلى أن الفقراء والمهمشين سيظلون في بؤرة اهتمامه إذا ما تحقق له الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

صحيح أن كلام الرئيس صدر في ذات اليوم الذي نشرت فيه صحف القاهرة صور المظاهرات الغاضبة لمئات الموظفين والعمال المهمشين من موظفي التربية والتعليم ومراكز المعلومات والعاملين بالشركات البترولية، وقد انتشرت تلك المظاهرات في محافظات القاهرة والمنوفية وأسيوط، إلا أن ذلك لا يتعارض أو يضعف الكلام الذي قيل، لأن التعهد الرئاسي انصب على السنوات الخمس المقبلة، وليس فيه ما يدعو إلى الالتزام في الوقت الراهن أو سريانه بأثر رجعى.

ولأنني أحد الذين أدركوا أهمية الرسالة في هذا الكلام، ولاحظوا أن صدوره عن رئيس الجمهورية يضاعف من تلك الأهمية ويكسبه وزنا أكبر، يتجاوز كونه كلام مناسبات أو كلام جرايد، فقد عَنَّتْ لي بعض الأسئلة الاستفسارية من وحي المشهد، أردت بها الاطمئنان على مصير أهلنا ومستقبله..

من هذه الأسئلة ما يلي:

إذا كانت السنوات الخمس القادمة ستكون لأجل الفقراء والمهمشين، فهل معنى ذلك أن تلك الفئات لم يكن لها حظها من الاهتمام في الثلاثين سنة الأخيرة؟

وهل صحيح ما يروج من أن فترة الثلاثين سنة السابقة كانت حظوظ الميسورين فيها أكبر، وأن هؤلاء شبعوا واستكفوا، ومن ثم حل الدور على المهمشين والمستضعفين؟

وإذا صح أن السنوات التي خلت كانت لصالح الميسورين والمحظوظين، فهل نتوقع أن يكونوا قد تركوا شيئا للمستضعفين بعدما ظلوا ينعمون بخيرات البلاد وثروتها العقارية وقروضها وتسهيلاتها طوال ثلاثين عاما؟

وإذا كان إرضاء الميسورين وإشباع حاجاتهم استغرق ثلاثين عاما، فما هي المدة الكافية لإرضاء المهمشين والمستضعفين؟

الأمر ليس سهلا كما رأيت، مما قد يقتضى إطالة مدة السنوات الخمس المقترحة في كلام الرئيس، ويستدعي تكثيف الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ــ بحق الأيام المفترجة التي نحن بصددها ــ لكي يطيل في عمره لكي يفي بما وعد، ويشبع رغبات عشرات الملايين من المصريين الذين انتعشت أحلامهم وشاعت الفرحة في أوساطهم حينما وجدوا أن الرئيس تذكرهم وسط شواغله وهمومه التي لاحقته طوال الثلاثين عاما الماضية، بحيث حل عليهم الدور أخيرا وأصبحوا يتأملون خيرا في السنوات الخمس التالية.
وحتى إذا كانت الفترة محدودة، إلا أن الأهم أنهم استعادوا الأمل أخيرا، ولاحت لهم ابتسامة الأقدار بعد طول انتظار.

هذه التداعيات توقفت عندي حين لمحت في القاعة التي ألقى فيها الرئيس خطابه لافتة عريضة طبعت عليها صور خمسة أطفال، وإلى جانبهم عبارة تقول:
«علشان تطمِّن على مستقبل ولادك ــ صوتك لمن يملك برنامج حقيقي.. وهاينفذوا»..

لم أفهم ما إذا كان هؤلاء الأطفال من خارج المهمشين المقصودين أم لا، وصدمتني ركاكة اللغة وفضيحتها في الجملتين المكتوبتين. مما جعلني أصدق ما يقال عن الاستعانة بخبراء أجانب في إخراج مثل هذه المناسبات.
الأمر الذي دفعني إلى التساؤل عما إذا كان أعضاء الفريق الذين نظموا العملية يعرفون شيئا عن اللغة الفصحى أو عن الفقراء والمستضعفين في مصر،

ولم أستبعد أن يكونوا قد شرعوا فور انتهاء الرئيس من خطابه في الدخول على محرك بحث «جوجل» لكي يعثروا على عناوين المستضعفين وأرقام هواتفهم النقالة، لكي يبعثوا إليهم بالبشارة المعلنة عبر «الإيميل»!
..........................

11 نوفمبر، 2010

لسنا بهذا الغباء

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 5 ذوالحجة 1431 – 11 نوفمبر 2010
لسنا بهذا الغباء – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_11.html


مشهد العنف الذى وقع فى جامعة عين شمس يوم الخميس الماضى ٤ / ١١ يصدمنا من أكثر من وجه،
من ناحية لأن جهة ما رتبت أمر دخول بعض البلطجية لإفساد لقاء كان الهدف منه توعية الطلاب بقرار المحكمة إلغاء حرس الجامعة وحيثياته.

من ناحية ثانية لأن أولئك البلطجية سمح لهم بالتحرش بعشرة من أنبل وأشرف أساتذة الجامعة، جاءوا لتمثيل حركة 9 مارس التى نذرت نفسها للدفاع عن استقلال الجامعة وكرامتها.

من ناحية ثالثة لأن إدارة الجامعة سقطت فى اختبار التجربة وتصرفت بحسبانها جهة أمنية حتى إنها وصفت وفد الأساتذة بأنهم «فئة مندسة»، وتلك لغة لم نعرفها إلا فى بيانات وزارة الداخلية.

من ناحية رابعة لأن إدارة الجامعة فضحتنا أمام العالم الخارجى وحولتنا إلى مادة للسخرية فى الأوساط الأكاديمية حين ادعت أنها كان ينبغى أن تستأذن قبل دخول وفد الأساتذة إلى حرمها.

الصدمة الخامسة تمثلت فى أن الصحف القومية تحدثت بلغة واحدة تبنت فيها رواية الأمن واشتركت فى حملة تشويه الأساتذة الذين جاءوا ممثلين لحركة 9 مارس بهدف تجريح صورتهم واغتيالهم معنويا.

أما الصدمة السادسة فهى أن الذين أداروا تلك الحملة افترضوا فى الشعب المصرى درجة عالية من البلاهة والغباء وفقدان الذاكرة.

إن من يقرأ البيانات والتصريحات الرسمية وتعليقات الصحف القومية حول الموضوع يخيل إليه أن وفد الأساتذة العشرة جاءوا لتحريض الطلاب وإثارتهم، ولدفعهم إلى التعدى على رجال الأمن وأنهم وزعوا منشورات لهذا الغرض، ولكن بعض الطلاب «الغيورين» تصدوا لهم ودافعوا عن وجود الحرس الجامعى ودوره الذى لا غنى عنه للحفاظ على أمن منشآت الجامعة.
وحين تعدى أحد الأساتذة الذين ينتمون إلى «القلة المندسة» على أحد الطلاب، فإن الاشتباك حول ساحة الجامعة إلى ساحة قتال، بعد أن رفع عشرات الطلاب من مختلف التيارات السياسية كحركة 6 أبريل وطلاب «المحظورة» الأحزمة والسلاسل ضد بعضهم البعض.
هذه المعلومات استقيتها من صحف الأخبار والجمهورية يوم 7/11، والأهرام يوم 10/11، ومنه نقلت الفقرة الأخيرة التى نشرت تحت عنوان يقول: جنازير جامعة عين شمس.
ما أدهشنى واستفزنى حقا ليس مجرد نشر هذه المعلومات وأخذها على محمل الجد، ولكن أن يتصور الذين عمموها أن الشعب المصرى من البلاهة والغباء بحيث يمكن أن يصدقها.
فنسى أيضا أن فرق البلطجية المزودين بالجنازير والمطاوى والخناجر تستخدمهم الأجهزة الأمنية فى تفريق المظاهرات وفض الاعتصامات وإثارة الفوضى فى الوقفات الاحتجاجية. ثم يصدق أن حركة 9 مارس أو شباب 6 أبريل استعانوا بمثل هذه الفرق لزعزعة الأمن وإثارة القلاقل فى البلاد.

لقد ركزت الصور التى التقطتها الأجهزة الأمنية على وفد 9 مارس ــ خصوصا الدكتور عبدالجليل مصطفى ــ وهم يوزعون على الطلاب مذكرة من ثلاث ورقات تضمنت حكم المحكمة العليا وحيثياته،
كما نشرت صورا أخرى للاشتباكات التى حدثت بين الطلاب والبلطجية. لكن الإعلام القومى تجاهل الصور الأخيرة، لأن السؤال الكبير الذى تثيره هو:
لماذا لا يستدعى الذين ظهروا فيها بالجنازير والمطاوى للتعرف على ما إذا كانوا من الجامعة أم من خارجها، ولتحديد الجهة التى استدعتهم لكى يفعلوا ما فعلوه.
حين يتأمل المرء المشهد من بعيد، وقد فعلتها أثناء رحلة سريعة للخارج، يلاحظ أن السلطة فى مصر أصبحت تتصرف بعصبية أكثر مما ينبغى وبنَفَس أقصر مما ينبغى.
إذ ماذا يضيرها مثلا لو أن لقاء الأساتذة مع الطلاب تم فى هدوء ولم يتحول إلى قضية كما جرى، وألا يمكن أن يعد ذلك فى حال حدوثه نقطة لصالح سماحة ورشد النظام بدلا من أن يتحول إلى نقطة سوداء فى سجله،
وحتى إذا كان الهدف هو إشعار الرأى العام بأن خطرا يهدد الجامعات بسبب إلغاء وجود الحرس فى داخلها، فإن هذه الرسالة كان يمكن إرسالها بصورة أرقى وأكثر ذكاء، وليس بذلك الافتعال الساذج والمفضوح.

فى المشهد رأينا الجامعة تتحدث بلغة الداخلية، ورأينا الصحف القومية متبنية لموقف الداخلية، الأمر الذى يوحى بأن عسكرة النظام تتقدم بخطى حثيثة نحو هدفه. بما يعنى أنه لا يزال هناك الأسوأ الذى يتوقع حدوثه.
.........................

10 نوفمبر، 2010

أناس هناك يغضبون

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 4 ذوالحجة 1431 – 10 نوفمبر 2010
أناس هناك يغضبون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_10.html


مشكلة القمامة في إيطاليا تهدد مستقبل رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني. ذلك أن الرجل حين فاز في انتخابات عام 2008 كان قد قطع عهودا على نفسه بالتخلص من القمامة التي تراكمت في شوارع نابولي،
وما إن تحقق له مراده حتى بادر إلى استدعاء الجيش للإسهام في العملية، وافتتح مواقع جديدة للتخلص من القمامة. وبنى منشأة لمعالجة النفايات، ومن ثم أعلن انتصاره في معركته ضدها.
اليوم أصبح هذا النصر كأن لم يكن. حيث عاودت أكوام القمامة ظهورها في نابولي. ولم تعد منشأة معالجة النفايات تعمل بكامل قدرتها.
وتحدثت التقارير الصحفية عن بدء انتشار التمرد في مدينة تبريز بينو بين السكان بعدما أصبحوا يعيشون وسط الروائح الكريهة التي تنبعث من أحد مواقع التخلص من النفايات.

وفي الأيام الأخيرة، خرج المئات إلى الشوارع. وأعاقوا شاحنات نقل القمامة، مما أدخلهم في مناوشات عنيفة مع الشرطة.
ومرة أخرى وعد برلسكوني بحل المشكلة، لكن الأمر اختلف هذه المرة، لأن قليلين فقط أصبحوا يصدقونه. ولم تعد تنطلي عليهم الأساليب التي يتبعها في كسب ود الناس وامتصاص غضبهم. من خلال إطلاق النكات وترديد الوعود الكبيرة.
إذ من الثابت أن شعبيته في تراجع مستمر وحل محلها شعور متزايد بالعجز والسخط. بعدما ضاق الناس ذرعا بوعوده فضلا عن سلوكه الشخصي ومشاكل حكومته.

وما حدث في تبريز بينو مرشح للتكرار في بقية المدن الإيطالية. ذلك أن سكان تلك المدينة الكئيبة ذات المنازل الخراسانية لم يعودوا يرغبون في التخلص من أكوام القمامة التي تحاصرهم فحسب، لكنهم أصبحوا يجهرون برغبتهم في إسقاط برلسكوني الذين صوتوا له من قبل بعدما خذلهم،
ولشدة غضبهم فإنهم خرجوا عن طورهم في الأسبوع الماضي. واضرم بعضهم النيران في شاحنات القمامة، وهاجموا موقعا كانت الحكومة قد شرعت في توسيعه للتخلص منها، بعدما امتلأ عن آخره ولم يعد قادرا على استيعاب المزيد من النفايات.

خلال مؤتمر صحفي عقده برلسكوني في الأسبوع الماضي أعلن أنه سيتعاون مع السلطات المحلية لحل المشكلة في الأيام المقبلة، وأضاف بنبرة حانقة إن التغطية الإعلامية لأزمة القمامة أضرت بصورة إيطاليا.
لكن كثيرين لم يأخذوا كلامه على محمل الجد لأن سمعة حكومته أصبحت في الحضيض، فضلا عن اقتناع الأغلبية بأن سلبية الحكومة المحلية، إضافة إلى نشاطات الجريمة المنظمة، من العوامل الأساسية التي أسهمت في تفاقم مشكلة القمامة واستعصائها على الحل.

لا يغيب عن فطنتك أنه ما كان لمثلي أن يهتم بالقمامة في إيطاليا ومدى تأثيرها على مستقبل السيد برلسكوني إلا لأننا شركاء في ذات الهم، بل ربما كان همَّنا أكبر لأن ثمة عوامل موضوعية توفرت لهم في إيطاليا تعطيهم أملا في إمكانية حل المشكلة وتجاوزها، في حين أننا في مصر لا نكاد نرى في الأفق أملا من ذلك القبيل.

وأول ما يخطر على البال في هذا الصدد أن الأزمة تهدد مصير برلسكوني الذي أصبح يحاكم شعبيا وإعلاميا كل يوم، في حين أن انتشار القمامة في بر مصر وتراكمها في أنحاء عاصمة «أم الدنيا» لم يحرك شعرة في رأس أي رئيس لضاحية أو حي. ناهيك عن المحافظ أو الوزير.
كما أننا لا نحلم بأن يساءل أو يحاسب عنها رئيس الوزراء. ومن الواضح أن جميع أولئك المسئولين مسترخون في مقاعدهم لعلمهم أن أحدا لن يحاسبهم إذا قصروا في حق الناس والمجتمع، طالما أنهم يقومون بمستلزمات الولاء والطاعة ويؤدون «الواجب» في تأمين نظافة المناطق التي يسكن فيها الأكابر والشوارع التي تمر بها مواكبهم.

ثمة فرق آخر لا يقل أهمية بينهم وبيننا غير الديمقراطية التي تسمح للناس بمحاسبة رئيس الوزراء ومعاقبته بإسقاطه في الانتخابات، هو أن الناس هناك يغضبون لما آل إليه أمر القمامة، ويخرجون إلى الشوارع معبرين عن ذلك الغضب بوسائل شتى،

لكن الناس عندنا قد يغضبون حقا ويملؤهم السخط لكنهم يحبسون مشاعرهم ويبتلعون انفعالاتهم. حتى أصبحت أشك في أنهم تعايشوا مع القمامة وألفوها بمضي الوقت. وخشيت أن يجيء يوم يعربون فيه عن استيائهم إذا ما افتقدوها، واستيقظوا ذات صباح ليفاجأوا بأن القمامة رفعت من الشوارع.
...........................

09 نوفمبر، 2010

لا عيش مشتركاً بغير حلم مشترك – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 3 ذوالحجة 1431 – 9 نوفمر 2010
لا عيش مشتركاً بغير حلم مشترك – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_09.html


-ثمة خطاب يسعى إلى إقناع الرأي العام بأن الإسلام أصبح مشكلة في مصر
- غياب الرؤية الاستراتيجية أشاع قدراً لا يستهان به من الحيرة في المجتمع
لا أحد يجادل في أهمية أن نعرف ماذا حدث لمصر والمصريين خلال السنوات الأخيرة، لكني أزعم أن الأهم من ذلك ان نعرف أيضاً لماذا حدث ذلك، لأنه اذا كان تشخيص العلل واجباً، فإن تحري مصدرها أوجب.

(1)
نشرت صحيفة «الشروق» يوم الخميس الماضي (4-11) مقالة للدكتورة نيفين مسعد أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة حذرت فيها من تعدد الانقسامات في المجتمع المصري، التي لاحظتها مجسدة في مدرجات الجامعة.
فذكرت أنه مع ظهور الجماعات الإسلامية في الجامعات إبان سبعينيات القرن الماضي بدأ الفرز التدريجي بين الطلاب والطالبات على أساس الجنس، حيث أصبح أغلب الذكور يجلسون في جانب في حين اتجهت الإناث الى الجلوس في جانب آخر.
ثم لاحظت أن ثمة فرزاً آخر بدأ يظهر في وقت لاحق على أساس الطبقة، وتحدثت عن نموذج لإحدى طالبات القسم الانجليزي بكلية الاقتصاد رفضت الاشتراك في بحث مع زميلتها في القسم العربي.
ولفتت الانتباه الى اصطفاف ثالث لاحت بوادره انبنى على أساس الانتماء الديني بين المسلمين والأقباط. وهو ما اعتبرته أخطر أنواع التمييز. وحذرت من التداعيات التي يمكن أن تفضي الى مزيد من الاصطفافات والشرذمة، على أساس الانتماء الى المذهب أو الى التيار الفكري أو الفصيل السياسي.
ثم خلصت الى أنه «لابد من كسر حاجز الجليد داخل مدرجات الجامعة» قائلة إن أي أستاذ مخلص لا يقبل أن يكون شاهداً على أجيال تعيش في جزر متباعدة وتضمها أمصار التعصب والفتنة، مع أن الاسم أن مصرنا واحدة».
رسالة المقالة أطلقت تحذيراً في محله لا ريب، حيث سلطت الضوء على أعراض واقع سلبي يتشكل في مصر. إلا أنه ينطبق عليها الملاحظة التي أوردتها في الأسطر الأولى، من حيث انها قدمت لنا إجابة عن السؤال «ماذا»، وتركتنا حائرين لا نعرف بالضبط «لماذا»؟، على الرغم من أنها ألمحت الى ان الفرز في الجامعات بدأ مع ظهور نشاط الجماعات الإسلامية بين طلابها.
هذا التوصيف ينطبق على أغلب الكتابات الصحافية التي تناولت المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على الواقع المصري، خصوصا تلك التي عالجت أبرز الهزات التي ضربت ذلك الواقع، وتمثلت في ظاهرتي العنف والإرهاب وأجواء التعصب التي أفضت الى توترات ومشاحنات بين المسلمين والأقباط.
إذا أحسنا الظن فقد نقول إن الكتابات الصحافية بطبيعتها لم تحتمل غوصا في الأعماق وسبراً للأغوار. لكن ذلك لا يمنعنا من ملاحظة ان نسبة غير قليلة من تلك الكتابات ظلت مهجوسة بمحاكمة الواقع ورافضة لتقصي جذوره، إما سعياً وراء تصفية الحسابات الفكرية دفاعاً عن الذات، أو استجابة لتوجيهات سياسية دفاعاً عن الحكومة. وفي الحالتين فإنها تجاهلت عمدا عوامل البيئة التي أفرزت تلك التحولات.
اختلف الوضع بصورة نسبية فيما يتعلق بالكتب والأبحاث التي تناولت الموضوع. وفي المقدمة منها كتاب «ماذا حدث للمصريين؟» الذي أصدره الدكتور جلال أمين في عام 1998، وأرجع فيه أغلب التحولات الى ما سماه «الحراك الاجتماعي» وثيق الصلة بأجواء الانفتاح الاقتصادي التي عصفت بالمجتمع المصري منذ السبعينيات (لاحظ ان الدكتورة نيفين سعد أرجعت مقدمات الفرز داخل الجامعات الى بدء ظهور الجماعات الإسلامية في محيطها في الفترة ذاتها)
وللدكتورة عزة عزت كتاب في الموضوع تناول التحولات في الشخصية المصرية، كما ان مركز البحوث الاجتماعية والجنائية ظل متابعاً للمتغيرات الحاصلة في المجتمع، من زاوية رصد مؤشراتها المختلفة. وهو ما عمدت اليه دراسة أصدرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.

(2)

أعاد الدكتور جلال أمين سؤال المتغيرات يوم الجمعة الماضي (5-11) حين نشرت له جريدة «الشروق» مقالاً تمثل عنوانه في السؤال التالي: كم تدهورنا منذ الشيخ محمد عبده؟
وقد استهل المقال بتسجيل انطباعاته حين أعاد قراءة أفكار الشيخ الإمام وآرائه النيرة التي عالج فيها قضية العلاقة مع غير المسلمين والموقف من العقل والتكفير والفنون وغير ذلك.
وعلق على تلك الأفكار بقوله إنها راعته ليس فقط لتقدمها ولكن أيضاً لأنها كشفت له عن مدى التدهور الذي وصل اليه حالنا. وتساءل بعد ذلك قائلاً:
هل تحتاج وزارة التربية والتعليم وهي تبحث عن كتب جديدة تضعها بين أيدي الطلاب الى إطالة البحث، ولديها وأمام عينيها كتابات الشيخ محمد عبده البسيطة والواضحة، والتي يمكن أن يتعلم منها التلاميذ ليس فقط كراهية التعصب وحب المختلفين عنهم في الدين وأهمية البحث العلمي والابتكار، بل تغرس فيهم أيضاً حب اللغة العربية الجميلة؟

على الهاتف قلت للدكتور جلال أمين إن أغلب الآراء المتقدمة والبديعة التي عبر عنها الشيخ محمد عبده موجودة في كتابات سابقيه ولاحقيه، وان ما يحتاج الى تفسير وتحليل هو ظهور تلك الأفكار النيرة في مرحلة ثم سيادة الأفكار المضادة والمظلمة في مرحلة أخرى.
علماً بأن تأثير هذه الأفكار النيرة أو تلك المظلمة لا تقف عند حدود المتلقين، ولكن الحاصل ان أصداءها تنعكس على الإدراك العام، بحيث تشيع أفكار الإمام محمد عبده، وأمثاله انطباعاً ايجابياً عن سعة الإسلام وسماحته وقدرته على احتواء الجميع على النحو الذي يشهد به سجل التجربة الإسلامية.
أما الأفكار المظلمة فإنها تشكل إدراكاً معاكساً يصور الإسلام بحسبانه قطيعة مع الآخرين وإقصاء للمخالفين وإهداراً لحقوق النساء وغير المسلمين.. الى آخر الشرور والمثالب التي تعرفها.
في الحالتين ظلت المرجعية الإسلامية واحدة لم تتغير، ولكن الذي حدث أن ظرفاً تاريخياً إيجابياً توافر في لحظة ما فاستدعى الأفكار النيرة والبناءة. ثم في ظرف تاريخي آخر برزت عناصر سلبية استدعت من ذات الوعاء أفكار التعصب والقطيعة والفتنة. وهذا الظرف يتمثل في البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية السائدة، التي تشكل تربة استنبات الأفكار.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعني ان الاكتفاء بمحاكمة الأفكار بمعزل عن البيئة التي انتجتها لا يرتب حكما خاطئا فحسب ولكنه أيضاً لا يسهم في علاج أي من العلل التي واجهت المجتمع بسببها، وإنما يؤدي الى استفحال تلك العلل واستعصائها بمضي الوقت.

(3)

ثمة خطاب يسعى الى اقناع الرأي العام بأن الإسلام أصبح مشكلة في مصر، ولا أعرف ما اذا كان ذلك من قبيل التحدي المرحلي لشعار «الإسلام هو الحل» الذي يرفعه الإخوان المسلمون، أم ان الانحياز الى هذا الموقف يستهدف استبعاد الإسلام واخراجه من المجال العام.

لكن الشاهد ان الاحتمالين قائمان. ذلك ان بيننا من يريد فقط ان يتحدى شعار الإخوان لفض الناس من حولهم في المعركة الانتخابية، وهناك أيضاً من لم يخف سعيه وإلحاحه على إقصاء الإسلام ونفيه من الواقع.
وهي ممارسات أصبحت تتم على المكشوف، حتى ان بياناً صدر ووقعه نحو مائة من المثقفين العلمانيين طالبوا فيه صراحة بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة والعربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع.
ولاتزال تلك الدعوة تتردد في كتابات بعض المثقفين، الذين اعتبروا أن إلغاء الهوية الإسلامية هو مفتاح حل المشاكل، الذي به يتحقق السلام الاجتماعي ويتقدم المجتمع المدني ويعود الوئام الى علاقة المسلمين بالأقباط.
صحيح أن الذين يتبنون هذا الموقف الأخير قلة استثنائية في المجتمع المصري، ولكن أغلب هؤلاء مكنوا من مواقع مؤثرة في مجالات الإعلام والثقافة. الأمر الذي سمح بتوسيع نطاق تشويه الإدراك العام، حتى أصبحت الفكرة مسلماً بها لدى قطاعات غير قليلة من المتعلمين، وغابت عن الأذهان حقيقة ان المجتمع المصري عاش طويلاً في ظل التعاليم في سلام ووئام، وأن الإسلام فيه ظل مصدر قوة وليس مصدر ضعف، وما خطر على بال أحد ان يكون الإسلام مصدرا لتعاسته كما يصور البعض الآن.

(4)

عندي ستة أسباب أزعم أنها تكمن وراء حالة الانفراط والتفكك التي تسود المجتمع المصري الآن، وأزعم أنها تفسر الكثير من الأعراض التي ظهرت على سطح المجتمع. هذه الأسباب هي:


< غياب الديموقراطية، الذي كان بمثابة ضربة قاصمة لفكرة العيش المشترك. من ثم فبدلاً من أن يشعر المواطنون بأنهم شركاء في صناعة الحاضر وبناء المستقبل، بدلاً من ان يشتركوا في نسج الحلم معا، فإنهم اكتشفوا أنهم مجرد رعايا لنظام احتكر السلطة واختار ان يحتكر أيضاً صناعة الحاضر والمستقبل. وهو ما حكم على المواطنين بالاغتراب في الوطن، فلجأت كل جماعة منهم لأن تحتمي بالجماعة أو الفئة أو القبيلة السياسية.

< غياب الرؤية الاستراتيجية، الذي أشاع قدراً لا يستهان به من الحيرة في المجتمع، بحيث لم يعد الناس يعرفون بالضبط هم مع ماذا أو ضد ماذا، ومن هم الأصدقاء ومن هم الأعداء. وحين غابت تلك الرؤية تمزق الوعي المشترك وتحول المجتمع الى جزر منفصلة. فانكفأ كل على ذاته، واستشعر غربة إزاء الآخر.

< تشويه الدين وتخويف الناس منه، وتصويره باعتباره عنصر اقصاء وخصم وسبباً في التخلف، وليس رافعة للتقدم وباباً للتراحم والتعاون على البر والخير، واذا كان المتعصبون والإرهابيون قد أسهموا في ذلك التشويه إلا أن الخطاب السياسي والإعلامي انصرف الى قمع التعصب والإرهاب، ولم يلق بالاً الى تشجيع الاعتدال والمراهنة عليه.

< الدور التاريخي الذي قام به العلمانيون في الإلحاح على إضعاف الدين وتهميشه، والإلحاح على اعتبار حضوره في المجال العام مصدرا لمختلف الشرور التي تهدد المجتمع. وقد كان ولايزال جهدهم الذي بذلوه في تعميق الوقيعة بين المسلمين والأقباط على رأس الشواهد الكاشفة لذلك الدور.

< الضائقة الاقتصادية التي ضغطت بشدة على مختلف الشرائح، وسحقت الطبقة الوسطى التي كانت تقليديا أحد أهم عناصر القوة والإبداع في المجتمع، ولأن «الجوع كافر» كما يقال فلك ان تتصور تأثيره على منظومة القيم السائدة، وعلى علاقات الطبقات والفئات بعضها ببعض، وعند الحد الأدنى فإنه يتعذر الدفاع عن قيمة التسامح مثلاً حين يصبح الجميع تحت وطأة تلك الضائقة.

< الاختراقات الخارجية التي استثمرت أجواء ضعف مناعة المجتمع لكي تمارس حضورها وأنشطتها في ساحات عديدة، مستفيدة من حالة الوهن التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني لصالح إغداق التمويل على تلك المنظمات، الذي ارتبط دائماً بأجندة الجهات الممولة، في المجالين السياسي والاجتماعي.

إن الانفراط الحاصل في المجتمع المصري الآن، والتفكيك المشهود لوشائجه وروابطه نتيجة طبيعية لتلك العوامل مجتمعة، التي من شأنها تغييب الحلم المشترك، ومن ثم وضع العراقيل أمام تحقيق أمل العيش المشترك.

ومن الخطأ المنهجي والتاريخي أن يحمل عنصر واحد بالمسؤولية عن التراجع والتدهور الحاصلين في بنية المجتمع المصري وقيمه.

علماً بأن الابتسار أو الاختزال في هذه الحالة يخرج الملف من نطاق البحث الموضوعي ويدخله في مسار آخر تتراوح مراتبه بين سوء التقدير وسوء النية.

........................

Delete this element to display blogger navbar