Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2010

يحيا العدل

صحيفة الشرق القطريه الأحد 23 ذو القعدة 1431 – 31 أكتوبر 2010
يحيا العدل - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_31.html


انتابني شعور بالحرج والحيرة حين طالعت حيثيات الحكم في قضية قتل الفنانة سوزان تميم التي نشرت يوم الأربعاء الماضي 27/10،

مصدر الحرج أننا بإزاء حكم لمحكمة الجنايات يتعين التزام الحذر في تناوله، خصوصا إذا كان التناول من جانب واحد مثلى تبخرت معارفه القانونية بمضي المدة.
أما الحيرة فسببها أنني بعدما قرأت الحيثيات عدة مرات وتابعت وقائع الجلسة التي صدر فيها الحكم خرجت بمجموعة من الملاحظات والتساؤلات لم استطع كتمانها.
وحين عبرت عما يجيش في صدري أمام آخرين ممن هم أفقه وأخبر فوجئت بأن منهم من شاطرني هواجسي ومنهم من أضاف عليها من عنده أمورا أخرى.
وقبل أن استطرد أرجو ألا أكون بحاجة للتذكير بأنني أتمنى البراءة لكل مظلوم، كما أتمنى أن يفرج الله كرب كل مهموم أو مكلوم.
وكصاحب خبرة سابقة في المظلومية، فإنني أعرف جيدا ماذا يعني للفرد ولأي أسرة أن يحكم على المرء بعقوبة السجن وأن يقضي بعض عمره وراء القضبان.
وتلك خلفية أرجو أن تضعها في الاعتبار وأنت تقرأ ملاحظاتي التي أوجزها فيما يلي:
< إن الحيثيات أدانت كلا من هشام طلعت مصطفى ومحسن السكري، وثبتت بحقهما ارتكاب الجريمة، فذكرت صراحة أن الأول هو الذي أمر بالقتل وأن العملية مرت بمراحل عدة كان آخرها في دبي، حيث طلب هشام من السكري تعقب الضحية وقتلها هناك. ورتب له كل مستلزمات إنجاز «المهمة». وقد عرضت أسباب الحكم المنشورة كل ذلك. وفصلت في ذكر تفاصيل دخول السكري إلى شقتها، وكيف كتم صوتها وذبحها ذبح الشاة حتى فصل الرأس عن الجسد، ثم قام بتبديل ثيابه وغادر البناية التي تسكنها. وقد فاجأنا الحكم وأدهشنا عندما اعتبر هشام مجرد «شريك» في الجريمة، واعتبر السكري فاعلا أصليا، بخلاف ما ذهب إليه القاضي في الحكم الأول، علما بأن الحيثيات والوقائع التي ذكرتها المحكمة أكدت أن هشام هو الأصل والسبب وصاحب المصلحة الذي أمر بالقتل انتقاما من الضحية، ولولاه لما وقعت الجريمة. وهذا التغيير في المركز القانوني لكل منهما كان له أثره المباشر على الحكم، حيث قضت المحكمة بسجن هشام 15 عاما باعتباره شريكا، في حين نال محسن السكري عقابا أشد بحسبانه الفاعل الأصلى، وحكم عليه بالسجن 25 عاما. < إن الوقائع التي وردت في الحيثيات هي ذاتها التي استند إليها الحكم السابق بإعدام الرجلين، ولكن الحكم الجديد خفف العقوبة من الإعدام إلى السجن. وهذا التخفيف وارد بطبيعة الحال، إذا ما لاحت للقاضي ظروف تبرره. وفي حدود علمي فإن بعض القضاة يعمدون إلى ذكر أسباب تخفيف العقوبة، في حين لا يرى آخرون ذلك حين تتوافر الشواهد والقرائن التي تعطي ذلك الانطباع وتكون ناطقة بذاتها. ومن ثم لا يجد القاضي مسوغا لذكر سبب التخفيف. لكننا في الحالة التي نحن بصددها لم نجد فيما نشر من أسباب الحكم ذكرا لشئ من ذلك القبيل. كما لم نلحظ في الحيثيات أي إشارة توحي بأن ثمة ظرفا مخففا اقتضى النزول بالعقوبة من الإعدام إلى السجن المؤبد. < الملاحظة الثالثة أن القاضي افتتح الجلسة وبدأ إجراءاتها، ولم يستمع إلى مرافعات المحامين، ثم قرر رفع الجلسة فجأة، وغاب بعض الوقت وعاد ليعلن الحكم. وتلك كلها مفاجآت غير معهودة أدهشت المحامين. حيث لم يخطر على بالهم ألا تسمع مرافعاتهم، ولم يخبرهم القاضي حين رفع الجلسة بأن القضية محجوزة للحكم على خلاف ما تقضي به التقاليد والأعراف القضائية. < الملاحظة الرابعة والأخيرة أن إصدار الحكم من دون الاستماع إلى المرافعات فتح الباب واسعا للطعن فيه أمام محكمة النقض، كما ذكر المحامون في الجلسة ونقلته الصحف عنهم، فضلا عن أن تخفيف الحكم من الإعدام إلى المؤبد وضع سقفا للعقوبة لن تتجاوزه تلك المحكمة وقد تنزل عنه. وفي رأي القضاة المخضرمين الذين تحدثت إليهم فإن ذلك يصب في مصلحة المتهمين اللذين لم يفلتا من الإعدام فحسب، وإنما صار الطريق ممهدا أيضا لاحتمال تخفيف الحكم الصادر بحقهم. لا أعرف ما إذا كانت تلك مجرد مصادفات أم لا. ولست واثقا من أن مثل هذه «المصادفات» يمكن أن تقع لو أن المتهمين كانا شخصين عاديين وليست لهما ظروفهما الخاصة. وأرجو أن يكون سوء الظن وحده هو الذي جعلني أستعيد في هذا المقام الحديث النبوي الذي يقول: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». .....................

30 أكتوبر، 2010

لا تسمع شهادتهم

صحيفة الشرق القطريه السبت 22 ذو القعدة 1431 – 30 أكتوبر 2010
لا تسمع شهادتهم - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_30.html


إذا وجدت المسؤولين عن حقوق الإنسان يتضاحكون ويتبسطون وهم في صحبة قيادات وزارة الداخلية، فاسحب ثقتك من الأولين ولا تصدق كلمة مما يقولون.
هذه «فتوى» من عندي استخدمت فيها القياس على رأي فقهائنا الذين أبطلوا شهادة العلماء والقضاة الذين يغشون مجالس الظلمة.

تداعى ذلك إلى ذهني حين رأيت صورة ملونة نشرتها الصحف المصرية يوم الاثنين الماضي (25/10) ظهر فيها أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان بصحبة عدد من قيادات الأمن والداخلية أثناء زيارة قاموا بها لسجن في قنا عمره 110 أعوام.
كانوا واقفين وعلامات البشر والسرور بادية على وجوههم، وأمامهم وقف أحد السجناء جيء به لكي يجيب عن أسئلتهم.
ولولا العنوان والكلام المكتوب تحت الصورة، لظن القارئ أن الجميع خرجوا إلى نزهة على شاطئ النيل وراحوا يقهقهون وهم يتبادلون النكات والقفشات مستمتعين بالطقس الخريفي اللطيف الذي حل بمصر هذه الأيام.

في الخبر المنشور تحت الصورة أن وفد مجلس حقوق الإنسان المصحوب بقيادات وزارة الداخلية قام بجولة ميدانية في السجن المذكور، حيث اطلعوا على عنابر الإعاشة والتقوا بمجموعة من السجناء، وأداروا معهم مناقشات حول مدى توافر أوجه الرعاية وبرامج التأهيل المتاحة في السجن ومدى كفالة حقوق السجناء.

وهو ما طمأن الوفد الزائر إلى قيام إدارة السجن بواجبها «كاملا» تجاههم وتوفيرها جميع أوجه الرعاية للمسجونين الصحية منها والاجتماعية والتعليمية والثقافية والرياضية. وكذا برامج التأهيل المهني المختلفة.
كما اطلع الوفد خلال تفقده مستشفى السجن على مجالات الرعاية الصحية المقدمة للسجناء، وشاهد تجهيزاته بالمعدات والآلات والمستلزمات الطبية والأدوية اللازمة.

كذلك تفقد الوفد العديد من الأنشطة في مجالات الثقافة والتعليم ومحو الأمية والرياضة والتدريب المهني بورش السجن التي تضم حرف النجارة وصناعة البلاط والسجاد اليدوي، بالإضافة إلى قاعات ممارسة الهوايات وقاعة الرادار والمخبز والمطبخ واستمع الوفد من السجناء والعاملين في تلك الأنشطة إلى كيفية ممارستهم لها بصفة يومية.

إلى جانب هذه التفاصيل ذكر التقرير المنشور أيضا أن وفد مجلس حقوق الإنسان اصطحب معه مجموعة من الباحثين بمكتب الشكاوى المتفرع عنه، قاموا بملء استمارات استبيان شارك فيه نزلاء السجن «المحظوظون»، للتأكد من كفالة حقوق الإنسان داخل السجن، وفقا للقوانين والمعاهدات الدولية داخل السجون.

كما رأيت فالزيارة والصورة والخبر الذي جرى تعميمه على جميع الصحف، كانت كلها بمثابة إعلان مجاني استهدف تبييض صفحة وزارة الداخلية وتجميل صورتها، استخدم فيه فريق المجلس القومي لحقوق الإنسان ممثلا في رئيسه وبعض أعضائه. والبطل الحقيقي في المشهد كان وزارة الداخلية، أما الباقون جميعا فلم يكونوا سوى «كومبارس»، ضم نفرا من وجهاء القوم والسجناء.

أما الخاسر الأكبر فكان المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي حول الجولة التفتيشية إلى جولة دعائية للداخلية وسياحية وترفيهية لأعضائه، أريد بها استخلاص شهادة براءة تؤكد أن سجون الداخلية كاملة الأوصاف، على العكس مما هو مستقر في الأذهان، وهو ما ذكره الخبر المنشور صراحة حيث تحدث عن قيام الإدارة بواجبها «كاملا» وعن توافر جميع أوجه الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والرياضية، وكذلك برامج التأهيل المهني المختلفة، وهي الرعاية التي لا تتوافر في أي مرفق آخر من مرافق البلد، ونتمنى إيجاد نصفها أو ربعها في المدارس والمستشفيات.

أشك كثيرا في أن أعضاء مجلس حقوق الإنسان من السذاجة بحيث لم يدركوا أن كل شيء رتب قبل الوصول. المكان الذي سيزورونه والسجناء الذين سيلتقونهم، والأجوبة الملقنة للمسجونين والأنشطة التي سيطلعون عليها.. إلخ.

لذلك أزعم أن الزيارة التي رتبت بـ«الصدفة» أثناء نظر قضية قتيل الشرطة بالإسكندرية خالد سعيد كانت لحساب وزارة الداخلية ولا علاقة لها بحقوق الإنسان.
كما أن التقرير الذي وزع عن الزيارة هو شهادة مزورة تجاهلت الحقيقة التي يعرفها الجميع وعلى رأسهم ممثلو الداخلية أنفسهم.

وإذا صح ذلك فإن قياسنا على الرأي الذي قال به فقهاؤنا يصبح في موضعه.
............................................

28 أكتوبر، 2010

لغز الجفاء مع دمشق

صحيفة الشرق القطريه الخميس 20 ذو القعدة 1431 – 28 أكتوبر 2010
لغز الجفاء مع دمشق - فهمي هويدي

هل يعقل أن تكون علاقات سوريا ممتازة مع كل من تركيا وإيران، في حين يخيم الفتور على علاقات دمشق والقاهرة؟ كان ذلك مضمون أحد الأسئلة التي ألقاها على الرئيس بشار الأسد رئيس تحرير صحيفة «الحياة» اللندنية، زميلنا غسان شربل، في ثنايا حوار مطول نشر يوم الاثنين الماضي 26/10.
وقد تطرق الحوار إلى علاقات مصر وسوريا، مستدعيا مجموعة من الأسئلة الحائرة التي تشغل بال المراقبين لعلاقات البلدين والقلقين إزاء ما آلت إليه.

في رده على السؤال أعلاه قال الرئيس الأسد: هذا غير طبيعي. وهذا هو الفرق. وهذه هي السهولة التي تحدثت عنها. فالعلاقات العربية ــ العربية فيما يبدو (أصبحت) أكثر صعوبة من العلاقة العربية مع غير العرب.

بقية الأسئلة توالت على الشكل التالي:

س: هل العلاقات السورية ــ المصرية على المستوى الرئاسي تعاني حساسية شخصية؟

جـ: بالنسبة إلى، لا. أنا لم أطلب شيئا من مصر، لا أريد شيئا من مصر. إذا كنا نختلف سياسيا فهذا ليس جديدا، نحن في الأساس وقفنا مثلا ضد كامب ديفيد، ولم يتغير موقفنا في أي لحظة. ونحن في سوريا نقول لنفصل العلاقة الشخصية أولا عن علاقة البلدين. لنفصل العلاقة السياسية عن العلاقة الاقتصادية، وكان لدينا وزراء سوريون في مصر أخيرا وسيزورنا الآن وفد مصري ونعمل لانعقاد اللجنة المشتركة،
أما على المستوى السياسي، فهناك اختلاف كبير في الآراء. بالنسبة إلينا في سوريا ليس مشكلة، ربما يكون لدى بعض المسؤولين في مصر مشكلة، ولا أستطيع أن أعطي الإجابة نيابة عنهم.

س: هل هناك جهود سعودية لتحسين العلاقات السورية ــ المصرية؟

جـ: كانت هناك محاولة واضحة عندما التقينا في القمة الرباعية مع أمير الكويت والرئيس مبارك والملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض، بعدها لم تكن هناك أي محاولة أخرى.

س: هل كانت العقدة لبنان، أم المصالحة الفلسطينية أيضا؟

جـ: ولا واحدة. لا نعرف، الغريب إننا في سوريا لا نعرف ما هي المشكلة، لذلك قلت لك أنا لا أريد شيئا من مصر، وكي تكتمل الصورة لابد أن تسأل الإخوة فيها ماذا تريدون من سوريا عندها تحصل على الجواب.

س: قلتم في تصريح لم أتلق دعوة لزيارة مصر هل المشكلة في الدعوة؟

جـ: لا. قالوا هل تحتاج زيارة مصر إلى دعوة؟ قلت: نعم تحتاج إلى دعوة، هكذا كان الجواب: طبعا تحتاج إلى دعوة، لأن هناك انقطاعا في العلاقات، أنا لم أستقبل مسؤولا مصريا منذ نحو خمس سنوات كما أظن، فإطلاق العلاقة بحاجة إلى بعض المبادرات، أحيانا قد تبدو شكلية لكنها ضرورية في العلاقات السياسية والدبلوماسية.

حين سئل الرئيس بشار الأسد عن العلاقات السورية ــ السعودية، بعد ذلك، كان رده: إنها: جيدة ومستقرة. وكانت قد مرت بظروف صعبة لكنها على المستوى الثنائي لم تتأثر في شكل كبير. وسئل بعد ذلك عما إذا كان هناك جانب شخصي أيضا في هذه العلاقة، فكان رده أن العلاقة المباشرة بينه وبين الملك عبد الله هي الضمانة الأساسية لها.

يستخلص المرء عدة أمور من هذا الكلام منها ما يلي:

< أن ثمة مشكلة في العلاقات المصرية ــ السورية، وأن تلك المشكلة مازالت مستعصية على الحل منذ خمس سنوات على الأقل.

< أن الرئيس الأسد يعتبر أن هناك شيئا ما في القاهرة يعطل مسار العلاقات السياسية بين البلدين، مستبعدا أن يكون اختلاف الرؤى في الشأن اللبناني أو الفلسطيني جوهر المشكلة.

< أن ثمة شيئا ما لا يعرف كنهه في علاقة الرئيسين المصري والسوري يحول دون إعادة الحيوية والعافية بين البلدين. يشتم المرء هذه الرائحة حين يلاحظ أن الرئيس الأسد اعتبر أن علاقته الشخصية مع العاهل السعودي كانت الضمانة الأساسية للحفاظ على إيجابية العلاقة بين سوريا والمملكة.
وكان رد الرئيس السوري مغايرا حين طرح عليه ذات السؤال فيما خص مصر، إذ ذكر أنه لا يوجد شيء من جانبه لكن «ربما يكون لدى بعض المسؤولين في مصر مشكلة».
وكان المراقبون والصحفيون الذين حضروا قمة سرت الأخيرة في ليبيا قد لاحظوا أن الرئيس المصري والسوري احتفظا بمسافة بينهما، ولم يتبادلا اللقاءات أو الكلمات. الأمر الذي أعطى انطباعا بأن العلاقات ليست طبيعية بينهما.

لابد أن يكون لمصر رأيها في الموضوع وقراءتها لخلفياته، لكننا إذا صرفنا النظر عما إذا كانت المسؤولية عن الفتور المخيم يتحملها هذا الطرف أو ذاك، فلا مفر من الاعتراف بأن ذلك الفتور هو المصدر الأساسي لشق الصف العربي ومن ثم تصدع النظام العربي.
ومن المفارقات أن تنعقد القمة العربية في سرت لإصلاح ذلك النظام، وينشغل المشاركون بالشكل فيه والمسميات، في حين لم يستقم أمر الركيزة الأساسية له، المتمثلة في العلاقة بين القاهرة ودمشق،
أما الغريب والمحزن في الأمر أن يستعصي حل المشكلة بين القاهرة ودمشق، في حين يغدو الطريق سالكا ومفتوحا بين القاهرة وتل أبيب.
...............................

27 أكتوبر، 2010

هؤلاء الشرفاء المحترمون

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 19 ذو القعدة 1431 – 27 أكتوبر 2010
هؤلاء الشرفاء المحترمون - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_27.html

الحكم الذي صدر ببطلان وجود رجال الشرطة في الحرم الجامعي يطمئننا إلى أن المجتمع المصري لا يزال يحتفظ ببعض عافيته، وأن جهود التفكيك والإجهاض والإنهاك فشلت في إخصاء المجتمع واستسلامه.
ذلك أن الحكم ـ والقضية برمتها ـ كشفت عن أمرين مهمين هما:
>أنه مازالت في مصر كتيبة من المثقفين المحترمين والشجعان، الغيورين على الدفاع عن المجتمع ومصالحه العليا. وهم ينتمون إلى أرض هذا البلد وناسه وحلمه، ولأنهم كذلك فقد عزفوا عن الاتجار بالسياسة ونأوا بأنفسهم عن ألاعيبها، ولم ينخرطوا في أي من الأحزاب المصطنعة التي أصبحت تستمد قوتها ووجودها من رضاء السلطة عليها والصفقات التي تعقدها معها.

هم ليسوا معروضين للبيع، شأنهم شأن غيرهم من المثقفين الذين استجابوا للغواية وضعفوا أمام المناصب والوجاهات، فتحولوا إلى مهرجين وحواة، واختاروا أن يكونوا أبواقا للسلطة وقطعا من الديكور الذي يجملها، بعدما تخلوا عن ضمير المجتمع وباعوه في أول منعطف،

هؤلاء المثقفون المحترمون الشجعان ـ الرجال منهم والنساء ـ هم الذين طعنوا في وجود الحرس التابع لوزارة الداخلية داخل الحرم الجامعي،
وهم الذين طعنوا في فرض الحراسة على النقابات المهنية.
وهم الذين طلبوا فسخ عقد «مدينتى» لما شابه من فساد وتواطؤ،
وهم الذين وقفوا ضد بيع وحدات القطاع العام، وهم الذين طلبوا وقف تصدير الغاز لإسرائيل. ورفعوا قضايا طالبت بفتح معبر رفح وإزالة الجدار الذي أقيم بين مصر وقطاع غزة.. الخ.
< الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية، هو أن تلك المبادرات ما كان لها أن تحفظ لنا جذوة الأمل، لولا ذلك الرهط من القضاة المحترمين بدورهم والشجعان، الذين تمتعوا بالنزاهة والغيرة والشجاعة، غير مبالين بغوايات السلطة وأهوائها ـ ولأنهم نصبوا أنفسهم حماة لمصالح الوطن وحراسا للحق والعدل، فإنهم أصدروا تلك الأحكام المنيرة التي ردت إلينا الروح وانتشلتنا من هوة الإحباط واليأس. ورغم أن الأحكام التي صدرت عن الإدارية العليا احتلت الواجهات لأن أخطاء الحكومة كثيرة وجسيمة والقضاء الإداري هو المختص بها، فإننا لا نستطيع أن نغفل أحكام القضاء العادي في قضايا أخرى عديدة، أبرزها حكمه في قضايا التعذيب، وأحدثها الحكم على السفير الإسرائيلي في مصر بدفع تعويض قدره عشرة ملايين دولار لأسرة جندي مصري من المحلة الكبرى قتلته دبابة إسرائيلية عمدا مع اثنين من زملائه على الحدود مع قطاع غزة. ولا تحسبن أن استقامة القاضي واستقلاله وعدم اكتراثه بحسابات السلطة وغواياتها بالأمر السهل في هذا الزمن، لأن أمثال هؤلاء القابضين على جمر النزاهة يدفعون ثمن موقفهم ذاك. لأن غيرهم من «المتجاوبين» و«المتعاونين» لهم حظوظهم من المكافآت وعطايا السلطة، التي لا تبخل عليهم بالتعيين في وظائف المحافظين والاستشاريين وأعضاء مجلس الشورى. في حين يحال الأولون إلى التقاعد في صمت لكي يغرقوا في بحر النسيان بمضي الوقت. حفاوتنا بحكم «طرد» الحرس من الجامعات لا ينبغي أن تنسينا أننا بصدد رحلة طويلة وشاقة. لأن قدرة السلطة على العناد والالتفاف لا حدود لها. فقضية بطلان الحرس الجامعي مثلا منظورة أمام المحاكم الإدارية منذ سنتين. وقد ظلت وزارة الداخلية تراوغ وتستشكل فيها حتى أوصلتها إلى المحكمة العليا التي حسمت الأمر أخيرا. ورغم ذلك فلن تعدم الأجهزة الأمنية سبيلا إلى بسط نفوذها وهيمنتها على الجامعات، خصوصا بعدما أصبحت تتحكم في تعيين المديرين والعمداء والوكلاء، حتى إن بعضهم صاروا من رجالها. ولا أستبعد أن يصبح إلغاء الحرس مماثلا لإلغاء الرقابة على الصحف. حيث سحب الرقباء واستبدلوا برؤساء للتحرير ومديرين صاروا أكثر شدة وغلوا من الرقباء. صحيح أن المشكلة أكبر من حكم المحكمة، لكن يكفينا أن أولئك الشرفاء قاموا بما عليهم، وأعطونا أملا في المستقبل. ..................

25 أكتوبر، 2010

مهرجون يلعبون في الوقت الضائع – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 18 ذو القعدة 1431 – 26 أكتوبر 2010
مهرجون يلعبون في الوقت الضائع – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_25.html


ما يحدث على الجانب العربي والفلسطيني بمثابة خداع للشعوب وضحك على العقول
هذه الحزمة من الإجراءات تستهدف اقتلاع الفلسطيني و«تطهر» إسرائيل من الوجود العربي

أفهم أن تسعى إسرائيل للتلاعب بنا وخداعنا.
أفهم أيضاً ان تسايرها في ذلك إلادارة الأمريكية وحتى الرباعية الدولية لحسابات وأسباب مفهومة،
لكن ما لا يخطر على بال أي عقل رشيد أن نشارك من جانبنا في خداع أنفسنا وشعوبنا، وأن نسهم في أحكام الخداع الإسرائيلي.

(1)

إسرائيل عملياً أغلقت ملف الانشغال بالضفة عبر التفاوض والتنسيق الأمني مع السلطة، وفي غزة عبر الحصار، ومن ثم لم يعد لها انشغال بالأراضي المحتلة. (لذلك) انكفأت على تعزيز هوية الدولة وحدودها، واعتبرت أنها تستطيع ان تتفرغ لهذه المهمة بحيث تركز على الأمن الداخلي، بعد إغلاق ملف الأمن الخارجي.
هذا الكلام ليس من عندي، لكنه ورد في سياق حوار مهم نشرته صحيفة الحياة اللندنية (في 10/18) مع النائبة العربية في الكنيست حنين الزعبي، التي كانت ضمن من شاركوا مع أسطول الحرية التي استهدفت كسر حصار غزة.
وفي ذلك الحوار سلطت الضوء على مجموعة من حقائق ومؤشرات السياسة الإسرائيلية الراهنة، التي تغيب عن الناظر الى المشهد من الخارج. من تلك المؤشرات ما يلي:
< ان إسرائيل لا تشعر الآن بأنها في حاجة الى السلام، لأنها حلت هاجسها الأمني بطريقة أخرى (عن طريق الجدار والحصار والتنسيق الأمني) لكنها تظل بحاجة الى المفاوضات فقط لأنها تحميها من الضغوط والعزلة الخارجية. وهي المفاوضات التي ضربت القضية الفلسطينية وقضت على منجزات سياسية لنضال دام عشرات السنين. اذ لا ينبغي أن تصبح آلية تستبدل النضال، وانما يفترض ان تبقى وسيلة لحصد ثمار النضال وجزءا من المشروع الوطني. ضربت لذلك مثالا بالاستيطان، إذ بدلاً من ان يعد عثرة تحول دون السلام فإنه أصبح الآن عثرة أمام المفاوضات فقط. < ان إسرائيل اكتشفت أخيراً فشل مشروعها لتذويب وتدجين عرب 48. خصوصاً حين تبينت موقفهم من خلال انتفاضة القدس والأقصى ومن حرب لبنان ويهودية الدولة. < ان هذا الإدراك دفع بملف عرب 48 الى مقدمة تحديات الدولة العبرية. وكان نتنياهو قد عبر عن موقفه إزاء ذلك أمام مؤتمر هرتزليا قبل سبع سنوات (حين كان وزيرا للمال في حكومة شارون) حين قال إن مشكلة إسرائيل هي عربها وليست عرب فلسطين. واعتبر أنه في حالة اندماجهم فإن نسبتهم ستصل الى %35 من السكان، مما يجعل إسرائيل دولة ثنائية القومية. أما اذا بقي عددهم في حدود %20 أو أقل وبقيت العلاقة مؤثرة، فإن ذلك يضر بالنسيج الديموقراطي لإسرائيل. مضيفاً انه يريد سلاماً اقتصادياً داخلياً، بمعنى دعم العرب كأفراد لأن اقتصاد إسرائيل في حاجة اليهم، شريطة ان يتخلوا عن فكرة الدولة لكل مواطنيها (التي تتساوى فيها حقوق العرب مع اليهود). < ان إسرائيل في تمييزها ضد العرب وبهدف تضييق الخناق عليهم أصدرت خلال الأعوام الستين الماضية 23 قانوناً. ولكن خلال سنة واحدة تولى فيها نتنياهو السلطة فإن حكومته قدمت 15 قانوناً عنصرياً آخر. وهذه مسألة تحتاج الى وقفة.

(2)
«قانون المواطنة» مثلاً الذي يشترط الولاء للدولة اليهودية يعني ان على كل فلسطيني الاعتراف بشرعية إسرائيل، والاعتذار عن النكبة والمشروع الوطني وسد الفرص الواقعية أمام عودة اللاجئين، وتشريع العنصرية ضد العرب المقيمين في إسرائيل.
وهو القانون الأول من نوعه الذي يصدر في إسرائيل ويتعامل مع القناعات، في حين أن كل القوانين الصهيونية الأخرى تعاملت مع الأفعال والسلوكيات، مثل منع التحريض أو المشاركة في احياء ذكرى النكبة أو غير ذلك.
وقد ذكرت السيدة حنين الزعبي ان القانون بهذه الصيغة يركز على القناعات الإيديولوجية، ويطرح الوجه الفاشي لإسرائيل. «اذ هو قانون يطلب مني أن أحارب نفسي، بينما القوانين السابقة كانت تشرع للحكومة ان تحاربني».
قانون المواطنة هذا سوف يستتبع بقانون آخر تعده حركة «شاس» يقضي باسقاط حق المواطنة عن كل من يثبت عدم ولائه «وخيانته» للدولة. وهو ما يعني ان أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في أراضي 48 سيصبحون عرضة لسحب الجنسية والهويات منهم ومنعهم من مواصلة حياتهم على أرضهم.
وهناك سلسلة من القوانين ومشاريع القوانين التي تصب في ذات الوعاء. منها سحب الامتيازات من نواب بسبب مواقفهم السياسية، مثلما حدث مع النائبة الزعبي بسبب مشاركتها مع أسطول الحرية. وكذلك ملاحقة الدكتور عزمي بشارة رئيس التجمع الوطني الديموقراطي بسبب مواقفه.

واقتراح مشروع قانون يقضي باعتبار الحركة الإسلامية الشمالية تنظيماً ممنوعاً، وآخر يتيح فصل نائب يؤيد المقاومة المسلحة أو يشارك في التحريض العنصري أو ينفي وجود إسرائيل «دولة يهودية ديموقراطية»،

وثالث يتعلق بسحب المواطنة في حال عمل إرهابي أو تجسس ورابع لمنع النقاب وخامس لإزالة ذكرى النكبة من برامج التعليم.

وقد تمت الموافقة على مشروع القانون الأخير في القراءة الأولى. وهو يحظر إحياء فعاليات النكبة، ويفرض عقوبات على من يخالف ذلك.

ثمة مشروع آخر لإصدار قانون «لجان القبول في البلدات»، الذي يتيح لمجلس البلدية داخل إسرائيل رفض السماح بسكن أي شخص لا تتلاءم أفكاره مع «فكرة نشوء البلدة الصهيونية»، فضلاً عن قانون الجمعيات الذي يحظر إعطاء إذن لإقامة جمعية لا تتلاءم مع سياسة الدولة، ويقضي بإغلاق أي جمعية تقف خلف دعاوى رفعت ضد إسرائيليين أمام المحاكم الدولية،
اضافة الى مجموعة أخرى من القوانين العنصرية التي تستهدف، وفي شكل صارخ، خفض نسبة فلسطينيي 48 من %20 اليوم الى نحو %5 لإبعاد ما يسمى شبح «التوازن الديموغرافي وتحول الدولة»، تالياً، الى دولة «ثنائية القومية»، في حال استبعاد إمكانية ترحيل هؤلاء الفلسطينيين، لأسباب عدة، في الوقت الحاضر.
كان الكنيست قد مرر قبل ذلك قانون «لم الشمل المؤقت»، الذي يمنع الفلسطينيين من الحصول على حق الإقامة في أراضي 48، أو الحصول على الجنسية الإسرائيلية من أزواجهن أو زوجاتهم من فلسطينيي 48.
كذلك الحال مع قانون «أملاك الغائبين» في القدس المحتلة، الذي استهدف بسط سيطرة إسرائيل على آلاف الدونمات والعقارات والأبنية التي تقدر قيمتها بمئات المليارات من المناطق التي احتلت سنة 1967.
هذه الحزمة من القوانين والإجراءات تستهدف شيئاً واحداً هو اقتلاع الفلسطينيين و«تطهير» إسرائيل من الوجود العربي لتثبيت «نقائها» للشعب اليهودي.

(3)
في عدد الثاني من شهر سبتمبر الماضي كان عنوان غلاف مجلة «تايم» كالتالي:
لماذا لم تعد إسرائيل مكترثة بالسلام مع الفلسطينيين؟..
وكان العنوان اشارة الى تقرير لمراسل المجلة في القدس كارل فيك رسم فيه صورة لحالة الاسترخاء والطمأنينة، التي يتمتع بها الإسرائيليون في الوقت الراهن، خصوصا ان بلادهم لم تشهد خلال الثلاثين شهراً الأخيرة عملية استشهادية واحدة، الأمر الذي أشاع بين الإسرائيليين درجة عالية من الاستقرار والهدوء، سمحت لهم بالاستمتاع بأوقاتهم وانعاش اقتصادهم.
وقد دلل على ذلك بنتائج استطلاع للرأي أجري في شهر مارس الماضي، سأل الإسرائيليين عن أهم المشاكل والتحديات التي يواجهونها، وجاءت الاجابة مشيرة الى ان %8 فقط منهم اعتبروا أن الصراع مع الفلسطينيين هو الأهم. في حين ان %20 تحدثوا عن التعليم والجريمة والأمن القومي والفقر.
كلام المراسل الأمريكي يتفق الى حد كبير مع الرأي القائل إن إسرائيل في الوقت الحاضر لم تعد بحاجة الى عقد اتفاق سلام مع الفلسطينيين، بعدما تم تأمين جانبهم سواء من خلال التنسيق الأمني والسور العازل في الضفة أو من جانب الحصار المضروب على غزة.
وهذا الرأي أيده أيضا المعلق السياسي لاري درفنر في مقال نشرته له صحيفة «جيروزاليم بوست» ونقلته صحيفة «الشروق» في 10/18 الحالي. في هذا المقال قرر الكاتب ما يلي:
لم أعتقد ولو للحظة واحدة ان نتنياهو كان جادا بشأن التوصل الى سلام ينطوي على إقامة دولة فلسطينية مستقلة فعلاً. انه على استعداد لرمي عظمة أو عظمتين الى الفلسطينيين، ولا شيء أكثر من ذلك.
فبالنسبة اليه فإن إقامة دولة فلسطينية تستحق ان تسمى دولة هي بمثابة استسلام شخصي ووطني، واذلال، وهو يفضل الموت على ان يسجل في التاريخ باعتباره «بيتان» إسرائيل (هنري بيتان، القائد الفرنسي الذي اتهم بالخيانة بسبب قبوله ترؤس حكومة فيشي الموالية للألمان خلال الحرب العالمية الثانية).
أضاف الكاتب قائلاً: انتهى كل شيء إذن، انتهت هذه المحاولة الأخيرة لبث روح الحياة في عملية السلام، ولا يبدو ان نتنياهو مكترث بأن يلقي العالم اللوم عليه، وهو الأمر المرجح. كما أنه لا يهمه ان ليبرمان تمادى في إهانة وزيري الخارجية الفرنسي والاسباني علناً ولا يهمه أنه حمل باراك أوباما فشلا آخر عشية انتخابات الكونغرس، الأمر الذي لا يفترض بأي رئيس حكومة إسرائيلي ان يفعله تجاه رئيس أمريكي.
قال أيضاً إن نتنياهو أكد مجددا تحالفه الإيديولوجي مع ليبرمان والمستوطنين وبقية اليمين المتطرف. «فهؤلاء يركبون موجة عالية، ولديهم مجموعة كبيرة أخرى من القوانين الاستبدادية المناهضة للعرب التي يسعون لتمريرها، فمن الذي سيوقفهم: حزب العمل.. حزب كاديما.. يهود الشتات.. واشنطن.. وسائل الإعلام؟»
هل المستقبل يبدو أكثر إشراقاً؟! تساءل صاحبنا ثم أجاب قائلاً: بعد أيام قليلة سيمنى الديموقراطيون بهزيمة ساحقة في انتخابات الكونغرس، وسيصبح أوباما بطة عرجاء. ان الحليف الأيديولوجي الوحيد لنتنياهو في العالم، الحزب الجمهوري، سيعود عملياً الى السلطة، في حين ان المعارض الحقيقي الوحيد له، ادارة أوباما، لن يكون قادراً على رفع يده في وجهه بعد الآن.
أضاف: هذه الحكومة. جنباً الى جنب مع المستوطنين ستكون حرة في ان تفعل ما تريد. ولن يقف أي أحد أو أي شيء في طريقهما،
أما رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، فقد انتهى أمره، كما انتهى أمر الاعتدال في الضفة الغربية.
ختم الكاتب تعليقه قائلاً: إن هذه الأجواء ستشكل ظرفاً مواتياً لنتنياهو لكي يقوم بقصف إيران، وهو الهدف الذي يشغله ويسعى اليه منذ سنوات. وفي هذه الحالة فإنه لن يجد طرفا يوقفه خصوصاً ان الجمهوريين يشجعونه ويؤيدونه في ذلك.

(4)
هذه ليست أسراراً محجوبة عن الأعين، ولكنها معلومات في متناول الجميع. ولست أشك في ان المعنيين بالقضية على علم بها وربما بما هو أكثر منها.
واذا صح ذلك وهو صحيح لا ريب فماذا يكون شعور المرء حين يقرأ ان لجنة المتابعة العربية قررت (في 10/8)
«مباشرة البحث في البدائل المترتبة على فشل المفاوضات خلال شهر، ودعت الإدارة الأمريكية الى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف الاستيطان»؟.

وبماذا يفسر تجاهل القمة العربية الاستثنائية في سرت الليبية للملف الفلسطيني برمته. وتركيزها على الاهتمام بالسودان والصومال دون غيرهما.
وكيف نقتنع بأنها انشغلت طول الوقت بمشروع إصلاح النظام العربي؟
وهل يظل اسم الجامعة العربية كما هو أم تصبح اتحاداً عربياً؟
وهل الذين لم يتقبلوا الفكرة تحفظوا فقط أم أنهم عارضوها صراحة؟
وهل نقيم مع دول الجوار العربي «رابطة» أم نكتفي «بالمنتدى»؟
ثم ماذا نقول في القمم الثنائية العربية التي نقرأ عنها في الصحف، وتبشرنا كل حين بأن حوار البحث تناول تطورات القضية الفلسطينية ومساعي تحقيق السلام. تمهيداً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؟
لا يكاد المرء يصدق أن تكون الممارسات الإسرائيلية على أرض الواقع بالصورة التي نقلتها التقارير، في حين يكون رد الفعل العربي والفلسطيني على النحو الذي أشرت اليه تواً.
وأعترف بأن الكلمات لا تسعفني في وصف المفارقة الفادحة التي يبدو فيها بجلاء أننا بصدد هزل لا جد فيه،
وان ما يحدث على الجانب العربي والفلسطيني بمثابة خداع للشعوب وضحك على العقول،
وان الملف الفلسطيني بات بيد مجموعة من المهرجين، الذين لم يتوقفوا عن اللعب في الوقت الضائع.
وتلك أرق الأوصاف التي يمكن أن تطلق على المشهد.
ومن لديه وصف أكثر صراحة فليحتفظ به لنفسه.
........................

24 أكتوبر، 2010

جرس إنذار من هناك

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 17 ذو القعدة 1431 – 25 أكتوبر 2010
جرس إنذار من هناك - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_7621.html

واجهت سيدة من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي تهمة التحريض على العنف والحقد العرقي، لأنها دعت إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية بعد انكشاف فضائح العدوان الإسرائيلي على غزة.
ومثلت السيدة عليمة بومدين (من أصول جزائرية فيما يبدو) قبل عدة أيام (في 14/10) أمام المحكمة المختصة في ضاحية بوفتواز الباريسية لكي تقدم إفادتها وتدافع عن نفسها في «الجريمة» التي نسبت إليها. وهي ليست وحدها في ذلك؛ لأن 79 شخصا آخرين يواجهون التهمة ذاتها. أغلبهم من «الخضر» أنصار البيئة. بينهم وجه بارز من وجوه مقاومة النازية خلال الحرب العالمية الثانية والسفير السابق سيفيان هيسيل (92 عاما).
وهو بالمناسبة أحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية، وأحد الذين ساهموا في صياغة وثيقة حقوق الإنسان المعتمدة من قبل الأمم المتحدة في عام 1948،
وكان الرجل قد وقع في «المحظور» عندما نشر مقالات عقب الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية في الربيع الماضي، دعا فيه إلى مقاومة «الاستعمار الإسرائيلي».
ولم تشفع له شيخوخته ولا تاريخه، وإنما طلب بدوره للمثول أمام المحكمة لكي يحاكم بالتهمة ذاتها، حيث اعتبرت الدعوة إلى مواجهة الاستكبار والعربدة الإسرائيلية، من قبيل التحريض على العنف والحقد العرقي.هذه الملاحقة يتولاها مكتب أنشئ في عام 2002 باسم المكتب الوطني لمكافحة العداء للسامية، واختصاصه الأصلي الواضح في اسمه هو التصدي لكل أشكال الاعتداءات أو الممارسات المناهضة لليهود والإسرائيليين في باريس وضواحيها.
وسبق أن قدم شكاوى ضد ثلاثة أشخاص أحيلوا بدورهم إلى القضاء في بداية العام الحالي. وهناك ثلاثة آخرون سيقدمون إلى القضاء بنفس التهمة مطلع العام المقبل، في بلدة «بير بيتيان» جنوب فرنسا.حتى الآن من الواضح أن المكتب توسع كثيرا في مفهوم العداء للسامية، بحيث بات يشمل أي نقد للسياسة الإسرائيلية، وهي ذات التهمة التي تخرس بها "إسرائيل" كل الأصوات الناقدة لممارساتها في فلسطين.
واضح أيضا أن المكتب المذكور يتمتع بقدر عالٍ من القوة والجرأة، بحيث لم يتورع عن محاولة قمع شخصيات مهمة ومرموقة مثل نائبة مجلس الشيوخ السيدة بومدين والسفير السابق سيفيان هيسيل. الأمر الذي بات يثير أكثر من سؤال حول حرية الرأي والتعبير، والحدود الضيقة التي تصطدم بها حين يتعلق الأمر بالسياسة الإسرائيلية.شاءت المقادير أن تتزامن محاكمة السيدة بومدين في فرنسا مع واقعة الازدراء بالمسلمين وإهانة الدين الإسلامي التي عبر عنها مقدم برنامج قناة «فوكس نيوز» الأمريكية براين كيلميد. ذلك أن الرجل قال صراحة وعلامات القرف بادية على وجهه إن المسلمين إرهابيون،
ولعب بالكلمات قائلا إنه ليس كل المسلمين إرهابيين ولكن كل الإرهابيين مسلمون.
وحين أثار ذلك غضب المسلمين في الولايات المتحدة، فإن أحد مسئولي القناة قال إن المذيع كان يقصد الذين قتلوا الأمريكيين في 11/9، وإنه سيعتذر عما بدر منه بعد ذلك. وهو ما حدث، إذ ظهر الرجل لاحقا وقال إنه لا يعتقد أن كل الإرهابيين مسلمون، و«أنا آسف إذا كنت قد آذيت مشاعر أي أحد».

وانتهى الأمر عند هذا الحد. حيث واصل صاحبنا تقديم برامجه وكأن شيئا لم يكن. لا نقارن هنا فقط بين ما حدث في فرنسا وما حدث في الولايات المتحدة. ولكن المشهد يستدعي مقارنة أخرى داخل الولايات المتحدة ذاتها.

أعني بذلك مقارنة موقف "فوكس نيوز" من ازدراء وإهانة مليار مسلم، بقرار فصل هيلين توماس محررة البيت الأبيض الشهيرة، لمجرد أنها تلفظت بجملة أغضبت يهود أمريكا،
وما فعلته محطة سي.إن.إن التي فصلت واحدة من نجومها البارزين «أوكتافيا نصر» لمجرد أنها كتبت في مدونتها عدة أسطر في تقدير العلامة الشيعي الراحل السيد محمد حسين فضل الله.حصيلة المقارنة دالة بما فيه الكفاية وكاشفة عن الأوزان الحقيقية لكل طرف، التي لا علاقة لها بالأعداد أو الأحجام. وهي حصيلة تبعث على المرارة والخزي حقا، لكنها تشكل في الواقع جرس إنذار لكل من يهمه الأمر في العالم العربي والإسلامي.
لكن مشكلة الأخيرين إما أنهم غارقون في نوم عميق أو أنهم يرسلون فقط ولا يستقبلون.
.............................

لو مددت بصرك تحت السطح

صحيفة الشرق القطريه الأحد 16 ذوالقعدة 1431 – 24 أكتوبر 2010
لو مددت بصرك تحت السطح - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_24.html


يبدو أننا أمتن كثيرا من بريطانيا ونحن لا ندري، وإذا كان لديك شك في ذلك فحاول أن تطالع ما تنشره الصحف البريطانية عن قرارات الحكومة هناك، وقارنه بما تنشره صحفنا عن إنجازات حكومتنا الرشيدة،
وإذا فعلتها فسوف ينتابك الشعور بالأسف والقلق على حاضر بريطانيا ومستقبلها، في حين أنك سوف تسترخي وتطمئن بالا حين تقرأ في صحفنا وعلى ألسنة مسؤولينا أن كله تمام التمام، وأن مصر تجاوزت الأزمة العالمية، بفضل حكمة الرئيس وتوجيهاته السديدة بطبيعة الحال.
ستقرأ في الصحف البريطانية مثلا أن الملكة ألغت هذا العام احتفال عيد الميلاد الذي اعتادت أن تقيمه في قصر باكنجهام كل سنة، وطبقا لما ذكرته صحيفة «صن» في 15/10 فإن الملكة إليزابيث أرادت بذلك التعبير عن تضامنها مع الشعب البريطاني في تعامله مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها في الوقت الراهن،
ونقلت الصحيفة عن الناطق باسم قصر باكنجهام قوله إنه «بالنظر إلى المناخ الاقتصادي الحالي، من المناسب أن تتحلى الأسرة الحاكمة بضبط الإنفاق».
ستقرأ أيضا أن وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن أعلن عن خطة للتقشف «هي الأقسى منذ خمسين عاما» ستؤدي إلى خسارة نصف مليون موظف لوظائفهم خلال السنوات الأربع المقبلة، بمعدل موظف واحد من بين كل 12 شخصا، بعد تخفيض ميزانيات معظم الوزارات بمعدل 24 خلال تلك الفترة.
ستقرأ معلومات أخرى خطيرة خلاصتها أن سياسة التقشف وشد الحزام فرضت وضع إستراتيجية جديدة للأمن، ستؤدي إلى صرف 17 ألف جندي من الجيش وتسريح 25 ألف موظف من وزارة الدفاع خلال السنوات الخمس المقبلة،
ستقرأ أيضا أن التخفيضات ستسري على هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، التي أعلنت أنها ستتكفل من جانبها بدفع مصاريف الخدمة العالمية التي كانت تمولها وزارة الخارجية.
إذا حولت بصرك إلى مصر، وأنصت إلى تصريحات المسؤولين أو تابعت ما تبثه وتنشره وسائل الإعلام المختلفة فسوف تكتشف على الفور أنك خرجت من الساخن إلى البارد، حيث لا أثر ولا وجود لمشاعر التوتر والمفردات المعبرة عنها، من الأزمة إلى التقشف وشد الحزام، كأن مصر تحلق في كوكب آخر غير الذي تنتمي إليه بريطانيا،
ولأن العنوان العريض هو أن «كله تمام»، فإن سلوك الحكومة عبر عن الرضا والارتياح إلى الوضع القائم، وتنافست وسائل الإعلام المعبرة عنها في إبراز الإنجازات التي تحققت، من المنتجعات والمولات وملاعب جولف، إلى المشروعات العملاقة وإغراق البلد بأحدث السيارات وهواتف المحمول.
ولتأكيد هذه البحبوحة فإن الإنفاق ظل باذخا وبلا حدود على المهرجانات والحفلات والملتقيات التي تعقد في فنادق الخمس والسبع نجوم (رغم وجود عشرات القاعات المجانية الأخرى داخل مؤسسات الدولة).
ناهيك عن جولات الأكابر المكوكية الذين يطوفون مع الحاشية وعلى الطائرات الخاصة بعواصم العالم في مهام كثيرا ما يختلف ظاهرها عن باطنها.
في حين تتجمل الواجهات وتبدو على تلك الشاكلة فإنك لو مددت بصرك إلى ما تحت السطح ستفاجأ بشبح الأزمة كامنا ومخيفا، ستفاجأ مثلا بأن ثمة عجزا في الموازنة تجاوز تريليون (ألف مليار) ومائة مليار جنيه (كان العجز 20 مليار جنيه حين تولى الرئيس مبارك السلطة في عام 1981).
وستفاجأ بأن ثمة موارد في الميزانية تقدر بمليارات الجنيهات لا أحد يعرف أين تذهب. وستلاحظ أن خزينة الدولة مفتوحة على مصارعها لاعتمادات الأجهزة الأمنية (التي قلصوها في بريطانيا) والتلفزيون (الذي تخلت الخارجية البريطانية عن تمويله) ــ (إعادة بناء مجلس الشورى تكلفت مليار جنيه). ستفاجأ كذلك بأن أصول مصر تم بيعها، من مؤسسات القطاع العام إلى ثروتها العقارية التي تعرضت للنهب وليس البيع فقط.. إلخ.
الخلاصة أن ما تقع عليه عيناك تحت السطح لن يصيبك بالصدمة والدهشة فحسب ولكنه سيصيبك بالحيرة أيضا، لأنك لن تعرف بعد ذلك كيف أمكن لسفينة الوطن أن تستمر طافية فوق السطح. رغم الثقوب التي ترشحها للغرق في أي لحظة،
وحينئذ ستكتشف أننا لسنا أمتن من بريطانيا، ولكن الفرق بينهم وبيننا أنهم لا يترددون في إخبار الناس بالحقيقة لإشراكهم في حمل الهم، أما عندنا فإننا نتستر على الحقيقة ولا نكترث بالناس، وإنما نعتبرهم جزءا من الهم، وهو ما يستدعي السؤال التالي:
أيهما أجدر بالأسف والقلق على حاضره ومستقبله، المعلن في بريطانيا أم المسكوت عنه في مصر؟
.........................

23 أكتوبر، 2010

في مرحلة إطفاء الأنوار

صحيفة الشرق القطريه السبت 15 ذو القعدة 1431 – 23 أكتوبر 2010
في مرحلة إطفاء الأنوار - فهمي هويدي

لا نستطيع أن نفترض البراءة في إجراءات إغلاق القنوات الفضائية التي تتابعت في مصر خلال الأيام الأخيرة.
كما أننا لا نستطيع أن نصدق ادعاءات الغيرة على التعاليم الدينية والأخلاق العامة التي تذرع بها المسؤولون عن إصدار قرارات الإغلاق، لأن الكثير مما أخذ على تلك القنوات إذا اعتبر معيارا وأخذ على محمل الجد، فإن من شأنه أن يؤدي إلى إغلاق التلفزيون الرسمي الذي تشرف عليه الحكومة ويخضع لتوجيهات وزير الإعلام. ولولا الحياء لذكرت بعضا من المشاهد التي يبثها التلفزيون الحكومي والتي ترشحه للانضمام إلى قائمة القنوات المحظورة أو تلك التي وجهت إليها الإنذارات.

ولا أريد في هذا الصدد أن استشهد ببعض البرامج الهابطة التي قدمت في شهر رمضان، لكني أذكر أنه قبل أيام قليلة فتحت التلفزيون على القناة الثانية وشاهدت لقطة من فيلم ظهرت فيها ثلاث ممثلات كان موضوع الحوار بينهن هو أحضان الرجال وأهميتها بالنسبة للمتزوجة وغير المتزوجة.

لم يعد سرا أن هذه الغيرة المفاجئة على الأخلاق والتعاليم والسلام الاجتماعي أريد بها تغطية توجيه رسالة أخرى تدعو الجميع إلى الكف عن المشاغبة السياسية، وتقيد حركة الفضائيات في تغطية أحداث الشارع المصري، فضلا عن الانتخابات المقبلة، التي تعرف أن التزوير يشكل أحد أهم عناوينها.
ورغم أن الجميع تسلموا الرسالة. إلا أن ذلك لا يمنعنا من تسجيل ملاحظتين هما:

< الأولى أن قرارات الإغلاق جاءت تعبيرا عن هيمنة «عقلية المطرقة»، التي لا تعرف سوى البتر والقمع ولا تعطي مجالا لا لأعمال القانون ولا لإجراء الحوار. وهما الوسيلتان المتحضرتان للتصويب والمساءلة والمحاسبة. ومن الواضح أن كفة خيار القمع هي التي رجحت، وأن خيار التفاهم لم يكن مطروحا.

< الثانية أن الإجراء الذي كان مطلوبا قبل البتر تم بعده. ذلك أن الجهة التي طلب منها إصدار الإغلاق (هيئة الاستثمار) استدعت المسؤولين عن القنوات التي حظرت، خصوصا تلك المعنية بالشأن الديني، وطلبت منهم التوقيع على خمس نقاط هي:
أن تكون نسبة البرامج الدينية بحد أقصى 30٪ من المواد التي يتم بثها
ــ ألا يظهر في تلك البرامج إلا العلماء الذين يحملون شهادات إجازة في تخصصاتهم
ــ ممنوع الخوض في الشأن المسيحي
ــ ممنوع التعرض للمذهب الشيعي
ــ البرامج السياسية والنشرات الإخبارية محظورة.
وإلى جانب ذلك طلب من كل واحد منهم أن يقدم إلى هيئة الاستثمار بصفة منتظمة خريطة الدورة البرامجية وأسماء مقدمي البرامج للتثبت من التزام القنوات بما تم الاتفاق عليه.

وفي الوقت ذاته تم استدعاء بعض المسؤولين عن تلك القنوات إلى جهاز أمن الدولة، وطلب منهم استبعاد أسماء بذاتها من الظهور على شاشات التلفزيون، كما اقترحت عليهم أسماء معينة (مقبولة أمنيا) لكي تتولى تقديم البرامج أو المشاركة فيها.

إذا صحت هذه المعلومات التي استقيتها من مصادر موثوقة فهي تعني أن التفاهم المرجو لم يأت فقط بعد البتر ولكنه أيضا اتخذ صيغة الإذعان والإملاء. ورغم أن بعض النقاط التي طلب من مديري القنوات الالتزام بها تبدو منطقية ومعقولة، خصوصا تلك التي تعلقت بسد ذرائع الفتن الطائفية أو المذهبية، إلا أنه ليس مفهوما مثلا أن تكون لدينا قناة مخصصة بالكامل للرياضة في حين تطالب القنوات الدينية بألا تزيد برامجها الدينية على 30٪ فقط.

كما أنني أستغرب حظر التطرق إلى الشأن السياسي وبث الأخبار على تلك القنوات. وهو ما يفهم منه أن الجهات الرسمية تريد أن يكون بث تلك المواد حكرا على التلفزيون الرسمي وحده.
ثم إن استغلال جهاز أمن الدولة ذلك الظرف لحجب بعض المتحدثين والمشاركين وفرض آخرين من الموالين والمعدين سلفا، هذه الشواهد تدل في مجموعها على أننا بصدد خطوة تستهدف «تأميم» القنوات الخاصة، وإخضاعها لسقف ومواصفات التلفزيون الرسمي.
وإذا أضفت إلى ذلك مجموعة الإجراءات الأخرى المتعلقة بتقييد بث الرسائل على أجهزة المحمول وإحكام الرقابة على مكاتب الفضائيات العربية في مصر ومنع بعض البرامج الحوارية المسائية والانقضاض على جريدة الدستور، والضغوط المباشرة وغير المباشرة التي تتعرض لها صحف مستقلة أخرى، فستدرك أننا دخلنا إلى مرحلة إطفاء الأنوار وتجهيز المسرح لما لا يسر الخاطر أو يسمح بالتفاؤل
ــ ربنا يستر.
..........................

21 أكتوبر، 2010

زعيم حتى آخر نَفَس

صحيفة الشرق القطريه الخميس 13 ذوالقعدة 1431 – 21 أكتوبر 2010
زعيم حتى آخر نَفَس - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_21.html

عودة البروفيسور نجم الدين أربكان إلى رئاسة حزب السعادة التركي وهو في سنه الرابعة والثمانين تجسد مشكلة السياسي الذي لا يعرف متى يعتزل، فيتحول من نجم وقيادة مرموقة إلى كهل محاط بمشاعر العطف والرثاء بأكثر من مشاعر التقدير والاحترام.

والسيد أربكان، لمن لا يذكر، يعد رمزا مهما في تاريخ تركيا الحديث. باعتباره أول من جرؤ على تأسيس حزب سياسي له مرجعيته الإسلامية بعد نحو نصف قرن من إلغاء الخلافة العثمانية. كان ذلك في عام 1970 الذي أسس فيه حزب «النظام الوطني» لأن رياح العلمنة الشديدة التي ضربت تركيا منذ العشرينيات حظرت ذكر الإسلام أو الشريعة في المجال العام.

ولذلك فإن الرجل اختار اسم النظام الوطني لحزبه الوليد، وحين تم حله في العام التالي مباشرة شكل حزب «السلام الوطني». الذي حل بدوره فشكل الرجل العنيد في بداية الثمانينيات حزب «الرفاه».

وكان قد اشترك خلال السبعينيات في ثلاث حكومات ائتلافية، إلا أن حزبه الجديد حقق فوزا نسبيا في انتخابات عام 1995، مكنه من تولى منصب رئيس الوزراء في حكومة ائتلافية مع حزب «الطريق القويم». ولم يهنأ بالمنصب لأن العسكر أجبروه على الاستقالة بعد سنتين، وقررت المحكمة الدستورية حظر حزب الرفاه في نفس العام (1997).
لكن «الخوجة» لم ييأس فشكل بعد ذلك حزب «الفضيلة». الذي حل بدوره وحرم أربكان من العمل السياسي، فواصل أعوانه المهمة وشكلوا حزب «السعادة»، برئاسة الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي نعمان كورطولمش.
طوال السنوات الأربعين التي خلت لم تفتر عزيمة أربكان، وظل حاضرا في قيادة الحزب إما بشخصه أو بنفوذه. ولم يتخل عن ذلك الحضور حتى بعد أن تقدم به العمر وضعفت قدرته على التركيز. في الوقت ذاته فإن حوارييه ظلوا يحيطون به ويحتفظون بولائهم له، وأصبحت علاقته بهم أقرب إلى علاقة شيخ الطريقة بأتباعه، وهو ما لمسته في أكثر من مناسبة، آخرها أثناء شهر رمضان قبل سنتين. حين دعيت إلى الإفطار على مائدته، التي تصدرها بقامته المديدة وطلعته المهيبة. وكان حواريوه يصطفون على جانبي المائدة، ويستمعون إلى كلماته كأن على رءوسهم الطير.
استمر الرجل يتكلم لمدة ساعة تقريبا، لم يتناول خلالها شيئا، في حين استمعنا إليه ونحن نتناول طعام الإفطار، ولم يكن ذلك أكثر ما لفت انتباهي، لأن ما أدهشني حقا أنه ظل طوال تلك الساعة يحدثنا عن ذكرياته ولم يقل لنا شيئا مفيدا، ولم يتجاسر أحد من حوارييه على تنبيهه حتى إلى تناول طعام إفطاره.
في بداية العام الحالي قيل لي في اسطنبول إن السيد أربكان ليس سعيدا بأداء رئيس الحزب نعمان كورطولمش الذي زادت في عهده عضوية الحزب بنسبة 5%
واختار فريقا لمعاونته مستبعدا الذين رشحهم أربكان لهذه المهمة. الأمر الذي استشعر معه «الخوجة» أن نعمان خرج عن طوعه. وقيل وقتذاك إن «فاتح» الابن الأكبر للسيد أربكان يعتبر نفسه الوريث الطبيعي لأبيه في رئاسة الحزب. ولكن الأب خشى من اتساع نطاق التمرد إذا ترشح الابن، فقرر أن يرشح نفسه لاطمئنانه أن أحدا لن يستطيع منافسته في ذلك. وتم ترتيب الأمر، حيث أقصى نعمان كورطولمش وتم انتخاب أربكان رئيسا، بعدما جاء إلى مقر حزب السعادة محمولا على كرسي متحرك، وعرف بعد ذلك أن نعمان ومعه آخرون، اتجهوا إلى إنشاء حزب مستقل يمثل انشقاقا جديدا في حزب أربكان الأم.
في خطبته بعد انتخابه قال أربكان إن مصيدة الأعداء اختطفت أبناءنا، فانشق عنا توركوت أوزال (رئيس الجمهورية الأسبق)، كما انشق رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء الحالي). مضيفا أنه حان الوقت لكي يعرف الجميع الفرق بين الأصل والتقليد، إذ شتان بين الدمية والحقيقة.
ولا شك في أن خروج كورطولمش ومجموعته التي حاولت تجديد شباب الحزب يعد انشقاقا موجعا لحزب السعادة، سيسبب له خسارة فادحة في الانتخابات النيابية التي تجرى في العام المقبل، لأنه سيعاني الضعف الشديد جراء شيخوخة أربكان واستغراقه في ذاته وفي التاريخ، وانتهاء عمره الافتراضي كزعيم أدى دوره في مرحلة تجاوزتها الأحداث، لكنه لا يزال متعلقا بأهدابها،
وذلك جوهر الخطأ الذي وقع فيه أربكان، الذي حين اختزل الحزب في الزعيم، فإنه خسر الاثنين، إذ ضيع الحزب وما عاد قادرا على النهوض بمهام الزعامة.
....................

20 أكتوبر، 2010

كرامة البابا شنودة

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 12 ذوالقعدة 1431 – 20 أكتوبر 2010
كرامة البابا شنودة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_20.html


أعترض بشدة على الأوصاف غير اللائقة التي أطلقها بعض المتظاهرين على البابا شنودة الثالث، وظهرت على اللافتات التي حملوها في تعبيرهم عن الاحتجاج والغضب.
لا أتحدث عن موضوع الاحتجاج ولكنني أتحدث عن أسلوب التعبير عنه.

ولا أعرف كيف غاب عن أولئك المحتجين أن تجريح شخص البابا شنودة الذي يمثل الكنيسة الأرثوذوكسية في مصر وينعقد من حوله إجماع الأقباط، من شأنه أن يعمق الشقاق ويؤجج الفتنة ويضرب وحدة الوطن في مقتل. بل أذهب إلى أن ذلك التجريح لا يجوز أصلا بحق أي رمز من رموز الوطن، حتى إذا لم يكن يمثل فئة بذاتها، وإنما يمثل أي قيمة إيجابية نحرص عليها ونعتز بها.

وأزعم في هذا الصدد أن ذلك السلوك الغوغائي في الاعتراض هو نتاج ثقافة سادت في العقود الأخيرة. هبط فيها مستوى الحوار في الشأن العام، وانتكس أدب الخلاف، بحيث أصبح أي خلاف مهما صغر حجمه مبررا لاستخدام مختلف أسلحة الاغتيال المعنوي، والتراشق بالألفاظ التي تتجاوز حدود الأدب وتؤذى الشعور العام.
بكلام آخر، فإن تجريح شخص البابا شنودة يكشف عن إحدى عوراتنا ويفضح مدى التردي الذي بلغته ثقافة الاختلاف في زماننا.
إن من يطالع ما تنشره الصحف القومية المصرية عن القادة العرب الذين يتبنون مواقف مختلفة عن السياسة المصرية أو الذين ينتقدون هذه السياسة من قريب أو بعيد، لابد أن يدهشه مستوى التدني في التعبير والأوصاف التي ترد في كتابات بعض رؤساء تلك الصحف.
حتى إن إحداها نشرت صفحة كاملة هاجمت فيها زوجة رئيس إحدى الدول بسبب الخلاف السياسي الذي وقع آنذاك مع مصر.
ولا أحد ينسى كم الشتائم المقذعة والأوصاف الجارحة التي أطلقتها تلك الصحف بحق السيد حسن نصرالله في أعقاب ما أذيع عن ضبط خلية منسوبة إلى حزب الله في مصر. وما حدث مع «السيد» تكرر مع غيره من الرموز في العالم العربي والإسلامي،
ولولا أنني لا أريد أن أنكأ جراحا نسيت أو اندملت لأوردت مزيدا من الأمثلة في هذا الصدد، بعضها طال زعماء عربا صاروا أصدقاء لنا هذه الأيام.
لا تقف الصحف القومية وحيدة في هذا المضمار، لأن بعض البرامج الحوارية والتليفزيونية لها إسهامها الذي لا يستهان به في الترويج للسوقية والتدني في الحوار، الذي يتنافس فيه بعض الضيوف مع مقدمي البرامج، ومشهورة قصة الاشتباك المسف الذي أذاعته إحدى القنوات وتبادل فيه اثنان من الصحفيين المعروفين ألفاظا مقذعة واتهامات جارحة للذوق العام.
حين تكون تلك لغة «النخب» التي تطفو على سطح المجتمع، فإننا لا نستطيع أن نلوم العوام الذين يحذون حذوهم، ويضيفون إلى كلامهم بعضا من مفردات قاموسهم المختزن.
وإذ أردنا أن نكون صرحاء في التشخيص، فإننا لا نستطيع أن نبرئ المناخ الإعلامي والسياسي السائد، الذي وجه أو سمح بتجاوزات الأبواق الرسمية، وهو ذاته المناخ الذي انتقى تلك القيادات الإعلامية وفرضها على الرأي العام، ومن ثم تحولت إلى نخب ابتلى بها المجتمع.
إن لدينا جهات معنية برصد وتحليل ما يبثه الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع. من بينها المجلس الأعلى للصحافة، ومن الواضح أنها معنية بالشأن السياسي وبحماية النظام ولم نجد لها عناية مماثلة بأخلاقيات الحوار وعافية المجتمع. وكانت النتيجة أن أصبح الاختلاف سبيلا إلى اغتيال الطرف الآخر واستباحة عرضه وكرامته.
قبل أن نحاسب ونلاحق الذين أساءوا إلى شخص البابا شنودة، يجب أن يتعرف الناس على نموذج للأداء يقبل بالتعايش في ظل الاختلاف، ويحفظ للآخر كرامته في كل الأحوال، ويعتبر أن الموضوعية والمروءة تقاسان بمقدار شجاعة المرء في مقارعة الأفكار وليس في تطاوله على الأشخاص. ذلك أن كرام النفوس وحدهم القادرون على الأولى. في حين التطاول سمة ضعاف النفوس والدهماء.
إن المرارة التي نستشعرها ونحن نطالع تجريح رموز الوطن ينبغي ألا تنبهنا فقط إلى فساد ما ذقناه، ولكن أيضا إلى خبث ما زرعناه.
..............................

18 أكتوبر، 2010

تبادل الأراضي يمهد لتصفية القضية – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 11 ذوالقعدة 1431 – 19 أكتوبر 2010
تبادل الأراضي يمهد لتصفية القضية – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_7452.html


- الحكومة الإسرائيلية ماضية في مخططاتها الاستيطانية غير عابئة بكل المطالبات
- الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية يفتح الباب على مصراعيه لترحيل 1.3 مليون فلسطيني في الداخل

لأن الأصل في السياسة عدم البراءة، فينبغي أن نتعامل بقدر من الحذر مع زيارة وفد «الحكماء» لغزة هذا الأسبوع، وجولتهم المفترضة في بعض العواصم المعنية بالموضوع الفلسطيني.
- 1 –
هؤلاء الحكماء يعدون من الشخصيات المحترمة، ذات السمعة المقدرة عالمياً. وكان الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا قد جمعهم في عام 2007، لكي يشكلوا عقلاً منيراً يتعامل مع المشكلات الدولية.
والى جانب مانديلا ضم فريق الحكماء الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والسيدة ماري روبنسون رئيسة جمهورية أيرلندا السابقة والمفوض العام السابق لوكالة «غوث» اللاجئين والأخضر الإبراهيمي وزير خارجية الجزائر الأسبق والمناضلة الهندية الغاندية ايلا بلات. وكوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة وديزمونة توتو رئيس أساقفة جنوب أفريقيا وآخرين.
أثار انتباهي في تحرك هذه المجموعة المحترمة أنهم قدموا الى المنطقة في توقيت خيم فيه الإحباط على الجميع، وبدا واضحاً ان المفاوضات المباشرة لم تحقق شيئا للذين علقوا عليها شيئا من آمالهم، في حين أن الحكومة الإسرائيلية ماضية في مخططاتها الاستيطانية، غير عابئة بكل المطالبات التي دعتها الى الإيقاف ولو المؤقت
تلك المخططات لتهيئة الجو المناسب لمواصلة التفاوض مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. الذي يقف الآن عاجزاً عن التقدم وعاجزاً عن التراجع، وعاجزاً عن القبول بالشروط الإسرائيلية التي أمعنت في فضحه وإذلاله. حتى أصبحت تطالبه الآن بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، بما يؤدي الى طرد فلسطينيي 48، الذين لايزالون يعيشون داخل إسرائيل مقابل التجميد المؤقت للاستيطان.
وسط هذا الجمود المقترن بالإحباط وخيبة الأمل، حلق فريق الحكماء في أجواء المنطقة، وبدا وصولهم وكأنه طوق إنقاذ ألقي في مياهها الراكدة، لكي يحرك الجمود ويوهم بأنه لايزال هناك أمل في استمرار مسيرة «السلام».
لا أريد أن أقطع بذلك، ولا أريد أن أسيء الظن بالفريق القادم، لكنني فقد أزعم ان توقيت وصول أعضائه يحرك الشكوك، التي لا تلغي المصادفة أو تنفيها.
الى جانب توقيت الزيارة، أثار انتباهي واستوقفني حوار أجرته جريدة «الحياة» اللندنية (في 15/10) مع السيد الأخضر الإبراهيمي، العضو العربي الوحيد في المجموعة. ومما قاله إن مجموعة الحكماء ستزور غزة والأردن ومصر وسورية وإسرائيل، وهناك مسعى لترتيب زيارة لهم للقاء المسؤولين في السعودية.
الأهم من ذلك قوله إن أعضاء الوفد يسعون الى رفع الحصار عن غزة، ويؤيدون فكرة إقامة الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، على ان تكون القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، التي تقام على حدود عام 67، مع تبادل الأراضي بالتساوي.
- 2 –
وخزتني الكلمات الثلاث الأخيرة، التي رددت فكرة تسربت في ثنايا أحاديث بعض المسؤولين الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً، حتى كادت تصبح أحد معالم الحل المقترح.
وبعد تسريبها بدأ الإسرائيليون يروجون أيضا لفكرة تبادل السكان. ذلك أن الذي يوافق على تبادل الأراضي، التي هي الموضوع الحقيقي للصراع، يسهل عليه تبادل السكان بعد ذلك.
ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتحدث صراحة عن تبادل السكان، فإن دعوته الى الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية تفتح الباب على مصراعيه لترحيل 1.3 مليون فلسطيني في داخل إسرائيل الى ما وراء حدود الدولة الفلسطينية المقترحة.
وقد تكفل السيد ليبرمان وزير خارجية إسرائيل بإسقاط القناع والتصريح علناً بأن بلاده، وهي تدعو الى يهودية الدولة فإنها تتطلع الى نقل ذلك العدد من الفلسطينيين الى الدولة الفلسطينية، مقابل احتفاظ الدولة العبرية بمستوطنات الضفة الغربية، بدلاً من السعي لحل يقوم على أساس الأرض مقابل السلام.
حتى الآن فإن السيد أبومازن يعارض فكرتي يهودية الدولة وتبادل السكان، لكنه يسكت على فكرة تبادل الأراضي، التي صرح أكثر من مرة بأنه لا يعترض عليها، محتجاً بأن الفلسطينيين سيقيمون دولتهم على مساحة تعادل بالضبط تلك التي تم احتلالها في عام 1967.
إذا كان رئيس السلطة الفلسطينية قد وافق على تبادل الأراضي، فليس مستغربا ان يجيء أولئك الحكماء، وقد تبنوا نفس الفكرة، معتبرين أنها إحدى ركائز الحل المقبول فلسطينياً وعربياً لتحقيق السلام في المنطقة.
وتلك خطوة خطرة الى الوراء تمثل تفريطاً في الثوابت الفلسطينية ينضاف الى التراجع الذي عبرت عنه قيادة السلطة وتبعتها بعض الدول العربية فيما خص التنازل حق عودة اللاجئين الى ديارهم التي طردوا منها.
- 3 -
تبادل الأراضي الذي يمهد عمليا لتبادل السكان ليس طلباً تفاوضياً بريئا، كما تبدو صيغته المعلنة، ذلك أن إسرائيل تريد أساسا نقض القانون الدولي، الذي يعتبر الضفة وغزة أرضا فلسطينية محتلة.
كما تريد أن تنقض القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية القاضي بأن تلك الأراضي الفلسطينية محتلة يقينا ويجب الانسحاب منها، كما أن جدار الفصل العنصري مخالف للقانون ويجب إزالته وتعويض الأضرار عنه.
هكذا، بضربة واحدة تريد إسرائيل نسف تلك القواعد القانونية الثابتة، وتحويل الجدار الى حد أقصى لدولة فلسطينية ناقصة السيادة، وهو الأمر الذي نجحت فيه جزئيا مع مصر في معاهدة السلام عام 1979، حيث قبلت بالانسحاب عسكرياً بالكامل من سيناء، ولكنها أبقت السيادة عليها منقوصة بدرجات متفاوتة في 3 قطاعات، حسب قربها من الحدود الإسرائيلية،
واذا ما استقر الأمر لإسرائيل على هذا الأساس، وقبل به الجانب الفلسطيني، فإن الخطوة التالية مباشرة والحاصلة الآن هي تفتيت قضية فلسطين الى عناوين منفصلة مثل الحدود والمياه والاستيطان واللاجئين وغيرها اعتماداً على مبدأ تساوي حقوق فلسطين وإسرائيل في الضفة. بحيث لا يبقى غير المساومة على توزيع تلك الحقوق حسب ميزان القوى لكل منها. وهو ما يفسر الضجة، التي أثارها موضوع تبادل الأراضي حين نشرت صحيفة هاآرتس (في 2009/12/17) خريطة التبادل، التي عرضت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وسمح له برؤيتها، وإن حرم من الحصول على نسخة منها ما لم يوقع عليها بالموافقة.
إن إسرائيل تريد تبادل أراضٍ احتلتها في عام 1948 بأراضٍ أخرى احتلتها في عام 1967، وهي لا تملك لا هذه ولا تلك، وهي تعتقد أنها بهذا الأسلوب تعطي الشرعية لضم الأراضي التي احتلتها اذا ما أسقط مالك الأرض حقه فيها وأهداها اليها، وذلك غير صحيح لأن الحيازة أو السيادة على الأرض لا تعني ملكيتها، حيث تبقى الملكية حقا لصاحبها مهما طال الزمن أو تغيرت السيادة.
لذلك فإن إسرائيل لا تملك الحق القانوني في عملية تبادل الأراضي، إلا اذا اعترف صاحب الأرض بأنه حول ملكيتها لإسرائيل، وهذا ما لا يجرؤ عليه أي فلسطيني مهما كانت درجة خضوعه أو استسلامه أو حتى تآمره.
إن خطة التبادل تصادر الأملاك الفلسطينية المحصورة بين جدار الفصل العنصري وخط الهدنة لعام 1949 بما فيها القدس الشرقية. أي أنه يعتبر حدود إسرائيل الجديدة هي مسار جدار الفصل العنصري، وهذا يعني ضم 319.830 دونماً من الضفة الى إسرائيل (الدونم الف متر مربع)، الى جانب ضم 68.720 دونماً الى القدس العربية كان قد صدر به قانون إسرائيلي في عام 1967، بما مجموعه 438.550 دونماً.
إسرائيل لها سوابق في ممارسة الخداع من خلال تبادل الأراضي. ذلك ان اتفاقية الهدنة مع الأردن وقعت في عام 1949، نصت على حق الأردن في استبدال الأراضي المتنازل عنها لإسرائيل بأراضٍ أخرى في الفاطور (قضاء بيسان) وفي قضاء الخليل.. مع تكفل إسرائيل بدفع تكاليف طريق جديدة بين قلقيلية وطولكرم، لكي تعيد الاتصال بينها.
ولم يحدث شيء من ذلك بطبيعة الحال، فلم تدفع تكاليف الطريق ولا استبعدت أراضي الفاطور، ولا اكتسبت أراضي في قضاء الخليل، وكانت المسألة كلها مسرحية وهمية انتهت بضم إسرائيل لأراضي الفاطور، التي كانت عربية عام 1949، وأصبحت جزءاً من إسرائيل.
- 4 –
ماذا تقدم إسرائيل في خدعة تبادل الأراضي؟
للدكتور سلمان أبوستة منسق مؤتمر حق العودة ورئيس هيئة أراضي فلسطين دراسة حول الموضوع ذكر فيها ان إسرائيل تعرض توسيعا لمساحة الضفة في قضاء الخليل بمساحة 190 ألف دونم، في أراضٍ كانت ولاتزال وستبقى جرداء، ولا توجد فيها سوى قرية عربية غير معترف بها إسرائيلياً (أم الحيران). وليس فيها ماء ولا كشاطئ البحر الميت. وهو ما يعني عملياً ان إسرائيل لم تخسر شيئاً، وكسبت التخلص من قرية عربية.
أما في الجهة الغربية من قضاء الخليل فتعرض إسرائيل توسعاً في القضاء بمساحة 13 ألف دونم في أرض جرداء أيضا، بحيث لا تتأثر أي من المستعمرات اليهودية في المنطقة هناك.
أما غزة فلها قصة لا تقل عن نكبة الضفة الغربية. ذلك ان خط الهدنة الحقيقي، الذي وقعت عليه مصر في عام 1949 يعطي قطاع غزة مساحة 555 كيلومترا مربعا، بزيادة 200 كم، عن المساحة الحالية،
ولكن اتفاقاً سرياً وقع مع الحكومة المصرية في عام 1950 تم بموجبه زحزحة خط الهدنة الى الداخل في مكانه الحالي بدعوى الحفاظ على الأمن ومنع المتسللين، وكان المقصود به منع الفلسطينيين من العودة الى ديارهم خلف خط الهدنة،

والآن يأتي مشروع التبادل ليقضي بتوسيع قطاع غزة بمقدار 64.5 كم2 من أصل 200 كيلومتر سبق الاستيلاء عليها بالخداع والمفاوضات السرية التي لم يعلم بها الشعب الفلسطيني.
وكما حدث في قضاء الخليل، فإن توسيع قطاع غزة لا يعني إزالة أي مستعمرة، وإنما يبقي كل المستعمرات التي بنيت على الأرض المسروقة في عام 1950 في مكانها.
وهذا هو أسلوب إسرائيل التقليدي، الذي بمقتضاه تستولي بالقوة او بالابتزاز على الأراضي، ثم تعرض على صاحبها إعادة جزء صغير منها مقابل اسقاط حقه الكامل فيها.
- 5 –
خطة تبادل الأراضي لم تعد سراً. فقد بات معلوما انها وضعت في سنة 2008، نشرتها الرسالة الدورية لمؤسسة الشرق للسلام (FMEP). وكانت جزءا من مبادرة يوسي بيلين وياسر عبد ربه التي تمت في جنيف.
وتبناها بعد ذلك الجنرال جيورا ايلاند في معهد واشنطن، وهو الذي كان رئيسا لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي في الفترة بين عامي 2004 و2006،
وقد اعتبرت حجر الأساس في مشروع متكامل للسلام يقوم على تحديد الحدود على اساس التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية، مقابل تراجع رمزي في الخليل وقطاع غزة.
كما يقضي بعودة رمزية للاجئين مع توطين الآخرين في البلاد العربية.
أما القدس فتتوزع حسب الأحياء ولكن السيادة تبقى لإسرائيل.
وفيما يخص دولة فلسطين، فلا هي دولة ولا هي فلسطين. فهي منزوعة السلاح ومنقوصة السيادة، ولا سيطرة لها على الحدود وغور الأردن، ولا على القضاء فوق الأرض او تحتها. ولإسرائيل الحق في إنشاء وادارة محطات للإنذار فوق أراضيها.
باختصار فإن فكرة تبادل الاراضي تعد خطوة على طريق تصفية القضية وإغلاق ملفها. ولا اعرف بأي منطق قبل بها «الحكماء» وتبنوها.
لذلك فينبغي أن نعذر إذا شككنا في توقيت تسويق الفكرة في ظروف الإحباط الراهنة.
................................

آخر الكلام في أخرق العام

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 10 ذوالقعدة 1431 – 18 أكتوبر 2010
آخر الكلام في أخرق العام - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_18.html


لا أعرف كيف أغلق باب الجدل حول ترشيحات أخرق العام في مصر، التي تحدثت عنها في عامود الخميس الماضي 14/10.
ذلك أن غاية ما أملكه أن أناشد القراء الذين أمطروني برسائلهم وترشيحاتهم أن يقلبوا صفحة الموضوع إلى غيره من الملفات الأكثر أهمية في حياتنا.
ولست أخفي أن الأصداء التي تلقيتها أدهشتني من زاويتين،
الأولى أنني وجدت أن ثمة إجماعا على أن كل واحد من النماذج الثلاثة التي أشرت إليها جدير حقا بالفوز بلقب «الأخرق»، وأن حظوظ الثلاثة تكاد تكون متساوية في ذلك، حتى أن أحد القراء سألني: هل لابد أن نختار واحدا فقط، ولماذا لا يكون هناك أخرق أول وثان وثالث؟!
من ناحية ثانية لاحظت أن عددا غير قليل من الرسائل أضاف أصحابها ترشيحات أخرى غير الذي ذكرت، الأمر الذي جاء كاشفا عن أن لدينا وفرة من تلك النماذج، وأن صفة الأخرق تنطبق على كثيرين من العائمين على سطح الحياة العامة في مصر.
وهؤلاء العائمون لا اعتبرهم شخصيات عامة، ولكن الأدق أنها شخصيات جرى «تعميمها»، بمعنى أنها لم تتقدم الصفوف بجهد بذلته أو مواهب تمتع بها أصحابها، ولكن أكثرهم فرض على الناس فرضا، إما بسلطة الإدارة أو بقوة الإعلام الموجه أو بقوة المال الذي بات يلعب دورا مهما في المجال العام والحياة السياسية خصوصا في مصر.
إذا سألتني لماذا أطلب إغلاق الملف، فردي المباشر هو أن أغلب الأصداء التي تلقيتها مما يتعذر نشره أو التعقيب عليه. ذلك أنني حرصت على ذكر حالات وصفات ولم أذكر أسماء، ولكن كثيرين تورطوا في ذكر الأسماء، وهو ما لم أرحب به، رغم اقتناعي بجدارة بعضهم بالانضمام إلى قائمة المرشحين للفوز باللقب.

على صعيد آخر فإنني لا أريد أن نستدرج إلى متاهة لا أحد يعلم آخرها، خصوصا أنني علمت أن الكلام الذي ننشره يخضع للفحص والتحليل والتأويل، وكثيرا ما لا يؤخذ بظاهره، ولكن تفترض فيه سوء النية، وأن هذه التحليلات تنقل إلى جهات عدة، وعلى ضوئها تتخذ بعض المواقف والقرارات.
وإذا كنت قد قلت ما عندي في ترشيح الأخرق المنتظر، وحرصت على أن تكون النماذج التي عرضتها في دائرة معينة، فإنني لا أريد أن أتحمل مسؤولية ترشيحات آخرين، سواء كانوا خبثاء أو صرحاء بأكثر مما ينبغى.
بعض القراء سألوني:
لماذا لا تعمم الفكرة وتختار أخرق العرب، بدلا من الاكتفاء بالأخرق في مصر؟
وردي على السؤال أن الخرق ليس مقصورا على مصر بطبيعة الحال، لكنه منتشر أيضا في العالم العربي. وأفضل أن يقوم أهل كل بلد بما عليهم في هذا الصدد. ثم إنني لست مستعدا للخوض في الأمور السياسية إلى هذا المدى. وهو محظور انتبهت إليه من فحوى الرسائل التي طرحت الفكرة ورشحت أسماء لا يختلف عليها عربيا.
وقد أدهشني أن تلك الرسائل اتفقت على ترشيح اسمين أحدهما في المغرب والثاني في المشرق. وقد أورد بعض القراء قائمة بالحيثيات التي استندوا إليها في ترشيحهم، ولا أخفي أنني وجدتها وجيهة ومقنعة للغاية، وأنه لو أن هناك معايير موضوعية ونزيهة لاختيار أخرق العرب لفاز أحدهما باللقب عن جدارة مستحقة.
رغم ذلك فلست مستعدا لفتح ذلك الباب، لأن النتائج مما لا تحمد عقباه ـ ولست في ذلك قلقا من الثمن الذي يمكن أن يدفع لقاء المغامرة. لأن التجربة علمتني أن المرء في بلادنا لا يستطيع أن ينحاز إلى موقف مستقل أو نزيه، ناهيك عن أن يكون معارضا، دون أن يدفع ثمنا لقاء ذلك وهو ما حدث معي ومع غيري.
لكنني وجدت أن القضية ذاتها لا تستحق أن يدفع فيها ثمن، خصوصا أننا نتحدث عن مسألة رمزية، تبدو عابثة في ظاهرها،
لكنها تسلط الضوء على بعض أوجه الواقع المحزن في بلادنا.
إن شئت فقل إنها من قبيل الهزل المر أو سخرية الجريح.
لكل ذلك أرجو أن تكون هذه الملاحظات هي آخر الكلام في مسألة أخرق العام، حتى إشعار آخر على الأقل.
..............................

16 أكتوبر، 2010

حلم النظافة للجميع

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 9 ذو القعدة 1431 – 17 اكتوبر 2010
حلم النظافة للجميع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_2484.html

لو أن أحدا من الفقهاء المعنيين بعلامات الساعة ظهر بيننا لاعتبر مشكلة النظافة في مصر من علامات الساعة الصغرى.
ذلك أن أولئك العلماء اعتبروا أن تغيير النواميس وانقلاب الأحوال من مقدمات اقتراب يوم القيامة، فقولهم إن من تلك العلامات أن "تلد الأَمَة ربَّتها" لا يختلف في دلالته ومغزاه عن قولنا إن "أم الدنيا" عجزت عن حل مشكلة القمامة في عاصمتها.

لقد تعرضت للمشكلة في مرة سابقة، وما دعاني للعودة للموضوع اليوم أنني طالعت في 12/10 خبرا منشورا بجريدة "الأهرام" تحت عنوان يمتد على خمسة أعمدة يقول:
"بأمر المحافظ: مسئولو الجيزة ينقلون مكاتبهم للشوارع للقضاء على القمامة".

وجاء في الخبر أن محافظ الجيزة أصدر تعليماته إلى المسئولين في المحافظة ورؤساء أحيائها بضرورة التواجد في مواقع العمل، ونقل مكاتبهم إلى الشوارع لمراقبة أعمال النظافة فيها، وقد "أكد" أنه سيتابع النظافة بنفسه، وسيقوم بجولات مفاجئة لهذا الغرض.

وإلى جانب الخبر، نشرت صورة ملونة أكدت مضمونه، ظهر فيها بعض مسئولي المحافظة واقفين في قلب أحد الشوارع، وإلى جوارهم عدد من عمال النظافة بثيابهم الخضراء، وهم يؤدون أعمالهم.

استغربت التقرير لأول وهلة، واعتبرته من عجائب العصر، أن تصبح العناية بنظافة الشوارع خبرا ينشر على خمسة أعمدة في صحيفة قومية كبرى، وكأنها تزف إلى سكان أم الدنيا "بشرى" انتظروها طويلا.
لم أصدق حكاية نقل مكاتب مسئولي المحافظة ورؤساء الأحياء إلى الشوارع لاستحالتها من الناحية العملية. واعتبرت أن المسئولين الذين رأيناهم خرجوا إلى الشارع لالتقاط الصورة لا أكثر. ولست متأكدا من أن المحرر الذي نشر الخبر سيجدهم في أي شارع إذا ذهب في اليوم التالي للنشر.

كما أنني لست واثقا من أن المحافظ سيترك أعماله، وسيتفرغ لمتابعة أخبار إزالة القمامة من شوارع المحافظة،

وإذا فعلها، فإن ذلك سيعد من علامات سوء التقدير، حيث يفترض أن في المحافظة جهازا كاملا يقوم بالمهمة. وبالمناسبة، فإن الكلام عن زياراته "المفاجئة" فيه من الهزل أكثر مما فيه من الجد، لأن الذي يريد أن "يفاجئ" لا يعلن عن ذلك مسبقا في الصحف السيارة!

الخلاصة أن نشر الخبر والصورة بدا تجسيدا لممارسات البيروقراطية المصرية، التي باتت تعتبر الحضور في وسائل الإعلام بديلا عن الحضور على أرض الواقع.
وليس في ذلك ادعاء أو افتراء، لأننا رأينا قبل ثلاثة أشهر صورا مماثلة لحملة نظافة في المحافظة ذاتها، قيل إنها مبادرة من إحدى الجمعيات الأهلية، واكتفى أصحابها بالظهور في الصور وعلى شاشات التليفزيون، وهم يحملون المكانس وأدوات النظافة، في لقطة واحدة لم تتكرر، وبها انتهت المهمة وتحقق المراد.

الحاصل في الجيزة له نظيره في القاهرة، بمعنى أن الكارثة واحدة، حيث لم تحل بعد في العاصمة مشكلة القمامة المستعصية منذ عام تقريبا، ولأني من سكان مصر الجديدة، فلعلي أقول إن المنطقة الوحيدة التي تخلو من القمامة هي تلك التي يقع فيها بيت الريس وقصر العروبة. وفيما عدا ذلك فأكوامها موزعة على مختلف أنحاء الحي، على نحو يعلن على الملأ أن أجهزة الإدارة المحلية فشلت في أداء هذه المهمة التي هي من بديهيات مسئولياتها، علما بأننا ندفع شهريا رسوما للنظافة (كان ينبغي أن ترد للناس بعد الفشل، وأن يحاسب مسئولو الحي عن الأوجه الحقيقية لإنفاقها).

يحير المرء هذا العجز عن حل المشكلة التي يبدو أنها بصدد التحول إلى عاهة ووصمة في جبين مصر، في حين إنها مسألة تجاوزتها أي دولة تنتمي إلى العصر، ناهيك عن أن لها حلولها الحاسمة والاقتصادية التي مل الخبراء من التذكير بها.

ويبدو أن ما ينقصنا هو الجدية في التعامل مع المشكلة، الجدية في اتخاذ القرار وفي محاسبة المسئولين عن التراخي في تنفيذه.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن ما أصاب النظام من ترهل وشيخوخة استشرى في جسم أجهزة الإدارة الحكومية. إذ لم تعد عاجزة عن أن تلبي احتياجات الناس فحسب، ولكن العجز أفقدها القدرة على القيام بواجبات بسيطة للغاية، مثل الحفاظ على نظافة الشوارع ورفع القمامة منها.

ثمة لافتات في العاصمة احتفت بمضى 20 عاما على حملة القراءة للجميع، فهل لنا أن نحلم بأن نرى حملة أكثر تواضعا ترفع شعار "النظافة للجميع"، هذا إذا تأبى البعض أو استاءوا من شعار النظافة من الإيمان؟!
.....................

إنها العين الحمراء يا سادة

صحيفة الشرق القطريه السبت 8 ذو القعدة 1431 – 16 أكتوبر 2010
إنها العين الحمراء يا سادة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_16.html


فى الأسبوع الماضي قررت مصر وقف بث خمس قنوات فضائية، ووجهت إنذارا إلى قناتين أخريين، بحجة مخالفتها لشروط التراخيص الممنوحة لها. وفي تفسير ذلك ذكرت بعض الصحف أن تلك القنوات شاركت في التحريض على العنف، وإثارة الجماهير ونشر أخبار غير صحيحة.

نشر خبر الإيقاف يوم الأربعاء 13 أكتوبر الحالي، وفي اليوم التالي مباشرة صدرت تعليمات إلى مكاتب 9 قنوات تلفزيونية أخرى تقدم خدمات البث المباشر في القاهرة بضرورة توفيق أوضاعها طبقا للقواعد المنصوص عليها لتجديد التراخيص. واشترطت تلك القواعد ضرورة موافقة اتحاد الإذاعة والتلفزيون على تحريك وحدات البث المباشر. كما اشترطت نقل تلك الوحدات إلى مكاتب دائمة بمدينة الإنتاج الإعلامي التابعة لوزارة الإعلام.

في الأسبوع ذاته، صدر قرار حكومي آخر بإخضاع عملية بث الرسائل الإخبارية عبر الهواتف الجوالة لتنظيم جديد، يقضي بضرورة الحصول على تصريح من الجهات المختصة قبل ممارسة تلك الأنشطة، وهذه الجهات تختلف باختلاف طبيعة الخدمة المقدمة.
وإن كان من الواضح أن الجهات الأمنية هي المرجع الأساسي في إصدار تلك التصاريح. والتفسير الرسمي الذي قيل في تبرير هذه الإجراء هو أنه اتخذ لمنع إثارة البلبلة في المجتمع، بما يعني إخضاع تلك الرسائل للرقابة المسبقة.

هذه الإجراءات اتخذت في أعقاب خطوات أخرى تمثلت في منع بث برنامج القاهرة اليوم الذي كان يقدمه الإعلامي عمرو أديب على قناة أوروبيت.
ومنع الناقد الرياضي علاء صادق من تقديم برنامجه اليومي على شاشة التلفزيون الرسمي، لأنه انتقد وزير الداخلية على الهواء.
ومنع زميلنا إبراهيم عيسى من تقديم برنامجه على قناة أو. تى. في. ثم تمت إقالته من منصبه كرئيس لتحرير صحيفة الدستور، والانقضاض على الصحيفة لتغيير سياستها وطاقم العاملين فيها.

ما أعلن من إجراءات ليس كل شيء. لأن هناك رسائل أخرى لم تعلن مضت في ذات الاتجاه. بعضها طلب من بعض الصحف القومية والخاصة وقف استكتاب أناس معينين، وبعضها استخدم الترهيب الاقتصادي في الضغط على أصحاب الصحف الخاصة، من خلال افتعال المشكلات التي تؤدي إلى إيقاف أنشطتهم الأخرى أو الإيعاز للبنوك للحد من تعاملها معهم. هذا غير الرسائل الشفوية التي تنقل عبر الوسطاء تتضمن إيحاءات مسكونة بالتحذير والتهديد.

حين تتلاحق تلك التصرفات خلال الأشهر الأخيرة. فإننا لا نستطيع أن نقول إنها مجرد مصادفات. وبالتالي لا يستطيع المرء أن يقاوم الربط بينها، خصوصا أن موضوعها واحد ولا يخرج عن نطاق الإعلام، كما أن اتجاهها واحد أيضا، من حيث إنها تصب في مجرى التضييق والرقابة وتقييد حرية تداول المعلومات.

بعض زملائنا الذين علقوا على تتابع الأحداث حذرونا من أمرين، منهم من دعانا إلى عدم الربط بينها بحجة عدم الاستسلام لنظرية المؤامرة. ومنهم من طالب بعدم تسييس الوقائع، والنظر إليها باعتبارها أحداثا منفصلة كل منها له دلالته الخاصة، التي ليس للسلطة علاقة ضرورية بها.

لا نستطيع أن نفصل الحاصل الآن عن الدعوة المبكرة إلى إحكام الرقابة على البث التلفزيوني، من خلال وثيقة تنظيم البث الفضائي التي فشلت مصر في تسويقها من خلال الجامعة العربية قبل سنتين.. وهي خلفية كاشفة عن النية المبيتة مبكرا لتكميم وسائل الإعلام وحصارها.
بالتالي فلست أرى وجها سواء لتجاهل تلك الخلفية، أو لاستبعاد الربط بين الوقائع السابقة بعضها البعض، أو بينها جميعا وبين الانتخابات النيابية الراهنة أو الرئاسية المقبلة. وأزعم أن ذلك التجاهل هو من قبيل الاستهبال أو الاستعباط.
إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن تلك الإجراءات تخدم هدفا واحدا هو إعداد المسرح للتعتيم على ممارسات «النزاهة» المفترضة في الانتخابات القادمة، خصوصا بعدما قرر الإخوان المشاركة فيها، وأعلنوا أنهم سيخوضون حتى آخر رمق معركة الحيلولة دون تزويرها.
الأمر الذي يفسر مثلا لماذا كان ينبغي من الآن أن يوضع البث التلفزيوني المباشر تحت الرقابة الشديدة،
ولماذا اتخذت إجراءات إطفاء الأنوار، وإسكات الأصوات، وإظهار العين الحمراء،
ولماذا هذه الأيام يُضرب المربوط لكي يخاف السائب.
..........................

14 أكتوبر، 2010

أخرق العام في مصر؟

صحيفة الشرق القطريه الخميس 6 ذو القعدة 1431 – 14 أكتوبر 2010
أخرق العام في مصر؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_14.html
من يكون أخرق العام في مصر؟
فعلوها في الولايات المتحدة الأمريكية، حين اختارت «جمعية الشرق الأوسط الفكاهية» رجلا اسمه دان فينيللي عضو الكونجرس عن ولاية فلوريدا لكي يكون أخرق العام هناك، بعدما وجدوا أن سجله حافل بالمواقف الموغلة في التطرف التي عبر فيها عن عدائه للعرب والمسلمين الأمريكيين.
حين قرأت الخبر وجدت أننا نستطيع أن نعيد طرح السؤال بشكل جاد في مصر، شجعني على ذلك أمران،
أولهما أن في حياتنا خصوصا هذه الأيام أكثر من نموذج مناسب للغاية يمكن أن نختار من بينهم أخرق العام.
الأمر الثاني أن ترشيحات النماذج السيئة هي الوحيدة التي تستطيع أن تطمئن إلى أن أهل السلطة لن يتنافسوا على الاستئثار بها، وبالتالي فإن عملية الاختيار فيها يمكن أن تتم بقدر عال من النزاهة.
قبل التفكير في ترشيح من يفوز باللقب يتعين أن نتفق أولا على تعريف الشخص الأخرق.
وقد رجعت في ذلك إلى ما توفر لدي من معاجم وإلى بعض أهل الذكر من بين أعضاء مجمع اللغة العربية، وخلاصة ما خرجت به أن الأخرق شخص اتسمت تصرفاته بفساد الرأي وقلة العقل وغياب الرشد، الأمر الذي يجعله عاجزا عن تقدير نتائج فعله.
والأخرق غير الأحمق، والخلاف بينهما في الدرجة وليس في النوع، بمعنى أن الاثنين يشتركان في المواصفات التي ذكرتها، ولكن الأخرق يمثل حالة قصوى في التعبير عنها.
في ذهني ثلاث حالات ترشح كل واحد منها صاحبها لحمل اللقب في مصر،
حالة الرجل الوقور والمحترم الذي يحاط بهالة من التقدير والإجماع، وينتظره مستقبل واعد في مسيرته، لكنه يخرج على الملأ فجأة بما يستفز الخلق ويفجر مشاعر الغضب ويشعل نار الفتنة، فيهدم صورته ويفقد اعتباره ويفض الناس من حوله، ومن ثم يضع بنفسه ولنفسه عقبة كأداة تحول دون المستقبل الواعد الذي ينتظره.
النموذج الثاني لرجل يلمع نجمه في مجاله، فيزداد ثراء ونفوذا، ويغريه ذلك بأن يتطلع للانتشار في مجال آخر يثبت فيه حضوره ويوسع نفوذه، فيصادف نجاحا ساعدته عليه إمكاناته المالية الوفيرة، ثم يشجعه ذلك النجاح على أن يتمدد أكثر لتحقيق مزيد من الحضور واللمعان، وتنفتح شهيته لبلوغ ما يشتهيه من مآرب أخرى، ويظل طوال الوقت محافظا على سمت يرفع أسهمه ويعزز من رصيده كنجم صاعد وواعد،
لكنه وهو يسبح في الأضواء ويركض على درج الصعود يتعثر فجأة في مطب من فعل يده، فإذا به يحرق الصورة التي بناها، ويطل على الملأ بوجه آخر على النقيض تماما مما تفنن في رسمه وأنفق الملايين لأجل تجميله.
وثالث المرشحين لتبوء مقعد أخرق العام هو الذي أراد أن يكحلها ويحتفي بها، ففضحها وأعماها، كما يقول المثل العامي، هو أحد المهرجين في السيرك، الذي لقلة حيلته لم يشغله ما يقدمه للجمهور يوما ما، لكنه وجد أمانه في نذر نفسه لخدمة صاحب المحل.
وحين زار السيرك ذات مرة واحد من أكابر القوم ساحبا وراءه الأضواء الآتية من كل صوب. فإن صاحبنا عز عليه ذلك، وظن أن ولاءه لسيده يفرض عليه أن يلوي الأضواء ليجعلها مسلطة على صاحب السيرك دون غيره. ففعلها بما اعتبر فضيحة تحدثت بها الركبان، وإمعانا في الخرق فإنه اعتبر الكارثة ذروة إبداعه وإنجاز حياته الأكبر!
تحضرني نماذج أخرى مؤهلة للفوز باللقب، ولست أشك أن غيري لديه مثل ما عندي وربما أجدر. وإن كنت غير مطمئن إلى إمكانية اقتباس الفكرة في مصر، لظني أن أجهزة الأمن لن تترك الفرصة تفلت من أيديها، وأنها سوف تستخدمها لأجل «شيطنة» غير المرضي عنهم.
لكن المناخ مختلف في الولايات المتحدة إذ سمح لمجموعة من الفنانين والأدباء الأمريكيين من ذوي الأصول العربية بأن يقيموا ذلك المهرجان الفكاهي ابتداء من العام الماضي، ربما لامتصاص مشاعر النفور من العرب والمسلمين التي سادت عقب أحداث 11 سبتمبر،
لذلك فإنه حتى إشعار آخر، فبوسعنا أن نمارس قدرا كافيا من الحرية لتشجيع الفكرة عن طريق الانضمام إلى الجمعية المسجلة في الولايات المتحدة، لكي ندلي بدلولنا في اختيار أخرق العام هناك،
وربما سمحت الظروف بعد عمر طويل في أن نختار أخرق العام في مصر.
...................................

13 أكتوبر، 2010

في صناعة الانتخابات

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 5 ذو القعدة 1431 – 13 أكتوبر 2010
في صناعة الانتخابات - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_13.html

الضجيج الذي تشهده مصر الآن بمناسبة موسم انتخابات مجلس الشعب يعيد إلى الأذهان الجدل الذي ثار في بريطانيا خلال أشهر الصيف حول جدوى العملية الانتخابية وتطوراتها.
لست في وارد المقارنة بين الانتخابات عندنا وعندهم أو حتى وضعها على قدم المساواة في البلدين، حيث أعتبر ذلك من ضروب عدم اللياقة والتسطيح المخل للأسباب التي لا أشك في أنك تعرفها، خصوصا أنني أتحدث عن الحوار الذي جرى هناك، وليس عن الممارسة التي جرت على أرض الواقع.
كان السؤال المحوري الذي جرت من حوله المناقشات في بريطانيا كالتالي:
هل مازالت الانتخابات أفضل وسيلة لتمثيل المجتمع، وألا تهددها التطورات الحديثة في إدارة العملية الانتخابية التي تكاد تفقد ذلك التمثيل قيمته؟.
مؤيدو الانتخابات قالوا إنها تظل واحدة من أهم منجزات العصور الحديثة في الحكم والسياسة، باعتبار أنها الوسيلة الأفضل لتمكين الناس من حكم أنفسهم بأنفسهم.
أضافوا في هذا الصدد أن الاختيار الذي يتم من خلال التصويت الحر أراح شعوب الديمقراطيات المتقدمة وجنبها الاحتكام إلى السلاح في سبيل الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها.
المتشككون حذروا من أن تطورات عصر العولمة جردت الانتخابات من طابعها الإنساني، ذلك أنها في صورتها التقليدية اعتمدت على المبادرات الإنسانية، وعلى مساعي الأفراد والجماعات السياسية والأحزاب المنظمة، لترتيب الاتصالات المباشرة والشخصية بين المرشح والناخب، واختراق الحواجز والعوازل الاجتماعية التي تفصل بين الاثنين.

هذه الصورة بصدد التغيير الآن ذلك أن ثقافة وتقنيات العولمة أدت إلى تحويل العملية الانتخابية إلى صناعة قائمة بذاتها، خالية من اللمسات الإنسانية ولا علاقة لها بالمنافسات السياسية.
إذ في حين أن المرشحين يقدمون أنفسهم إلى الناخبين في الصورة التقليدية كممثلين عنهم وعن مصالحهم، ويجتهدون في الالتقاء بالناخبين في أماكن تجمعاتهم، فإن ثورة العولمة تكفلت بتحويل تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة، بحيث صار مثل البضائع المعلبة التي يفقد صاحبها الأصلي علاقته بها وتأثيره في مصيرها. تجلى ذلك في دخول الشركات والمؤسسات التجارية ذلك المجال، أما كيف حدث ذلك، فإليك الحكاية.
فقد ظهرت في أوروبا والولايات المتحدة شركات جديدة تخصصت في صناعة الانتخابات بمعنى ترتيب أوضاعها وهندسة الحملات الانتخابية. وتلك الشركات حملت أسماء أصبح لها «دور البارز في مواسم الانتخابات مثل: «ساتشي آند ساتشي» ــ جيوفوتر ــ كامبين كونيكشن ــ كامبين أوفيس دوت كوم وغيرها.
وهذه الشركات تعرض خدماتها كالتالي:
تقدم للمرشحين بيانات كاملة تتضمن كل ما يهمهم من بيانات إحصائية، وبرامج التمويل وجمع التبرعات، وكيفية تنظيم الحملات الإعلامية في الصحف ووسائل البث المرئي والمسموع.
كما تقدم لهم تفاصيل حملات «شيطنة» المنافسين وتشويه صورتهم في أعين الناخبين. وهذه تركز على نقاط ضعفهم وسجلات حياتهم، وغير ذلك من أسلحة الحروب الانتخابية.
وفي هذه الحالة لا يرجع نجاح المرشحين إلى نفوذهم السياسي وكفاءة برامجهم، وإنما يصبح ذلك النجاح مرهونا بحجم الأموال التي ينفقونها في تلك الحملات. من ثَمَّ فإن الأوفر حظا في النجاح هو الأقدر على الإنفاق على تلك الحملات.
يرى الناقدون والمتشككون أن الدور المتنامي لتلك الشركات من شأنه أن يحول العملية الانتخابية إلى تجارة، يكسب فيها الأوفر حظا من المال.
ليس ذلك فحسب وإنما يثير التطور الحاصل شكوكا قوية حول مستقبل الأحزاب والجماعات السياسية. لأنه يفتح الباب لحلول تلك الشركات محل الأحزاب. لأن التقنية الانتخابية التي توفرها الشركات يمكن أن تتفوق على البرامج السياسية للأحزاب.
ومن ثم تغدو تلك التقنية التي تتوفر لمن يدفع مالا أكثر. أقدر على كسب ثقة الناخبين وحصد أصواتهم. وفي هذه الحالة فإن الانتخابات التي يفترض أن تجرى على قاعدة المنافسة في البرامج السياسية، ستتحول إلى تجارة تتنافس فيها شركات تسويق المرشحين.
لا يقلقنا هذا التطور، لأن الانتخابات إذا كانت خاضعة لعوامل السوق وثقافته عندهم، فإنها مؤممة عندنا، حيث تقوم وزارة الداخلية بكل ما يلزم لطبخ العملية الانتخابية، دونما حاجة لا إلى برامج الأحزاب أو دعايات المرشحين أو منافسات شركات تسويقهم.
........................

11 أكتوبر، 2010

المشاركة دواء المفاصلة – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 4 ذو القعدة 1431 – 12 أكتوبر 2010
المشاركة دواء المفاصلة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_11.html
- النخب التي طفت على السطح لم تعد معبّرة عن ضمير الأمة وتطلعاتها

- الذين يحذرون الناس أو يسعون إلى تخديرهم أصبحوا عبئاً على المشكلة وليسوا جزءاً من حلها

طالما بقي ما يفرقنا في مصر أكثر مما يجمعنا فإن مناعة الوطن تصبح في خطر دائم، ومن ثم يظل باب الفتنة مفتوحاً على مصراعيه، لا يجدي في إغلاقه تحذير سياسي أو بيان يصدر عن شيخ الأزهر ورأس الكنيسة.

- 1 –

حينما تحدثت من قبل عن «المصريين الجدد» فإنني ركزت على التشوهات التي أصابت الوجدان العام خلال العقود الأربعة الأخيرة على الأقل «التي أعقبت سنوات الانفتاح وانتقال مصر من حمى المشروع الى تيه اللامشروع».
لم أشِرْ آنذاك الى ما أصاب روح مصر من تشوهات، أبرزتها الأحداث الطائفية وما استصحبها من ممارسات، كان أسوؤها ما لاح في الأفق خلال الأسابيع الأخيرة من أفعال وردود أفعال، أعقبت الكلام الجارح الذي خرج الى العلن على لسان أحد قيادات الكنيسة الأرثوذوكسية. وكانت الملابسات التي أحاطت بإطلاق هذا الكلام والأصداء التي ترتبت عليه كاشفة عما أصاب «الروح» من تراجع محزن. يلمس المرء هذا التراجع حين يقارن ما جرى قبل ثمانين عاما بين شيخ معهد الاسكندرية الديني الشيخ عبدالمجيد اللبان والأنبا يؤانس بطريرك الأقباط الأرثوذوكس.
اذ تبادل الرجلان رسالتين بخصوص حادث قريب الشبه بما مررنا به، أحتفظ بصورتين ضوئيتين لهما. تستحقان القراءة والتدبر هذه الأيام.
وقتذاك في شهر ابريل عام 1930 صدر عن بعض المسيحيين في الاسكندرية كلام أهان الإسلام وأثار غضب المسلمين، فكتب الشيخ اللبان رسالة في يوم 17 منه الى «حضرة صاحب الغبطة الحبر الأكبر الأنبا يؤانس «بطريارك» الأقباط بمصر». ذكر فيها:
«إنه من دواعي الأسف الشديد لديّ ان أرى اليوم فريقاً متهوساً ممن ترعاه الكنيسة المرقسية يعمل على هدم ما بناه العقلاء، ويدبر الحملات الطائشة ضد الإسلام دين الدولة الرسمي، معرضاً بذلك قضية الوطن لأعظم الأخطار. وأكبر ما أخشاه أن يقابل المسلمون عمل هؤلاء المفترين بمثله. بل لا أنكر عليك أن من بينهم من حدثته نفسه فعلا بذلك.. ولولا ما تعلمه من شدة معارضتي لنزل الى ميدان العمل كثير ممن جاشت نفوسهم وثارت عواطفهم غير مكترثين بالعواقب.

والرأي عندي أن خير الطرق لإطفاء الفتنة واعادة الصفاء الى النفوس أن تقوموا من جهتكم بما يفهم هؤلاء المعتدين وغيرهم ان في عملهم خروجا عن حدود اللياقة وتعاليم المسيح عليه السلام، التي تحرم الافتراء والكذب خصوصا على الأديان المقدسة.
بعد يومين اثنين في 19 ابريل عام 1930 رد الأنباء يؤانس بخطاب كتبه بخط يده، يشهد بروح تلك الأيام، ويستحق ان يقرأ عدة مرات. إذ شكره عما عبر به عن ود وحسن ظن، وذكر أنه أحرص الناس على الوحدة الوطنية، ثم قال انه:

اذا وجد فرد أو أفراد يعملون لهدم هذه الوحدة المقدسة بالطعن في الدين الإسلامي الذي هو دين إخواننا ومواطنينا الكرام وتقوم الأدلة على إثبات جرمهم فانهم يكونون من شر الجناة على الوطن. وأنا أول من يستنكر عملهم ويستفظع جريمتهم بلا جدال. فإن الدين المسيحي لا يجيز هذا الاعتداء على الإطلاق. بل هو بالعكس يحض على محبة الأعداء فكيف بالمسلمين وهم إخواننا في الوطن وشركاؤنا في سراء الحياة وضرائها وتجب علينا محبتهم واحترامهم واجلال دينهم.

ثم قال: على أنه قد يهم فضيلتك ان تعرف ان الشخصين اللذين اتهما أخيرا بالطعن في الدين الإسلامي وباتا رهن المحاكمة ليسا من الأقباط الأرثوذكس كما ظننت. وليس معنى ذلك ان أي طائفة أخرى من الطوائف المسيحية تبيح الطعن في الإسلام. فإن الدين الذي ندين به هو بعينه الذي تدين به تلك الطوائف. وهو يأمرها كما يأمرنا بالمحبة والسلام وينهاها عن كل ما يخالفها ولاسيما اذا كان جارحا لأقدس العواطف وأعني بها العاطفة الدينية.

ختم الأنباء يؤانس رده بقوله:

كن على ثقة يا فضيلة الأستاذ أنه لا يجرؤ على الطعن في الإسلام وهدم الوحدة الوطنية من الأقباط الأرثوذكس الذين هم تحت رئاستنا ومن غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى إلا أحد اثنين: إما مدخول في عقله لا يقدر عاقبة فعله، أو مدسوس على المسيحيين محرض من فئة مغرضة لاثارة فتنة والقانون لكليهما بالمرصاد. وانما كتبت لك هذا لتكون على يقين لا يخالطه ريب من أني أستهجن كل الاستهجان الإقدام على الطعن في الدين الإسلامي الكريم. وأنا عالم ان جميع أبنائي الأقباط الأرثوذكس يقرون على كل كلمة مما في كتابي هذا.

- 2 –

أدري أن الوقائع مختلفة بصورة نسبية، لأن اللذين أساءا الى الإسلام لم يكونا من الأرثوذوكس. لكننا يجب أن نعترف بأن اللغة والروح تغيرتا أيضا. فالأنبا يؤانس لم يتحدث في خطابه بلغة الشاكي أو المضطهد، ولكنه اعتبر أن الذين يطعنون في الإسلام «من شر الجناة على الوطن»، وأن من يجرؤ على ذلك مهددا الوحدة الوطنية من الأرثوذوكس أو من غيرهم لا يكون «إلا واحدا من اثنين: إما مدخول في عقله لا يقدر عاقبة فعله، أو مدسوس على المسيحيين محرض من فئة مغرضة لإثارة الفتنة».

ما الذي جرى حتى تغيرت اللغة والروح بحيث أن ما استبعده واستهوله الأنبا يؤانس في زمانه وقع في هذا الزمان، ووجد من يبرره ويتأبى على الاعتذار عنه؟ ردي على السؤال أن المجتمع المصري خلال تلك العقود الثمانية فقد مناعته بصورة تدريجية، واقترن فقدان المناعة بغياب البوصلة الهادية.
وهذه الخلفية تكمن وراء ما ذكرته من أن ما يفرقنا في مصر أصبح أكثر مما يجمعنا. وعنيت بذلك ان المجتمع اختلف مع السلطة. وأن فئات المجتمع، المسلمين منهم والأقباط شاع بينهم الفراق والمرارات، وأن النخب التي طفت على السطح لم تعد معبرة عن ضمير الأمة وتطلعاتها. وفي حين ان التحدي كان واضحا في الثلاثينيات،
وكان الاحتلال الانجليزي مثلا يشكل التحدي الأكبر الذي اجتمعت عليه الأمة، وكان أعوان الاحتلال شرذمة مفضوحة لا وزن لها ولا اعتبار. وبعد مقارعة المحتل وخروجه جاءت ثورة يوليو لعام 1952، لتستدعي تحديات جديدة، قل فيها ما شئت إلا أنك، لا تستطيع أن تنكر أنها ظلت محل اجماع وطني من جانب الأغلبية على الأقل في مصر والعالم العربي.

اختلف الأمر بصورة جذرية بعد رحيل الرئيس عبدالناصر، وهي المرحلة التي شهدت انقلاباً تدريجياً على مبادئ ثورة يوليو، الأمر الذي كان إيذانا بالانتقال الى مرحلة «التيه» التي اهتزت فيها ركائز الإجماع الوطني. وحدث «الشتات» السياسي الذي سحب من رصيد مناعة المجتمع، وزرع بذور التفكك والفرقة في مصر.
وكانت النتيجة أن خلافاتنا تعمقت حول كل ما كان محل إجماع في السابق. فقد اختلفنا حول العروبة وحول الإسلام، وحول العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل اختلفنا أيضاً حول الموقف من القضية الفلسطينية، وحول الفلسطينين أنفسهم حيث أيّد البعض استسلامهم كما أيدوا حصار مصر لقطاع غزة، وظهر بيننا من يعبئ الناس ضد العرب عامة وضد الفلسطينيين خاصة، بدعوى أن «مصر أولا».
ومن يتصالح مع إسرائيل ويتخاصم مع سورية، ومن يدافع عن الدور المصري في اطار الاستراتيجية الأمريكية، بحسبان ان ذلك مما يبعث على الاعتزاز ورفعة المقام، ومن يعتبر أن إيران هي العدو وليست إسرائيل، الى آخر تلك الانقلابات التي لم تخطر على بال أحد يوما ما.

- 3 –

أسوأ ما أتت به تلك الانقلابات أنها فتحت الباب لتحدي ثوابت المجتمع، من الاستقلال الوطني الى الانتماء العربي، الى احترام قيمة ودور الإسلام في المجتمع. ومارست بعض عناصر النخب التي احتلت مواقع الصدارة في مجالات الثقافة والإعلام جرأة غير عادية على الانتماء الى الإسلام بوجه أخص، فأشاع هؤلاء دعايات خبيثة اعتبرت الإسلام نافياً للآخرين، ومن ثم كثفوا جهودهم التي استهدفت ملاحقته وإقصاءه من المجال العام، بزعم أن وجوده يمثل تهديدا للمجتمع المدني، وأضراراً بمصالح غير المسلمين.

وذهب البعض في الجرأة الى حد اصدار بيان طالب بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي. وأكمل آخرون المهمة فواصلوا حملتهم التي رفعت سقف المطالب ودعت الى تنقية مناهج التعليم مما له صلة بالإسلام، للحيلولة دون ما أسموه «تديين» التعليم، كأن تعبير تلك المناهج عن هوية المجتمع وثقافته مسبة وعار يتعين الخلاص منهما.

كان من الطبيعي أن ينفرط عقد المجتمع وتتفكك روابطه في هذه الأجواء. وهو ما ساعد عليه مناخ احتكار السلطة وتغيب المشاركة السياسية. ذلك أن المشاركة التي توفرها الممارسة الديموقراطية تستدعي إرادة المواطنين فتستثير همتهم وتصهر ارادتهم في عمل مشترك أو حلم مشترك، وفي غيبة المشاركة يتحول الوطن الى جزر منفصلة، الأمر الذي يضعف مناعة المجتمع، ويصيب خلايا العافية فيه بالعطب والوهن، وحين يتحول الوطن الى جزر منفصلة، فإن الدولة لا تفقد هيبتها فحسب، ولكن ذلك يصبح حافزا للفئات المختلفة لكي تبحث كل منها عن مظلة وملاذ، فمنها من يحتمي بالطائفة ومنها من ينخرط في الجماعة ومنها من يلجأ الى القبيلة أو يتعلق بأهداب جهات خارجية تسانده وتموله.
- 4 –

تنزيل هذا المنطق على الحالة التي نحن بصددها يفسر لنا لماذا أصبح احتكار السلطة وغياب الجهود أو الحلم المشترك في السياق الذي نحن بصدده، بمثابة البيئة الحاضنة لاعتبار الطائفة بديلاً عن الوطن أو مقدمة عليه.
ولماذا أصبحت مظاهرات الأقباط تتجه في لحظات الاحتجاج والغضب الى مقر البطريركية وليس الى مجلس الشعب، ولماذا أدركت جموعهم ان تمثيل الكنيسة لهم أصفى وأصدق من تمثيل ذلك المجلس.

إذا صح ذلك فانه يشير الى الثغرة التي حدثت في جدار الوطن، واستصحبت تداعيات أخرى خطيرة، تمثلت في الجرأة على تجريح عقيدة الأغلبية التي مهد لها خطاب المثقفين الذي سبقت الإشارة اليه. كما تمثلت في التهوين من شأن تلك الأغلبية الى حد التشكيك في انتمائها، ومن ثم الانزلاق في مجرى المفاصلة معها، الى حد التلويح بهوية متميزة عنها، بديلة عن الهوية المشتركة والجامعة لكل أبناء الوطن.
ورغم ان ما جرى لا يعبر بصراحة عن كل ذلك، ولكن أي مدقق في المؤشرات الراهنة يلحظ أنها تستبطن في طياتها بذور مشروع سياسي يحول الكنيسة الى واجهة سياسية متجاوزا دورها كقيادة روحية، وهو ما يقلص رسالتها التاريخية بحيث ينقلها من الاسهام في حراسة الوطن الى الاكتفاء بحراسة الطائفة.

هذه الإشارات ليست جديدة ولكننا نرصد نموها منذ أربعة عقود، بالتوازي مع بروز ضعف دور الدولة وتراجعها في مختلف المجالات، وهو مناخ استثمرته جهات عدة داخلية وخارجية، لها مصلحة في تفكيك مصر وتقزيمها ونحن لا نلوم تلك الجهات سواء تمثلت في المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، أو المخططين الإسرائيليين الذين تحدثوا منذ الخمسينيات عن أن الأقليات في العالم العربي «حليف طبيعي لهم»، وأشاروا صراحة الى الأقباط في مصر الى جانب أكراد العراق ودروز وأكراد سورية وموارنة لبنان، فضلا عن جذب السودان. لا نلوم هؤلاء، لكننا نلوم أنفسنا اذا تجاهلنا كل ذلك أو هيأنا الظروف المواتية لكي يبلغوا مرادهم.

الذي استجد علينا هو الجهر بالآراء التي كانت تتداول في دوائر ضيقة ووراء أبواب مغلقة، ثم محاولة تبرير تلك الآراء والادعاء بسوء فهمها أو تحريفها، بما ينتهي بتمييعها والسكوت عليها أملاً في تجاوزها ونسيانها. وهذه المراهنة على ضعف الذاكرة أو على تخدير الناس وتحذيرهم من المساس بالخطوط الحمراء، لا تحل شيئاً من المشكلة، ولكنها تسهم في تعقيدها جراء التراكم والاختزان.
بل لست أتردد في القول إن الذين يحذرون الناس أو يسعون الى تخديرهم أصبحوا عبئاً على المشكلة وليسوا جزءاً من حلها. لأنهم يتجاهلون أصلها ويتعاملون مع فروعها وثمارها. ومازلت عند رأيي الذي أعلنته عبر منابر عدة من ان المشاركة هي خير دواء للمفاصلة، وهي السبيل الوحيد للخروج من ضيق الطائفة الى فضاء الوطن ورحابته. وهو ما يشير بألف أصبع الى جوهر أزمة مصر الحقيقية التي عجزنا عن حلها حتى الآن.
.......................

10 أكتوبر، 2010

محنة مصر الأخرى

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 3 ذو القعدة 1431 – 11 أكتوبر 2010
محنة مصر الأخرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_2888.html


صدق أو لا تصدق: في مصر يموت سنويا 90 ألف شخص بسبب الإصابة بأمراض ذات صلة بتلوث المياه. ومن هؤلاء 17 ألف طفل.
كما أن 15 مليون طن من القمامة تلقى كل سنة في المجاري المائية، مما يؤدي إلى وجود نحو 9 ملايين طن قمامة تسبح في البيئة المحيطة بنا،
إضافة إلى مليوني طن من الحمأة ـ ناتج الصرف الصحي ـ يصعب التخلص منها. وهذه يعادلها 2.8 بليون متر مكعب من المخلفات تصل إلى المجاري المائية سنويا.
وإلى جانب ذلك فهناك 31 مليون مواطن مصري يعيشون في 4 آلاف قرية بلا خدمات للصرف الصحي. كما أن 5 ملايين طن من المخلفات الصناعية لا تجد لها طريقا سوى المجاري المائية، منها 150 ألف طن تصنف بحسبانها «ضارة جدا».
هذه الأرقام نشرتها جريدة «الشروق» في عدد 28 سبتمبر الماضي. منسوبة إلى مدير إدارة التوجيه المائي في محافظة الفيوم الأستاذة نجوى الخشاب، التي ذكرت أثناء ورشة العمل التي أقيمت هناك أنها استندت في المعلومات التي أوردتها إلى تقارير منظمة الصحة العالمية.
يحتاج المرء إلى بعض الوقت لكي يستوعب الصدمة، ويتأكد من أن المعلومات صحيحة، وأنها تصف بلدا ينتسب إلى القرن الواحد والعشرين، وأن ذلك البلد له حضارة وتاريخ ويتباهى أهله بأنه ليس بلدا عاديا ولكنه «أم الدنيا»، المرحلة التالية بعد الاستيعاب تثير السؤال التالي:
إلى أي شريحة في المجتمع المصري ينتمي أولئك التسعين ألفا ومعهم السبعة عشر ألف طفل، الذين يموتون كل عام بسبب تلوث المياه،
وأين يوجد الـ31 مليونا الذين يعيشون في قرى محرومة من الصرف الصحي؟
وأنت مغمض العينين، ودون أن تبذل أي جهد في التحقيق والتحري، سوف تستنتج أن هؤلاء هم سكان الأقاليم في الوجهين البحري والقبلي. ليس فقط لأن ذلك لو حدث في القاهرة أو حتى الاسكندرية لقامت الدنيا ولم تقعد ولما توقف ضجيج الإعلام وصياح أهل «البندر»،
ولكن أيضا لأن الصحف نشرت قبل أشهر قليلة تقارير عدة حول اختلاط المياه بالمجاري في بعض محافظات الوجه البحري والصعيد (القليوبية وحلوان) سواء كانت المياه للشرب أو للري.
وهو ما يعني أن الخبر ليس جديدا في أصله، ولكن الجديد ينصب على نطاق الكارثة ومدى عموم البلوى.
لن نبالغ إذا قلنا إن المعلومات التي ذكرت في ملتقى الفيوم ترسم صورة لبعض ملامح مصر الأخرى، البعيدة عن العين ومن ثم البعيدة عن القلب كما نقول في تعبيرنا الدارج.
والمشكلة أن هذه «الأخرى» هي مصر الحقيقية، التي جنت عليها مصر التليفزيونية فأقصتها وحجبت عنها الضوء. وأبقت عليها صورة بلا صوت وحضورا هو صنو الغياب.
تسوغ لنا هذه الخلفية أن نستطرد متسائلين هل مشكلة مصر الأخرى تنحصر في تلوث المياه فيها وحرمانها من خدمات الصرف الصحي، أم أن ذلك أحد أوجه المشكلة التي تتمثل أساسا في تدهور الأؤضاع المعيشية وانهيار الخدمات فيها بوجه عام؟
لن نكون متعسفين إذا قلنا إن ثمة إهمالا مروعا للأقاليم في مصر، وأن تدهور أوضاع الخدمات في تلك الأقاليم يشكل ظاهرة عامة يعاني منها الجميع.
وللأسف فإن وسائل الإعلام المصرية حين حصرت اهتمامها في القاهرة والسلطة المتمركزة فيها، ولم تعد تخرج منها إلا على سبيل الاستثناء، فإنها غيبت الأقاليم وهمشتها، الأمر الذي ساعد على إقصائها والتعتيم على ما يجري فيها.

حينما يحرم 31 مليون مصري من خدمات الصرف الصحي، فإننا لا نستطيع أن نتوقع لهم حظا يذكر من التعليم أو الرعاية الصحية أو الحقوق المدنية الأخرى. وإذا أضفنا إلى ذلك استشراء الفساد وتغول الأقوياء وسطوة أجهزة الأمن، فإن ذلك يصور لك محنة أهل مصر الأخرى.
التقيت بعض أهل بلدة «فاقوس» بمحافظة الشرقية الذين حدثوني عن نصيب بلدتهم من المحنة، وسمعت منهم ما سبق أن سمعته من أهلنا في «قويسنا» بمحافظة المنوفية.
ولم يختلف هذا وذاك في مضمونه عما أتلقاه من رسائل وشكاوي يبعث بها الغيورون والناشطون في الصعيد، وخلصت من كل ذلك إلى أنه طالما أن المسئولين لا يحاسبون على أدائهم،
وطالما ظل الناس ساكتين على المر، امتثالا أو خوفا، فلا أمل في الخروج من المحنة أو حتى إيقاف التدهور، وتلك لعمري ليست مشكلة مصر الأخرى وحدها، ولكنها مشكلة مصر كلها.
...........................

خطوطنا الحمراء وأبقارنا المقدسة

صحيفة الشرق القطريه الأحد 2 ذو القعدة 1431 – 10 أكتوبر 2010
خطوطنا الحمراء وأبقارنا المقدسة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_10.html


المصادفة وحدها سمحت لي أن أتابع ما حدث في مصر خلال الأسابيع الأخيرة من خارج البلاد، حيث قدر لي أن أنتقل بين أكثر من عاصمة في المنطقة المحيطة بنا، بأمر الشغل حينا وللمشاركة في بعض المنتديات والمؤتمرات في أحيان أخرى.

وإذا جاز لي أن أختزل في كلمات خلاصة ما خرجت به من تلك المتابعة، فلعلي أقول إن القلق والترقب هما أهم ما يخلص إليه الناظر إلى مصر من الخارج.
ذلك أن ثمة شعورا بأن صدر مصر يضيق وحساسيتها تزداد إزاء قضية حرية التعبير مع اقتراب مواعيد الانتخابات النيابية والرئاسية، ومؤشرات ذلك الضيق أصبحت تظهر في العديد من التصرفات الهوجاء التي طغت فيها العصبية على الحكمة، والنزق على التروي.

الملاحظة الثانية أن الخطوط الحمراء تزايدت في مصر في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ. وبدلا من تطبيع العلاقات مع المجتمع، فإن بعض الجهات الرسمية آثرت أن تقدم نفسها باعتبار أنها فوق المجتمع، وبالتالي فوق أي حوار أو ملاحظة، الأمر الذي أحال مسرح الأحداث في مصر إلى حظيرة مسكونة بالأبقار المقدسة، التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها.

الملمح الثالث للصورة من الخارج يختلط فيه الترقب بالخوف. خصوصا من جانب الذين يهمهم الاستثمار في مصر، وهؤلاء الأخيرون لهم مصالح في البلد، وأغلبهم من المستثمرين. وقد سمعت من بعضهم أن الأوضاع في مصر لم تعد تبعث على التفاؤل،
إذ حين ضيق هامش الحريات في مرحلة يعاني فيها المجتمع من أزمات وضغوط عدة، ويشعر الجميع بأن ذلك المهمش المتاح يسمح «بالتنفيس» الذي يفوت الفرصة على الانفجار، وحين يجدون أن البلد مقبل على انتخابات لا يعرف كيف سيتم طبخها، وإلى أي مدى ستعبر عن مناخ تغييب الحريات وقمعها، فإن ذلك يعد ظرفا طاردا للاستثمار وليس جاذبا له.
لا شك أن إقالة زميلنا إبراهيم عيسى من رئاسة تحرير جريدة الدستور، وإرهاصات الانقلاب الظاهرة في سياسة الجريدة وتوجهاتها، تعد نقطة تحول مفصلية في هذا المسار، إذ هي ليست إجراء ضد رئيس التحرير أو ضد النموذج الذي قدمته الدستور، وإنما هي وصمة في جبين البلد بالدرجة الأولى، وتكذيب لكل ما يقال عن حرية التعبير واحترام الرأي الآخر فيه. فضلا عن عربة رجال الأعمال وتوحش نفوذهم.
إقالة إبراهيم عيسى ليست إعلانا وحيدا، ولكنها حلقة في مسلسل محزن شهدنا بعضا من فصوله في وقف بث بعض البرامج التلفزيونية، وتوزيع قائمة بأسماء الشخصيات المعارضة والمستقلة لمنعها من الظهور على شاشات التلفزيون، ومنع بعض الكتاب المستقلين من التعبير عن آرائهم، ثم التلويح بالحرب الاقتصادية ضد المؤسسات الصحفية التي ترفض الانصياع والركوع. إلى غير ذلك من الممارسات التي تدلل على حالة العصبية والنزق المخيمة في دوائر صنع القرار.
فحين يضيق الصدر بملاحظة قالها أحد مقدمي البرامج الرياضية انتقد فيها تقاعس الشرطة عن القيام بواجبها أثناء مباراة كرة القدم التي جرت بين النادي الأهلي ونادي الترجي التونسي. ثم ينتهي الأمر بوقف برنامجه وقمعه، فذلك دال على أن الحساسية إزاء النقد بلغت ذروتها، وأنه تم ابتذال الخطوط الحمراء التي لم تعد تحمي مصالح البلد العليا، ولكنها باتت تستخدم حجب أي نقد لأداء الشرطة في إحدى المناسبات الرياضية.
وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه إذا كان محظورا نقد أداء الشرطة، فينبغي ألا نستغرب الإطاحة بإبراهيم عيسى لأنه ينتقد رموز النظام أو لأنه يفتح صفحات الدستور لأناس ليس مرضيا عنهم.
المدهش في الأمر أن كل الممارسات التي قوبلت بالغضب واستدعت القمع. لم يكن فيها شيء خطير يهدد أمن البلد أو يستثير غضب النظام، فضلا عن أن تلك الممارسات لها نظائرها وأضعافها في الدول التي تتمتع ببعض هوامش الحرية والديمقراطية،
ولأنها ممارسات عادية كان يمكن تمريرها بقليل من التسامح واحترام الرأي الآخر، فإن ما أثارته من أصداء غاضبة وباترة يدل على أن النظام في مصر يستشعر ضعفا واهتزازا.
ولو أنه تصرف برشد وأكثر ولم يتصرف بتلك العصبية لبدا أطول قامة وأكثر ثباتا وقوة، بالتالي فإن ما صدمنا ليس فقط عمليات القمع والترهيب التي تمت بحق زملائنا وفي المقدمة منهم إبراهيم عيسى،
ولكن ما صدمنا أكثر وفاجأنا هو ذلك الضعف الذي ظهرت به الدولة المصرية.
...........................

09 أكتوبر، 2010

رحلة العذاب إلى غزة

صحيفة الشرق القطريه السبت 1 ذو القعدة 1431 – 9 أكتوبر 2010
رحلة العذاب إلى غزة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_09.html

الرحلة إلى غزة أو مغادرتها عبر البوابة المصرية أصبحت قطعة من العذاب، ونموذجا للمذلة التي يتجرعها أبناء القطاع في صبر مسكون بالدهشة، في حين أنها تشين مصر وتسيء إليها أيما إساءة.

ذلك أن الغزاويين الذين يحنون إلى وطنهم وأهليهم ما إن يصلوا إلى مطار القاهرة الدولي حتى يزج بهم في قبو قذر، لا نظافة فيه ولا خدمات، ولا من يسمع إلى شكاوى المحتجزين، ولا من يستجيب إلى طلباتهم، ولا ماء لديهم ولا طعام،
وإنما عليهم أن يشتروا من حر مالهم، لأنفسهم وأطفالهم وللشرطة التي تحرسهم، الطعام والشراب والدخان، وبالسعر الذي يفرض عليهم، فلا أحد يقوى على المساومة أو النقاش، فمن يرد أن يأكل فليدفع، ومن ليس معه فلا يلزمه.

في ذلك القبو البائس، الذي يتناقض تماما مع مطار القاهرة الدولي، الذي يتيه ببنائه، وبالخدمات الرائعة ذات النجوم الخمسة التي يقدمها للمسافرين منه، أو العابرين فيه، يجتمع مئات الفلسطينيين مع عشرات آخرين من جنسيات مختلفة، ولكن الصبغة العامة للمحتجزين أنهم من أبناء غزة، من الرجال والنساء، والشباب والصغار والأطفال، الذين يجتمعون في مكان واحد، تختلط أنفاسهم، كما يضيق المكان بأجسادهم، وتضج ساحته الضيقة بصراخ وبكاء الأطفال،
وهم الذين جاءوا من أماكن عديدة، كانوا يتمتعون فيها بالحرية، ويزهون بالكرامة، وينتقلون كيفما شاءوا من مطار إلى آخر، دون قيود أو عقبات، وكانوا يعتقدون أنهم سيجدون من السلطات المصرية، معاملة حسنة تليق بهم كفلسطينيين عرب، عائدين إلى أرضهم ووطنهم،
ولكنهم يفاجأون باحتجازهم من دون المسافرين وأخذ جوازاتهم منهم، وبعد ساعتين أو أكثر يظهر شرطي حاملا رزمة جوازات السفر، ويتولى النداء على الأسماء، ليسوق الجميع إلى القبو الآثم، بعد أن تجري سلطات الأمن فرزا مقيتا للمسافرين، فتفصل الأم عن أطفالها، وتعزل الأب عن أولاده، وتحتجز الأم دون الأطفال، وأحيانا الأطفال دون الأم، وأمام موقف من ذاك القبيل لا تجدي الدموع، ولا تنفع العبرات، ولا تغير الاستجداءات ولا الدعوات ولا آهات النساء، وصراخ الأطفال. بل هي قرارات يجب أن تنفذ، وما على رجل الأمن إلا أن ينفذها بكل ما تحمل من خشونة وقسوة.

في الصباح الذي قد يتأخر لأيام عدة، وبعد أن يصل عدد الفلسطينيين المحشورين في القبو إلى المئات، تبدأ عناصر الشرطة في دفع الناس إلى حافلات خاصة، وتسيرهم ضمن قوافل محروسة، ومواكب أمنية إلى معبر رفح الحدودي، فيما يشبه عمليات نقل الأسرى والمعتقلين، دون مراعاة لحرارة الجو اللاهبة، أو لطول المسافة ومشقة الطريق، أو لحالة الصبية والأطفال، والشيوخ وكبار السن، تبدأ الرحلة إلى غزة، في ظروف قاسية، وحافلات غير مريحة، فيقسم المرحلون فيها ألا يعودوا لمثلها من جديد، وألا يغادروا قطاع غزة مرة أخرى، وأن يبقوا في غزة مرابطين لا يغادرونه.

أما الزائرون فيقسمون ألا يفكروا في زيارة قطاع غزة عبر معبر رفح، وأن يكتفوا بالتضامن مع أهله عن بعد، وفي نصرته من مكانهم، دون الحاجة إلى الانتقال إليهم. وبعضهم تجشم عناء المغامرة وركب البحر ضمن قوافل الحرية، ليدخل إلى غزة عبر البحر، ليتخلص من المعاناة التي يلقاها المسافرون في طريقهم إلى معبر رفح.

حين يمر المرء بتجربة من هذا القبيل فإنه لا يستطيع أن يكتم مشاعره. وإنما يظل يستعيد على مسامع أهله ومعارفه قصة المعاناة في الذهاب أو الإياب، كأن المخططين لمسار رحلات الذل والهوان، يريدون أن يتناقل الناس هذه القصص والحكايا، ليمنعوهم من مغادرة القطاع، وليحولوا دون عودتهم إليه.
وواقع الحال يقول إن السلطات الأمنية المصرية تبالغ في إجراءاتها القاسية. إذ فضلا عن احتجاز المسافرين والعابرين في أقبية مطاري القاهرة والعريش، فإنها تمنع أي وافد غزي من الدخول إلى مصر، حتى يحصل على إذن أمني أو تأشيرة مسبقة.

وإذا حدث أن وصل إلى المطار دون أن يحصل على الموافقة الأمنية والتأشيرة الرسمية، فإن سلطاته تجبر الشركة الناقلة بإعادة المسافر من حيث أتى، أما إذا حصل على الإذن أو التأشيرة فإن هذا لا يعني أن يجتاز الأراضي المصرية حرا إلى معبر رفح، وإنما يعني أن يسافر مخفورا إلى القبو انتظارا لقوافل السبي التي تقوده مع مئات إلى معبر رفح الحدودي.

حين تلقيت هذه الرسالة على البريد الإلكتروني من أحد ضحايا الرحلة الحزينة وهو من حملة شهادة الدكتوراه، قلت: لا خير فينا إذا لم ننشرها. وها هي بين يديك للعلم والنظر.
........................

Delete this element to display blogger navbar