Subscribe:

Ads 468x60px

29 سبتمبر، 2010

احتشم أنت في الهند

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 20 شوال 1431 – 29 سبتمبر 2010
احتشم أنت في الهند – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_5424.html
إعجابنا بالديمقراطية في الهند مفروغ منه، لكن اعتزاز الهند بثقافتها وتقاليدها مسكوت عليه .
وقد أكبرت ذلك الاعتزاز يوما ما حين احتج الهنود على شركات المطاعم العالمية حين فتحت فروعا لها في مدنهم الكبرى وقدمت فيها وجبات الطعام الغربية متجاهلة بذلك مكونات الطعام في الهند، وهو ما اعتبر آنذاك من قبيل تغريب الذائقة الهندية، ومن ثم عدوانا على تقاليدها يتعين مقاومته.

وقتذاك لم تجد الشركات العالمية حلا للإشكال سوى أن تضيف بعض الوجبات الهندية إلى ما تقدمه، وأن تستخدم في الوجبات الأخرى «البهارات» التي يتذوقها الهنود وتشيع في طعامهم.

قبل أيام قليلة ذهبت السلطات الهندية إلى أبعد، حين أعلنت عن مجموعة من الممنوعات والتوجهات التي يتعين على السياح مراعاتها، بمناسبة انعقاد دورة ألعاب الكومنولث التي تعقد بنيودلهي في الفترة من 3 إلى 14 أكتوبر المقبل.
وهذه الممنوعات والإرشادات وضعتها اللجنة المنظمة للدورة، وجرى تعميمها من خلال الموقع الإلكتروني الخاص بالألعاب، وهي تقضي بما يلى:


- يجب الحذر من مظاهر الإعجاب الشائعة في المجتمعات الأخرى، حيث لا يقبل في الهند تقبيل الفتاة البالغة أو عناقها، ما لم يكن ذلك داخل دوائر هندية غربية، وليست هندية خالصة.

- التواضع في الملبس عنصر مهم في الحياة الهندية، وبعيدا عن الشواطئ يجب أن يحترم المرء العادات المحلية، بوجه أخص فإن زيارة المعابد أو الأماكن الدينية لها تقاليدها التي يتعين مراعاتها. حيث يجب ارتداء السراويل أو الثياب الطويلة وليس «الجونلات القصيرة»، كما يجب تغطية الأكتاف. وفي المعابد السيخية يجب تغطية الرأس أيضا.

- يجب خلع الحذاء قبل الدخول إلى أي منزل داخل الهند. وإذ دعاك شخص ما لحضور عشاء في بيته خذ معك علبة من الحلوى أو الشيكولاتة للأطفال، بدلا من زجاجة نبيذ، مع مراعاة أن وضع القدم على الأثاث (الشائع عند الأمريكيين) يعد من مظاهر السلوك السيئ.

- المراحيض العامة قليلة وقذرة، ولذلك يجب الاحتياط عند استخدامها، عن طريق أخذ المناديل اللازمة في هذه الحالة.

- يستحسن المناقشات حول الأديان والمعتقدات في البلد الذي تتعدد فيه الديانات، ويقتضي الاحترام المتبادل إغلاق باب المناقشة حول هذه الأمور؛ لأن ذلك من متطلبات استتبات السلام الاجتماعي.

حين وقعت على هذا التقرير في ثنايا رسالة بعث بها مراسل صحيفة الشرق الأوسط في الهند، قلت هذا بلد احترم نفسه واعتز بتقاليده فاستحق ان يحترمه الآخرون.
وكان أول سؤال خطر لي هو:
ماذا يمكن أن يحدث في مصر أو في أي بلد عربي آخر إذا ما طولب السياح وغيرهم من القادمين إليه باحترام ثقافة البلد وتقاليده؟..
ما أعرفه وألاحظه أن بلادنا مستباحة أمام السياح، وأن كلمة سائح أصبحت تعني كائنا يستطيع أن يفعل ما يشاء، في مظهره ومسلكه، وطالما أنه لم يخالف القانون المكتوب فلا تثريب عليه في شيء.
وطالما أنه يتحرك «بفلوسه» فهو حر فيما يفعل، خصوصا أن هناك تعويلا كبيرا على ما تدره السياحة من دخل للموازنة العامة.
فالسائحات في منطقة الخليج ــ الروسيات بوجه أخص ــ يمارسن في العلن أنشطة شبه علنية تتحدى كل الأعراف والأخلاق والتقاليد، فضلا عن القوانين،
وفي بعض الدول العربية الأخرى المطلة على البحر، تتعدد شواطئ العراة. كما أن السياح يسيرون في الشوارع ويجوبون الأسواق بصورة تستفز مشاعر المواطنين العاديين.

لو أن أحدا في بلادنا دعا وزارة السياحة إلى إرشاد السياح إلى ما يجب احترامه من تقاليد المجتمع وأخلاقياته، لتعالت الأصوات من كل صوب منددة ومستنكرة ومحذرة من انخفاض دخل البلد من السياحة، ناهيك عن إطلاق تهم الأصولية والوهابية والطالبانية (نسبة إلى حركة طالبان في أفغانستان) حتى أزعم أن هذه الأوصاف كان يمكن أن يدمغ بها الذين أعدوا قائمة الإرشادات في الهند، لولا أن ربك سترها، وتبين أنهم من السيخ والهندوس.

إن الدرس الذي نتعلمه من النموذج الذي نحن بصدده هو أنك ستُحترم إذا احترمت نفسك أولاً،
أما إذا احتقرت نفسك وفرطت في كرامتك فلن يحترمك أحد، حتى إذا أغدقت عليك ما شئت من فلوس. حيث لا قيمة للمرء إذا امتلأ جيبه ثم خسر نفسه.
..........................

مصلحة الجماعة أم الوطن؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 20 شوال 1431 – 29 سبتمبر 2010
مصلحة الجماعة أم الوطن؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_29.html
إذا كنت قد أعربت عن الدهشة إزاء اشتراك أحزاب المعارضة المصرية فى الانتخابات التشريعية بما يحولها إلى مجرد ديكور فى الفيلم الديمقراطى، فإن هذه الدهشة تتضاعف حين يتعلق الأمر بجماعة الإخوان المسلمين.

وإذا كنت قد فرقت بين معارضة حقيقية مهجوسة بهم الوطن وأخرى «تايوانى ومضروبة» ومشغولة بحساباتها وصفقاتها مع الحكومة، فإننى أستئذن فى أن أضيف تفرقة أخرى بين مجموعات المعارضة الحقيقة ذاتها.
ذلك أن تلك الأخيرة التى تستحق التقدير والتشجيع كلها حديثة العهد ولديها من الإخلاص والحماس بأكثر مما لديها من الحضور فى الشارع.
وربما لهذا السبب فإن الحكومة لن تكترث بغيابها كما لا يزعجها حضورها. وهى ان تصدت بارتال الأمن المركزى للمظاهرات التى تدعو اليها فليس ذلك لأنها تخشى تجمهر أعضائها، ولكن لأنها لا تريد لبذرة الغضب أن تخرج إلى الشارع، لعلمها أن مصر تخيم عليها حالة من الغضب لا تنتظر إلا عود ثقاب لكى تترجم تلك المشاعر إلى حريق يصعب إطفاؤه.

الأمر يختلف فى حالة الإخوان بتاريخهم الممتد لأكثر من ثمانين عاما، وحضورهم فى عمق الوطن لا مجال للشك فيه. ثم ان الجميع يعرفون، والناشطون أولهم، أن المظاهرة الحقيقية هى التى يخرج فيها الإخوان. أما إذا قاطعوها فإنها تتحول إلى «عينَّة» أو مشروع مظاهرة.

ما أريد أن أقوله إن هناك تجمعات سياسية من التى تحمست للمشاركة فى الانتخابات لن يسمع بها أحد إلا إذا دخلت إلى الحلبة ورفعت لافتتها فى الشوارع أو حالف أحد أعضائها الحظ ونجح بالغلط أو الوساطة أو بمساعدة من أى «صديق».
أما الإخوان فهم ليسوا بحاجة إلى شىء من ذلك. وكل الجهد الذى تبذله السلطة وأجهزتها الأمنية له هدف واحد هو طمس ذلك الوجود واستئصاله بمختلف السبل.

الإخوان يعلمون ان تجربة انتخابات عام 2005 لن تتكرر، وبالتالى فإن الـ88 مقعدا التى فازوا بها لم تكن مشاركة من جانبهم بقدر ما كانت تحذيرا للسلطة لكى تضع حدا لذلك «الاختراق».
صحيح انه ازعج الحكومة وأثار شغبا فى المجلس الذى تعتبر رئاسته انه ذراع للحكومة وراع لمصالحها، لكنه لم يوقف شيئا مما أرادت الحكومة تمريره بواسطة الأغلبية التى فرضتها. كما أنه لم يوقف شيئا من إجراءات الاعتقال والقمع والمصادرة والمحاكمات التى اتخذت بحقهم.
من ثم فكل الذى حدث أنهم شاغبوا وأحدثوا ضجيجا لم يسفر عن أى «طحن» ممكن. فى الوقت ذاته فكل ما صدر عن المجلس من خطايا عملوا بقسط من المسئولية عنه بحكم أنهم كانوا شركاء فيه.

بكلام آخر فإن مشاركة الإخوان فى برلمان عام 2005 لم تحل عقدة النظام معهم، ولم يستفد منها الوطن شيئا. فلا دفعوا عنه شرا ولا أضافوا إليه خيرا. وكل الذى حدث ان النظام استخدمهم كديكور ديمقراطى. أما هم فأثبتوا حضورا ربما كانوا بحاجة إليه وقتذاك بعد طول غياب، علما بانه لن يسمح لهم بدخول المجلس إلا فى الحدود الدنيا (يقال على نطاق واسع انه سيسمح لهم بعشرة مقاعد فقط). ولا ينسى فى هذا الصدد أنه لم يسمح لأحد منهم بأن ينجح فى انتخابات مجلس الشورى.

الموقف اختلف هذه المرة، إذ نحن لسنا على أبواب انتخابات تشريعية جديدة فحسب، ولكن هناك انتخابات رئاسية، ستحدد مصير الحكم فى مصر خلال المرحلة المقبلة.
وفى الوقت الذى فقد فيه الناس الأمل فى إجراء أى إصلاح سياسى، فإن المشاركة تجمل وجه النظام فقط ولا تضيف للاخوان شيئا إلا إذا كانوا حريصين على مجرد إثبات الوجود الذى لم يعودوا بحاجة إليه. أو ربما سعوا بذلك إلى استجلاب رضا النظام حتى يخفف من حملته عليهم.

إذا سلمنا جدلا بأن للإخوان مصلحة شكلية فى المشاركة فالثابت ان للوطن مصلحة اكيدة فى ان يلقوا بثقلهم إلى جانب دعاة المقاطعة، تعبيرا عن الاحتجاج على سياسة تزوير الديمقراطية ومصادرة الحريات العامة فى ظل استمرار الطوارئ.
وقد سبق ان قلت ــ وقال غيرى ــ أن المقاطعة الفعالة من وسائل الضغط على النظام وإحراجه كى يضطر إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق الإصلاح السياسى المنشود. وعلى الإخوان ان يختاروا بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن.
...........................

27 سبتمبر، 2010

الرابحون والخاسرون في المشهد التركي – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 19 شوال 1431 – 28 سبتمبر 2010
الرابحون والخاسرون في المشهد التركي – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_6000.html

إذا جاز لنا أن نقول ان صفحة الجمهورية التركية الأولى طوتها نتائج الاستفتاء الذي جرى في 12 سبتمبر، فإن أسئلة كثيرة تستدعيها فكرة قيام الجمهورية الثانية، التي تحررت شهادة ميلادها رسميا قبل أكثر من أسبوعين.كأننا عرفنا اسم المولود وأهله، لكن ملامح وجهه لم تتضح بعد.
(1)
صحيح أننا عرفنا أن %58 من الأتراك صوّتوا لمصلحة الثقة في حزب العدالة والتنمية وقالوا نعم للتعديلات الدستورية التي اقترحتها حكومته. لكن كثيرين خارج تركيا بوجه أخص لم يعرفوا شيئا عن هوية الـ 42 الذين قالوا لا، ذلك ان نسبتهم غير قليلة ولا يمكن تجاهل الوزن السكاني والسياسي الذي يمثلونه (نحو 23 مليون ناخب).
ثمة خريطة ملونة لتركيا نشرتها كل الصحف التي صدرت في 13 سبتمبر، وهو اليوم التالي لإجراء الاستفتاء تسلط الضوء على المزاج الانتخابي العام. إذ ظهرت على الخريطة ثلاثة ألوان كالتالي:
لون أحمر غطى المناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط وبحر ايجه، وهي التي قالت لا.وهذه المناطق تعد الأكثر انفتاحا والأقرب إلى أوروبا، بحكم الموقع الجغرافي على الأقل، لذلك فانها تعد في مقدمة معاقل التطرف العلماني الذي يمثله حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية،
ولأنها كذلك فإن سكانها يتوجسون من الخلفية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، وتنتشر بينهم الشائعات التي تحدثت عن التخويف من صعود ما يسمى بالإسلام السياسي والتخويف من «أجندته» السرية.
اللون الثاني هو الأخضر الذي غطى المساحة الأكبر من رقعة البلاد، وشمل العمق التركي ممثلا في منطقة الأناضول ومحيط البحر الأسود. وهي تعد الأكثر محافظة والأقرب إلى الشخصية التركية التقليدية، وتمثل القاعدة الأساسية لحزب العدالة والتنمية ولأنشطة الطرق الصوفية، وقد صوّتت تلك المنطقة لمصلحة التعديلات بكلمة نعم.
اللون الثالث أبيض في بعض الخرائط وأصفر في خرائط أخرى، وقد ظهر في الجنوب الشرقي لتركيا حيث الأغلبية الكردية.وقد قاطعت نسبة منهم الاستفتاء استجابة لنداء حزب السلام والديموقراطية الذي يؤيده بعض الأكراد، ولطلب حزب العمال الكردستاني الذي يقوده عبدالله أوجلان.
وهؤلاء قاطعوا الاستفتاء ليس لأنهم ضده، ولكن لأنهم يرون ان التعديلات لم تستجب بصورة كافية لتطلعات الأكراد وطموحهم إلى الحكم الذاتي.
هل يعني ذلك ان العلمانيين عارضوا التعديلات والمتدينين أيدوها، في حين ان الأكراد قاطعوها؟
بالتأكيد لا، لأن تحليل النتائج الذي لم يختلف عليه أحد ان حزب العدالة أصبح الأكثر تمثيلا لمختلف شرائح ومكونات المجتمع التركي، والقائمة التفصيلية للأصوات أظهرت هذه الحقيقة بوضوح،
اذ بينت ان من العلمانيين والأكراد والعلويين في ولايات الساحل والجنوب الشرقي من صوتوا لصالحه، ولولا ذلك لما حصل على نسبة %58 من الأصوات.
ولكن الألوان التي ظهرت في الخرائط كانت بمثابة أسهم أشارت إلى مناطق تركيز الأصوات المؤيدة والرافضة والمقاطعة.علما بأن الفواصل ليست قاطعة بين هذه الفئات الثلاث.فثمة علمانيون بين المتدينين ومتدينون بين العلمانيين، والاثنان منتشران بين الأكراد.
(2)
ثمة ملاحظة مهمة سمعتها من زميلة صحافية هي السيدة عمران شارما.التي تعتبر نفسها من العلمانيين الذين صوتوا لصالح التعديلات، خلاصتها ان نسبة غير قليلة من الذين قالوا لا لم يكونوا ضد التعديلات، التي لا يختلف أحد على مضمونها، ولكنهم ضد حزب العدالة والتنمية.
ولأنها ليست ضد الحزب الذي أثبت جدارته في ادارة البلد.ولأن المخاوف من أجندته الإسلامية لم تتأيد وتراجعت خلال السنوات الثماني الأخيرة، فانها لم تتردد في التصويت بنعم.
نبهني السيد غزوان المصري نائب رئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك (موسياد) إلى مفارقة أخرى في التصويت، هي ان أعدادا غير قليلة من رجال الأعمال صوتوا ضد التعديلات، على الرغم من أنهم في مقدمة الذين استفادوا من الاستقرار الاقتصادي الذي ساد البلاد في ظل حكومة حزب العدالة، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة دخل كل واحد منهم أربع مرات على الأقل منذ تسلم الحزب الحكومة والسلطة.
صحيح ان أعدادا أخرى من رجال الأعمال هو أحدهم صوتت لصالح التعديلات، الا ان الذين قالوا «لا» منهم كانت لهم أجندتهم السياسية المناوئة للحزب، بحكم ارتباطهم بمصالح كبرى أخرى، وثيقة الصلة بالدوائر الغربية والاسرائيلية.
مما يدل على ان رجال الأعمال كانوا بين الرابحين في جولة الاستفتاء، ان بورصة استنبول حققت في اليوم التالي لاعلان النتائج أعلى مؤشرات ايجابية في تاريخها.اذ جاءت النتائج دليلا حاسما على ان تركيا مقبلة على مرحلة أخرى من الاستقرار تعزز حالة النهوض الاقتصادي الكبير الذي تشهده البلاد.
عمر بولاط رجل الأعمال ورئيس الموسياد السابق ارتأى ان العامل الاقتصادي كان له دوره الأكبر في حسم معركة التصويت لصالح حزب العدالة وأن هزيمة الحزب في الاستفتاء كانت ستشكل ضربة قاصمة للحزب حقا، لكنها كانت ستؤدي إلى كارثة اقتصادية محققة، حتى ذهب إلى ان الناخبين من مختلف فئات المجتمع صوتوا للاقتصاد بأكثر مما صوتوا للسياسة.
وهو أمر مفهوم لأن المجتمع حين يجني ثمرة الاستقرار والنمو الاقتصادي، فانه يهب للدفاع عن مصالحه، وذلك ما حدث في تركيا، حين أدرك الناس ان نسبة النمو في الأشهر الستة الأخيرة وصلت إلى %11 (تعادلت مع الصين في أوج ازدهارها)
وأن ذلك أدى إلى توفير 2 مليون وظيفة خلال الـ18 شهرا الماضية،
وأن التضخم والغلاء المترتب عليه كانت نسبتهما %40 في عام 2002 حين تولى حزب العدالة السلطة، لكنه ظل يتراجع بصورة تدريجية حتى وصل إلى %8 فقط الآن.وهو ما خلص منه إلى ان المجتمع هو الرابح الحقيقي في التجربة.
(3)
السياق يستدعي السؤال التالي:
من كسب ومن خسر في جولة الاستفتاء؟
هناك أكثر من اجابة على السؤال.اذ حين يتراجع دور العسكر وتختفي الوصاية التي مارسوها منذ 60 سنة على الأقل، بحيث يصبح المجتمع هو السيد وهو صاحب القرار في مصيره على النحو الذي أكدته التعديلات، فلابد ان ندرك ان الديموقراطية حققت كسبا كبيرا وتاريخيا.
في الوقت ذاته فان أحدا لا يختلف على ان حزب العدالة والتنمية أصبح الحزب الأقوى الذي لا ينازع أحد جماهيريته، وأن زعيمه الطيب أردوغان والفريق المحيط به أثبتوا براعة مدهشة ليس فقط في ادارة البلد والحملة التي سبقت الاستفتاء، وانما أيضا في ضبط حدود العسكر وانقاذ الجيش من القدرة على التدخل في العملية السياسية.
(صحيفة «ميلليت» ذكرت في 9/13 ان أردوغان أصبح أكثر الزعماء السياسيين كاريزما وقدرة على إلهاب حماسة الجماهير وكسب ثقتهم).
على صعيد آخر، فثمة اجماع بين المحللين على ان أحزاب التطرف العلماني والقومي فقدت بريقها، سواء لأن برنامج حزب العدالة بدا أكثر جاذبية وانجازا، أو لأنها شاخت واهترأت ولم تعد قادرة على ان تقدم شيئا للمجتمع، أو لأنها فقدت دعم الجيش ومساندته.

وتتداول الصحف التركية سجالا حول نسبة الـ %42 الذين قالوا لا.اذ يدعي حزب الشعب الجمهوري ان هؤلاء هم أعضاؤه ومؤيدوه، في حين ينازعهم في ذلك حزب الحركة القومية الذي لا يكف قادته عن القول بأن لهم في هذه النسبة نصيبا معتبرا.

مع ذلك فان أحدا لا ينكر ان حصة حزب الشعب الجمهوري أكبر بين المعارضين، لسببين أساسيين،
أولهما: ان أصحاب التوجه العلماني التفوا حوله أغلب الظن لأنهم اعتبروه الرمز الأخير والأثر المتبقي من الجمهورية الأولى التي أسسها كمال أتاتورك.
أما السبب الثاني: فهو ان قيادة الحزب تغيرت، بعد ان استقال رئيسه السابق اثر فضيحة أخلاقية دمرت سمعته، وتولى رئاسة الحزب بعده كمال كليجدار أوغلو الذي بذل جهدا كبيرا لاضفاء بعض الحيوية على الحزب.
لكن أداءه أثناء التصويت تحول إلى نكتة فضحتها الصحف.ذلك ان الرجل طوال الأسابيع التي سبقت الاستفتاء ظل يطوف الولايات داعيا الناس إلى المشاركة في التصويت على رفض مقترحات الحكومة.وكان يقول في كل مناسبة ان الصوت الواحد يحدث فرقا في النتيجة، ولذلك فلا ينبغي ان يتقاعس أي أحد عن القيام بواجبه.
لكنه حين ذهب لكي يدلي بصوته يوم الاستفتاء، فوجئ بأنه لم يجد اسمه بين قوائم الناخبين في دائرته.ولذلك فانه لم يمكن من التصويت، ونشرت صحف اليوم التالي صورته وهو خارج من اللجنة منكسرا وخجولا.
وفي حين قيل ان الرجل أهمل في تسجيل اسمه بين الناخبين بعدما غير محل اقامته، فان آخرين ذكروا ان الموقف الذي واجهه كان «مقلبا» دبره لاحراجه أنصار الرئيس السابق للحزب دينيس بايكال.
حزب السلام والديموقراطية الكردي اعتبر بين الفائزين في الاستفتاء.لأنه أثبت حضورا لافتا للأنظار في المناطق الكردية التي دعيت إلى المقاطعة.اذ حين تصل نسبة الذين استجابوا لنداء المقاطعة إلى %67 في دياربكر، فمعنى ذلك ان الحزب يتمتع بشعبية لا يمكن تجاهلها.
وإذا أضفنا إلى ذلك ان عدد الأكراد في تركيا نحو 13 مليون نسمة فمعنى ذلك ان ثمة قوة شعبية صاعدة تتبنى مطالب الأكراد، وأن تلك القوة لها تنسيقها مع حزب العمال الكردستاني الذي يقبع زعيمه عبدالله أوجلان سجينا في في احدى الجزر النائية.وهو ما يعني ان الملف الكردي أصبح يطرح نفسه بقوة على أجندة المرحلة المقبلة.
(4)
تنطبق على المشهد التركي الراهن المقولة التي تنبه إلى ان الحفاظ على القمة أصعب من الوصول اليها.ذلك ان فوز حزب العدالة وافتتاحه لأولى مراحل تأسيس الجمهورية التركية الثانية يستنفر ضده قوى لا يستهان بها، بقدر ما يحمله بمسؤوليات كثيرة.

ذلك ان أحزاب التطرف العلماني والقومي مازالت تتربص به، دفاعا عن وجود ما قبل مشروعها، فضلاً عن تربص العناصر المرتبطة بالمصالح الخارجية، الغربية والاسرائيلية.وهذا التربص يعوق محاولة توفير الاجماع الوطني المطلوب لاقامة الجمهورية الثانية على أسس متينة.
هو مطلوب للاتفاق على الدستور الجديد المزمع اصداره،
ومطلوب لحل المشكلة الكردية المسكونة بعناصر التوتر والتفجر.
ومطلوب لترسيخ الديموقراطية بعد اخراج الجيش من المسرح السياسي،
ومطلوب للمضي في الاصلاحات السياسية التي تلبي الشروط المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ومطلوب للمضي في خطط التنمية ولتحقيق الاستقرار في مرفق العدالة وفي سياسة التعليم لازالة التشوهات التي تراكمت جراء ممارسات العقود السابقة.
إن الباب صار مفتوحا على مصراعيه لكي يبسط حزب العدالة والتنمية سلطانه على مختلف مؤسسات الجمهورية الجديدة.وذلك سلاح ذو حدين، لأنه من ناحية يمكن ان يغري بتغول الحزب بما يؤدي إلى الخروج من جمهورية العسكر إلى جمهورية العدالة والتنمية، خصوصا في ظل الضعف الشديد للأحزاب الحالية، الأمر الذي يجعلها ديموقراطية عرجاء تمشي على ساق واحدة، وتظل الأخرى الممثلة في الأحزاب المنافسة معطوبة وعاجزة عن العمل.
من ناحية أخرى، فإن الحزب إذا استخدم قوته تلك لانجاح عملية الاجماع والوفاق الوطني فانه يمكن ان ينجو من فخ واغراءات التغول، بحيث يكون النجاح الحقيقي من نصيب الوطن وليس من نصيب الحزب وحده.وتلك معضلة تواجهها المجتمعات التي تشوه فيها الديموقراطية، على الرغم من اقتناعي بأن تشويه الديموقراطية أقل سوءا من تزييفها، تماما كما ان العرج أقل ضرراً من الكساح.حتى في الخيارات التعيسة يظل نصيبنا منها الأتعس.


(تصويب واعتذار:
ذكرت في الأسبوع الماضي ان رئيس الجمهورية الأسبق عدنان مندريس أعدم بعد انقلاب عام 1980 والصحيح ان ذلك تم بعد انقلاب عام 60).
................................

في أن المقاطعة هي الحل

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 18 شوال 1431 – 27 سبتمبر 2010
في أن المقاطعة هي الحل - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_27.html


أعترف بأنني عاجز عن فهم أو تفسير موقف أحزاب المعارضة المصرية التي قررت الاشتراك في الانتخابات النيابية التي يجري «طبخها» الآن،

أتحدث عن المعارضة الحقيقية المشغولة بهم الوطن وصاحبة المصلحة في التغيير والإصلاح السياسي، وليس تلك التي حولت المعارضة إلى متجر للبيع والشراء وعقد الصفقات، وصارت في النهاية أجنحة للحزب الوطني وأداة لضرب المعارضة الحقيقية وإجهاض مساعيها لتصحيح الأوضاع وإخراج الوطن من أزمته.

وفي ذات الوقت بقيت في الساحة لتظل شاهدا على إخراج فيلم «التعددية» الذي يفضي إلى انتخابات يستعرض فيها فيلم «النزاهة»، والباقي بعد ذلك معروف.
إن شئت فقل إن لدينا في مصر الراهنة معارضة أصيلة، وأخرى «تايواني» إذا استخدمنا لغة السوق. وتلك الأخيرة مصطنعة ومغشوشة أو «مضروبة» كما يقولون، وموقف الأخيرة مفهوم،

أما الملتبس حقا وغير المفهوم فهو موقف القوى الوطنية الأصيلة، الذي أزعم أنها باشتراكها في الانتخابات تقدم هدية ثمينة للنظام تشجعه على التمادي في السياسات التي يتبعها، والتي هي الموضوع الأساسي لمعارضة تلك القوى. وهو ما يضعنا أمام مشهد درامي مسكون بالسخرية المرة.

ذلك أن أي متابع للشأن السياسي في مصر يعلم تمام العلم أن نظامنا القائم لا يريد المعارضة أصلا. يشهد بذلك موقف الشرطة التي تسحق المعارضين الذين يخرجون في مظاهرات سلمية يحميها القانون.
لكنه مع ذلك يحتملها على مضض في مجلس الشعب، لا لتمثيل المجتمع أو ممارسة الرقابة على الحكومة أو توسيع نطاق المشاركة السياسية، وإنما للتجمل بها أمام العالم الخارجي، والإيحاء بأن قرارات الحكومة وسياساتها مؤيدة من جانب الشعب، وأن مستلزمات الشكل الديمقراطي لم يعد ينقصها شئ.
بكلام آخر، فإن وجود المعارضة في مجلس الشعب الذي تحدد التعليمات العليا حجمه وحدوده، يحولها إلى دمية تلعب بها الحكومة، وإلى «محلل» لتمرير ما تشاء من قوانين تغطي بها سياساتها وتثبت أقدامها.
بسبب ذلك فربما يذكر البعض أنني دعوت قبل عدة أسابيع إلى إلغاء الانتخابات في مصر، واكتفاء الحكومة بتعيين من تشاء في المجالس «الشعبية» للقيام بما يلزم (الفكرة مطبقة في بعض الدول العربية).

واقترحت حينذاك توجيه الملايين التي تنفق على إجراء الانتخابات وإزالة آثارها إلى مجالات أخرى أكثر نفعا وجدوى، كانت حجتي التي مازلت مقتنعا بها بأنه لا أمل في انتخابات تزور لتأتي بنفس الحزب وتبقى على نفس الأشخاص الرئيسيين لكي ينفذوا نفس السياسات. وذلك لم يحدث مرة أو اثنتين أو ثلاثا، وإنما يتواصل على مدى نحو ثلاثين عاما.

لذلك فقد أعربت عن دهشتي إزاء مطالبة أحزاب المعارضة التي أقصدها بالتغيير، في حين تشارك في الانتخابات لتعزيز الجمود السياسي وتثبيته. وهو ما يعني أحد أمرين،
أولهما أن تلك القوى المعارضة ليست جادة فيما تدعو إليه.
والثاني أنها فقدت القدرة على النظر والتمييز، بين مشاركة تحقق لها مشروعها الداعي إلى الإصلاح السياسي بمختلف عناوينه ومفرداته، وأخرى لا تخدم سوى استمرار الجمود السياسي بمختلف تجلياته وتداعياته.
حين يكون النظام السياسي في مصر رافضا للتغيير وغير جاد في الإصلاح السياسي ومصرا على الاستمرار في سياسات داخلية وخارجية ترفضها الجماعة الوطنية، وحين يستمر ذلك النهج نحو ثلاثين عاما فإن المراهنة على تطوع النظام بإجراء التغيير المنشود تصبح تضييعا للوقت في أحسن فروضها، ونوعا من التدليس والتستر في أسوأها.
من ثَمَّ فإننا نصبح أمام خيارين لا ثالث لهما،
الأول هو ممارسة أكبر قدر من الضغوط الشعبية على السلطة بما يضطرها إلى الإقدام على إحداث التغيير المطلوب بصورة سلمية.
أما الثاني فهو فتح الباب لانفجار طاقة السخط والغضب، بما يستصحبه ذلك من فوضى لا يعلم مداها إلا الله.

ولأن الخيار الثاني ينبغي أن يكون مرفوضا، فإن ممارسة الضغوط الشعبية تصبح الحل الذي يتعين أن تلتقي عليه الجماعة الوطنية المصرية،
ولا أشك في أن مقاطعة الانتخابات تبعث برسالة قوية في ذلك الاتجاه، قد تحقق الهدف المطلوب إذا تواصلت مع خطوات أخرى مماثلة بما قد ينتهي إلى إحدى نتيجتين،
إما أن ينقذ النظام نفسه أو أن ينقذ البلد من النظام.
......................

26 سبتمبر، 2010

ظلموه حيًا وميتًا

صحيفة الشرق القطريه الأحد 17 شوال 1431 – 26 سبتمبر 2010
ظلموه حيًا وميتًا - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_26.html


يوم الأحد الماضي (19/9) نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا مستفيضا عن الدكتور محمد فتحي عثمان، الذي وافاه الأجل عن 82 عاما في لوس انجيلوس، واعتبرته أحد أهم علامات تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين.

وقبل ذلك (في 15/9) نشرت صحيفة لوس انجيلوس تايمز، مقالا آخر وصفت فيه الدكتور عثمان بأنه أكثر العلماء تأثيرا في العالم الإسلامي، وذكرت أنه نموذج فذ لعلماء المسلمين الذين ينطلقون من رؤية ليبرالية وإنسانية عميقة، تستند إلى تعاليم الإسلام ونهجه،

ومنذ ذاع خبر وفاته في 11/9 فإن ما لا حصر له من المواقع الإلكترونية الآسيوية والغربية لم تتوقف عن رثائه والإشادة بدوره التنويري الكبير. لكنه لم يشر إليه بخبر واحد في بلده مصر.
صحيح أنه استقر في الولايات المتحدة منذ ثلاثين عاما تقريبا (في عام 1978)، وعمل هناك دارسا وباحثا وأستاذا في جامعة برينستون إلا أنه حينذاك كان في الخمسين من عمره، وكان قد قطع شوطا مهما من رحلته الفكرية، حيث اتسمت كتاباته بالجرأة في خوض آفاق الاجتهاد والتجديد، كما اتسمت مواقفه وآراؤه بالسماحة وسعة الأفق والانحياز الشديد للعقل ولقيم الحرية والديمقراطية والمساواة، منطلقا في كل ذلك من فهمه العميق للإسلام.
حين انتقل إلى الولايات المتحدة كان الدكتور فتحي عثمان قد أثبت حضوره في مصر والعالم العربي. كان قد حصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة في التاريخ وأخرى في القانون. وعمل أستاذا في جامعة الأزهر وفي المملكة العربية السعودية والجزائر.
وأصدر نحو 25 كتابا، أهمها وأبرزها مؤلفه «الفكر الإسلامي والتطور»، الذي صدر في بداية الستينيات (كان أول ما قرأته له)
وعالج فيه عديدا من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجسارة لم تكن مألوفة آنذاك. وإلى جانب اللغط الذي أثاره آنذاك في الأوساط الإسلامية، أصدر أحدهم ردا عليه في كتاب كان عنوانه: «الفكر الإسلامي والثبات».
قبل أن يستقر في الولايات المتحدة كان قد قضى بضع سنوات في لندن رئيسا لتحرير مجلة «أرابيا» وكنت نائبا له فيها، ولأنها كانت تصدر بالإنجليزية فقد صارت الجسر الذي أوصله إلى مجتمعات المسلمين وغير المسلمين في آسيا وإفريقيا فضلا عن العالم الغربي بطبيعة الحال. الأمر الذي أدى إلى توسيع دائرة تأثيره ومن ثم مضاعفة قرائه وتلاميذه ومحبيه.
وهو الدور الذي تعزز بمضي الوقت، حين استمر يكتب بالإنجليزية، حيث أصدر في الولايات المتحدة نحو 15 كتابا، انطلق فيها من موقعه كمجتهد ومجدد وقارئ عصري للقرآن - تتصدر تلك المجموعة ثلاثة كتب
أهمها مؤلف كبير في ألف صفحة عن مفاهيم القرآن والتصنيف الموضوعي لآياته.
كتابه الثاني عن «الآخر» من وجهة النظر الإسلامية.
أما الكتاب الثالث فهو تحت الطبع وموضوعه الأساسي هو «الثابت والمتحول في الجهاد والحدود»،
وتلك الكتب التي أصدرها إلى جانب محاضراته وأبحاثه الأخرى حفرت له مكانا بارزا بين كبار المثقفين المسلمين في الولايات المتحدة، وإحاطته بهالة من التقدير والاحترام الشديدين من جانب المثقفين والأكاديميين الغربيين.
يدهش المرء كيف أن عالما مصريا (من أبناء محافظة المنيا) يتمتع بذلك الثقل وتلك القامة. يتجاهله بلده فيضن عليه بأي جائزة تقدره في حياته ويبخل عليه الإعلام بكلمة ترثيه بعد مماته ــ صحيح أيضا أنه ظل عازفا عن الأضواء، ومكتفيا بدوره كمفكر وكاتب، إلا أنه ظل حريصا على أن يبقى صاحب مدرسة وليس عضوا في شلة أو عازفا في جوقة،

وصحيح أيضا أنه غاب عن مصر نحو ثلاثة عقود، إلا أن حضوره في العقل الإسلامي ظل يتزايد حينا بعد حين ودوره التنويري لم يتوقف يوما ما.
لو أنه كان نافرا من الإسلام وداعيا إلى تفكيكه والتشكيك في تعاليمه، لصفق له دعاة «التنوير الزائف» ولانهالت عليه الأوسمة والجوائز وقصائد المديح من الكارهين المتنفذين،
لكن لأنه ظل قابضا على جمر إيمانه ومعتزا بدينه بحسبانه سبيلا إلى النهوض والتقدم، فقد ظلم حيا وميتا ــ حسبه أنه لقي ربه راضيا مرضيا.
...........................

25 سبتمبر، 2010

ليس آخر كلام

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 16 شوال 1431 – 25 سبتمبر 2010
ليس آخر كلام – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_25.html


منذ حضر الرئيس حسنى مبارك إطلاق المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى واشنطن والصحف المصرية بوجه أخص تتحدث بلغة التفاؤل بنجاح تلك المحادثات.
ذلك أننا اعتدنا أن تكون كل رحلات الرئيس ناجحة، وكل محادثاته إنجازات وكل أحاديثه رؤى ثاقبة وخطط عمل ومنعطفات تاريخية.

لكن المشكلة أن الوضع اختلف فى الحالة التى نحن بصددها، لأنه لم يكن وحيدا فى المشهد، ومن ثم فإذا جاز لنا أن نعتبر أن كلامه فى مصر يمكن أن تنطبق عليه تلك الأوصاف، فإن ذلك لا ينسحب بالضرورة على كلامه خارج حدودها.
ولأنه لم يكن المتحدث الوحيد وإنما كان هناك متحدثون آخرون، فقد أصبح من الصعب أن نعتبر ما قاله آخر كلام فى الموضوع،
وزاد الأمر حرجا أن وزير الخارجية المصرى والمتحدث باسم الرئاسة رددا كلام الرئيس، حيث شددا على ضرورة وقف الاستيطان وعلى أن الهدف من المفاوضات هو الإعداد لقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
وهو كلام ردده أبومازن وبعض أعضاء الوفد الفلسطينى، الذين أضافوا أنهم سوف ينسحبون من المفاوضات إذا استأنفت إسرائيل مشروعاتها الاستيطانية بعد انتهاء المهلة التى أعلنت لتجميدها (غدا 26 سبتمبر)
وهو كلام احتفت به وسائل الإعلام المصرية والعربية وصدرت به عناوين صفحاتها الأولى باعتبارها أخبارا مهمة.
لكن أحدا لم يتوقف عند الرد الإسرائيلى على ذلك الكلام الذى توزع على اتجاهين.
فمن ناحية كرر المسئولون أكثر من مرة أن الاستيطان لن يتوقف بعد المهلة.
ومن ناحية أخرى، ذكر بنيامين نتنياهو فى أكثر من تصريح أن الموقف يمكن التعامل معه من خلال «حلول خلاقة».
(لاحظ أن الكلام يركز على الاستيطان لكن أحدا لم يذكر إنهاء الاحتلال، الذى هو أصل البلاء كله).
ذلك أنه يعلم جيدا أنه لا يستطيع الاستجابة لمطلب تجميد الاستيطان، لأنه إذا فعلها فإن ذلك سيؤدى إلى إسقاط حكومته وانفضاض الائتلاف الذى أقامه لتشكيلها.
لذلك فإنه لجأ إلى ذلك التعبير المراوغ والخبيث، الذى يبحث بمقتضاه عن حيلة مقبولة وغطاء لغوى مناسب يكفل بهما استمرار الاستيطان وفى الوقت ذاته يريح الجهات الداعية إلى تجميده، خصوصا البيت الأبيض.
والمقصود بالحل الخلاق هو أن يظل نتنياهو ثابتا على موقفه لكنه يغطى ذلك الموقف بغلالات تستره بما يريح الرافضين له.
ذلك أن طبيعة الخلل فى موازين القوة بين الطرفين يسمح للطرف الأقوى بأن يفرض إرادته، مطمئنا إلى أن الطرف الفلسطينى المقابل ليس أمامه خيارات أخرى تتجاوز مناشدة الأمريكيين والاحتماء بالرباعية الدولية،
ولن أستغرب إذا ما احتال علينا نتنياهو ولم يكتف بستر استمرار الاستيطان فى ظل «الحل الخلاق» الذى يبتدعه، وإنما يطالب بقبض ثمن «التنازل» الذى ضحك علينا به، وقد يكون الثمن المطالبة بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية.
علما بأن الصحف الأمريكية تحدثت عن مطالبة الإسرائيليين للبيت الأبيض بإطلاق سراح جوناثان بولارد، الأمريكى الذى ثبت تجسسه لحساب إسرائيل وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ورفضت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة خلال السنوات الماضية طلبات العفو عنه وإطلاق سراحه.
إن التفاؤل الذى أشاعته تصريحات الرئيس مبارك ومعاونيه بخصوص المفاوضات فيه من التمنيات والمبالغة الإعلامية بأكثر مما فيه من التعبير عن الحقيقة.

وهو ما يذكرنى بالقصة التى يرويها العقيد القذافى لزواره، حيث حكى أن رئيسا عربيا من أصدقاء واشنطن زاره فى طرابلس، وروى له كيف أنه نقل عنه صورة طيبة للغاية أمام الرئيس بوش،
لكنه حين سأل ضيفه عن رد الرئيس الأمريكى على ما سمعه منه، قيل له إن بوش لم يرد، واكتفى بهز رأسه شاكرا وممتنا. وهو ما فهم منه القذافى أن الرد كان سلبيا.
إن العبرة ليست بقوة التصريحات التى تصدر عن زعمائنا، ولكنها بقدرة أولئك الزعماء على الثبات على مواقفهم على موائد المفاوضات وليس فقط على شاشات التليفزيون.
.......................

23 سبتمبر، 2010

استقووا فكشفوا ضعفهم

صحيفة الشرق القطريه الخميس 14 شوال 1431 – 23 ستمبر 2010
استقووا فكشفوا ضعفهم - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_23.html

الذي حدث مع المتظاهرين ضد التوريث في القاهرة والإسكندرية أمس الأول يدل على أن نظامنا فقد أعصابه ولم يعد يحتمل صوتا معارضا يخرج إلى الشارع. حتى إذا كان المتظاهرون بضع عشرات.

ذلك أن الحشود الأمنية الكبيرة التي أعدت لمواجهة مظاهرات الشوارع، والقسوة المفرطة التي تم التعامل بها معهم، وعمليات الاعتقال التي تعرض لها الذين يرفعون اللافتات أو يرددون الشعارات، ذلك كله يبعث إلى المجتمع برسالة تخويف وترويع مطلوب أن تبقى حية في الذاكرة طوال الوقت.

ولو أن الذين حشدوا تلك الحشود ووضعوا الخطط لسد منافذ الشوارع وحصار المتظاهرين وأعدوا فرق الكاراتيه لمتطلبات الاشتباك والضرب والسحل، لو أنهم تصرفوا بصورة أكثر عقلانية وتحضرا لكسبوا احترام الناس وتعاطفهم، بدلا من توسيع دائرة السخط والنقمة عليهم.

إذ ما الذي يفزع النظام في مصر بسكانها الذين يزيد عددهم على ثمانين مليونا، حين يخرج بضع عشرات من المواطنين في مظاهرة ترفض التوريث أو تحتج على سياسة الحكومة؟
علما بأن أولئك العشرات يقاربون عدد الجالسين على مقاعد أي مقهى، أو الواقفين في انتظار حافلة الركاب أو المترو،
ومن الذي ثبت بحقه الخوف في هذه الحالة، المتظاهرون الذين خرجوا إلى الشارع ورفعوا صوت الاحتجاج ضد السلطة، أم جهاز الشرطة الذي استنفر واهتز فسارع إلى تطويق المتظاهرين وقمعهم.

بكلام آخر فإن الذين أرادوا استعراض القوة قدموا دليلا على شدة الضعف. ذلك أن القوى في الشأن العام ليس من يلوح للناس بهراوته في كل حين. (العرب تقول إن من طالت عصاه قلَّت هيبته)، لكنه من يثبت في مكانه واثقا من قدرته ومستعليا فوق انفعالاته، ومقدما الحكمة والسياسة على المناطحة والتياسة.في اليوم الذي عمدت الشرطة إلى سحق المتظاهرين ضد التوريث تلقيت اتصالا هاتفيا من محامٍ كبير صديق لي، أبلغني بصوت منفعل أن ابنه ذهب إلى أحد أقسام الشرطة في القاهرة لاستخراج صحيفة الحالة الجنائية (فيش وتشبيه)،
وبينما هو واقف في الطابور ينتظر دوره مر أحد الأشخاص إلى جانبه بسرعة محدثا صدمة قوية بكتفه، فما كان من الشاب إلا أن قال للشخص المار، «يا أخي خذ بالك»، فما كان من صاحبنا إلا أن استدار ووجه صفعة قوية إلى شاب آخر كان يقف خلفه ظنا منه أنه من صدرت عنه الملاحظة.
ولم يكتف بذلك، ولكنه انهال عليه بالضرب وسط ذهول الواقفين، ثم واصل سيره إلى داخل المبنى.
وتبين بعد ذلك أن الشخص المار ضابط شرطة في القسم، لم يعجبه تعليق الشاب و«تطاوله» بالملاحظة التي أبداها.
قال صاحبي: إن ابنه أصيب بالهلع من المنظر، فلم يجرؤ أن يخبر الضابط بأنه هو من صدرت عنه الملاحظة وليس الشخص الآخر، خصوصا أن الخوف انتابه حين رآه ينهال بالضرب على ذلك الشخص، فآثر الخروج من الطابور وانخرط في البكاء تأثرا بما حدث.
في اليوم نفسه، قرأت في إحدى الصحف الصباحية أن المحامي العام لنيابات غرب الإسكندرية أصدر أمرا بالتحقيق مع 6 من ضباط الشرطة قتلوا أحد أرباب السوابق أثناء محاولة القبض عليه، بأن أطلقوا عليه 80 رصاصة أثبتها الطب الشرعي،
في حين أن الضباط ذكروا أنهم لم يستخدموا الرصاص ضده، عندئذ تذكرت قصة الشاب خالد سعيد ابن الإسكندرية، الذي اتهمت الشرطة بقتله أثناء محاولة القبض عليه،
ونفت الداخلية ذلك في بيان رسمي، ثم تاهت أوراق القضية وجرى التسويف فيها، في حين ظل اتهام الشرطة بالمسؤولية في الحادث متداولا على الألسنة ومستقرا في الأذهان.
حين وجدت أن الشرطة سحقت المتظاهرين ضد التوريث، وأنها لم تتردد في سحق غيرهم رغم أنهم لا علاقة لهم بالتوريث أو بأي شيء في السياسة، قلت إن الشرطة بهذا الأداء أصبحت جزءا من المشكلة، بحيث إن الازدراء بالشعب وتحقيره، لم يعودا مقصورين على رجال السلطة والسياسة وحدهم، وأن ذلك أصبح دأب رجال الشرطة أيضا،

ووجدت أن عبد الرحمن الكواكبي قالها في كتاب طبائع الاستبداد، حين ذكر أن الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، وأن الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة ثم من دونه لؤما.
............................

22 سبتمبر، 2010

في درء تضارب المصالح

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 11 شوال 1431 – 20 سبتمبر 2010
في درء تضارب المصالح – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_22.html

حين يصبح الأطباء الكبار مستشارين لدى شركات الأدوية العملاقة أو تربطهم بها أي علاقات خاصة، فإن شبهة تضارب المصالح تطل برأسها، بما يجرِّح عدالة الأطباء واستقامتهم المهنية.
وهو ما سارعت كلية الطب بجامعة هارفارد إلى علاجه، حين وجدت أن 60٪ من رؤساء الأقسام العاملين بها يعملون كمستشارين علميين لتلك الشركات.
إذ منعت قبول الهدايا والهبات التي تقدمها إليهم. وفرضت على العاملين فيها الإبلاغ بدقة عما يتلقونه من أموال جراء نشاطاتهم العلمية خارج الكلية. وتعاملت بحزم مع كل ما من شأنه إثارة الشبهة حول احتمال تضارب المصالح بين النشاط الأكاديمي والنشاط التجاري.

الموضوع أثير أيضا في ولاية نيوجيرسي، حيث فتحت وزارة العدل تحقيقا جنائيا مع أربع من أصل خمس شركات تعمل في صناعة الأجهزة الطبية، حين تبين أن تلك الشركات عقدت اتفاقات «استشارية» مع جراحي تقويم العظام، كوسيلة لترويج منتجاتها،
وتبين من التحقيق أن الشركات تدفع عشرات بل مئات الآلاف من الدولارات للجراحين في إطار عقود استشارية، كما أنها تغدق عليهم أيضا الرحلات السياحية والمكافآت المالية إضافة إلى العلاوات الاستثنائية الباهظة؛ لكي يقوموا بتشجيع مرضاهم على الاعتماد على إنتاجها.

في السياق ذاته، أجرى السيناتور تشارلز جراسلي من ولاية «أيوا» تحقيقا عن تضارب المصالح في عدد كبير من المستشفيات الجامعية والمراكز الطبية الأكاديمية، بما فيها كلية الطب بجامعة هارفارد،
ونشرت صحيفة نيويورك تايمز في عام 2008 بعض خلاصات التقرير التي بينت أن معظم الجامعات غير قادرة على ضبط تضارب المصالح في كلياتها.
ووصف أحد الباحثين في السياسة الصحية تلك الترتيبات الاستشارية بأنها «إحدى أكبر الخدع على الإطلاق».

وكان المشرفون على عيادات نظام الرعاية الصحية في مستشفى ماسا تشوستس الجامعي قد شعروا بالقلق إزاء المشكلة التي تولدها تلك العلاقات. وأصبح ذلك حافزا لإطلاق حملة في سنة 2007 استخدمت وضع سياسة صارمة لضبط العلاقة مع الشركات العملاقة.
فقد حظر قبول الهدايا والدعوات العامة إلى المطاعم وأماكن الترفيه. مع التركيز على حصر الاستشارات في المسائل العلمية الفعلية التي لا تتصل بعمليات التسويق.
وكذلك جرى تقليص قدرة ممثلي الشركات على الوصول إلى الطواقم الأكاديمية بصورة مباشرة.

في بداية تطبيق هذه السياسة المتشددة سادت شكوك كثيرة، إذ استاء بعض الأطباء من فكرة أن قبول كوب تذكاري أو دعوة على العشاء تسيء إلى ما يصدرونه من أحكام طبية.
وقلق البعض من خسارة دعم الشركات للتعليم الطبي، وأيضا من عدم إمكانهم البقاء على اطلاع على آخر التطورات في مجال الأدوية والأجهزة الطبية.
ولكن بعد 3 سنوات من تطبيق هذه الضوابط كف الجميع عن التذمر، وأدركت الأغلبية الساحقة أن الوضع قد أصبح أكثر استقرارا واحتراما، وأن الطواقم الطبية الأكاديمية غدت محاطة بقدر كبير من الثقة والتقدير.

هذه خلاصة لتقرير وقعْتُ عليه في صحيفة الحياة اللندنية (عدد 12/9) ووجدت فيه نموذجا لما ينبغي أن تقوم به المؤسسات العلمية دفاعا عن رصيدها من الثقة والاحترام.

كما أنه ذكرني بما سبق أن أثبته في هذه الزاوية من الصفقات التي تعقدها بعض شركات الأدوية مع عدد من الأطباء لتسويق إنتاجها وحث المرضى على شرائه.

في ذات الوقت فإن التقرير حين ركز على فكرة تضارب المصالح فإنه أشار إلى داء تفشى في مصر أدى إلى إهدار هذه القيمة، بحيث أصبح ذلك التعارض أمرا مقبولا ولا غرابة فيه في أوساط رجال الأعمال الذين أصبحوا وزراء ومسؤولين عن مناقشة الخطة والموازنة،
والقضاة الذين أصبحت الحكومة تنتدبهم إلى الشركات،
والصحفيين الذين تحولوا إلى مستشارين للوزراء.
وأقرانهم الذين تحولوا إلى أبواق للحكومة في برامج التليفزيون الرسمي... إلخ،

إنهم هناك يلاحقون الفساد في مظانه حماية للنظام العام.
أما نحن فقد أصبحنا نرعى الفساد ونقننه لتوسيع قاعدة المنتفعين والأنصار.
وذلك هو الفرق بين من يدافعون عن الوطن ومن يدافعون عن النظام.
......................

21 سبتمبر، 2010

الانقلاب الديمقراطى فى تركيا – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 12 شوال 1431 – 21 سبتمبر 2010
الانقلاب الديمقراطى فى تركيا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_21.html
لو أن أحدا تحدث قبل عشر سنوات بما حصل فى تركيا هذه الأيام لاتهم بالسفه والخرف، هذا إذا لم يقدم إلى القضاء بتهمة الازدراء بالعلمانية.

(1)

أكثر من واحد فى اسطنبول قالوا لى إن تركيا عاشت فرحتين ونصفا فى شهر سبتمبر الحالى.
الأولى فرحة عيد الفطر
والثانية فرحة تأييد الأغلبية لتعديل الدستور.
أما النصف فتمثل فى فوز تركيا بالمرتبة الثانية فى مسابقة كأس العالم فى كرة السلة (الولايات المتحدة احتلت المركز الأول).
بطبيعة الحال فإن الفرحة من نصيب الذين أيدوا التعديلات وصوتوا لها، وهم يطلقون على الحدث أوصافا عدة.
فمن قائل إنه بمثابة ثورة صامتة،
وقائل إنه انقلاب ديمقراطى.
منهم من ذكر أنه الإعلان الشرعى عن ميلاد الجمهورية التركية الثانية وطى صفحة دولة العسكر.
أما المعارضون فإنهم تحدثوا عن «رصاصة فى قلب الكمالية»
وحذروا من «طوفان الطغيان القادم»،
ومنهم من أبدى أساه معتبرا أن تركيا باتت «ذاهبة إلى المجهول»،
وأنها «فقدت حصانتها»،
وهذه العبارات التى ذكرتها كانت عناوين لمقالات نشرتها الصحف خلال الأسبوع الذى أعقب إعلان النتائج.

لم يخل المشهد من رموز لها دلالاتها الموحية، فتحديد موعد الاستفتاء فى الثانى عشر من شهر سبتمبر أثار الانتباه. ذلك أنه اليوم الذى تم فيه أسوأ انقلاب عسكرى فى تاريخ الجمهورية بقيادة قائد الجيش كنعان ايفرين، وأدى إلى قتل المئات والزج بالآلاف فى السجون.
وهو من أمر بصياغة دستور جديد (صدر فى عام 1982)، ليضمن تشديد قبضة العسكر على البلاد وتأييدها،
وقد تضمن الدستور آنذاك 170 مادة، وتعرض للتعديل ومحاولة سد ثغراته 15 مرة من خلال البرلمان خلال العقود الثلاثة الماضية،
لكن ما جرى مؤخرا كان أول تعديل يتم من خلال استفتاء شعبى، وقد اعتبر الاستفتاء فى ذلك اليوم بالتحديد بمثابة رسالة ضمنية تعلن طى صفحة تلك المرحلة، وبدء مرحلة ما بعد هيمنة العسكرى.

هذه الرسالة أكدها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان فى أول خروج له إلى مكان عام، حين ذهب إلى صلاة الجمعة (يوم 17/9) فى مسجد الصحابى أبوأيوب الأنصارى باسطنبول، حيث قام وهو فى طريقه إلى المسجد بزيارة قبر عدنان مندريس رئيس الوزراء الأسبق الذى كان هو ووزيرا الخارجية والمالية من بين الذين قرر كنعان ايفرين إعدامهم بعد نجاح انقلاب عام 1980،
وكان عدنان مندريس رجلا إصلاحيا وصالحا، ويذكر له أنه من أمر بأن يتم الأذان للصلوات باللغة العربية، بعدما قرر سابقوه رفعه باللغة التركية.

(2)

المعركة كانت شرسة ومصيرية. هكذا قال حيدر يلدز رئيس الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية فى اسطنبول، مضيفا أنها كانت شرسة لأن أحزاب المعارضة اتحدت ضد حزب العدالة رغم ما بينها من تباينات وخصومات (فى تركيا 40 حزبا).
ليس ذلك فحسب وإنما انضم إلى المعسكر ذاته غلاة العلمانيين من مدنيين وعسكر وأصحاب رءوس الأموال والإعلام المناوئ والكاره.
وكان واضحا أن الأصابع الإسرائيلية والأطراف الموالية لها حاضرة فى الحملة المضادة، ومعهم جهات أمريكية أقلقها موقف الحكومة التركية إزاء الفلسطينيين ورفضها توقيع العقوبات على إيران.

وكان للإعلام دوره فى التخويف من حزب العدالة حيث استخدم الحجة التقليدية التى تغمز فى قناة الحزب مشيرة إلى الخلفية الإسلامية لقادته وتستخدم فزاعة «الأجندة الخفية» التى لا يراها أحد ولا يستطيع إثباتها.
وإلى جانب الحملات الإعلامية كانت هناك استطلاعات الرأى التى مال بعضها إلى أن حزب العدالة لن يفوز بأكثر من 50 أو 51٪ من أصوات الناخبين (مراسل إحدى القنوات العربية ذكر أنه لن يحصل على أكثر من 45٪).
الأمر الذى يعنى احتمالين لا ثالث لهما. أنه فى ظل ال50 أو 51٪ فإن ذلك سيعنى انقسام المجتمع التركى بما يفتح الباب لاحتمالات الانقلاب العسكرى.
أما فى الحالة الثانية فإن النسبة ستعنى هزيمة حزب العدالة وإجراء انتخابات جديدة تمهيدا لكسر شوكته ومن ثم إقصاؤه عن صدارة الساحة السياسية.

فى مواجهة حملة التخويف وشيطنة حزب العدالة، قرر المسئولون عن حملته الانتخابية أن يرفعوا شعار
«الحاكمية للشعب والقانون وليس للقوة».
وليس سرا أنهم استثمروا أجواء شهر رمضان لإيصال رسالتهم إلى أوسع دائرة ممكنة من الناس، وكانت التعليمات التى صدرت للقائمين على الحملة ألا يفطر أحدهم فى بيته طوال الشهر. وإنما على الجميع أن يصطحبوا أسرهم كل يوم للإفطار مع الناس فى الشارع.
وفى مدينة اسطنبول مثلا (9 ملايين ناخب) كانوا يغلقون شوارع بأكملها ويدعون الأهالى للإفطار معا. بعضهم كان يسهم بإفطاره والبلديات كانت تتكفل بالباقى (فى مدينة اسطنبول 39 بلدية منها 26 فاز فيها حزب العدالة).
حفلات الإفطار هذه جرى تقليدها فى بقية البلديات وتحولت إلى خيام رمضانية مقامة فى الهواء الطلق، وشهدت عديدا من الأنشطة الثقافية والترويحية التى استفاد منها حزب العدالة كثيرا.

(3)

حين رفع حزب العدالة شعار «الحاكمية للشعب والقانون وليس للقوة»، فإن دعوته كانت واضحة فى التمرد على وصاية العسكر والتطرف العلمانى الذى احتكر المؤسسة القضائية وتحصن بها.
وهى الوصاية التى ثبتها دستور عام 1982، بحيث جعل لهذين الطرفين اليد العليا فى إدارة شئون البلاد.
هذه الوصاية كانت من أهداف أول دستور صدر فى العهد الجمهورى عام 1924 (بعد إلغاء الخلافة الإسلامية)، حيث اتكأ عليها حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه أتاتورك، وظل محتكرا للسلطة حتى سنة 1950، لكن قبضته تراخت وصورته اهتزت فى ذلك العام، لأن تعديلا أدخل على الدستور فى سنة 1946، سمح بالتعددية الحزبية، وحين أجريت الانتخابات على هذا الأساس ذلك العام (1950) هزم حزب الشعب، أمام الحزب الديمقراطى بقيادة عدنان مندريس، وهو ما أغضب العسكر الذين نصبوا أنفسهم حراسا على تراث العلمانية الكمالية، إذ اعتبروا أن هزيمة الحزب الذى أسسه أتاتورك إهانة لمبادئه وتمردا على مشروعه السياسى.
وردوا على تلك الإهانة بالانقلاب الأول الذى قاده الجنرال جال جورسيل فى عام 1960، وطالبوا بإعادة صياغة الدستور بحيث عززت الصياغة الجديدة مبدأ الفصل بين السلطات، ومن هذا الباب جرى توسيع نفوذ القضاء، بحيث تم تشكيل المحكمة الدستورية العليا، التى أريد لها أن تصبح الذراع القانونية للعسكر.

وتظل أداة قمع الذين يناوئون الخط السياسى المرسوم. بعد ذلك وقع الانقلاب الثانى فى عام 1971، الذى لم يتطرق قادته إلى تعديل الدستور، لكنهم أرادوا تصحيح مسار الائتلاف السياسى الحاكم، انطلاقا من الدور الوصائى الذى درج الجيش على القيام به، وهو وضع استمر نحو عشر سنوات لم تعرف تركيا خلالها الاستقرار السياسى، فقام قائد الجيش وقتئاك كنعان ايفرين بانقلابه الذى صدر فى ظله دستور عام 1982.

خلال الثلاثين سنة التى أعقبت انقلاب كنعان ايفرين حدثت تغيرات مهمة فى المجتمع التركى، على الصعيدين السياسى والاجتماعى. لكن مراكز الوصاية والسيطرة ظلت جامدة فى مواقعها.
ولم ترفض التعاطى مع تلك التغيرات فحسب، ولكنها عمدت إلى تحديها ومحاولة قمعها.
فقد أجبر العسكر رئيس الوزراء الدكتور نجم الدين أربكان ان يستقيل فى عام 1997،
وفى عام 2000 لاحق المدعى العام ساجيت كاسابو الجنرال كنعان ايفرين واتهمه بالمسئولية عن الجرائم التى ارتكبت إثر انقلاب 1980 الذى قاده. لكن المحكمة الدستورية العليا ومجلس القضاء الأعلى أقالا المدعى العام من منصبه.
وحين نقضت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قرار إقالته، فإن المحكمة الدستورية ومجلس القضاء رفضا الامتثال لقرارها.
وفى عام 2005 حين قامت مجموعة من ضباط الأمن الذين تنكروا بلباس مدنى بالهجوم على إحدى المكتبات لتوجيه الاتهام إلى حزب العمال الكردستانى، فإن قائد القوات البرية الجنرال بيوك آنيط أثنى على الهجوم وأيده.
وحين هم المدعى العام فى المنطقة بملاحقة الضباط فإن رئاسة الأركان منعت محاسبة قائد القوات البرية، وتدخلت المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى لمنع ملاحقة العسكر.

الحالات الأخرى المماثلة لا حصر لها، وكلها تدل على شىء واحد هو أن العسكر والعصبة التى سيطرت على القضاء تصرفوا كدولة فوق الدولة وفوق القانون وحكومة حاضرة تتحدى الحكومة الشرعية المنتخبة من الشعب.

(4)

خبرة السنوات الثمانى التى خلت أقنعت حكومة حزب العدالة أن الأغلبية التى حصل عليها الحزب فى البرلمان ليست كافية فى تنفيذ برنامجها، لأن «الحكومة الأخرى» تقف لها بالمرصاد، لذلك فلم تجد مفرا من إعادة النظر فى صلاحياتها لتمكين المؤسسات المنتخبة من الشعب من مباشرة مهامها، وأدركت أنه لكى تصبح فى تركيا حكومة شرعية واحدة، فلابد من إدخال بعض التعديلات على الدستور الحالى لفتح الباب أمام صياغة دستور مدنى جديد يحل محل دستور العسكر الذى صدر عام 1982.

كانت صحيفة «طرف» الليبرالية قد نشرت قبل سنتين وثيقة تحدثت عن إعداد لإثارة الفوضى يفتح الباب للقيام بانقلاب عسكرى. وتبين من التحقيقات أن نفرا من كبار الضباط الحاليين والمحالين إلى التقاعد ضالعون فى العملية، بالتعاون مع منظمة اركنجون السرية ذات التاريخ الطويل فى المؤامرات والاغتيالات والانقلابات السابقة.
ورغم أن قضية الشبكة مازالت منظورة أمام القضاء، إلا أن اكتشافها سبب إحراجا لقيادة الجيش، وأساء إلى سمعته أمام الرأى العام، خصوصا حين أدرك الناس أن الحكومة التى صوتت الأغلبية لصالحها، يعمل بعض قيادات الجيش على الانقلاب عليها وإسقاطها، وكان ذلك ضمن العوامل التى شجعت الحكومة على تقليص نفوذ العسكر فى المجال العام، خصوصا فى مجلس الأمن القومى، الذى لم يعودوا يشكلون أغلبية فيه.

وخطت الحكومة خطوة أخرى مهمة فى التعديلات الأخيرة حين حظرت محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية التى لا نظير لها فى الدول الديمقراطية، وأجازت محاكمة قادة الجيش أمام القضاء العادى، إذا ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون (كانوا محصنين ضد المحاكمة)
لا يقل عن ذلك أهمية أن التعديلات أجازت الطعن فى قرارات مجلس الشورى العسكرى، التى كانت محصنة ضد النقض. وهو ما فتح الباب أمام أكثر من 320 جنرالا وآلاف الضباط الآخرين لكى يتظلموا من قرارات فصلهم فى حالات «التطهير» المستمرة، (لميولهم الإسلامية فى الأغلب).

فى التعامل مع مؤسسة القضاء نصت التعديلات على زيادة عدد أعضاء المحكمة الدستورية من 11 إلى 17 شخصا. يعين رئيس الجمهورية 14 منهم، من بين المرشحين من جهات عدة، والثلاثة الباقون يعينهم البرلمان، وتوسيع العضوية يتيح الفرصة لتوسيع نطاق التمثيل ويخفف من قبضة العناصر المتطرفة.
وفى السابق كان أولئك القضاة يستمرون فى عملهم إلى ما بعد بلوغهم سن التقاعد (65 سنة)، إلا أن التعديل الجديد حدد مدة العقوبة باثنتى عشرة سنة فقط.

نفس الأسلوب اتبع مع مجلس القضاء الأعلى الذى يعين القضاة والمدعين العامين، إذ كان يضم سبعة أعضاء أصلاء وخمسة مؤقتين. ومن بين السبعة الأصلاء كان وزير العدل ونوابه.
وفى التعديل رفع عدد أعضاء المجلس إلى 32 عضوا. منهم 22 عضوا أصيلا وعشرة نواب. وهؤلاء يحق لرئيس الجمهورية تعيين أربعة منهم. وأعضاء المجلس ينتخبون مباشرة من بين العاملين بالهيئة القضائية فى البلاد الذين يصل عددهم إلى 11 ألف شخص.

هذه التعديلات الخاصة بالجيش والمؤسسة القضائية هى التى استأثرت بالاهتمام وثار حولها الخلاف، من بين ال26 تعديلا التى جرى عليها الاستفتاء، ذلك رغم أن التعديلات الأخرى التى اقترحتها الحكومة عالجت أمورا أخرى مهمة، تعلقت بإنشاء محكمة لحقوق الإنسان وضمانات حرية الإضراب وحظر المنع من السفر إلا بناء على حكم المحكمة وغير ذلك،
وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الاستفتاء الحقيقى كان على الاختيار بين حكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة، وبين حكومة العسكر وعصبة القضاة الموازية.

وهو ما فازت فيه بجدارة الحكومة المنتخبة، الأمر الذى يستدعى قراءة خاصة لمفاجآت الأرقام ودلالاتها فى الأسبوع القادم بإذن الله.
وحتى يحين ذلك فأرجو ألا يضيع أحد وقته فى المقارنة بيننا وبينهم، لأننا أرحنا أنفسنا من البداية ولم نعرف هذه الازدواجية، حيث ليست لدينا أصلا حكومة منتخبة.
.............................

19 سبتمبر، 2010

من يرفع صوت الفلاحين؟!

صحيفة الشرق القطريه الأحد 10 شوال 1431 – 19 سبتمبر 2010
من يرفع صوت الفلاحين؟! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_6391.html
اشترى الفلاحون تقاوي المحصول من الحكومة، ولما تبين فسادها لم يجدوا أمامهم حلا إلا اللجوء إلى الحكومة التي ورطتهم ولم تخلصهم.
هذا حدث في محافظة الأقصر، حين طلبت وزارة الزراعة من الفلاحين أن يتوجهوا إلى الجمعيات الزراعية لكي يحصلوا منها على تقاوي الذرة الشامية، فامتثلوا ثم انتظروا جني المحصول هذه الأيام، لكن أملهم خاب حين فوجئوا بعقم العيدان وتقزيمها وتشوه كيزان الذرة وتفحم شواشيها، ولم تكن هذه حالة فدان أو اثنين أو عشرة، ولكن الكارثة أصابت 5 آلاف فدان في المحافظة.

الخبر الذي نشرته جريدة الأهرام بهذا الخصوص (في 9/9) تضمن تفاصيل ما جرى للفلاحين، إذ نقل على لسان مزارع في قرية الضبعية التابعة لمركز القرنة، اسمه حسين على حسن قوله إنه قام بزراعة 12 فدانا بالتقاوي التي فرضتها عليهم وزارة الزراعة. لكنه لم يصدق عينيه حين رأى النباتات التي ظهرت ولم يكن لها علاقة بالذرة التي اعتاد أن يزرعها.

لقد كلفه الفدان ثلاثة آلاف جنيه، على أمل أن يعطيه ما بين 25 إلى 30 إردبا من الذرة الشامية، الأمر الذي يحقق له ربحا يتراوح بين ستة آلاف وتسعة آلاف جنيه، لكن أحلامه كلها تبددت بعد الذي جرى للمحصول.
وهو لم يكن وحيدا في ذلك. لأن عددا آخر من مزارعي القرية واجهوا نفس المشكلة، وبعدما أسقط في أيديهم، لم يجدوا حلا سوى إرسال سيل من الشكاوى إلى رئيس الوزراء ووزير الزراعة ومحافظ الأقصر، لإغاثتهم وتعويضهم عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بهم.

وكل الذي فعلته الجهات الرسمية التي خاطبوها أنها أرسلت لجنة من الفنيين لمعاينة الزراعات المصابة في مركز القرنة وقرى ونجوع مركزي أرمنت وإسنا وغيرها، لكن اللجنة لم تخطر أحدا بنتيجة أعمالها، وبالتالي لم يتم صرف أي تعويض للفلاحين.

نقل خبر الأهرام عن مهندس زراعي اسمه محمد سعد الدين قوله إن التقاوي التي صرفت للفلاحين كانت فاسدة، وإن تلفها راجع إلى سوء التخزين وعدم النظافة وعدم وجود تهوية جيدة في المخازن الخاصة بوزارة الزراعة والجمعيات الزراعية والإرشاد والتعاون الزراعي.
وهي شهادة إن صحت فإنها تتهم وزارة الزراعة بالمسؤولية المباشرة عن الكارثة وتفرض عليها أن تعوض الفلاحين عما أصابهم.

ما حدث في الأقصر بقلب الصعيد تكرر في المنوفية التي تقع في قلب الدلتا. وما قاله فلاحو الضبعية وأرمنت وإسنا ردده نظراؤهم في قويسنا وبركة السبع والباجور وشبين الكوم. بدءا بالتقاوي التي تسلموها من الجمعيات الزراعية، وانتهاء بالكارثة التي حلت بالمحصول حين جاء أوان الحصاد ووصولا إلى توجيه أصابع الاتهام إلى وزارة الزراعة، التي تجاهلتهم ولم تكترث بشكاواهم واستغاثاتهم.

لم تنشر الصحف شيئا عما حدث في المنوفية، لكني علمت به من أهلنا هناك وتأكدت من صحة المعلومات حين أجريت اتصالا بأحد المسؤولين في مركز البحوث الزراعية بالدلتا، الذي طلب مني ألا أذكر اسمه حتى لا يتعرض للبطش والاضطهاد.
ومخاوفه تلك تدل على أن الوزارة تتكتم على ما جرى (منتهى الشفافية!) ولا تريد لأخبار الكارثة أن تظهر أمام الرأي العام، سواء لكي لا ينفضح أمرها لأنها هي التي ألزمت الفلاحين بشراء التقاوي الفاسدة ثم أدارت ظهرها لهم بعد ذلك. أو لأننا في موسم تسليط الضوء على «الإنجازات» في أجواء الانتخابات التي تقبل عليها مصر.

الملاحظة المهمة في هذا السياق أن الفلاحين ليس لهم كيان يمثلهم ويدافع عن حقوقهم المهدرة. فالعمال لهم اتحاد يمثلهم، وكل مهنة لها نقابة تحمي حقوق العاملين المنسوبين إليها من الأطباء والمعلمين وغيرهما إلى الحانوتية.
وحدهم الفلاحون الذين يزيد عددهم على عشرة ملايين شخص. لا صاحب لهم ولا صوت يتبنى مظلوميتهم. في حين يفترض أنهم مع العمال يمثلون 50 من أعضاء المجالس المحلية والنقابية.

لقد ضحكوا عليهم بحكاية المقاعد، ثم حبسوا أصواتهم، تطبيقا لقاعدة إن الأهم هو «السيستم»!
.................

التحرير قبل الأسلمة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاحد 10 شوال 1431 – 19 سبتمبر 2010
التحرير قبل الأسلمة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_19.html
فى الأخبار أن الشرطة التابعة لحكومة حماس فى غزة أغلقت لمدة ثلاثة أيام منتجعا ترفيهيا تم افتتاحه قبل شهرين بدعوى إقامة حفلات «ماجنة مختلطة».
ونقل عن مسئول فى المنتجع أن عشرة رجال مدنيين مسلحين ملتحين، يعتقد أنهم من المباحث الجنائية، وصلوا إلى المكان قبل ساعة من موعد الإفطار، وطردوا العاملين والزوار الذين بلغ عددهم 150 شخصا.

وحسب الكلام المنشور فإن أولئك المدنيين أغلقوا منتجع «كريزى ووتر» دون أن يكون لديهم إذن من النائب العام يخولهم ذلك.
وقبل ذلك بأسبوعين تقريبا (فى 8/8) نشرت صحيفة الحياة تقريرا عن معاناة سكان قطاع غزة بسبب ما أسمته محاولة أسلمة المجتمع بالقوة، من خلال فرض الزى الإسلامى على طالبات المدارس الحكومية، وتدخل المنسوبين إلى أجهزة الأمن فى خصوصيات المواطنين وحياتهم الاجتماعية.

أدرى أن ثلاثة أرباع الأخبار التى تنشر عن حماس فى غزة لا تذكرها بأى خير، وأنها عادة ما تكون مسكونة بالرغبة فى التشويه والكيد لأسباب مفهومة،
وأن ثمة أطرافا فلسطينية وأخرى عربية ضالعة فى هذه العملية (لا تسأل عن الإسرائيلية).
لكننى سمعت شهادات متواترة أيدت فكرة «الأسلمة» التى تسعى إليها عناصر فى حماس. وهو ما جعلنى أرجح صحة المعلومات التى وردت فى التقريرين اللذين سبقت الإشارة إليهما. من ثم فقد سمحت لنفسى بأن أقول كلمة فى الموضوع.

لا أريد أن أقلل من شأن ثبات حماس وشجاعة قادتها وصمودهم فى مواجهة الابتزاز والعدوان والحصار.
فى ذات الوقت فإننى لا أشك فى غيرة عناصرها أو إخلاصهم فيما يسعون إليه. لكنى أزعم أن التوفيق خانهم فى فكرة فرض الأسلمة بقوة السلطة. وأذهب إلى أبعد زاعما بأن التحرير مقدم على الأسلمة، كما أن الأنسنة بمعنى أن يشعر كل إنسان بكرامته مقدمة على الاثنين.

قبل أن أشرح هذا المنطوق أستعيد القصة التالية:
حين قام الصرب بعدوانهم على البوسنة، تدفق بعض اللاجئين البوسنيين على العاصمة الكرواتية زغرب هربا من البطش والترويع. وقدر لنا أن نزور أحد المعسكرات التى احتشد فيها أولئك اللاجئون. الذين كانوا خليطا من الرجال والنساء والأطفال.
كنا مجموعة من العرب يتقدمنا الشيخ محمد الغزالى رحمه الله. التقينا ببعض اللاجئين، ونقل إلينا أحد المترجمين ما قالوه عن معاناتهم وهربهم من الموت الذى لاحقهم.
وأثناء الحديث طلب أحد زملائنا السعوديين من المترجم أن يسأل إحدى السيدات البوسنيات لماذا هى ليست محجبة.
سمعه الشيخ الغزالى فالتفت إليه مندهشا وقال بصوت مسموع، هذا من قلة الذوق وسوء الأدب.
ثم وجه كلامه إلى صاحب السؤال قائلا: ألم يشغلك فى كل مأساة السيدة سوى أنها حاسرة الرأس، فتقرعها وتؤنبها بدلا من أن تهدئ من روعها وتطيب خاطرها؟

أتكئ على ملاحظة الشيخ الغزالى فى النظر إلى ما يجرى فى غزة بما يسمح لى أن أصوغ السؤال على النحو التالى:
لماذا ينشغل بعض الغيورين فى حماس بلباس الناس وحياتهم الخاصة، فى حين أن القطاع محاصر بالاحتلال وحياة الناس فيه مهددة وعذاباتهم بلا حدود؟

إن إحدى المشكلات الكبيرة التى يعانى منها الإسلاميون الغيورون تتمثل فى خلل الأولويات واستعجال النتائج. وذلك راجع إلى سوء التقدير والنفس القصير.
تشهد بذلك التصرفات التى تصدر عن البعض فى القطاع والتى سبقت الإشارة إلى بعضها. وفى ظل الظروف التى يعرفها الجميع فإن الأولوية لا ينبغى أن تعطى لقضية الأسلمة، وإنما لتحرير القطاع ومواجهة المخططات التى تدبر له. ويكفى للأسلمة فى الوقت الراهن أن يجسد المسئولون عنه قيم الإسلام بما يحولهم إلى نماذج تحتذى، دونما حاجة إلى قرارات إدارية أو تدخلات مباحث الشرطة الجنائية، علما بأن مدرسة الإسلام تعلمنا التدرج فى التكليف رفقا بالناس، والحكمة فى التعامل مع المنكرات، بما قد يستدعى فى بعض الأحيان قبولا مؤقتا بمنكر أصغر حتى لا يكون البديل عنه وقوعا فى منكر أكبر.

إن استخدام القرارات الإدارية والشرطة فى إحداث التغيير الاجتماعى حقق فشلا ذريعا فى تجارب الأسلمة التى نعرفها. ذلك أن التغيير فى هذا الجانب يتطلب نفسا طويلا، ويكون بالتربية والتثقيف وليس بإجراءات الضبط والتعنيف.
وفى كل الأحوال فإن الحفاظ على كرامات الناس أصل ينبغى عدم التنازل عنه. ومعلوم أن الكرامة بنص القرآن من حقوق الإنسان بصرف النظر عن لونه أو عرقه أو صلته.
ولذلك قلت إن الأنسنة مقدمة على الأسلمة. حيث من لا كرامة له يسقط عنه التكليف ولا تجدى معه الأسلمة.
..........................

18 سبتمبر، 2010

الإعلام أشعل الحريق

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 9 شوال 1431 – 18 سبتمبر 2010
الإعلام أشعل الحريق - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_18.html
بعدما راحت الفزعة وجاءت الفكرة، بدأ البعض يتحدث عن دور الإعلام فى التهويل من فرقعة حرق القرآن، وكيف أنه جعل من الحبة قبة، وحول القس المهووس والمغمور فى فلوريدا إلى شخصية عالمية تتجه إليها الأبصار ويترقب الجميع خطواتها وتصريحاتها، وكيف أن دوائر المتعصبين والكارهين والمتربصين اقتنصت الفرصة وأرادت أن تحول فكرة إحراق المصحف إلى حملة عالمية ضد الإسلام والمسلمين.

الآن يقال إن الفتنة كان يمكن وأدها، وإن الرجل لو أعطى حجمه فتجاهله الإعلام أو لم ينفخ فى كلامه ولم يأخذه على محمل الجد، لاختلف الأمر، ولما صار عدد الذين يحضرون مؤتمراته الصحفية أضعاف أتباع كنيسته الذين يتراوح عددهم بين 30 و50 شخصا. (كما قال السكرتير الصحفى للرئيس أوباما).
وفى حين لم يذكره أحد يوما ما، فإنه وجد نفسه مطلوبا لإجراء 150 مقابلة صحفية خلال شهرى يوليو وأغسطس الماضيين، ووجد أن أفكاره وحملته موضوع للمناقشة فى أهم الصحف الأمريكية والعالمية.

الآن يذكرون أن الرجل تحدث فى عام 2008 عن إحراق المصحف، ودعا الصحيفة المحلية التى تملكها «نيويورك تايمز» فى الولاية إلى حضور الحدث، فاتصل مسئول الصحيفة بإدارة الجريدة فى واشنطن ليخبرها ويستأذنها. فقيل له: اصرف النظر عن الموضوع، فالرجل يريد صخبا إعلاميا لا أحد يعرف مضاعفاته، ولا تريد الجريدة أن تكون طرفا فى لعبته.

مع ذلك فإنه لم ييأس فلجأ فى صيف العام الماضى إلى تعليق لافتة خارج كنيسته حملت عبارة تقول «الإسلام من الشيطان»، ثم أراد أن يلفت الأنظار أكثر، فدفع أتباع كنيسته إلى كتابة عبارات مسيئة للإسلام على قمصان أطفالهم وهم ذاهبون إلى مدارسهم. وهو ما لفت أنظار الصحيفة المحلية، خصوصا حين ظهرت تلك القمصان فى أرجاء جامعة فلوريدا.
وحين حدث ذلك التقطت وكالة أسوشيتدبرس التقرير وبثت خلاصة له، ونشرته بعد ذلك صحيفة «يو إس إيه توداى»، الأمر الذى لفت الأنظار إلى الرجل، خصوصا عندما كتب على موقعه الإلكترونى مقالة قصيرة ردد فيها أفكاره المهينة للإسلام، ودعا فيها إلى حرق المصاحف فى ذكرى 11 سبتمبر. وهى الدعوة التى تلقفتها المواقع الإخبارية الكبرى (مثل ياهو)، ثم استضافته شبكة سى إن إن، حيث وصف المذيع آراءه بالمجنونة.

ولكن دعوة الرجل كانت قد خرجت من الإطار المحلى، وترددت أصداؤها الغاضبة فى أنحاء العالم الإسلامى، حدث ذلك فى الوقت الذى تفجرت فيه قضية المركز الإسلامى بنيويورك، وقد استغلت أطراف عدة لها حساباتها ومصالحها تلك الأجواء لتوسيع نطاق الحريق على النحو الذى يعرفه الجميع.

ويبدو أن بعض المؤسسات الإعلامية انتبهت إلى خطورة الموقف، فقررت الامتناع عن نشر صور حرق المصاحف، وهذا ما أعلنته وكالة أنباء أسوشيتدبرس وصحيفة نيويورك تايمز وشبكة سى إن إن ومحطة فوكس نيوز.
وفى وقت متأخر، بعد أن تراجع الرجل عن قراره أو علَّقه، ذكرت رئيسة التحرير التنفيذية لوكالة أسوشيتدربرس كاثلين كارول أن الأمر كان يمكن أن يعالج إعلاميا على نحو يطفئ الحريق، لو أن الموضوع احتل فقرتين فقط فى خبر إحياء ذكرى 11 سبتمبر.

المشهد يثير قضية حدود المسئولية فى التناول الإعلامى، وهى مسألة دقيقة وسلاح ذو حدين، خصوصا فى المجتمعات غير الديمقراطية التى يمكن أن تستخدم فيها فكرة المسئولية ذريعة للمصادرة والقمع.

والمشكلة ان الدول ذاتها يمكن أن تستخدم الإعلام للتضليل (كما حدث فى الغزو الأمريكى للعراق)، إضافة إلى أن الأطراف صاحبة المصلحة يمكن أن تستخدمه للإثارة والتهييج وتأليب الرأى العام
(كما حدث فى الصور الأخيرة التى سربت لتجريح الدكتور البرادعى وصورة ما سمى بميليشيا الإخوان التى نشرت على يومين متتاليين فى إحدى الصحف «المستقلة» لتبرير الغارة الكبيرة على عناصر الجماعة).

مع ذلك، فلا مفر من الاعتراف بأن أى شرور تنسب إلى الإعلام لا يمكن أن تقارن بالشر الأكبر المتمثل فى مصادرته وتكميمه.
............................

16 سبتمبر، 2010

من عجائب الرؤساء

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 7 شوال 1431 – 16 سبتمبر 2010
من عجائب الرؤساء - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_16.html


من يصدق أن رئيسا للجمهورية يمكن أن يزهد فى المنصب، ويقرر أن يتركه لكى يتفرغ للتعبير عن عشقه للشطرنج؟
الأولى الزهد فى المنصب معقولة فى غير بلادنا بطبيعة الحال،
لكن الثانية غير معقولة فى أى مكان بالكرة الأرضية، باستثناء روسيا الاتحادية، هذا حدث مع كيرسان ايليو مجينوف رئيس جمهورية «كالميكيا» الروسية التى تتمتع بالاستقلال الذاتى وتقع على ضفاف بحر قزوين، (أغلب سكانها من البوذيين).
السيد إيليو مجينوف يرأس جمهورية كالميكيا منذ سبعة عشر عاما (انتخب عام 1993) لكنه انتخب رئيسا للاتحاد الدولى للشطرنج بعد فترة قصيرة من توليه المنصب فى عام 1995، حيث عرف عنه هوسه باللعبة وذيوع شهرته كلاعب ماهر.
وطوال السنوات التى خلت ظلت تتنازعه الرغبة فى التفرغ للهواية التى تعلق بها وعشقها، ويبدو أنه فقد حماسه لرئاسة الجمهورية مؤخرا، فأعلن أنه لن يطلب التجديد لنفسه، مكتفيا بأربع ولايات أمضاها فى منصبه،
وقال فى تصريحات صحفية إنه لن يطلب من الرئيس الروسى أن يمدد له رئاسته للمرة الخامسة، علما بأن رؤساء الجمهوريات التى تتمتع بالحكم الذاتى يعينون من قبل الكريملين ابتداء من عام 2004، وكانوا ينتخبون قبل ذلك.
طوال فترة رئاسته ظل صاحبنا يعتبر بلده جمهورية كالميكيا هى عاصمة الشطرنج فى العالم، ولذلك أنشأ فى عاصمتها (اليستا) ما اطلق عليه «مدينة الشطرنج» وهى عبارة عن مجمع من المبانى مخصص لأنشطة هواة اللعبة،
الطريف أن رئاسة الرجل لاتحاد الشطرنج ليست مضمونة، لأن لاعبا روسيا كبيرا اسمه أناتولى كاربوف ينافسه على هذا المنصب فى انتخابات لشغل المنصب ستجرى فى 29 سبتمبر الحالى، فى حين أن ولايته الرابعة لرئاسة الجمهورية تنتهى فى 24 أكتوبر الذى يليه.
الذى حدث فى ألمانيا أقل غرابة، وإن اعتبر فى بلادنا من العجائب فى عالم السياسة. ذلك أن الرئيس الألمانى كريستيان فولف الذى انتخب لمنصبه فى 30 يونيو الماضى واجه مشكلة فى تعليم ابنه، حين اضطر إلى الانتقال من هانوفر حيث مقره وموطنه الأصلى إلى العاصمة برلين لتولى مهام منصبه.
إذ حاول إلحاق ابنه الصغير «لينوس» بإحدى الحضانات الحكومية ذات الأسعار الرمزية، لكنه لم يجد مكانا له، فاضطر إلى تسجيل ابنه على قائمة الانتظار لحين خلو أحد الأماكن، حيث تشير الإحصاءات إلى أن فى برلين نحو 117 ألف مكان فى رياض الأطفال، مقابل نحو 152 ألف طفل لمن هم تحت 6 سنوات أما الذين تحت 3 سنوات فإن الأماكن المتوافرة لا تستوعب منهم سوى 43٪ من أطفال المدينة، وبسبب من ذلك يوضع عشرات الأطفال كل عام على قوائم الانتظار حتى تتوافر لهم الأماكن فى الحضانات أو فى المدارس الابتدائية،
ولأن الرئيس الألمانى خارج مكتبه مواطن عادى شأنه شأن غيره من خلق الله، فإنه عجز عن إلحاق طفله بحضانة الحى الذى يقيم فيه، وحين تحدث عن هذا الموضوع إلى وسائل الإعلام فإنه ذكر أن منصبه يحظى باحترام كبير حقا، لكن ذلك لا يعنى أن يغير من نمط حياته هو وعائلته، أو أن يعاملوا معاملة خاصة تميزهم عن غيرهم من المواطنين.
الطريف أن وسائل الإعلام الألمانية حين اهتمت بالخبر وأبرزته، فإنها لم تركز على عجز الرئيس عن إلحاق ابنه بالحضانة واعتبرت ذلك أمر عاديا لا يثير الانتباه، ولكنها اعتنت بالأمر بحسبانه دليلا على وجود أزمة نقص فى الحضانات بالعاصمة.
إن رئيس جمهورية الاتحاد الروسى الصغيرة لم يجد فى منصب الرئاسة ما يغريه بالاستمرار فيه حتى آخر نفس، وأدرك أن رئاسته لاتحاد الشطرنج توفر له متعة لا يجدها وهو رئيس، فانحاز وراء حسه الإنسانى معرضا عن أبهة السلطة وهيلمانها،

أما الرئيس الألمانى فلم ينس أنه فى الأصل مواطن، كل الذى حدث له أنه حين انتخب انتقل من هانوفر إلى برلين، فى حين أن الرؤساء الذين نعرفهم ما إن يقبض الواحد منهم على منصبه حتى ينتقل من مصاف البشر إلى مصاف الآلهة،
ولذلك كان طبيعيا أن يعجز المستشار الألمانى عن حجز مكان لابنه فى الحضانة،
فى حين أن الآلهة فى أقطارنا يحجزون الأوطان كلها لأبنائهم.
.....................

15 سبتمبر، 2010

حلال في الكرة حرام في السياسة

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 6 شوال 1431 – 15 سبتمبر 2010
حلال في الكرة حرام في السياسة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_15.html


ثمة قلق مشهود في الأوساط الرياضية المصرية على المنتخب الوطني لكرة القدم، بعد تعادله مع فريق سيراليون، وفشله في الحفاظ على هيبته كبطل للقارة الإفريقية.

ولأن الموضوع مثار في الصحف اليومية، فقد أتيح لي أن أتابع الآراء التي أبداها الخبراء في تفسير ما وصف بأنه تراجع للفريق ينذر بفقدانه لمكانته.
ولاحظت أن هناك إجماعا بينهم على أن المنتخب ومدربيه دخلوا مرحلة الشيخوخة، وأن الفريق أصبح يعتمد على عدد من اللاعبين الكبار الذين استهلكوا خلال السنوات الست الماضية، ومن ثم تراجع عطاؤهم ولم يعودوا قادرين على الاحتفاظ بلياقتهم البدنية، الأمر الذي أدى إلى إحراجهم في أكثر من مباراة.

وهذه الشيخوخة كانت أيضا من نصيب المدربين واتحاد كرة القدم، والحل كما رأوه هو الشروع على الفور في إحداث التغيير الذي يكفل إمداد المنتخب بعناصر جديدة تضخ في عروقه دماء جديدة.
الشيخوخة لم تكن السبب الوحيد الذي طرح نفسه في الحوار الدائر، لكنها ظلت السبب الأول الذي انعقد من حوله الإجماع،

هناك أسباب أخرى على ألسنة الخبراء منها الوضع الاحتكاري الذي يمارسه فريقا الأهلي والزمالك في الساحة الرياضية.
ومنها طريقة اللعب التي باتت تحتاج إلى مراجعة وتعديل، وغير ذلك من الأسباب الفنية التي لم تساعدني ثقافتي الكروية المتواضعة على استيعابها، إلا أن ما همني في الموضوع هو ذلك الإجماع على شيخوخة نجوم المنتخب،
وذلك الانتقاد لسياسة مقاومة التغيير في تكوين الفريق. والتردد في تطعيمه بالعناصر الشابة والطاقات الجديدة.
وجدت الكلام ينطبق على الحالة السياسية في مصر، بحيث إنك إذا رفعت اسم المنتخب القومي ووضعت بدلا منه لافتة النظام السياسي المصري المشهور بأزهى العصور، لاستقام الكلام وبدت خلاصته منطقية تماما، مع اختلاف في الدرجة وليس في النوع،
بمعنى أن مشكلة الشيخوخة ستظل واحدة في المنتخب والنظام السياسي، إلا أن إرهاصاتها ظاهرة للعيان في حالة المنتخب، وما زالت هناك إمكانية لحل المشكلة وإنقاذ الموقف، في حين أن الحالة متأخرة فيما يتعلق بالنظام المصري.

وإن كان هناك قلق من أن يفقد المنتخب مكانته بعدما أحرج أمام فريق سيراليون، إلا أن فقدان المكانة حدث بالفعل بالنسبة للدولة المصرية، على نحو بات يستدعى تغيير المنتخب السياسي و«مدربه»، وليس فقط تطعيمه بالعناصر الجديدة. فضلا عن أن بعض المراقبين يتحدثون عن دخول المنتخب الأخير في مرحلة ما بعد الشيخوخة، ملمحين إلى ما يسمونه «الزهايمر» السياسي.
سبق لي أن تمنيت إخضاع اللعبة السياسية إلى قواعد وقوانين الفرق الرياضية، حيث ليس هناك لاعب، حتى وإن كان كابتن الفريق يظل مصرا على الاستمرار في اللعب حتى آخر نفس.
وليس هناك لاعب مهما بلغت نجوميته وعبقريته يمكن أن يورث مكانه لابنه بالتدليس والتزوير.
ومن أراد أن يبقى في الفريق فعليه أن يثبت جدارته بلياقته ومهاراته وبخلقه أيضا،
ومن فقد جدارته ولياقته فعليه أن يعتزل بلا تردد.
وهناك معيار واحد لإعلان فوز أي فريق هو إحراز الأهداف حيث لا فوز بالواسطة أو بالغش والتلاعب في الأصوات.
ثم إن المباريات كلها تتسم بالشفافية الشديدة، فكل أحداثها تتلاحق تحت أعين الناس الذين يراقبون أداء الجميع، اللاعبين وطاقم التحكيم والمدربين، ولهم رأي في كل هؤلاء يمكن أن يبقي من أجاد ويقصي من أخطأ.
هذا بعض ما قلته قبل عدة أشهر، بمناسبة موسم انتخابات النوادي الرياضية، التي أعتبرها الانتخابات الوحيدة التي تجرى في مصر بنزاهة ودون تدخل من أجهزة الأمن.
وتمنيت وقتذاك أن تنتقل عدوى النزاهة من تلك النوادي إلى الانتخابات المحلية والتشريعية، ورغم أنني أدرك أننا في مصر محصنون ضد الإصابة بمختلف فيروسات الديمقراطية، إلا أنها حبكت معي حين وجدتهم يتحدثون عن شيخوخة المنتخب القومي، فتمنيت أن نطبق المعيار ذاته على منتخبنا السياسي، ليس أملا في تغيير شيء من أوضاعنا، ولكن من قبيل ممارسة الحرية الوحيدة التي مازلنا نمارسها ونحن مرتاحون، وهي حرية أن نحلم.
............................

14 سبتمبر، 2010

لماذا يكرهوننا؟ – المقال الاسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 5 شوال 1431 – 14 سبتمبر 2010
لماذا يكرهوننا؟ - فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_14.html

أظن أن من حقنا الآن أن نسأل:
لماذا يكرهوننا في الغرب؟
ولماذا هان أمرنا حتى أصبح يتجرأ على ديننا ومقدساتنا كل من هب ودب من المتعصبين والكارهين؟
(1)
خلال الأسبوعين الأخيرين على الأقل كانت لوثة حرق المصاحف التي خرجت من إحدى كنائس ولاية فلوريدا عنوانا رئيسا في الصحف ونشرات الأخبار.
وقبلها بأسابيع كان الجدل مثارا في الولايات المتحدة حول فكرة «مركز قرطبة»، الذي قيل إنه مسجد يراد له أن يبني بالقرب من موقع البرجين اللذين تم تفجيرهما في هجمات 11 سبتمبر. وهو ما صور بحسبانه استفزازا لمشاعر الأمريكيين وتحديا لهم. الأمر الذي قسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض.

أدري أن الرئيس أوباما أدان اللوثة وأن وزيرة الخارجية تبنت نفس الموقف، الذي عبر عنه آخرون من رموز النظام والقيادات الدينية.
لكن ما حدث أن أصداء الحملة ترددت في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وبدا أن الموج أعلا وأقوى من أن تصده تصريحات السياسيين. ومن ثم أحدث تسميم الأجواء مفعوله في ثلاثة اتجاهات هي:
* إن خطاب المتطرفين والمتعصبين أصبح يربط بصورة مباشرة بين الإرهاب والإسلام، متخليا عن الحذر الذي لاح يوما ما في الفصل بين الاثنين.
* إن مشاعر الغضب عبرت عن نفسها في حوادث عدة تعرض لها المسلمون. فطعن أحد الشبان الأمريكيين بسكين سائق تاكسي مسلم مهاجر من بنجلاديش «علي أحمد شريف» حين تعرف على هويته الدينية. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية على لسان إبراهيم هوبر مسؤول الإعلام في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» قوله إن مساجد المسلمين تعرضت هذا العام لاعتداءات عدة.
فقد فجر رجل قنبلة يدوية الصنع في مركز إسلامي في جاكسونفيل بولاية فلوريدا.
وجرت محاولة إحراق مسجد في أرلنجتون بولاية تكساس.
ووجهت تهديدات أخرى لمسجد في فريسنو بولاية كاليفورنيا. وشب حريق مشبوه قرب موقع يفترض أن يُبنى فيه مسجد بولاية تنيسى.
ــ قبل عشرة أيام أجري استفتاء بين الأمريكيين تبين منه أن أكثر من 60٪ منهم يعارضون بناء مركز قرطبة في موقعه الحالي و10٪ عارضوا مبدأ بناء المساجد في أمريكا وعبر 50٪ من المستطلعين عن نظرتهم السلبية إلى الإسلام، في حين قال 33٪ إن الإسلام يشجع على العنف ضد غير المسلمين. وهذه نسبة تعادل ضعف الذين أيدوا الفكرة ذاتها قبل 8 سنوات، الأمر الذي يدل على تنامي مؤشرات الربط بين الإسلام والعنف.
(2)
الموقف في أوروبا لا يختلف كثيرا. فالتخويف من أسلمة القارة وتحولها إلى أورابيا (أوروبا العربية) يتردد حينا بعد حين، ليس فقط على ألسنة زعماء اليمين الذين يزداد مؤيدوهم في أوروبا، ولكن أيضا على ألسنة بعض مسؤولي الفاتيكان (لا تنس أن البابا الحالي هاجم الإسلام واعتبره ديانة تحض على العنف). إذ قبل أيام قليلة (السبت 4/9) خرجت مظاهرة في باريس ضمت ممثلي 26 منظمة مطالبة بمقاومة «الخطر الإسلامي». ورفع بعض المشاركين في التجمع الذي دعت إليه جمعية «الرد العلماني» كتب عليها: لا للحجاب والنقاب. ولا نريد طالبان في فرنسا.
وظهر أحدهم حاملا علم فرنسا في يد وزجاجة خمر في اليد الأخرى. وقال للصحفيين إننا ضقنا ذرعا بهذه الديانة ولن نسمح للرجال بضرب النساء وتنشر العنف كأسلوب حياة. ومعروف أن فرنسا كانت سباقة إلى حظر الحجاب في المدارس الحكومية، ومنع الظهور بالنقاب في الأماكن العامة، مع فرض غرامات مالية على المخالفات. وهى الصرعة التي ترددت أصداؤها في دول أوروبية أخرى بعد ذلك.
ليست بعيدة عن الأذهان قصة الرسوم الدنمركية التي أهانت النبي محمد عليه الصلاة والسلام. ودافع عنها رئيس الوزراء هناك. وبين أيدينا سجل طويل من التصريحات المعادية للإسلام والمنددة به التي ما برح يطلقها في هولندا القيادي والنائب اليميني جيرت فيلدر، الذي ازدادت شعبيته في الانتخابات الأخيرة، وأصبح حزبه القوة السياسة الثالثة في هولندا. وهو يتزعم الآن حملة لتوحيد جهود اليمين الأوروبي للمطالبة بإخلاء أوروبا من المسلمين. وفي النمسا حملة موازية تتبنى نفس الأطروحات. يقودها حزب الحرية اليميني. الذي فاز بـ17.5٪ من الأصوات في انتخابات عام 2008.
وكان من نتائج التعبئة المضادة أن ظهرت في الأسواق لعبة على الإنترنت باسم «وداعا للمسجد»، يزيل فيها اللاعبون رسوما متحركة يهدمون بها مساجد ومآذن ويتخلصون من مؤذن ملتح يحث المسلمين على الصلاة. وقد حظرت الحكومة تلك اللعبة.
في ألمانيا تتزايد مؤشرات الخوف من الإسلام والمسلمين، بعدما بينت الاستطلاعات التي أجراها معهد «ديماب» أن 70٪ من الألمان يستشعرون ذلك القلق. وقد جاء مقتل الباحثة المصرية مروة الشربيني في العام الماضي على يد أحد العنصريين الألمان، ليلفت الانتباه إلى تفشي «الإسلاموفوبيا» في المجتمع، وإلى دور الأحزاب اليمينية في إذكاء المشاعر المعادية.
وبدرجة أو أخرى خيمت الأجواء ذاتها على سويسرا، التي قاد فيها الحزب اليميني حملة لحظر مآذن المساجد، وأيدت الأغلبية هذا الموقف في الاستفتاء الذي أجري في العام الماضي.
(3)
أوافق تماما على أن حملة العداء للمسلمين والإسلام يقودها نفر من المتطرفين المتعصبين وغلاة المحافظين، وأن في العالم الغربي آخرين أكثر حصافة وتعقلا. لكن الحاصل أن صوت المتطرفين هو الأعلى بحيث مكنتهم ثورة الاتصال من تعبئة الرأي العام واستنفاره. ولذلك فإن شعبيتهم تتزايد، بدليل تزايد الأصوات التي يحصدونها في الانتخابات البرلمانية عاما بعد عام.
أدري أيضا أن ثمة اختلافا في ملابسات ودوافع حملة العداء بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. فالدوافع في أمريكا سياسية بالدرجة الأولى. ونفوذ اللوبي الصهيوني وغلاة المحافظين لا ينكر هناك. ثم إن هناك رأيا قويا يربط بين اشتداد الحملة في الوقت الراهن وبين انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، التي يأمل الجمهوريون في تحقيق فوز محسوس فيها على الديمقراطيين. أما في أوروبا فالدوافع اقتصادية في الأغلب. ذلك أن الأزمة الاقتصادية أنعشت عناصر اليمين وأثارت قلق قطاعات من الأوروبيين إزاء وجود المسلمين في سوق العمل واستمرار هجراتهم عبر شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يشكل عبئا على اقتصادات الدول الأوروبية ويرتب نفورا من المسلمين.
أيا كانت التباينات والاختلافات بين أوروبا وأمريكا فإنها لا تلغي حقيقة أن حملات التعبئة ضد الإسلام والمسلمين أحدثت أثرها في تسميم أجواء علاقات الغربيين مع المسلمين، الأمر الذي يهدم ما قيل عن حوار الحضارات والتعايش والتسامح الذي بشر به نفر من المثقفين، بذات القدر فإن ذلك يفتح الأبواب لفكرة صدام الحضارات التي أطلقها المحلل السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما (عام 1989)، ولم تؤخذ على محمل الجد في حينها، لكنها تبدو الآن احتمالا واردا، من الناحية النظرية على الأقل.
(4)
نحن بإزاء مشكلة حقيقية مرشحة للتصاعد، تكاد تكرر أجواء العداء للسامية التي خيمت على ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر، ولئن كان العداء للسامية قد أصاب بضعة ملايين من اليهود آنذاك لا يكاد يتجاوز مجموعهم عدد أصابع اليدين، فإن لوثة استعداء المسلمين وإهانتهم تمس مليارا ونصف المليار مسلم، للدول الغربية مع أقطارهم مصالح جمة بالغة الحيوية.

وإذا كان العداء للسامية يمثل لحظة عابرة في التاريخ، فإن العداء للإسلام له تاريخ طويل، يذهب به البعض إلى القرن السابع الميلادي «برنارد لويس» حيث نزلت رسالة الإسلام في وجود المسيحية واليهودية. ويؤرخ له أكثر الباحثين بزمن الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر، التي عبئت لأجلها أوروبا ببغض الإسلام والمسلمين قبل شن الحملات العسكرية بدعوى تخليص بيت المقدس من شرورهم.

ورغم انتهاء تلك الحملات في القرن الثالث عشر، إلا أن التعبئة الثقافية المضادة لم تتوقف، وظل مفعولها حاضرا في تشويه الوعي الأوروبي، وكامنا في ثنايا جميع مراجعه وموسوعاته. وهو ما نضح على كتابات أغلب المستشرقين وأطروحات الباحثين ومناهج التعليم. وهو ما عبر عنه الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه «الإسلام في تصورات الغرب» ـ الذي أصدره في عام 1987 حين كان عميدا لكلية أصول الدين، حين قال إنه «من المعلوم أن الكتابات الغربية في الإسلام ونبيه تتراوح بين الجهل التام والمعروفة الموجهة، بين الإسفاف الشنيع والموضوعية النسبية، بين الافتراء والإنصاف، بين الاستعلاء والنزاهة، بين الفحش الصارخ والتسامح العاقل».
هذا البغض للعالم الإسلامي وديانة المسلمين ليس معرفيا فحسب، لكن له بعد وثيق الصلة بالاستعلاء والشعور بالتفوق العرقي والحضاري. وهو ما فصل فيه الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه جنارودي في كتابه حوار الحضارات، حين وصف الاستعلاء الغربي على المسلمين بأنه «الشر الأبيض».
لقد قصدت الإشارة إلى هذه الخلفية لكي ألفت النظر إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تكن منشئة لبغض الأمريكيين المتعصبين والمتطرفين الغربيين للإسلام والمسلمين، ولكنها كانت كاشفة عن ذلك البغض. وأذكر هنا أن مشاعر العرب خاصة نحو الولايات المتحدة الأمريكية اتسمت بالود يوما ما، حين طالب أهالي سوريا وفلسطين عند نهاية الحرب العالمية الأولى أن تكون الولايات المتحدة هي الدولة المنتدبة على بلادهم وليس بريطانيا أو فرنسا. تعبيرا عن ثقتهم فيها وحسن ظنهم بها وقتذاك قبل أن تسفر عن تطلعاتها بعد الحرب العالمية الثانية، وتقف مع إسرائيل ضد العرب. وهو ما أثبته الدكتور رؤوف حامد في بحثه المنشور بكتاب «صناعة الكراهية في العلاقات العربية ــ الأمريكية».
أدري أن صورة بعض المسلمين وممارساتهم تثير النفور حقا وتبعث على إساءة الظن بهم، لكنني أزعم أن الغربيين وساستهم بوجه أخص لم يحسنوا الظن بالمسلمين ولا عبروا عن احترامهم. قبل أن يطالعوا تلك الصورة أو الممارسات المنفرة. وتظل المشكلة أننا احترمناهم واعترفنا بديانتهم وشرعيتهم على المستوى العقيدي، لكن قياداتهم الدينية لم تعترف بشرعية الإسلام وكونه ديانة سماوية حتى هذه اللحظة.
كما أننا قبلناهم على المستوى الحضاري ولم نتردد في التعلم منهم حتى صار بعضنا يدعو إلى اللحاق بهم، لكنهم لم يعترفوا لنا بخصوصية، واعتبروا أن تقدمنا مرهون بقدرتنا على تمثلهم واستنساخ تجربتهم. ولا أنكر أن لدى عامة المسلمين شعورا بالمرارة والسخط إزاء ساستهم وسياساتهم، وليس ضد شعوبهم أو ثقافتهم.

لكن الصوت المعلى عندهم مشحون بمشاعر السخط على أمتنا بأسرها. وشجعهم على ذلك ما أصاب الأمة من انكسار ووهن حتى إن السيد أوباما حين أراد أن يثني القس الذي دعا إلى إحراق المصحف عن عزمه، فإنه حذره من أن ذلك يهدد أمن الجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان، وعز عليه أن يشير إلى أن ذلك يمثل إهانة للمليار ونصف المليار مسلم.
إذا سألتني ما العمل، فردي أن الأمر يتطلب حديثا مطولا ومناقشة أوسع يشترك فيها آخرون من أهل الغيرة والنظر.
..........................

13 سبتمبر، 2010

حج مبرور وآخر مضروب

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 4 شوال 1431 – 13 سبتمبر 2010
حج مبرور وآخر مضروب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_13.html


لم أفهم كيف يمكن ألا يمرر الموظف معاملة إلا بعد دفع «المعلوم» ثم يختفي في أواخر شهر رمضان ليقضي الأيام العشرة الأخيرة من الشهر معتكفًا في المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

سمعت أكثر من قصة بهذا المعنى، عن موظفين مرتشين جمعوا ما استطاعوا جمعه من خلق الله، ثم ذهبوا بهذا المال لأداء العمرة أو الحج. وكأنه لا علاقة بين الرشوة وبين زيارة بيت الله الحرام..

وأدهشني أن يعد ذلك عملا عاديا ومقبولا. وأن يحسد الناس العائد من العمرة ويتباركون «بالحاج» الذي تطهر من ذنوبه واغتسل منها وعاد إلى سيرته الأولى.
كنت أعلم أن فقهاءنا أفتوا بأن المرء إذا كان له حق، ولم يكن أمامه من سبيل لقضائه إلا بدفع مبلغ من المال لمن بيده الأمر، فله ذلك بشرطين،
الأول: أن يكون الحق مشروعا وحلالا،
والثاني: ألا يترتب على ذلك أي جور على حقوق الآخرين.
وهذه الحالة تستثنى من الحديث النبوي «لعن الله الراشي والمرتشي». فلا يعد الراشي آثما بحكم الضرورة التي فرضت عليه، ولكن المرتشي تلحقه اللعنة ويظل آثما.
ما أفهمه أن العمرة ليست واجبة. وإذا أداها المرء مرة واحدة في حياته فذلك يكفيه. وإذا لم يستطع أن يؤديها على الإطلاق فلا تثريب عليه.
أما الحج فهو معلق على الاستطاعة، من تبقى له فائض مال بعد توفير احتياجات أهله وبيته، ومكنته ظروفه من أداء الفريضة، فله أن يخرج إلى الحج، وإن لم يتوفر له شيء من ذلك فإنه يصبح معفيا من التكليف، إلا إذا تحسنت ظروفه في وقت لاحق.
ما أعرفه أيضا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. لأن المرء لا يستطيع دينا ولا عقلا أن يحصل على المال من مصدر غير مشروع لكي يؤدي به عملا مشروعا. ذلك أن المال الحرام يدنس كل فعل ارتبط به أو ترتب عليه. ثم إنه ما قد يجوز في حقوق العباد لا يجوز في حقوق الله.
هذه البديهيات تآكلت في زماننا وأصبح التذكير بها مطلوبا فيما يبدو، الأمر الذي يستدعي عديدا من الأسئلة التي تحاول أن تفسر التشوه الذي طرأ على مدارك عامة المتدينين وأوصل بعضا منهم إلى تلك الحالة البائسة التي صرنا بصددها.

في محاولة التفسير تبرز أمور عدة، منها مثلا أننا نعاني مشكلة فصل الدين عن الأخلاق والمعاملات. وقد حدث ذلك جراء الأجواء التي دأبت على إقناع الناس بأن الدين مكانه دور العبادة فحسب. وأن من أراد أن يتدين فعليه أن يذهب إلى المسجد أو الكنيسة. وإذا ما خرج من أي منهما ينبغي أن ينفصل عن هويته الدينية.

وهذا الفصل الخطر رتب نتيجتين بائستين:
الأولى أنه حول التدين إلى مجموعة من الطقوس والمظاهر، التي تؤدى في أماكن معينة وفي أوقات بذاتها.
والثانية أنه أضعف مرجعية القيم الحاكمة للأخلاق والمعاملات، وحين حدث ذلك لم تعد الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتم تفريغ الصيام من مضمونه وتحولت العمرة والحج إلى رحلات للسياحة حينا، وللتسوق في أحيان أخرى كثيرة.
إن بعض الناقدين والغامزين كثيرا ما يتحدثون عن مفارقة زيادة مظاهر التدين مع زيادة مظاهر التفلت والفساد والتحرش، ناسين أن ذلك من نتائج التدين المغشوش وإلحاحهم على الفصل بين التدين وبين الأخلاق والمعاملات.
إن الحاصل في شهر رمضان يقدم نموذجا فجا للحالة التي نحن بصددها، ذلك أن الشهر له خصوصية في المفهوم الديني تميزه عن بقية شهور السنة. فهو شهر العبادة والاغتسال الروحي الذي تفتح فيه أبواب الجنة،
حتى قال فيه الحديث النبوي: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»،

لكن خصوصية رمضان الأصلية انتهكت وأهدرت، وأصبح الجهد الإعلامي مكرسا لاصطناع خصوصية أخرى على النقيض تماما من كل ما نعرف عن استحقاقات هذا الشهر وتكاليفه.

يكفي أن أعلى صوت بات يرتفع فيه، صار صوت نجوم السينما ولاعبي كرة القدم، وإن حلقات العبادة اختفت من أيامه المباركة، وحلت محلها مسلسلات التلفزيون.
حين اختلت منظومة القيم السائدة، فإن الشكل والمظهر تقدما على الوظائف والمضامين، وانفصلت المعاني عن المباني، والشواهد على ذلك كثيرة في حياتنا السياسية، ولذلك لا تستغرب أن يصاب التدين بذات الداء.

وحين عمت البلوى لم يترك الفساد مجالا إلا وضربه. وكما أننا صرنا نزور الانتخابات تحت لافتة النزاهة، فإن بعضنا صار يؤدي العمرة بفلوس الرشوة،
وصار لدينا في نهاية المطاف حج مبرور وآخر مضروب.
.......................

12 سبتمبر، 2010

كسب الإخوان وإن غضبوا

صحيفة الشرق القطريه الأحد 3 شوال 1431 – 12 سبتمبر 2010
كسب الإخوان وإن غضبوا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_12.html


أستغرب ردود أفعال الإخوان على مسلسل «الجماعة»، رغم أنه لم يقل أكثر مما دأبت الأبواق الإعلامية في مصر على ترديده طوال نصف القرن الأخير،

ولا أعرف كيف توقعوا أن يتعامل المسلسل معهم بحياد وموضوعية في حين أن الذين قاموا به من خصومهم، فضلا عن أن المناخ السياسي معبأ بالرياح المعاكسة لهم،
مع ذلك فأزعم أنه أفادهم بأكثر مما أساء إليهم.
من ناحية لأنه أعاد اسم الجماعة إلى الضوء، ليهدم الجهد الذي بذلته وزارة الداخلية طوال السنوات الأخيرة، حين أصدرت تعليماتها لكل من يهمه الأمر بالكف عن ذكر اسم الإخوان والاكتفاء باستخدام مصطلح «المحظورة» في الإشارة إليهم،
حتى أنها وجهت عتابا للمجلس القومي لحقوق الإنسان لأنه تجرأ وذكر اسم الإخوان المسلمين صراحة في أحد تقاريره قبل سنتين ولم يلتزم بالتوجيه، إلا أن المسلسل جاء ليجعل الاسم على كل لسان، ويحول أفكار الإخوان إلى موضوع للمناقشة في كل منتدى وصحيفة،

ولم يكن ذلك المكسب الوحيد للجماعة، لأن الدراما أوصلت إلى المشاهد العادي خطابا ومفردات للإخوان لم يكن بوسعهم أن يوصلوها إليه في ظل الأوضاع التي أحاطت بهم خلال نصف القرن الأخير،
إذ أقنعه بأنهم في الأصل دعاة إلى الله وإن كانوا قد ارتكبوا أخطاء في الوسائل التي استخدموها لبلوغ ذلك الهدف، والإقبال الذي حدث على كتب الإخوان وتلك التي صدرت عن بعض قياداتهم، خاصة رسائل الأستاذ البنا وكتابه مذكرات الدعوة والداعية وغيرها من المذكرات من القرائن التي تدل على أن المسلسل جذب كثيرين وأثار فضولهم ودفعهم إلى تحري الحقيقة في شأن الوقائع والأحداث التي عرضها، وربما شجعهم على ذلك أن المسلسل منذ بداياته أثار شكوكا قوية في رسالته، وأعطى انطباعا بأنه عمل سياسي بأكثر منه عمل فني، وأن الجهد الأمني فيه أكبر من الجهد الثقافي والإبداعي.
حين يحقق الإخوان هذه المكاسب في ظل الظروف الراهنة غير المواتية لهم، فإن ذلك يفترض أن يكون سببا لارتياحهم وليس غضبهم، ولذلك لم أفهم التصريحات الانفعالية التي صدرت عن بعض قياداتهم بخصوص الموضوع، ولم أهضم فكرة إنتاج فيلم مقابل يرد على رسالة المسلسل،
ناهيك عن أنني أشك كثيرا في أن يقبل أي ممثل محترف أن يشترك فيه، لأن ذلك سيعد انتحارا من جانبه يؤدي إلى وقف حاله في السينما والتلفزيون، علما بأن «الفيلم» يظل عملا فنيا ليس للإخوان باع فيه.
لذلك تمنيت على الإخوان أن يصرفوا النظر عن فكرة الفيلم المضاد، خصوصا أنني لا أتوقع له النجاح لأنه إذا أراد أن يبيض صفحة الإخوان، فإنه سيقع في ذات الخطأ الذي ارتكبه مؤلف المسلسل، الذي جعل من شيطنة الإخوان هدفا له.
إن مشكلة المسلسل أنه لم يتعامل مع الإخوان كجزء من الحركة الوطنية، وكفصيل شارك في العمل العام فأصاب وأخطأ ونجح وأخفق. ولكن هاجس الشيطنة الذي ظل يطل منه طول الوقت أفقده صدقيته ورصانته.
ورغم أن مؤلفه أشار إلى قائمة طويلة من المراجع موحيا بأنه استند إليها، إلا أن المدقق في حلقات المسلسل يكتشف أن 80% على الأقل من معلوماته مستقاة من كتاب واحد لأحد غلاة الشيوعيين من خصوم الإخوان الألداء، وهناك أكثر من مرجع محترم أورده في القائمة، إلا أنه اكتفى بذكر عناوينها وتجاهل تماما مضمونها.
بدلا من التورط في إنتاج فيلم مضاد، ليت الإخوان يقدمون لنا دراسة نقدية هادئة للمسلسل تصحح ما قدمه من معلومات، سواء ما تعلق منها بفكرة الجهاز الخاص الذي كان من تقاليد الجماعات السياسية المناهضة للاحتلال الإنجليزي في الأربعينيات، أو بالموقف من الأحزاب أو بالعلاقة مع الأقباط الذين شارك اثنان منهم في اللجنة السياسية للجماعة أيام الأستاذ البنا،

ولهم أيضا أن ينبهوا إلى الجوانب التي تجاهلها المسلسل في سياق التزامه بنهج «الشيطنة» وفي مقدمتها دورهم في قضية فلسطين، وإسهامهم في الحركة الوطنية المصرية التي ابتدعوا لها «الوِرد الوطني». وكانت المطالبة بالجلاء على رأس أولوياته. كذلك دورهم في التقريب بين المذاهب الإسلامية.

إن حوار الأفكار هو أقصر الطرق لاستجلاء الحقيقة، وللنفاذ إلى عقول الناس وكسب احترامهم.
...................................

11 سبتمبر، 2010

قبل أن تصدر فتوى أمريكيه

صحيفة الشرق القطريه السبت 2 شوال 1431 – 11 سبتمبر 2010
قبل أن تصدر فتوى أمريكيه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_11.html


هل يصح لنا أن نفرح ونبتهج بالعيد في حين نطالع كل يوم وقائع تدمير حياة 20 مليون مسلم في باكستان؟.

إن المرء حين يشاهد الجثث التي تستخرج من تحت أنقاض البيوت المنهارة، والغرقى الذين داهمتهم السيول ولم يستطيعوا منها فرارا، وجيوش اللاجئين الذين فقدوا كل شيء في حياتهم فهاموا في البراري باحثين عن مكان يأويهم وغذاء يقتاتون منه،
وحين نقرأ أخبار الأمراض والأوبئة، التي بدأت تتفشى بين تلك الملايين، سواء جراء الجثث المنتشرة أو المياه الملوثة..
حين يحدث ذلك وتلاحقنا صوره وأخباره طوال الأسابيع الأخيرة، فإنه لا يتخيل أنه يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يقف متفرجا إزاءه.
ثمة أرقام منشورة تلخص الحدث ذكرت أن ضحايا الكارثة قدر عددهم بعشرين مليون شخص أغلبهم يعيشون في شمال باكستان (عدد سكانها 170 مليون نسمة) ــ أما ما تم تدميره فهو كالتالي:
5000 ميل من الطرق والسكك الحديدية
ــ ألف جسر تربط بين المدن والقرى
ــ نحو 7000 مدرسة
ــ 400 مركز صحي.
إضافة إلى ذلك فقد أصبح نحو خمس الأراضي الزراعية تحت المياه، الأمر الذي يعني نقصانا فادحا في المحاصيل والسلع الغذائية ينبئ بحدوث مجاعات لا يعلم إلا الله مداها،
كما يوفر ظرفا مواتيا لانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة.
ما الذي نستطيع أن نفعله؟.
أكرر أننا في كل الأحوال يجب ألا نقف متفرجين، لأسباب أخلاقية وإنسانية ودينية أيضا. وبمقدورنا أن نقدم صورتين من التضامن، إحداهما على سبيل المساندة، والثانية على سبيل العون والمساعدة.
فيما خص المساندة، فقد تمنيت أن تعلن الرموز الإسلامية، أشخاصا كانوا أم منظمات. عن مواساتها للشعب الباكستاني، وتتبنى الدعوة إلى تقديم مختلف أشكال العون لهم. وقد قيل لي إن شيخ الأزهر أصدر بيانا بهذا المعنى، ولكن الصحف المصرية أهملته.
ولست أشك في أن التعبير عن تلك المشاعر إذا ما صدر عن الإمام الأكبر ورئيس اتحاد علماء المسلمين ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والهيئة الخيرية العالمية مثلا، فإنه يمكن أن يشكل دعما معنويا كبيرا للمنكوبين، خصوصا إذا ما كانت تلك البيانات مقدمة لإطلاق حملة واسعة لتقديم العون والمساعدة إليهم، وهذا ينقلنا إلى المجال الثاني، الأكثر فعالية وتأثيرا.
من المفارقات في هذا الصدد أنني قرأت خبرا عن سعي بعض المؤسسات والحكومات الغربية إلى جمع نحو ثلاثة مليارات دولار للمساعدة على بناء البنية التحتية، التي دمرت في باكستان.
وفي ذات الوقت ظهر في مختلف الصحف العربية إعلان احتل صفحة كاملة حذر جماهير المسلمين من أن زكواتهم يمكن أن تذهب لصالح الإرهابيين، ودعاهم إلى تقديم الزكاة لمن يستحقها.
لا أعرف الجهة التي دفعت عشرات الألوف من الدولارات لنشر ذلك الإعلان في الصحف العربية. لكني لاحظت أنه اهتم بمشكلة يلح عليها الغرب منذ أحداث سبتمبر، ولم يتطرق بكلمة إلى كارثة يعاني منها 20 مليون مسلم هم أشد حاجة إلى العون في الوقت الراهن.
إن شعوبنا لا تتأخر عن البذل. والذين قدموا الكثير من دمائهم دفاعا عن الإسلام والمسلمين، أكثر استعدادا لتقديم الكثير من المال. وكل ما نحتاجه هو إرادة قوية تتحرك، وتضافر للجهود وتنسيق بينها، ورفع للقيود التي فرضت على جمع التبرعات، لكي تتم تحت إشراف جهات موثوق بها، وليت إعلامنا يسهم في الاستنفار وينشغل بإغاثة ملايين المنكوبين في باكستان، بنصف أو ربع انشغاله بمسلسلات رمضان.
لقد أفتى الإمام الجويني إمام الحرمين بحرمة ذهاب نظام الملك (الأمير) إلى أداء فريضة الحج إذا أدى ذلك إلى تعطيل مصالح الخلق.
الأمر الذي يشجعني على التساؤل عما إذا كان يجوز للمسلمين هذا العام أن يخصصوا أموال حجهم لإغاثة إخوانهم المضرورين والمنكوبين في باكستان، وعما إذا كانت الحجة تحسب لهم في هذه الحالة أم لا؟.

لقد خطر لي أن أبادر إلى طرح السؤال قبل أن تأتينا فتوى أمريكية من البيت الأبيض تقترح علينا ذلك!
.......................

09 سبتمبر، 2010

ليتها كانت عِزبة

صحيفة الشرق القطريه الخميس 30 رمضان 1431 – 9 سبتمبر 2010
ليتها كانت عِزبة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_09.html


لم يسترح بعض القراء لتكرار تشبيه إدارة الدولة في مصر بما يحدث للعزبة.
وكنت أحد الذين استخدموا ذلك التشبيه في نقدي لفكرة التوريث،
حين قلت إنها إذا جازت في حالة العزبة فلا ينبغي أن تجوز في حالة أي دولة، خصوصا دولة كبيرة مثل مصر.
وفعلها زميلنا الأستاذ حمدي قنديل، الذي كان عنوان مقالته التي نشرتها «الشروق» يوم الاثنين الماضي 6/9، دولة هذه أم عزبة؟.
(للعلم: العزبة في أصلها اللغوي هي المكان البعيد عن العمران).
الذين لم يرق لهم التشبيه قالوا إنه لا اعتراض على الدفاع عن الدولة، فذلك حق وواجب على كل الغيورين عليها، ولكن ليس من حق أحد أن يسيء إلى العزبة ويهينها في مقارنة من هذا القبيل، لأن لها مقومات وتقاليد حفظت لها كرامتها، وصانتها من العبث والابتذال على مر العصور.
قالوا إن العزبة لها صاحب يبقى فيها ويسهر عليها ويحافظ على كل مكوناتها فضلا عن مكانتها وسمعتها.
وغالبا ما يختار لها «ناظر» من أكفأ الناس يدير أمورها، ولا يقبل منه عذر عن أى خلل يقع فيها.
ناهيك عن أنه لا يحتمل أي عبث بأرضها أو محصولها أو حتى ماشيتها.
وصاحب العزبة يغار عليها، ولا يقبل مساسا بحدودها، ولا وصاية من أحد عليها.
وهو يسعى جاهدا لتوفير مستلزمات النهوض بكل شيء فيها.
ثم إنه يتطلع دائما إلى توسيع نطاقها وتكبير زمامها، ويعتبر تصغيرها عارا عليه وإهانة لشخصه،
هو يضيف إليها ولا يأخذ، وينفق عليها من فلوسه وعرقه.
صحيح أنه يظل يدير العزبة بإرادته الفردية حتى آخر نفس في حياته. ومن ثم يبقى صاحب الأمر والنهى فيها،
وصحيح أيضا أن العاملين فيها يخضعون لسلطانه ومصائرهم تظل في يده،
وأهم من ذلك أنه يورث العزبة لأولاده وسلالته من بعده. إلا أن ذلك مما يعد من القواسم المشتركة بينها وبين الدولة المستبدة.

إضافة إلى ذلك فثمة فارق أساسي يتعين ألا تغفله في المقارنة بين الاثنين، ذلك أن العزبة عادة ما تؤول إلى صاحبها عن أحد طريقين، فإما أن يرثها عن أبيه وعائلته، أو أن يشتريها بحر ماله.
لكن شأن الدولة المستبدة مختلف، إذ تؤول إلى صاحب الأمر فيها إما بمقتضى الصدفة السعيدة، التي تقع خارج النواميس، أو من خلال الاحتيال والتزوير والتلاعب بإرادة المجتمع أو باستخدام القوة والغلبة.
بسبب من ذلك فإن صاحب العزبة يعتبر نفسه حلقة في سلسلة الأسرة، ومن ثم صفحة في سجل تاريخها،
أما صاحب الأمر في الدولة المستبدة، فإن التاريخ لا يعنيه، وفي أحسن فروضه فإنه يتصرف بحسبانه لحظة حظ في التاريخ، ليس لها ما قبلها أو ما بعدها.
الذين ناقشوا الفكرة معي، وقارنوا بين وضع العزبة كما عرضوه وبين ظروف الدولة في حالتها الراهنة، أرادوا أن يخلصوا إلى أن وضع العزبة أفضل، وأن تصنيفها بحسبانها حالة أدنى أو أسوأ من الدولة المذكورة فيه تهوين من شأنها وافتئات على حقها.

وهم يدللون على ذلك قائلين: إن صاحب الأمر في الدولة نأى عنها واختار مقاما له في أطرافها، وأوكل أمرها إلى أناس تراوحوا بين من نهبوا مالها وباعوا أرضها وروعوا شعبها واقتسموا خيراتها فيما بينهم. فأشاعوا فيها الفساد وأرهقوا جل العباد. ولم يجدوا من يحاسبهم على تدهور المرافق والخدمات، حتى القمامة فشلوا في إزاحتها من الطرقات.
فحل الفقر بالناس، وتزايدت النقمة بينهم، حتى كرهوا معيشتهم وفقدوا الأمل في تحسين أوضاعهم، ومن ثم اسودت الدنيا في وجوههم، ومنهم من أعتبر أن
الانتحار هو الحل.
قال لي أحدهم: انظر كيف صغرت البلد وهان أمرها. وأصبح قرارها بيد غيرها، فصارت موالاة أعدائها مقدمة على شد أزر أشقائها، وانقلب حالها حتى صار حليفها الاستراتيجي هو عدوها الاستراتيجي، كما قيل بحق،
وانظر أيضا كيف سبقها من كانوا أقرانها فتقدموا، وأثبتوا حضورا مشرفا في ساحات هجرناها منذ انكفأنا على أنفسنا، فلا بقينا كما كنا ولا لحقنا بهم.
بعد ذلك سألني صاحبنا: هل يمكن أن يحدث ذلك في أي عزبة؟.
لم يترك لي فرصة للإجابة، ربما لأنه يعرف الرد، ثم واصل كلامه قائلا: إن العزبة ظلمت في هذه المقابلة. وإذا كان لابد من المقارنة فلتكن بين الدولة و«الوِسِيَّة»، التي هي في الأصل أراضٍ منحت تعويضا للملتزمين، الذين كانوا يتولون جباية الضرائب، قبل أن تقوم السلطة بهذه المهمة في عهد الوالي محمد على باشا (أوائل القرن التاسع عشر).
وكان الملتزمون وأسرهم يتعيشون منها وسمح بتوريثها في وقت لاحق. وبمضي الوقت اصطلح المصريون على اعتبار الوسية أقرب إلى التكية. وهو تصويب جدير بالملاحظة.
وأرجو ألا تسوء أحوالها أكثر، بحيث يخرج علينا يوما ما من يعاتبنا لأننا أساءنا أيضا إلى سمعة «الوِسية».
...........................

08 سبتمبر، 2010

نافسناهم في الانتحار!

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 29 رمضان 1431 – 8 سبتمبر 2010
نافسناهم في الانتحار! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/09/blog-post_08.html


تصدمنا الأرقام التي أعلنت عن محاولات الانتحار في مصر، إذ بلغت في العام الماضي 104 آلاف حالة، بمعدل نحو 14 محاولة يوميا.
الأدهى والأمر أن معدلات الانتحار أصبحت تتزايد عاما بعد عام. ذلك أنه منذ أربع سنوات فقط (في عام 2005)، وقعت في مصر 1160 حالة انتحار (بخلاف المحاولات التي لم تنجح)،
وفي العام الذي يليه وقعت 2355 حالة انتحار.
أما في عام 2007 فقد انتحر 3700 شخص.
وفي عام 2008 وصل الرقم إلى 4200 منتحر.
إلى أن كسر حاجز الـ5000 منتحر في عام 2009.
هذه الأرقام المخيفة تضمنتها دراسة صادرة عن مركز المعلومات بمجلس الوزراء وقد لخصتها جريدة الأهرام يوم الإثنين الماضي 6/9، وتضمنت الخلاصة معلومات أخرى قيمة منها ما يلي:
إن أغلب الذين يقدمون على محاولة الانتحار من الشباب الذين تتفاوت أعمارهم بين 15 و25 عاما، بنسبة 66.6٪.
على الجملة فإن محاولات الانتحار بين الشبان أكثر منها بين الرجال، وفي الإناث أكثر من الذكور، وإن محاولات النساء للانتحار غالبا ما تتسم بعدم الجدية.
إن تزايد المؤشرات بتلك المعدلات جعلت مصر من بين الدول التي تعاني أعلى معدلات الانتحار في العالم. مقتربة بذلك من الدول الإسكندنافية التي تحتل القمة في ذلك المجال،
مع فارق جوهري في الدوافع. ذلك أنهم في تلك الدول يقدمون على الانتحار جراء الرفاهية المطلقة وبعد إشباع كل حاجات الإنسان،
في حين أنهم في مصر ينتحرون لأسباب معاكسة تماما، منها الفقر المدقع والبطالة والغلاء الفاحش
(لاحظ أن المقارنة ليست من عندي وإن هذا الكلام منسوب إلى مركز المعلومات).
أبسط دلالة لتلك المعلومات أنها شهادة على أن أحوال الناس فيما يسمونه أزهى عصور مصر تمضي من سيئ إلى أسوأ. صحيح أن البعض يتباهون بعدد المنتجعات والسيارات والمولات وأجهزة تكييف الهواء وملاعب الجولف،
وتلك إضافات على المجتمع المصري لا تنكر، لكنها من نصيب مصر السياحية والتلفزيونية، والشرائح التي طفت على سطح مصر منذ سنوات الانفتاح. ولا علاقة لها بمصر الأخرى، التي يخرج منها المنتحرون وأقرانهم الذين يغامرون بالهجرة إلى الشواطئ الأوروبية، ويتعرضون للغرق والموت حينا بعد حين.
أوافق على إرجاع أسباب الإقدام على الانتحار إلى الفقر والبطالة والغلاء الفاحش، لكنني أزعم أنها الأسباب الظاهرة والمرئية. وأذهب إلى أن الفقر في مصر ليس أمرا جديدا، ولا البطالة ولا الغلاء، فتلك عوامل موجودة منذ سنوات، والناس دأبوا على مقاومتها بمختلف السبل، وكان لديهم دائما أمل في التغلب عليها،

ولكن الجديد والخطير في الأمر أن هذه العوامل اشتدت وطأتها خلال السنوات الأخيرة، في حين فقد الناس الأمل في إمكانية مقاومتها. وحين دب اليأس في نفوسهم جراء ذلك، فإنهم لجأوا إلى الانتحار داخل البلد أو التسلل عبر الحدود والانتحار في عرض البحر المتوسط.

ولذلك قلت في مقام سابق إن أخطر ما تواجهه مصر الآن هو ذلك الشعور باليأس والإحباط الذي خيَّم على البلاد وأغلق أبواب المستقبل أمام العباد، الأمر الذي ألجأ الشباب خاصة إلى تفضيل الموت على استمرار الحياة بلا أمل في المستقبل. وتلك بالمناسبة ظاهرة جديدة على المجتمع المصري، لم تكن معروفة بذلك الحجم في السنوات السابقة.
المعلومات الأساسية التي وردت في الدراسة بالغة الأهمية وذات دلالات عميقة، وتستحق أن تكون محل دراسة جادة ومسؤولة، لكن أخشى ما أخشاه أن يكون الرد الرسمي عليها هو حظر تداولها أو تنبيه مركز معلومات مجلس الوزراء الذي لا بد أن تقدر له شجاعته، بعدم التدخل في هذه الأمور، التي قد تستخدم في التشهير بالبلاد.
لقد شاء حظنا حين كتب لنا أن نلحق بالدول الإسكندنافية ألا ننافسها إلا في معدلات الانتحار،
كما فعلنا من قبل حين لم نسبق ألمانيا إلا في حالات الإصابة بالحصبة الألماني،

إن لعنة «أزهى العصور» تلاحقنا من كل صوب!
..............................

Delete this element to display blogger navbar