Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2010

المسكوت عليه في ملف التوريث – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 21 رمضان 1431 – 31 أغسطس 2010
المسكوت عليه في ملف التوريث – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_31.html


أهم مسلسلات الموسم هذا العام هو ذلك الذي تجرى أحداثه في أروقة السلطة، وتدور فكرته حول الصراع على مستقبل الحكم في مصر.
والفرق بينه وبين غيره من المسلسلات التي حفل بها شهر رمضان أن الأخيرة عرضت حلقاتها على شاشات التليفزيون، في حين أن حلقات المسلسل الأهم والأخطر نشرت في بعض الصحف.

(1)
حين أجريت التعديلات الدستورية في مصر، وقررت إجراء انتخابات تنافسية بين المرشحين لرئاسة الجمهورية، تفاءل الناس خيرا وهلل الإعلام الذي اعتبرت أبواقه أن مصر صارت على أبواب عصر جديد، لن يستفتي فيه الناس على رئيس الجمهورية الذي يرشحه مجلس الشعب (كما في الوضع السابق)، ولكنهم سيختارون بأنفسهم رئيسهم بين عدد من المرشحين للمنصب.

وحين عبر البعض عن قلقهم للطريقة المريبة التي تمت بها صياغة المادة 76، والتي وضعت شروطا مستحيلة أمام أي مرشح من خارج الحزب الوطني، قيل لنا إننا يجب ألا نكون طماعين أكثر من اللازم، ويكفينا فخرا أن الباب انفتح أخيرا أمام إجراء انتخابات تنافسية على المنصب الأهم في البلاد.
وحين سرت الشائعات عن إعداد الابن للترشح لرئاسة الجمهورية، خصوصا بعد تعيينه أمينا للسياسات في الحزب الوطني الحاكم، جاء النفي حاسما وقاطعا، ومؤكدا أن مصر الكبيرة ليست البلد الذي تورث فيه السلطة، وأن في البلد دستورا وقانونا وشرعية تسمح بانتقال السلطة بسلام وأمان.
لاحقا تحدث البعض عن صراع بين الجيلين القديم والجديد في داخل الحزب الوطني، ورصد أهل النميمة السياسة معالم الشد والجذب بين رموز الجيل القديم من رجال الرئيس ورموز الجيل الجديد من أصدقاء الابن وأعوانه الذين صعدوا معه، ومنهم من تهامس بمعلومات عن حرص الرئيس على كبح جماح جماعة الابن، والحفاظ على التوازن بين المعسكرين.
لكن تلك المعلومات نفيت بسرعة، وتحدث بعض قادة الحزب عن تماسكه وثبات قدمه، قائلين إن الذين يروجون لفكرة الجيلين لا يدركون مدى تلاحم بنيانه، ويتحدثون عن تمنياتهم وأحلامهم وليس عن شىء فى الواقع.
وحين أثير موضوع الترشح لرئاسة الجمهورية سواء بسبب اقتراب الولاية الخامسة للرئيس مبارك أو بعد الأنباء التي ترددت عن حالته الصحية وفتحت أعين النخبة على ضرورة ترتيب الانتقال السلمي للسلطة إذا طرأ أى طارئ مفاجئ. خرج أمين الإعلام في الحزب بمقولته الشهيرة التي اعتبر فيها أن ترشيح أي شخص آخر للرئاسة في وجود الرئيس مبارك هو «قلة أدب».
لم تمض أيام قليلة على هذا التصريح حتى ظهرت اللافتات التي دعت إلى ترشيح الابن للرئاسة. وقرأنا عن شىء اسمه الائتلاف الشعبى لدعم جمال مبارك، وشىء آخر اسمه الجمعية الوطنية للتأييد (لمواجهة الجمعية الوطنية للتغيير)،
ولكن أمين الحزب الوطني المحسوب على الحرس القديم قال في حواره مع جريدة الأسبوع (23/7) ومجلة المصور (25/8) إن مبارك مرشح الحزب الوحيد لانتخابات الرئاسة بإجماع قياداته، وإن الحزب ليست له علاقة بالتوقيعات التي تجمع باسم الابن أمين السياسات، وإن اعتبر الملصقات التي تؤيده من قبيل حرية التعبير (!).
لكنه وصف حملة الابن بأنها عبث سياسي اتسم بالعشوائية، وقال إن الحزب لا يوافق عليها، وأن الذين يقفون وراءها لهم أهداف متعددة.

(2)
اكتفشنا أخيرا أن الأمور أكثر تعقيدا وأقل براءة. إذ تبين أن الصراع بين جناحي الحزب الحاكم هو الجزء الظاهر من جبل الجليد. وأن هناك صراعات أخرى ظلت مكتومة طوال السنوات الماضية. ولم يكن يشار إليها إلا همسا في بعض دوائر النخبة.
لكن بعض الصحف الحزبية فتحت باب الحديث عن تلك الصراعات، على نحو فاجأنا وسلط أضواء أخرى على قضية مستقبل الحكم في مصر. فقد نشرت صحيفة «العربي» الناطقة باسم الحزب الناصري في 8 أغسطس الحالي مقالا لرئيس تحريرها الزميل عبدالله السناوي، تحدث فيه عن الصراعات الجارية حول الرئاسة القادمة.

وذكر صراحة أن ثمة انقساما في البيت الرئاسي وأن صوتا من داخل البيت أعلن عن رفض وراثة الرئيس وهو على قيد الحياة،
في هذا الصدد قال إنه «لأول مرة منذ صعود نجل الرئيس الأصغر كرئيس محتمل لوالده تتبنى أطراف قريبة منه فكرة الضغط العلني على الرئيس لإفساح المجال أمام ابنه لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة باسم الحزب الوطني».
وذلك حتى لا ينتكس مشروع التوريث إذا ما تعرض الرئيس لعارض صحي ومفاجئ، باعتبار فرصة إنجاح المشروع تظل متوافرة في وجود الرئيس، وفي غير هذه الحالة فإن «السيناريو كله يمكن أن ينزوى إلى الأبد».
تحدث زميلنا السناوي أيضا عن أن حملة تسويق الابن للانتخابات الرئاسية ووجهت بحملة مضادة تزكي الرئيس مجددا للبقاء في السلطة لدورة سادسة. وخلص إلى أن «ثمة فتنة داخل البيت الرئاسى».
وفي شرح خلفية الفتنة ذكر أن الأب يشفق على ابنه «ولا يريد أن يضعه بيده في الجحيم»، ولكن ثمة ضغوطا من داخل الأسرة تؤيد طموح الابن. وفى إطارها ارتفع صوت (قيل إن المقصود علاء مبارك) يمانع في نقل السلطة إلى الابن في وجود الأب، ويعتبر أن اللافتات التي رفعت تأييدا للابن تنتقص من هيبة الرئيس وتسعى إلى وراثته وهو على قيد الحياة.
في عدد لاحق من صحيفة «العربي» (صدر في 22/8) كتب الزميل محمد طعيمة تحليلا سلط فيه مزيدا من الضوء على تفاصيل الأزمة داخل البيت الرئاسي، فذكر أنه «لا أحد يعرف بدقة موقف علاء (49 سنة) من توريث شقيقه (46 سنة)، بين دعم الأم وتحفظ الأب، لكن الشهور الأخيرة تشي بتقارب علاء مع موقف الأب. وهو في هذه الجزئية يتفق مع د. علي الدين هلال في اعتباره ترشيحا بديلا للأب فيى وجوده نوعا من قلة الأدب.
روى الكاتب أيضا أنه في أثناء العزاء الذي أقيم بعد وفاة زميلنا محمود السعدني لاحظ بعض الحاضرين أن الأخوين حضرا منفردين في توقيت متقارب، ولم يلتفت أحدهما تجاه الآخر، وانصرفا منفردين أيضا، وهو ما اعتبره البعض جفوة غير معهودة بينهما.

(3)
من المصادفات ذات الدلالة أنه بعد أيام قليلة (في 26 أغسطس) كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من جريدة الأهالي الناطقة باسم حزب التجمع كالتالي:
صراع في البيت الرئاسي بين مبارك وجمال.
وكانت تلك هي المرة الأولى التي تبرز فيها صحيفة مصرية في عناوينها الرئيسية فكرة الصراع داخل البيت الرئاسي وليس فقط داخل الحزب الحاكم. صحيح أن المعلومات المذكورة في التحليل لم تضف شيئا إلى ما سبق لصحيفة «العربي» نشره، وإنما أكدتها وأيدتها وانطلقت منها. لكن صراحة عنوان الأهالي كانت لافتة للأنظار. الأمر الذي يعني أن صراع البيت الرئاسي لم يعد يتداول همسا بين عناصر النخبة، ولكنه أصبح «على الرصيف»، كما قيل بحق،
وتزداد أهمية النشر بهذه الصورة إذا وضعنا في الاعتبار أن قيادة حزب التجمع تتحرك بتنسيق دائم مع أجهزة الدولة وتحتفظ بصلة وثيقة مع قياداتها.
ذكر التحليل الذي نسب إلى المحرر السياسي للجريدة، الذي هو في العرف الصحفي أهم شخصية في الجريدة والحزب أن «طرفي المعركة» في البيت الرئاسي هما الأب والابن، وأنها «بالقطع ليست معركة شخصية ولكنها تستند إلى مصالح سياسية واقتصادية متعارضة داخل جهاز الحكم والحزب الوطني»،

ونقل التقرير عن بعض مراكز الأبحاث ومراقبين أجانب قولهم إن الابن الذي يشارك والده الحكم منذ سنوات»، يستند إلى تحالف اجتماعي واقتصادي سياسي لجماعات المال والأعمال المرتبطة بالنظام الحاكم. وتعدادهم ألفا رجل وسيدة، يمتلكون نحو 24٪ من الدخل القومي، أي نحو 200 مليار جنيه سنويا وارتباطاتهم بالغرب وإسرائيل قوية».
(تحدث المحرر السياسي في التقرير المنشور عن «فشل الابن في إقناع القوات المسلحة بقبوله، كما أشارت بعض التقارير المنشورة في الخارج، إضافة إلى عدم تقبل الرأي العام له»، واعتبر أن حملة تأييد الابن «بمثابة بالون اختبار من القوى المؤيدة له في السلطة والحزب لمدى شعبيته في الشارع».
وهي الحملة التي تبرأت منها قيادات الحزب الوطني من الحرس القديم، كما أشار السيد صفوت الشريف في الحوار الذي أجراه معه رئيس تحرير المصور، مستدلا أيضا في هذا الصدد بما أعلنه المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية وأحد المقربين من الرئيس مبارك (في الحوار الذي أجرته معه جريدة المصري اليوم في 22/8). وقال فيه: لا يوجد إطلاقا أي ملصق في القليوبية خاص بالأستاذ جمال مبارك. وقد أصدرت تعليمات واضحة وصارمة لكل رؤساء الوحدات المحلية في جميع أنحاء المحافظة، بمنع أي ملصقات للأستاذ جمال مبارك، سواء من المعترضين عليه أو المناصرين له»
(لاحظ أن السيد صفوت الشريف اعتبر الملصقات المؤيدة للابن من تجليات ممارسة حرية التعبير!).
ختم المحرر السياسي للأهالي تقرير بقوله: «إن الفصل الأخير للصراع في قصر الرئاسة لم يكتب بعد، فهناك فصول أخرى ستتوالى خلال الأشهر المقبلة».

(4)
إذا صحت هذه المعلومات والتحليلات التي لم ينفها أحد، واقتصر جهدي فيها على تجميع أطرافها مما نشرته الصحف. وبعضها ليس بعيدا تماما عن السلطة وأجواء الحكم في مصر، فإنها تقودنا إلى عدة خلاصات منها ما يلي:

إن تسرب تلك المعلومات إلى الصحف خصوصا ما تعلق منها بتباين المواقف في بيت الرئيس أمر لم نعهده طوال الثلاثين سنة الماضية.
وأن ثمة تزامنا بين عملية التسريب وبين الظروف الصحية للرئيس، التي شجعت الأطراف المختلفة على التحرك لحسم ترتيب خلافته.
إن جبهات الصراع متعددة، وتتجاوز حدود الحرس القديم والجديد. فالصراع حاصل داخل البيت الرئاسي ذاته، كما أنه حاصل بين أصحاب المصالح والمنتفعين من كل طرف وليس مستبعدا أن تكون بعض أجهزة الدولة المهمة طرفا في تلك الصراعات، خصوصا تلك القوى التي لها كلمة ضرورية في الموضوع، لقيامها على أمن البلد واستقراره.
< إن السياسات ليست موضوعا للصراع، لأن الأطراف المتصارعة تقف على أرضية سياسية واحدة، وارتباطها بالولايات المتحدة وإسرائيل مقطوع به، كما قيل بحق، متطوع به. ومن ثم فإذا كانت هناك خلافات بين تلك الأطراف فهي لا تتجاوز حدود درجة ذلك الارتباط وليس نوعها. الأمر الذي يعني أن موضوع الصراع هو النفوذ والطموحات والمصالح الخاصة. بكلام آخر، فإن ما يجرى هو صراع حول السلطة وليس لأجل الوطن. إن خيارات المستقبل بالنسبة للأطراف المتصارعة لا ترى لقيادة مصر إلا أحد رجلين هما الأب أو الابن، وليس في حسبانها أي خيار ثالث يرتضيه الشعب المصري. وهو ما ينسف كل ما قيل عن الديمقراطية والتعددية وإرادة الشعب، ويقر بموت السياسة وصورية الأحزاب، وفرض الوصاية على الأمة. وارتهان المستقبل لصالح الأسرة الحاكمة. وهذا كثير علينا، ومهين لنا، ولا أحسبه يمكن أن يسهم في استقرار البلد أو يحقق له أمنه المنشود، ولا تسأل عن حلمه في النهوض أو التقدم. .............................

30 أغسطس، 2010

من يحاسب الرئيس؟

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 20 رمضان 1431 – 30 أغسطس 2010
من يحاسب الرئيس؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_30.html

أمس أبرزت صحف الصباح العناوين التالية:
مبارك يعطي دفعة جديدة للعمل الوطني
ــ الرئيس يطلب من الحكومة الإسراع بتنفيذ برنامجه الانتخابي في مواعيده المقررة (الأهرام)
ــ الرئيس يواجه الحكومة ويحاسب وزراءها: ماذا فعلتم للناس؟
ــ مراعاة مصالح المزارعين عند تحرير الأسعار. وحل مشاكل المياه في نهايات الترع (روز اليوسف)
ــ الرئيس غير راض عن أداء الحكومة واحتمالات خلافته نظيف في تغيير وزاري شامل (الدستور)
ــ مبارك يمهل الحكومة 30 يوما لوضع نظام جديد لاستغلال أراضي الدولة (المصري اليوم).
كان الرئيس مبارك قد دعا مجلس الوزراء إلى اجتماع مفاجئ، قبل سفره إلى واشنطن وتوقفه في باريس، التي أصبحت محطته المعتادة.
وجاء الاجتماع ليبعث إلى الرأي العام بعدة رسائل إحداها تطمئن الجميع إلى أن الرئيس محتفظ بنشاطه ويمارس مهامه العادية،
الثانية أن الرئيس مهتم بالفقراء ومحدودي الدخل، خصوصا ونحن مقبلون على انتخابات برلمانية ورئاسية،
الثالثة أن الرئيس لم يتوقف عن مساءلة الوزراء ومحاسبتهم على أدائهم وعلى ما يقدمونه للناس.
وقد فهمت أن سؤاله للوزراء عما قدموه للناس كان على سبيل الاستنكار وليس الاستفهام.
أعني أنه أراد أن يقول لهم إن ما قدموه أقل مما هو متوقع منهم.
يؤيد هذا المعنى ما نقلته صحيفة الدستور منسوبا إلى مصادر مطلعة ذكرت أن الرئيس غير راض عن الحكومة.

الرسالة الأخيرة هي أكثر ما يهمني في اللحظة الراهنة. ذلك أننا نعلم جيدا أن الدستور المصري الصادر في عام 1971، أعطى الرئيس سلطات مطلقة في ممارسته للسلطة التنفيذية ورسمه السياسة والإشراف على تنفيذها.
وهو في الوقت ذاته حكم بين السلطات الأمر الذي يمكنه من أن يتحكم في السلطات الأخرى، ومن ثم يسمح له بأن يكون حكما وخصما في وقت واحد.

نعلم أيضا أن الرئيس يباشر تلك السلطات دون أن يكون مسؤولا أمام أي جهة دستورية، إلا أن يعاد انتخابه مرة كل ست سنوات، دون حد أقصى لمرات الانتخاب وتولى الرئاسة. وطوال سنوات بقائه في الحكم لا توجد جهة في الدستور أو هيئة أو سلطة دستورية تملك أن تحاسبه أو تعترض على قرار له أو تراجعه في قرار اتخذه.
هذا الكلام ليس من عندي ولكنني اقتبسته مما كتبه المستشار طارق البشري في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك»، وخلص منه إلى أن الرئيس في مصر هو المسؤول الأوحد وغير المسؤول الأول.
(بهذه المناسبة أتيح لي أن أقارن بين صلاحيات الولي الفقيه في إيران التي يقال إنها دولة دينية. وبين صلاحيات الرئيس في مصر التي تصنف باعتبارها دولة مدنية،
ووجدت أن صلاحيات الرئيس المصري تتجاوز بكثير صلاحيات الولي الفقيه. الذي لا يملك سلطة حل البرلمان المنتخب في حين أن الرئيس في مصر له هذا الحق،
كما أن الولي الفقيه لا يتدخل في قرارات التنفيذ، ولكنه يرجع إليه في السياسات الكبرى. أما الرئيس المصري فهو المرجع في كل قرارات التنفيذ من عقد اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل إلى تحديد موقع المفاعل النووي في الضبعة).
لقد ذكر لي الدكتور ثروت بدوي أستاذ القانون الدستوري أنه قدم ذات مرة بأنه الرجل الذي يؤدي دورا مدهشا في مصر، حيث يقوم بتدريس الدستور في بلد ليس فيه دستور. وإنما فيه الرئيس فقط الذي يملك سلطات مطلقة وهو فوق القانون وفوق المساءلة.
نحن نعرف أنه ما من مسؤول في الدولة ألقى خطابا أو تقدم خطوة، إلا وحرص على أن يسجل أمام الملأ استلهامه وامتثاله لتوجيهات الرئيس وعمله بمقتضاها.
وأعرف رئيسا للوزراء لم يكن يذهب إلى مكتبه كل صباح إلا بعد أن يتصل بالرئيس هاتفيا ليسأله عن توجيهاته وتكليفاته،
لذلك أزعم أن ما تنشره الصحف عن أن الرئيس يطلب كذا وكذا هو تعبير تنقصه الدقة، لأنه في الحقيقة يأمر ولا يطلب. فإذا أصاب فالفضل والمجد له، وإذا أخطأ فالآخرون يدفعون الثمن ويتعرضون للإدانة والتقريع.

وأحسب أننا نعيش هذه الأيام أجواء التضحية بالآخرين للحفاظ على صورة الرئيس وإنقاذها من رذاذ السخط والغضب.
إن المشكلة في مصر لم تعد مشكلة حكومة تذهب وأخرى تجيء، ولكنها أصبحت أبعد من ذلك وأعقد.

من ثَمَّ فتوجيه خطاب الاتهام بالعجز أو الفشل إلى الحكومة وحدها يعد خطأ في العنوان يتعين تصحيحه، إذا أردنا حلا جذريا للمشكلة.
............................

29 أغسطس، 2010

إرهاصات انقراض مهنة الصحافة

صحيفة الشرق القطريه الأحد 19 رمضان 1431 – 29 أغسطس 2010
إرهاصات انقراض مهنة الصحافة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_29.html


كأن مصر ليس فيها شيء أهم من جدو ومسلسلات التلفزيون.
ذلك أن أخبار السيد جدو أصبحت تمثل مكانا ثابتا على الصفحات الأولى. أما المسلسلات فهي الموضوع الأساسي على الصفحات الداخلية.
وكل ما عدا ذلك يظل من الحواشي الأقل أهمية. صحيح أن هناك فرقعات عارضة تهتم بها الصحف، أحدثها حادث سرقة لوحة فان جوخ «زهرة الخشخاش»، والاتهامات المتبادلة بهذا الخصوص بين وزير الثقافة ووكيل الوزارة الأول المحبوس حاليا، إلا أن مثل هذه الحوادث تشكل استثناء لا قاعدة.
أدري أن كرة القدم لها جمهورها العريض والمهووس بها. وأن ثمة جيلا يحفظ أسماء ونجوم الفرق الكبرى في العالم ويعرف اللاعبين في الفرق المصرية واحدا واحدا، لكن هذا الهوس بحد ذاته يحتاج إلى تفسير سواء في الجمهور أو الصحف التي تنطلق منه.

أدري أيضا أن المسلسلات أصبحت الشاغل الرئيسي للناس في شهر رمضان، وأن الاهتمام بها والانقطاع لها فاق بكثير الاهتمام بالعبادة وما ينبغي أن ينشغل له المسلمون في شهر الصيام.
لكن ما لا أستطيع أن أفهمه وأستوعبه هو أن تنتقل تلك اللوثة إلى الصحف، فتجعل من تحركات جدو وقضاياه ومشكلاته مادة يومية تحتل مساحات واسعة، بما يفرض على القارئ تفاصيل لا تهمه في قليل أو كثير، كما تجعل من أحداث المسلسلات ونجومها موضوعا شاغلا للرأي العام، بل وتصور أولئك النجوم باعتبارهم «مراجع» ليس في الفن فقط، وإنما في شؤون السياسة والاجتماع أيضا.
في تفسير تلك اللوثة أزعم أن المنافسة بين الصحف لها دورها في السباق، الذي يدفعها إلى المزايدة على اهتمام القراء بالأمور والنجوم التي يتعلق بها.
وهي منافسة دفعت صحيفة كالأهرام لها رصيدها من الاحترام والاحتشام إلى تخصيص ملحق أسبوعي للتلفزيون، وملحق داخلي كل يوم سبت للفنون وفي المقدمة منها مسلسلات التلفزيون، ذلك إلى جانب الاهتمام الزائد بالرياضة وأخبار نجوم الكرة ومبارياتهم في داخل مصر وخارجها.
وما حدث مع الأهرام تكرر مع غيرها، بما في ذلك صحيفة «الشروق» التي أصبحت صفحات الرياضة فيها ثلاثة أضعاف مساحة الرأي، الذي يعتبر إحدى الإضافات المهمة التي قدمتها الجريدة.
هناك سبب آخر عام يتمثل في حالة الانكفاء على الذات التي تعيشها مصر في الوقت الراهن. ذلك أن انسحاب مصر السياسي من العالم العربي استصحب تلقائيا نوعا من الانسحاب الإعلامي. ومن ثم أصبحت الأخبار الداخلية هي المهيمنة على الصفحات الأولى من الصحف، بما يعطي للقارئ انطباعا بأنه لا شيء يهم في العالم الخارجي.
وربما كان الأدق أن تقول إن اهتمام الإعلام المصري صار منصبا بالدرجة الأولى على الداخل، بحيث لم تعد منابره تتطرق إلى ما هو خارجي إلا إذا اتصل بالتحركات أو الحسابات المصرية، حتى إن بعض الدول لم تعد تذكر في الصحافة المصرية إلا إذا زارها الرئيس مبارك.
من أسباب الاستسلام لتلك اللوثة شيوع التراجع المهني، بحيث أصبحت الصحف أحرص على دغدغة مشاعر القراء بأكثر من حرصها الأخذ بيدهم وقيادتهم. إن شئت فقل إنها تنزل إليهم ولا تصعد بهم.
وقد تعلمنا في بواكير عملنا في المهنة أن الصحافة لها مهام ثلاث هي:
الأخبار والترويح والتعليم.

والملاحظ أن صحافتنا تقدم الترويح على أي مهمة أخرى،
في حين تراجعت مهمة الأخبار التي أصبحت في الأغلب أخبارا عن الحكومة،
واختفت تماما مهمة التعليم،
وهذا التراجع المهني راجع إلى حد كبير إلى ضعف أغلب القيادات الصحفية، التي يتم اختيارها في الصحف القومية لأسباب أمنية وليست مهنية
أما الصحف الخاصة التي يصدرها رجال الأعمال في الأغلب فإن اختيار قياداتها يتم انطلاقا من معايير تناسب أصحاب رؤوس الأموال، وجميعهم من خارج المهنة.
وهؤلاء وهؤلاء أعجز من أن يقدموا نصرا صحفيا، ويعتبرون أن الترويح من خلال الفنون والرياضة هو الوسيلة المضمونة لجذب القارئ وزيادة التوزيع.
السبب الرابع والأهم في رأيي هو موت السياسة في مصر، الأمر الذي أدى إلى حدوث فراغ في المجال العام.
وفي غياب الحيوية السياسية يتراجع اهتمام القارئ بالشأن العام، وتضعف الحيوية الصحفية، وتصبح السلطة هي المصدر الأساسي للأخبار.

وقد قلت ذات مرة إن السياسة في مصر أصبحت هي الرئاسة، حيث لم تعد هناك سياسة خارج محيطها.
وسمعت من أحد أساتذتنا في المهنة قوله إن مصر أصبحت دولة مستهلكة للأخبار وليست منتجة لها. وأن ذلك أضعف الصحف كما أضعف القارئ أيضا.
إن الصحافة ستظل عليلة طالما لم يبرأ الوطن من العلل التي تكاثرت عليه. وهي من هذه الزاوية تصبح مرآة للواقع، وتغدو تعبيرا أمينا عن اعوجاج الحال.
من ثَمَّ فما لم ينصلح حال الوطن فإن مستقبلا بائسا ينتظر الصحافة والصحفيين.
وما نزوح الصحفيين الراهن إلى التلفزيون إلا بعض إرهاصات ذلك البؤس، الذي يؤذن بانقراض المهنة.
..........................

28 أغسطس، 2010

كانت عندنا جامعة

صحيفة الشرق القطريه السبت 18 رمضان 1431 – 28 أغسطس 2010
كانت عندنا جامعة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_28.html


لا أعرف موقع اليمن في أولويات السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن، ولست واثقا من أنه مدرج أصلا على الأجندة.
وفي ظل غياب مصر أو انسحابها لاحظت أن قطر تلعب دورا نشطا في تحقيق أو إنجاح المصالحة بين حكومة صنعاء الحوثيين.
وأن السعودية حاضرة هناك بحكم متطلبات الجوار،
وأن تركيا لها حضورها المتزايد على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، وأن هناك لجنة مشتركة يمنية- تركية لدفع عجلة التعاون والتفاهم بين البلدين.
إزاء ذلك فأخشى أن يسقط اليمن بمضي الوقت من الذاكرة المصرية، رغم أن جيلنا لا يزال يذكر حجم ومدى الحضور المصري هناك في ستينيات القرن الماضي، في أعقاب نجاح الثورة على الحكم الإمامي.

وقد دعاني إلى التطرق للموضوع أنني اكتشفت مصادفة أن الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) أوفدت بعثة علمية لمسح اليمن وحضرموت في عام 1936 وأمضت هناك نحو سبعة أشهر، عادت بعدها بثروة كبيرة من المعلومات والانطباعات.
وقعت على تقرير البعثة في آخر كتاب «أرض العروبة» (صدر عام 1993) للدكتور سليمان حزين رحمه الله،
وكان المؤلف الذي صار فيما بعد مديرا لجامعة أسيوط ووزيرا للثقافة على رأس تلك البعثة التي أوفدتها كليتا الآداب والعلوم حينذاك. إذ كان هو والدكتور خليل يحيى نامي يمثلان كلية الآداب، في حين مثل كلية العلوم الدكتور نصر شكري والأستاذ محمد توفيق الدسوقي.
أثارت انتباهي ودهشتي الفكرة. فأن يستشعر نفر من الباحثين المصريين في ذلك الوقت المبكر أهمية القيام ببحث ميداني لجزء قصي من الوطن العربي، فذلك تعبير عن عمق الانتماء والشعور بالمسؤولية.
وأن يتوافق على ذلك المسؤولون في كليتي الآداب والعلوم، دون توجيه من أحد، وينتدبون للمهمة أربعة من الباحثين، ويشجعهم على هذه المهمة مدير الجامعة آنذاك الدكتور أحمد لطفي السيد، ويمول رحلتهم بألف جنيه مصري (كان الجنيه محترما وقيمته تجاوزت الإسترليني). فذلك مما يدل على جدية الأداء والحرص على تعميق الروابط وتعزيز الدور الريادي في مجال البحث والمعرفة.
استغرقت الرحلة الفترة ما بين شهري أبريل ونوفمبر من عام 1936 ــ هكذا كتب الدكتور سليمان حزين في تقريره ــ وأضاف:
كان طريقنا (كما وضحته خريطة مرفقة) من عدن إلى لحج ثم إلى تعز وإقليم الحجرية في جنوب اليمن. ثم من تعز إلى المخا على ساحل تهامة الغربي لليمن، ثم إلى ميناء الجزيرة في شمال تهامة، ثم من الحديدة اتخذت البعثة طريق الحديدة فوق الهضبة العليا إلى صنعاء، ثم من صنعاء قامت برحلتين إلى شمال اليمن.
ثم عادت إلى الحديدة عن طريق القوافل القديم. ومنها اتخذت البعثة طريق البحر إلى جزيرة بريم ثم إلى عدن والمكلا. ثم بالبر إلى الشحر التابعة لها. ثم اتجهت البعثة إلى وادي حضرموت حيث زارت تريم. ووصلت إلى مناطقها الشرقية والغربية، وركبت طريق القوافل في وادي دوعان إلى الخريبة، ثم المكلا مرة أخرى، ومنها بالبحر إلى عدن ومصر.
قطع أعضاء البعثة أثناء الرحلة نحو 2500 كيلو متر، منها الثلثان بالسيارات، والباقي على ظهور الدواب أو سيرا على الأقدام. وعادوا بكمية وفيرة من المواد الدراسية والمجموعات العلمية حول جيولوجيا المنطقة وجغرافيتها ومناخها وآثارها والسلالات البشرية واللهجات المحلية.
وإلى جانب ما تعلق بالأرض والإنسان فإنها أجرت دراساتها على الحيوانات والحشرات أيضا، وجمعت نحو 6000 عينة الحيوانات الصغيرة.
(نتائج الدراسات التي أجروها نشرت باللغتين الإنجليزية والفرنسية في عدد من أهم المجالات العلمية، خلال عامي 37 و1938).
خلال تلك الجولات حرص أعضاء البعثة على الاتصال بالمهتمين بشؤون العلم والتعليم والثقافة.
ومن الملاحظات المهمة التي سجلها التقرير أنهم سمعوا من الشخصيات اليمنية التي التقوها تقديرا لمكانة مصر لكن «الكثرة منهم لم تكن لترى فيما تقوم به مصر وفاء كافيا لما ترتبه تلك المكانة من واجبات والتزامات».
وقال بعضهم «إن مصر نفسها أصبحت شديدة الانهماك بشؤونها الخاصة، إلى حد لا يكاد يسمح لها بأن تقوم بحقوق الريادة بين أمم المشرق».
في ختام التقرير مقترحات عدة لتوثيق العلاقات الثقافية مع اليمن تراوحت بين تشكيل مجلس أعلى مشترك لتوحيد السياسة الثقافية في اليمن والعالم العربي،
وتنشيط علاقة وزارة المعارف والجامعة بالمجتمع اليمني،
وإيفاد البعثات التعليمية المصرية إلى اليمن ودعوة الطلبة اليمنيين إلى مصر...إلخ.
ينتاب المرء شعور بالاعتزاز والاكتئاب حين يفرغ من قراءة التقرير. الاعتزاز بدور الجامعة آنذاك، والاكتئاب لأن هذه الروح اختفت بعد 75 عاما. فلا الجامعة صارت جامعة، ولا مصر بقيت كما هي.

لذلك لم يكن غريبا أن تخرج الجامعة من تصنيف الجامعات المحترمة في العالم، وأن تخرج مصر من التاريخ.
...........................

26 أغسطس، 2010

ما رأيكم في «السيستم»؟

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 16 رمضان 1431 – 26 أغسطس 2010
ما رأيكم في «السيستم»؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_26.html


ما وجه الغرابة في أن يتم تركيب 50 آلة تصوير في المتحف، ثم تتعطل منها 43 آلة، ولا يؤرق ذلك أحدا من المسؤولين عنه؟
ولماذا نندهش حين نكتشف أن جميع أجهزة الإنذار المرتبطة بموقع المقتنيات واللوحات النادرة بالمتحف ذاته معطلة بدورها، دون أن ينتبه أحد إلى ذلك؟..
ذلك أن المهم من وجهة نظر البيروقراطية المصرية أن يستوفي المتحف احتياجاته من آلات التصوير ومن أجهزة الإنذار التي تفضح لصوص الأعمال الفنية والعابثين بها.
وحين يتحقق ذلك يكون المتحف قد أصبح نموذجيا من حيث الترتيب والشكل. ويكون النظام أو «السيستم» قد توافر له المنظر اللازم.

أما تشغيل أجهزة التصوير أو الإنذار فتلك مسألة أخرى تتصل بالوظيفة وليس بالشكل. وعند البعض فإن الجمع بين الاثنين يبدو عبئا يثقل كاهل الموظفين المحملين بأعباء أخرى كثيرة في البيت والمواصلات والشغل،
ولذلك فإنهم يتخففون من تلك الأعمال قدر الإمكان. ومن ثم قنعوا بالشكل، واطمأنوا إلى توفير الأجهزة، وارتاحت ضمائرهم؛ لأن «السيستم» بخير.
أتحدث عن نتائج معاينة النائب العام لمتحف محمد محمود خليل بالجيزة، في أعقاب سرقة لوحة زهرة الخشخاش التي تعد أشهر إبداعات الفنان الراحل فان جوخ، وتقدر قيمتها السوقية بنحو 55 مليون دولار.
وقد كشفت المعلومات السابق ذكرها عن المدى الذي بلغه التسيب والإهمال في المتحف. حيث تبين أن مسؤوليه دأبوا على تسويد محاضر الجرد اليومي للمقتنيات على الورق دون التأكد من وجود المقتنيات المسجلة في دفاترهم.
وهذه شهادة النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود. بعدما تفقد المتحف يوم الأحد الماضي (22/8) عقب اكتشاف سرقة اللوحة النادرة.
خبر اختفاء اللوحة كان له صداه القوي في العالم الغربي بوجه أخص. فتصدر عناوين الصحف وصدارة نشرات الأخبار. وذلك أمر مستحق لا ريب،
لكنني بعد أن استوعبته فكرت في الموضوع من زاوية أخرى؛ إذ قلت إنه إذا كان الإهمال والتسيب قد حدثا بتلك الصورة الكارثية في متحف كبير ومحترم في قلب العاصمة، فكيف يكون الحال في المرافق الأخرى التي تخدم الناس في بقية أنحاء مصر،
أشير بوجه أخص إلى حالة المستشفيات والمدارس ومكاتب الأجهزة الإدارية المختلفة، التي يتردد عليها المواطنون العاديون.
بكلام آخر فإنني لا أعتبر سلوك موظفي المتحف حالة خاصة، بمعنى أنهم ليسوا استثناء بين موظفي الحكومة؛ لأن حالة التسيب هذه تمثل ظاهرة عامة في مجتمع الموظفين ــ دعك من الاستثناءات ــ الذين يعيشون في أجواء غيبت فيها قيم العمل الجاد وتراجعت قيمة المواطن، ثم إنهم يفتقدون إلى القدوة التي تضرب المثل في الكفاءة والمسؤولية والتفاني في خدمة الناس.
لأن اللوحة التي سرقت لفان جوخ، فقد قامت الدنيا ولم تقعد. وخلال 48 ساعة من اكتشاف الحادث كانت قد صدرت قرارات منع المسؤولين المعنيين من السفر ثم حبس مجموعة منهم على رأسها وكيل أول وزارة الثقافة.
لكن حين غرقت عبارة «السلام» وقتل جراء ذلك ألف مواطن مصري، فإن قرار منع صاحب السفينة من السفر تأخر أربعين يوما، ولم يدرج على قوائم الممنوعين إلا بعد أن هرب ومعه أسرته إلى لندن!
الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع المصريين الذين غرقوا هي ذاتها التي تتعامل بها أجهزتها مع عامة المصريين وفقرائهم ممن لايزالون على قيد الحياة.
كما أنها لم تكترث بما جرى لضحايا العبارة. واعتبرت قضيتهم مجرد جنحة عادية، فإنها بذات القدر لم تكترث بقضاء المصالح أو العناية بالخدمات التي تقدم للأحياء.

وفي كل الأحوال فإنها ظلت مطمئنة إلى أنها فوق المساءلة والحساب. وكانت ثقافة الاستعلاء على الناس وإهدار حقوقهم أحد الأسباب الرئيسية لشيوع التسيب والإهمال، وغياب قيم العمل الجاد في محيط أجهزة الدولة. وجيش الموظفين الذين يتثاءبون في مكاتبهم هم ضحايا هذه الثقافة وإفرازها الطبيعي.
..........................

25 أغسطس، 2010

دعوة لتوريط مبارك

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 15 رمضان 1431 – 25 أغسطس 2010
دعوة لتوريط مبارك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_25.html


أفهم أن يوجه أوباما الدعوة إلى مبارك للمشاركة في إطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
لكنني لم أفهم لماذا يستجيب الرئيس المصري لندائه،
واستغرب جدا حفاوة الإعلام الرسمي في مصر بتلك الدعوة المريبة، فالرئيس الأمريكي هو الذي قرر عقد الاجتماع وإجراء المفاوضات المباشرة، استجابة لطلب نتنياهو.
وهو يريد أن يحقق إنجازا يعزز به موقفه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في أوائل نوفمبر المقبل.
ويريد في الوقت ذاته أن يكسب إلى صفه اللوبي الصهيوني في بلاده،
ويريد أن يهدئ الموقف على الجبهة الفلسطينية بأي وسيلة، لينصرف إلى التعامل مع إيران.
وإلى جانب هذا كله وذاك فهو يريد من الرئيس المصري ومعه العاهل الأردني أن يستخدما ثقلهما في الضغط على الفلسطينيين، خصوصا أنهما لعبا دورهما في ترتيب المفاوضات المباشرة.
الخلاصة أن الرئيس الأمريكي له حساباته التي تصب كلها في مصلحة إسرائيل. وكما أن واشنطن كان لها دورها من خلال أصدقائها «المعتدلين» في توفير الغطاء العربي للتراجعات الفلسطينية المختلفة في الآونة الأخيرة، فإنها حرصت على أن يتوفر ذات الغطاء للمفاوضات المباشرة.
لأن الأمر كذلك فأزعم أن ذهاب الرئيس مبارك إلى واشنطن للاشتراك في إطلاق المفاوضات يمثل مغامرة كبرى. فالشكوك في جدواها أكيدة. وثمة إجماع على ذلك بين أغلب المعلقين والمحللين.
وقد عبر عن ذلك السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، الذي قال في تصريح للأهرام نشر في 23/8 إن نتنياهو وضع أمام المفاوضات شروطا مستحيلة. وهو الذي طالب الفلسطينيين بعدم الحديث عن أي مطالبات، حتى إذا كانت تمثل استحقاقات تم الاتفاق عليها في مرات سابقة (خريطة الطريق مثلا).
وهو ما إن اطمأن إلى رضوخ العرب والفلسطينيين ومشاركتهم في المفاوضات حتى تحدث عن ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة وعن دولة فلسطينية مجردة من السلاح. وعن متطلبات ما سماه أمن إسرائيل. وتمسكت مصادره باستئناف المشروعات الاستيطانية علنا بعد 26 سبتمبر المقبل.
إن مختلف الدلائل تشير إلى أن نتنياهو سيذهب إلى واشنطن لكي يفرض شروطه، بعدما استطاع أن يملي على الجميع ما يريد. وهو مطمئن إلى مساندة الرئيس أوباما والكونجرس الأمريكى له. وهو مدرك أيضا أن أوباما ليس على استعداد لإغضاب إسرائيل حتى لا يعود عليه ذلك بالخسارة فى الداخل.
الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا الصدد أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية نجحت في تعديل موقف الرباعية الدولية، ورجوعها عن بيان سابق تحدثت فيه عن وقف الاستيطان والعودة إلى ما قبل حدود عام 1967.
وهو البيان الذي رفضته إسرائيل بشدة. مما دفع الرباعية إلى إصدار بيان جديد في 20/8 خلا من الإشارة إلى وقف الاستيطان. ودعا بالمقابل إلى الامتناع عن أي «أعمال استفزازية» من «الطرفين»، (تلاعبوا بالكلمات وضحكوا علينا) وكانت تلك إشارة خضراء لاستئناف المشروعات الاستيطانية دون اعتبار للتهديدات الفلسطينية بالانسحاب من المفاوضات إذا تم ذلك.
كذلك خلا البيان أيضا من الإشارة إلى مطالبة انسحاب إسرائيل وراء حدود عام 1967،
باختصار فإن بيان الرباعية أعيدت صياغته في نيويورك لكى يستجيب للمطالب الإسرائيلية، وهو ما يشي بما يمكن أن تمضي فيه المفاوضات المباشرة، التي تعد إسرائيل الطرف الأقوى فيها بامتياز.
المدهش أن جريدة الأهرام التي رحبت بالدعوة المريبة نشرت يوم الأحد الماضي 22/8 أن الشكوك تخيم على قدرة واشنطن على حل القضية، كما أن إجماعا بين المتابعين على أن الفشل الذي منيت به جهود المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل في مسعاه لتقريب وجهات النظر في المفاوضات غير المباشرة، سيظل مخيما على جلسات الحوار فى المفاوضات المباشرة.
إذا كان التشاؤم ظاهرا إلى ذلك الحد، فلماذا يغامر الرئيس مبارك بحضور إطلاق مفاوضات للنجاح فيها معنى واحد في نظر الإدارة الأمريكية هو تغليب وجهة النظر الإسرائيلية وانتزاع أكبر قدر من التنازلات من الفلسطينيين.
أفهم أن يذهب الرئيس إلى واشنطن في ختام المحادثات، وليس في بدايتها، إذا ما بدا أنها حققت أي نجاح يستجيب للمطالب الفلسطينية،
أما أن يدعي لشهود إطلاق المفاوضات فذلك توريط له.
وأكرر أنه لا تفسير لذلك سوى أنه يراد للرئيس المصري أن يكون عنصر ضغط على الفلسطينيين ولكى يحقق الإسرائيليون والأمريكيون المكاسب التي توخوها.
فلماذا يضع الرئيس نفسه في هذا الموقف؟
هل يمكن أن نقول لا لواشنطن؟
وهل نستطيع؟.
...............................

24 أغسطس، 2010

في أن التوريث إهانة لمصر والمصريين – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 14 رمضان 1431 – 24 أغسطس 2010

في أن التوريث إهانة لمصر والمصريين – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_24.html


الحوار الدائر الآن حول مستقبل الحكم في مصر بعضه يهين ذكاء المصريين، وبعضه يجرح كرامة البلد الكبير والعريق ويهوّن من شأنه.
(1)
المشكلة عندي ليست فيما إذا كان ابن الرئيس سيرشح نفسه للرئاسة أم لا، لكنها في مبدأ طرح الفكرة وأخذها على محمل الجد من جانب سياسيين ومثقفين ورجال محترمين،
تبين لنا أنهم يعرفون أشياء كثيرة في هذه الدنيا، وأن الشىء الوحيد الذي لم يعرفوه جيدا هو قدر هذا البلد وقيمته.

هل صغرت مصر وهانت إلى الحد الذي يجعل توريث السلطة فيه من الأب إلى الابن موضوعا للمناقشة بين النخب فيه؟

ــ منذ برزت الفكرة قبل خمس سنوات تقريبا وأنا لا أكاد أصدق أنها يمكن أن تكون خيارا سياسيا مطروحا فى مصر،
لكن ما كان غير قابل للتصديق وقتذاك أصبح حقيقة مبسوطة بجدية أمام الرأى العام الآن، تشى بذلك المساجلات التي باتت تحفل بها وسائل الإعلام والتصريحات التي صدرت عن بعض الشخصيات العامة، والملصقات التي بدأت تظهر على الجدران. إلى غير ذلك من المظاهر التي أثارت درجات متفاوتة من الحيرة والبلبلة. ليس في مصر وحدها وإنما أيضا في أوساط عدد غير قليل من العرب الذين يعرفون قدر مصر، وفي ذاكرتهم بقايا انطباعات عن مقامها وكبريائها.

السؤال الذي ذكرته توا سمعته بنصه في دبى وبيروت والرباط. من أناس لا يريدون أن يصدقوا أن ذلك يمكن أن يحدث في مصر. ومنهم من لايزال عاجزا عن فهم فكرة أن مصر التي ثارت على الملكية وأطاحت بها في عام 1952. هي ذاتها التي تتحاور النخبة فيها حول ما إذا كان يمكن توريث الحكم أم لا.
لقد انتابني شعور بالخزي والانكسار حين سمعت أحد المثقفين الخليجيين يقول إن مصر إلى الستينيات كانت قبلة يتطلع إليها الخليجيون، لكن أحدا لم يتصور أن ينقلب الحال وتنتكس خلال العقود التالية، بحيث تصغر وتصغر متمثلة في نموذج المشيخات الخليجية في الخمسينيات، حتى تخلت في النهاية عن دور ومقام الدولة الكبرى وانحازت إلى فكرة المشيخة أو القبيلة.
(2)
لست في وارد المساس أو انتقاد شخص ابن الرئيس، الذي اعتبر أنه له حق الاحترام والكرامة، لأنه مواطن مصري أولا ولأنه ابن رئيس الدولة ثانيا.
لكن اعتراضي الأساسي منصب على فكرة التوريث، التي أزعم أنها لا تجوز في مصر بأي معيار، لا حضاريا ولا سياسيا ولا أخلاقيا، لذلك أشدد على أنني لست ضد الشخص ولكنني أعترض بشدة على الفكرة والموضوع.
في تفصيل ذلك المنطوق أقول إن الفكرة معيبة ومجرحة من أكثر من جهة:
فلا يجوز لدولة كبيرة وعريقة مثل مصر، وإن تردت أوضاعها. أن يمحى تاريخها ويبتذل مقامها لكى تدار بأسلوب «العزبة» التى ينتقل زمام أمرها من جيل إلى جيل في الأسرة الحاكمة.
ولا يجوز أن يستهان بإرادة شعب تجاوز عدده ثمانين مليون نسمة فيلغى عقله ومثقفوه وقواه الحية ومؤسساته وخبراته في الحياة، لكى يوضع في نهاية المطاف أمام موقف من ذلك القبيل.
ولا يقبل أخلاقيا أن تزور الانتخابات لتأتي بأناس تستخدمهم السلطة فى العبث بالقانون والدستور لتوفير «شرعية» مزيفة يحتج بها فى حبك عملية التوريث وإخفاء معالم القبح والمهانة فيها.
القائلون بأننا لسنا بصدد توريث يسيئون الظن بنا. إذ بعدما قاموا بتصغير البلد وإهدار قيمته، فإنهم افترضوا فى الشعب البلاهة والغباء، كأن الناس لم يفهموا شيئا من تعديل الدستور وفرض المادة 76 التي تم تفصيلها على مرشح الحزب الوطني الذي لن يكون سوى الرئيس أو ابنه،
ولم يفهموا شيئا من ترفيع الابن وتعيينه أمينا للسياسات لكي يشق طريقه إلى ما هو أبعد.
ولم يفهموا شيئا من رفض تعيين نائب لرئيس الجمهورية طوال ثلاثين عاما بحجة أنه لا يوجد في بر مصر كلها من يستطيع شغل المكان.
ولم يفهموا شيئا من الهالات التي أحاطت بالابن والمواكب التي تعد له والوزراء الذين يركضون وراءه، و الادوار التي يقوم بها في دائرة القرار السياسي،
ولم يلاحظوا «التربيطات» التي تتم لحسابه منذ فترة في العديد من المجالات المهمة والدوائر الحساسة
. أو عمليات تسويقه عبر قنوات التليفزيون ومن خلال بعض الصحف «المستقلة» التي تلعب مع السلطة والأمن.. إلخ.
الأمثلة لا حصر لها والشواهد بادية لكل ذي عينين، وذلك كله ما كان له أن يقع أو يقدم إليه إلا لأنه ابن الرئيس، ولربما فهمنا الأمر على نحو مختلف لو أنه تساوى مع غيره فى الفرص، لكن حين ينتشر البعض لكى يعلقوا على الجدران صوره في حملة ترشيحه للرئاسة، ثم يلاحق الذين يجمعون التوقيعات الداعية إلى التغيير ويتم اعتقالهم وترهيبهم، فلا تفسير لذلك سوى أن هذا التمييز يقوم على شىء واحد هو مساندة ابن الرئيس وقمع من عداه.
قد اتفق مع القائلين بأننا لسنا بصدد توريث من زاوية واحدة، هي أن الحاصل الآن أسوأ بما يسوغ لى أن أصفه بأنه توريث مخادع، ذلك انه يوهم الناس بأن ثمة منافسة على منصب الرئيس بين عدد من المرشحين، في حين ان كل الترتيبات مرسومة بحيث تنتهى عمليا بالتوريث.
(3)
سمعت وقرأت لمن يقول إن الابن لا ينبغي أن يحرم من حقوق المواطن العادي لمجرد انه ابن رئيس الجمهورية، وانه إذا ترشح وفقا للقانون والدستور فإن ذلك لا يعد توريثا، وان بوش الابن ترشح لرئاسة الولايات المتحدة ولم يقل أحد إن ذلك توريث.
وفي سياق التسويغ وادعاء البراءة، قال البعض إنه لا غضاضة فى انتخاب الابن إذا تم ذلك فى ظل انتخابات نزيهة وشفاقة.. إلخ.
إذا فنَّدنا تلك الحجج، ومشينا مع الكذاب حتى باب الدار، كما يقول المثل الشائع، سنكتشف الآتى:
أن ابن الرئيس مواطن حقا لكنه ليس مواطنا عاديا. والقرائن التي أشرت إليها قبل قليل تقطع بذلك. والتوافق على منعه من الترشح للرئاسة ليس ظلما له، ولكنه إعمال للقياس على منع المسؤولين في أثناء توليهم لوظائفهم من التعامل بالبيع والشراء أو الايجار مع مؤسسات الدولة، لإبعاد شبهة استغلال النفوذ.
وهذا المنع فى المعاملات المالية يسوغ الإقدام على تطبيقه في المعاملات السياسية، التي هي أهم وأخطر من الأولى. لأن المعاملات المالية تدور حول منفعة خاصة تنصب على عين بذاتها
. أما المعاملات السياسية فهى وثيقة الصلة بالشأن العام ومستقبل الوطن.

وإذا أضفنا إلى ذلك خصوصية الوضع المصرى خلال العقود الأخيرة، التي تداخل فيه الحزب الحاكم مع أجهزة الدولة الإدارية والأمنية. فإننا نصبح بإزاء «ظرف مشدد» يجعل المنع ضرورة وليس خيارا. ذلك أن شبهة استغلال النفوذ فيها تغدو أكيدة ومقطوعا بها.
أما حكاية الترشح وفقا للقانون والدستور فهي من نماذج الاستعباط العلني. وقد سبق أن ذكرت كيف أجريت التعديلات الدستورية وفصلت بحيث تضفى الشرعية على التوريث، الأمر الذي يسوغ الطعن بالعوار والفساد فى دستورية تلك التعديلات.
ذلك أننا تعلمنا ونحن طلاب في كلية الحقوق، بأن النص القانوني له صفتان جوهريتان هما العموم والتجرد،
أما حين ما يقنن لصالح شخص أو حالة بذاتها، فإنه لا يعد تشريعا،
وللدكتور عبدالرزاق السنهوري شيخ القانونيين المصريين كلام نفيس بهذا المعنى، أورده في بحث حول الانحراف في استخدام السلطة التشريعية نشرته مجلة مجلس الدولة في بداية الخمسينيات،
وهو ما يدعونا إلى القول بأن النصوص القانونية والدستورية التي تتم فى ظلها انتخابات الرئاسة مطعون في شرعيتها ومحكوم عليها بالبطلان. ومعلوم أن ما بنى على باطل يصبح باطلا.
يتواصل الاستعباط فى القياس على انتخاب بوش الابن رئيسا للولايات المتحدة بعد بوش الأب. لأنه لا وجه للمقابلة بين الخريطة السياسية الأمريكية التى تمثل المؤسسات حجر الأساس فيها، وبين الخريطة السياسية المصرية التي لا تلعب المؤسسات فيها أي دور، باستثاء مؤسسة الرئاسة بطبيعة الحال.
ثم إن بوش الابن انتخب بعد مضى 8 سنوات من ترك أبيه للمنصب، وهو ما يستحيل ان نجربه في مصر،

أما أعلى درجات الاستعباط فتتمثل فى التلويح بحكاية الانتخابات الشفافة والحرة والنزيهة، لأن الذين يطلقون ذلك الادعاء هم أكثر من يعرف انه غير صحيح، وأن تلك المصطلحات فقدت رنينها ومعناها فى الخبرة المصرية المعاصرة.

إن المضى في ترتيب أمر الانتخابات الرئاسية القادمة بالصورة الجارية الآن واستنادا إلى الإطار القانوني الراهن يمثل إهانة لمصر والمصريين بل إن من شأنه افراز وضع مجرح ومشكوك في شرعيته، والله وحده يعلم ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك، وإلى أي مدى يمكن ان يؤثر على الاستقرار في البلد.

(4)
في البحث عن مخرج آمن وحل سلمي لمشكلة انتقال السلطة في مصر طرحت فكرة تأجيل الانتخابات الرئاسية، والإعلان عن فترة انتقالية لمدة سنتين مثلا أو ثلاث، يتم خلالها ترتيب أمور البيت وتصويب أوضاعه المعوجة عن طريق إلغاء الطوارئ وإطلاق الحريات العامة، بما يرد للمجتمع اعتباره، ويمكنه من تحديد خياراته المستقبلية.
هذه الفكرة دعا إليها الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية ومنسق الجمعية الوطنية للتغيير في مقال له نشرته صحيفة المصرى اليوم. في 5/10/2008
كما طرحها الأستاذ محمد حسنين هيكل في حوار لاحق نشرته نفس الجريدة.
وكان لكل منهما رؤيته الخاصة فى كيفية ترتيب البيت، وان اتفقا على أن تتولى المهمة جهة مستقلة لها كامل الصلاحيات، وقد حرص الأستاذ هيكل على أن تمثل القوات المسلحة فيها.
نقطة الضعف الأساسية فى هذه الفكرة أنها ترهن التغيير المنشود بإرادة النظام القائم، كأنما تعدوه لان يتنحى طواعية. ثم أن ما تطالب به وتدعو إليه لا يستند إلى ضغط شعبي قوي ينتزع هذه القرارات ويجعل النظام مضطرا إليها.
وفي غيبة ذلك الضغط المنشود فإن الفكرة يمكن التلاعب بها وتفريغها من مضمونها، بما يضيفها فى النهاية إلى أحلام الإصلاح السياسى المجهضة.
لأن الحدأة لا تلقي بالكتاكيت، كما يقول المثل الدارج، فالأرجح أن يمضى النظام في ترتيب المستقبل على النحو الذى خطط له غير عابئ بحالة السخط والغضب التى تعم بر مصر.
اذ ستجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية بغير إشراف قضائى، وتحت الإشراف المباشر لوزارة الداخلية، التي ستتولى اتخاذ كل ما يلزم فى ضوء التوجيهات السياسية المسبقة التي رسمت الحدود ووزعت الأنصبة.

وفى هذه الحالة، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، فإن مقاطعة الانتخابات تصبح حلا لا بديل عنه. لأنها ستغدو إعلانا عن رفض المشاركة فى العبث بحاضر مصر ومستقبلها.
لن تكون المقاطعة فقط تعبيرا عن الاحتجاج على تزوير الانتخابات (الذى تم قبل عدة أسابيع فى مجلس الشورى)، وإنها ستصبح أيضا إعلانا عن الطعن فى شرعية القائمين عليها.
ثمة حجة سقيمة تصف المقاطعة بأنها موقف سلبى، مع أنها في الموقف الراهن تعد الخيار الإيجابى المتاح أمام الوطنيين الشرفاء فى مصر، من حيث إن من شأنها فضح اللعبة وتعريتها وإحراج المتلاعبين بها.
ثم إننا لم نعرف أن المشاركة في العبث والمنكر السياسي يمكن أن توصف بأنها ايجابية.

اذكر هنا بالحديث النبوي الشهير الذي يعتبر انكار المنكر واجباً، و انك إذا لم تستطع أن تغير المنكر بيدك أو لسانك، فلا أقل من أن تنكره بقلبك وأنت قاعد في بيتك.
...............................

23 أغسطس، 2010

هم أصل المشكلة

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 13 رمضان 1431 – 23 أغسطس 2010
هم أصل المشكلة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_23.html


لا يكاد المرء يصدق عينيه حين يرى الصور التي تنشرها الصحف المستقلة عن مظاهر الأزمة الاجتماعية التي تعيشها مصر،

صور الفلاحات اللاتي حملن الأوعية وقصدن الترع الملوثة التماسا للمياه فيها، بعدما انقطع وصول المياه إلى بيوتهن.
وصور الأهالي الذين عادوا إلى استخدام الشموع ولمبات الجاز للاستضاءة بها، بعدما انقطع التيار الكهربائي.
وصور الفلاحين الذين لم يتحملوا العيش في الظلام لأكثر من عشرة أيام، فخرجوا متظاهرين إلى الطريق العام. وقرروا أن يقطعوه ويوقفوا السير عليه لكي تلتفت الحكومة إلى معاناتهم.

وصور الأعداد الغفيرة التي تتزاحم أمام المخابز للفوز ببضعة أرغفة.
أو تلك التي تتقاتل لكي تحصل على حقائب رمضان التي تحتوي على بعض المواد الغذائية البسيطة، ويوزعها الحزب الوطني في محاولة لإثبات حضوره في الشارع المصري.
وصور القمامة التي انتشرت في الشوارع، وتحولت إلى موائد مفتوحة طول اليوم للقطط والكلاب والفئران.

وصور المتزاحمين على موائد الرحمن التي يقيمها على الأرصفة نفر من القادرين ساعة الإفطار، إما لوجه الله تعالى أو لوجه الانتخابات التشريعية القادمة،
أما صور جيوش المتسولين الذين انتشروا في شوارع المدن الكبرى طمعا في عطاء الخيرين في شهر الصيام فحدث فيها ولا حرج.
هذا قليل من كثير يسجل معالم مصر الأخرى التي لا ترى إلا في أوقات الأزمات وفي أعقاب الكوارث، الأمر الذي يكشف عن المدى الذي وصل إليه حال «أم الدنيا» بعدما خرجت من التاريخ، وتدهورت أحوالها حتى تكاد تخرج من الجغرافيا أيضا.
وإذا أضفت إلى الشريط ما آلت إليه أحوال التعليم والإسكان والصحة والمواصلات والطرق، فإن النتيجة تصبح باعثة على الدهشة والصدمة في آن.
وربما وجدت فيها تفسيرا لحالة الإحباط واليأس المخيمة على أهل مصر، ولدوافع أفواج الشبان الذين لم يعودوا يبالون باحتمالات الغرق والموت في عرض البحر، وهم يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا، هربا من مصير أقل ما فيه أنه مظلم في وطنهم.
تبدو المفارقة على أشدها حين تكون هذه صورة أحد أوجه الحقيقة في مصر، وفي الوقت ذاته يرى الناس على شاشات التليفزيون صورة معاكسة تماما تتسم بالبذخ والسفه، وليتها تبعث إلى المجتمع بما يفيده، ولو من خلال الترويح البريء. إلا أن ما يتلقاه الناس من خلال المسلسلات والبرامج يظل في أغلبه من قبيل المخدرات التي تذهب العقل وتوهن الهمة وتدغدغ المشاعر.
لقد قرأنا عن عشرات الملايين من الجنيهات التي أنفقت على المسلسلات التليفزيونية في شهر رمضان، منها 50 مليونا صرفت على مسلسل «الجماعة» الذي أرادت به الحكومة أن تصفي حسابها مع الإخوان قبل الانتخابات. وهو مبلغ يمكن إنفاقه في بناء 25 مدرسة أو 250 شقة سكنية للشبان حديثي الزواج،
لكن لأن حسابات الحكومة مقدمة على مصالح الخلق، فقد فتحت الخزائن على مصارعها للمسلسل، وأمسكت عما ينفع الناس، وذلك يسري على بقية المسلسلات التي تصور لمن يراها أنها صادرة عن بلد حل مشاكله وفرغ من هموم الدنيا وتفرغ للهو والعبث.
إن المشكلات الحياتية المتلاحقة التي ظهرت في الآونة الأخيرة تستدعي سؤالا كبيرا عن حقيقة الزعم الذي دأب المسؤولون على ترديده طوال السنوات التي خلت، والذي يدعي إعطاء الأولوية للبنية الأساسية.
ذلك أن مشكلات المياه والكهرباء والطرق من صميم البنية الأساسية، التي انكشفت الآن حقيقة «الإنجاز» فيها، وتبين لنا أنه كان في وسائل الإعلام بأكثر منه في الواقع.
الملاحظة الأخرى أن التدهور المستمر في مجالات الخدمات لم يحاسب عليه أحد ولم يساءل أحد من المسؤولين الكبار والصغار. الأمر الذي يكشف عن بعد آخر في الأزمة يتمثل في غياب الرقابة الشعبية، المحلية منها والبرلمانية.
وهو ما يفتح بابا واسعا للتراخي في الأداء فضلا عن استشراء الفساد، وما يجعل المسؤول معنيا بإرضاء رؤسائه بأكثر من عنايته بكسب ثقة الناس أو إرضائهم.
إننا نقرأ في الصحف أخبارا عن اجتماعات يعقدها كبار المسؤولين لحل المشكلات الحياتية المتفاقمة. لكنني لست واثقا من جدوى تلك الاجتماعات،
لأنني أدركت من خبرة السنوات أن هؤلاء المجتمعين هم المشكلة الحقيقية،
وأن بقاءهم في مناصبهم لمدد طويلة بغير حساب هو العقبة الأساسية، ليس فقط في طريق حل مشاكل الخلق، وإنما أيضا في طريق تقدم الوطن ونهضته.
...........................

21 أغسطس، 2010

لأن الإرادة في إجازة مفتوحة

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 12 رمضان 1431 – 22 أغسطس 2010
لأن الإرادة في إجازة مفتوحة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_22.html


اكتشاف العلاقة بين انقطاع التيار الكهربائي في مصر، وبين تصدير الغاز لـ»إسرائيل» ليس خبرا عاديا يقرأ في الصحف ثم يعبره الناس إلى غيره من أخبار الصباح، ولكنه حدث كبير يفترض أن يزلزل أي مجتمع، لذا ينبغي أن يعطى حجمه من الاهتمام والصدى.

صحيح أننا استهولنا فكرة تصدير الغاز إلى «إسرائيل» بما يوفر لها طاقة تمكنها من تعزيز قدرتها وممارسة سياسة البطش بالفلسطينيين وتهديد الأمن العربي.
وأذهلنا ما قيل عن بيع الغاز إلى الدولة العبرية بأقل من الأسعار العالمية، واستغربنا بشدة فكرة أن تستمر مصر في تزويد «إسرائيل» بالغاز في الوقت الذي تغرق فيه غزة في الظلام،
لكن ما لم يخطر على بالنا أن يدفع الشعب المصري ثمن هذه الخطيئة في نهاية المطاف. إذ لم نتصور يوما ما أن تستمر في عملية تصدير الغاز رغم أن ذلك يؤثر على كفاءة تشغيل محطات الكهرباء. بما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء البلاد، ويعيدها إلى أجواء القرون الوسطى كما قيل بحق.
هذا الربط بين أزمة انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء البلاد وبين توريد الغاز لـ»إسرائيل» ليس تكهنات صحفية أو اجتهادات إعلامية، ولكن خبراء وزارة الكهرباء هم الذين نبهونا إليه، إذ قال قائلهم إن نسبة الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء تراجعت بسبب تصديره، حتى وصلت إلى نحو 79٪ بعد أن كانت 89٪، الأمر الذي اضطر المسؤولين إلى استخدام المازوت لتعويض النقص، مما أضر بكفاءة تشغيل محطات الكهرباء وتعطيل بعضها عن العمل.
المشهد الراهن يستدعي بقوة ملف الاتفاقية المشؤومة والظروف الغريبة بل والمريبة التي أحاطت بها. وهي التي مازالت تثير العديد من التساؤلات حول ملابسات ودوافع السرية غير المبررة التي أحيطت بها، رغم أنها اتفاقية تجارية تتعلق بثروة طبيعية للبلد. خصوصا أن السرية لم تقف عند حد إخفاء تفاصيلها عن الرأي العام المصري، وإنما تجاوزت ذلك إلى تحرير الاتفاقية من وراء ظهر مجلس الشعب، بالمخالفة للقانون.
على صعيد آخر، فإن الأزمة تسلط الضوء على أمر آخر أشد غرابة وأكثر مدعاة للدهشة والحيرة. ذلك أن ملابسات الموضوع استفزت الجماعة الوطنية في مصر. وباسمها رفع المحامي الدولي والسفير السابق الأستاذ إبراهيم يسري قضية طالب فيها بإبطال الاتفاقية استنادا إلى فساد الإجراءات التي اتبعت في توقيعها وإضرارها باقتصاد مصر وأمنها القومي.
ومرت القضية بمراحل مختلفة، كان آخرها حكم المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة الذي أصدره المستشار محمد أحمد الحسيني رئيس المجلس الذي انتقد ثغرات الاتفاقية؛ «لعدم توفيرها لآلية المراجعة الدورية للكميات والأسعار خلال مدة التعاقد (15 عاما) بما يحقق الصالح المصري ويضمن توفير الاحتياجات المحلية».
أهمية الحكم الذي صدر في 27 من شهر فبراير من العام الحالي «2010» تكمن فيما يلي:
إنه نهائي وواجب النفاذ، بعد صدوره من أعلى سلطة في القضاء الإداري
ــ إنه يقضي بعدم تصدير الغاز إلا بعد سد حاجات الاستهلاك المحلي
ــ أن يكون التعاقد على أساس السعر العالمي المعمول به في الأسواق
ــ أن يراجع العقد بصفة دورية كل سنة في ضوء الاعتبارات سابقة الذكر «حاجة الاستهلاك المحلي وأسعار السوق العالمية».
جاء الحكم صادما لما سمي بـ«لوبي» تصدير الغاز في مصر، الذي يضم أناسا من الموالين والمنافقين والعاجزين سياسيا والبيروقراطيين الذين يميلون مع الريح.
لكنه أشاع فرحة غامرة في أوساط الجماعة الوطنية المصرية، إلا أن الفرحة لم تدم طويلا للأسف. ذلك أن فريق المحامين الذين رفعوا القضية، وعلى رأسهم الأستاذ إبراهيم يسري، قاموا بإعلام وزارة البترول والهيئة العامة للبترول بصيغة الحكم النهائي؛ لاتخاذ إجراءات الالتزام به وتنفيذه، لكن الجهتين تجاهلتا الحكم وامتنعتا عن تنفيذه، رغم أنه واجب النفاذ ولا مجال للطعن فيه.

ورغم أن الامتناع عن تنفيذه يعرض مسؤولي الجهة المختصة للمساءلة القانونية والعقاب بالحبس والغرامة. وبطبيعة الحال فإن مسؤولي الوزارة والهيئة ما كان لهم أن يتحدوا حكم الإدارية العليا ما لم يكونوا قد أعطوا ضوءا أخضر بذلك ممن هم أعلى منهم.
ولا يزال حكم المحكمة مجمدا وممنوعا من الصرف لأسباب سياسية منذ ستة أشهر. في حين لم تتوقف أبواق السلطة عن التشدق بسيادة القانون في أزهى عصور مصر!
هذه الخلفية تقدم الإجابة عن السؤال الذي تلقيته من أحد القراء (أحمد فؤاد ــ من الجيزة) الذي قال فيه:
لماذا لا نفعل مثلما فعلت روسيا التي أوقفت تصدير القمح حين واجهت أزمة في محصولها، فتوقف حكومتنا تصدير الغاز إلى «إسرائيل»؛ لأن مصر تعاني من أزمة مماثلة؟

السؤال وجيه، وصاحبنا معه كل الحق في طرحه. إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يلحظه أن روسيا دولة تملك إرادتها، ولكن الإرادة المصرية في الموضوع الإسرائيلي مغيبة وفي إجازة مفتوحة!
............................

في انتظار قدر الله

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 11 رمضان 1431- 21 أغسطس 2010
في انتظار قدر الله – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_21.html


بعدما فشل الوطنيون الغيورون بمصر في إثناء الحكومة عن عزمها الاستمرار في بيع الغاز لإسرائيل، تولت المقادير الأمر، وشاء ربك أن يفضح الحكومة ويحرجها.
ذلك أنه بعد أن تجاهلت الحكومة حكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل بسبب ثبوت المخالفات الجسيمة التي شابت العقد، فقد نامت المسألة خمسة أشهر، وظن المتواطئون والمنتفعون والمتسترون أن المسألة مرت،

ولكن لأن ربك يمهل ولا يهمل، فقد فوجئنا في الأسبوع الماضي بأن الشارع المصري أصبح طرفا في القضية، إذ غرق الناس في الظلام لفترات متفاوتة في عشر محافظات،
وقالت صحيفة «الشروق» إن انقطاع الكهرباء أعاد تلك المحافظات إلى «العصور الوسطى». وامتد انقطاع التيار إلى بيوت ومنتجعات الأكابر، في رسالة توحي بأن السفينة إذا غرقت فسوف يغرق معها الجميع، سكان العشش وبيوت الصفيح جنبا إلى جنب مع سكان القصور المشيدة والقلاع المحصنة.
قيل لنا على لسان رئيس الشركة القابضة للكهرباء إن شركات توزيع الكهرباء اضطرت لتطبيق تخفيف الأحمال في أنحاء كثيرة من الجمهورية بسبب انخفاض ضغط الغاز المورد للمحطات وسوء حالة المازوت.
وقال بوضوح إن قرار تخفيف الأحمال صدر لأن وحدات الشبكة الكهربائية مجهزة للعمل بالغاز الطبيعي والمازوت كوقود احتياطي.
إلا أنه في الفترة الأخيرة انخفضت نسبة الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء إلى نحو 79٪ بعد أن كانت 98٪،
ولتعويض ذلك تم اللجوء إلى المازوت، الذى أدى إلى إصابة محطات الكهرباء بالأعطال التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه،
وفي الحر الشديد الذي ضرب مصر أدى انقطاع التيار الكهربائي إلى تعطيل وإتلاف الأجهزة الكهربائية المنزلية وكذلك أجهزة التكييف والمراوح، ناهيك عن أن أعدادا غفيرة من البشر أصبحت تعيش في الظلام لفترات متفاوتة
(إحدى قرى الفيوم انقطعت الكهرباء عن سكانها طيلة عشرة أيام متصلة، وفي بني سويف انقطع التيار طوال 20 ساعة. وفي بقية المحافظات تراوح الانقطاع بين ساعتين وخمس).
وبطبيعة الحال فإن انقطاع الكهرباء أوقف تشغيل «موتورات» المياه التي توصلها إلى بعض البيوت خصوصا سكان الطوابق العليا، الأمر الذي حرم كثيرين منها وأغرقهم في الظلام في نفس الوقت.
نقلت صحيفة «الشروق» في عدد الأربعاء الماضي 18/8 على لسان مسؤول في وزارة الكهرباء أن نقص الغاز في محطات الكهرباء تأثر بتصديره إلى إسرائيل.
وعرفنا مما نشرته صحيفة «الدستور» يوم الخميس أن وزير الكهرباء حين طلب من وزير البترول إمداد محطات الكهرباء باحتياجاتها من الغاز لتشغيلها بطاقاتها الطبيعية فإن صاحبنا رد عليه قائلا: إنه ليس لديه غاز.

وهو ما علق عليه السفير والخبير القانوني إبراهيم يسري منسق حملة وقف بيع الغاز لإسرائيل قائلا:
إننا بصدد مشهد انكشف فيه موقف الحكومة التي تعاقدت على بيع الغاز لإسرائيل بثمن بخس (دولار وربع الدولار) في حين تبيعه للوحدات المصرية بثلاثة دولارات وهي أحوج ما تكون إليه (لاحظ أن غزة تعاني من الإظلام) الأمر الذي يعني أنها تخلفت عن مسؤوليتها تجاه الشعب وأهدرت ثروته.
إن أحدا لم يفهم الملابسات المريبة التي أحاطت باتفاق بيع الغاز لإسرائيل، وإن كان الشيء الوحيد الذى ثبت لنا أن أسبابا سياسية كانت وراء الاتفاق المشؤوم، وأن تجاوزات ومخالفات شديدة حدثت في إبرام ذلك العقد أدت إلى تمريره بالمخالفة للقانون، وأن علاقات مريبة تخللت الصفقة.
في الوقت ذاته فإننا نشك في أن أحدا سيحاسب على ما جرى، وبالتالي فإن الأزمة الراهنة ستمر بعد اتخاذ ما يلزم من إجراءات التهدئة والمراهنة على ضعف الذاكرة الجمعية.
لقد قلت إن الأقدار وحدها كشفت سوأة الاتفاقية، وأخرجتها إلى العلن، فأعادت تسليط الأضواء على حقيقة الفضيحة فيها، كما أن انفجار الأزمة على النحو الذي حدث نقل القضية من موضوع تحمس لأجله بعض المثقفين الوطنيين في مصر، إلى أزمة حادة أثارت غضب عامة الناس وسخطهم.
وإذ أثبتت تجارب وجولات عدة ضعف قدرة المجتمع المصري على الضغط للدفاع عن حقوقه، فإننا فيما بدا صرنا نعول بشكل أكبر على التدخل الإلهي لكي يتحقق بقدرة الله ما عجزنا عن تحقيقه بقدرتنا.
إن لدينا ملفات عدة تنتظر قدر الله ومشيئته، ورغم أن العدل الإلهي الذي ننشده لم يشملنا في مراحل سابقة -ربما لأننا نستحق ما نزل بنا- فإن أملنا كبير في عفو الله وكرمه في شهر رمضان، عله يشملنا برحمته وعفوه ويفرج كربنا ويغيثنا بقدره الذي انتظرناه طويلا.. إنه سميع مجيب.
............................

19 أغسطس، 2010

رسالة من روسيا

صحيفة الشرق القطريه الخميس 9 رمضان 1431 – 19 أغسطس 2010
رسالة من روسيا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_19.html


من مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه في حين كانت الصحف المصرية تنشر مقالات الهجوم على حضور الدين في مناهج التعليم، فإن روسيا قررت إدخال دروس الثقافة الدينية إلى المدارس المتوسطة، وكذلك السماح لرجال الدين بالعمل بين أفراد القوات المسلحة الروسية.
ليست بعيدة عن الأذهان تلك الحملة الشرسة التي نددت في مصر بما سموه «تديين التعليم». وتواصلت حلقاتها في مقالات عدة استهدفت شيئا واحدا هو إقصاء الدين عن مناهج الدراسة، و«تطهير» الكتب المدرسية من الإشارة إلى مرجعية أو حتى مصطلح له علاقة بالدين.
حتى عبارة «السلام عليكم» استنكرها أحدهم في كتب المطالعة، وطلب حذفها بدعوى إنهاء محملة بإيحاءات موصولة بالانتماء الديني.

وبدا أن ثمة رسالة خبيثة مطلوب تعميمها تقول إن الأقباط في مصر لن يهدأ لهم بال طالما بقي للدين الإسلامي أثر في المجال العام بالبلد.
وهي رسالة بالغة الخطورة، ليس فقط لاستحالتها من الناحية العملية ولإضرارها الجسيم بوضع الأقلية، ولكن أيضا لأنها تضرب أساس التعايش وتحول الحساسيات العارضة إلى عاهات دائمة، الأمر الذي يهدد الاستقرار في البلد ويخل بأمنه القومي.
الخبر الروسي ليس جديدا تماما، لأن قرار الرئيس ميدفيديف الخاص بإدخال دروس الثقافة الدينية إلى المدارس صدر في 12 يوليو من العام الماضي، لكن أحدا لم يسمع به آنذاك.
وقد وقعت عليه في عدد أخير تلقيته من صحيفة «الإسلام في روسيا»، حيث تصدر الخبر الصفحة الأولى مع بعض التعليقات والإيضاحات، التي وصفت القرار بأنه «خطوة ثورية»، هي الأولى من نوعها في التاريخ الروسي، سواء في عهد روسيا القيصرية أو المرحلة السوفييتية.
وكما هو معلوم فإن تلك المرحلة الأخيرة أعلنت الحرب على الأديان جميعها، وقررت «الإلحاد» مادة تدرس في جميع مراحل التعليم، الأمر الذي أحدث فراغا روحيا هائلا في روسيا الاتحادية كانت له سلبياته العديدة التي ظهرت جلية خلال العقدين الأخيرين.
ذكرت الصحيفة التي يصدرها المجلس الإسلامي الروسي أنه حين غاب الدين تعرض المجتمع الروسي لأعراض التفكك والانحراف إضافة إلى الخلل الذي أصاب منظومة القيم السائدة فيه. فشاع التحلل الاجتماعي
وانتشر بشكل مخيف الإدمان على الخمور والمشروبات الكحولية،
وتراجع النمو السكاني على نحو مؤرق.
وشاعت الأنانية التي اقتربت بالسلوك الاستهلاكي المنفلت والجشع،
كما برزت مظاهر التطرف القومي، التي هددت فكرة التعايش المشترك بين بلد اتسم بتعدد أقوامه.
(في روسيا الاتحادية 182 عرقا، منهم 57 عرقا مسلما).
وهي الملابسات التي استدعت اتخاذ مجموعة من الإجراءات من جانب السلطة، كان من بينها تشجيع الانبعاث الديني. في هذا الصدد استشهدت الصحيفة بقول أحد أبطال رواية ديستوفيسكى، أديب روسيا الشهير، إنه إن لم يكن هناك إله، فكل شيء يصبح جائزا.
قرار الرئيس الروسي لم يكن منفصلا عن أجواء التهدئة والتفاهم التي سادت العلاقات بين الحكومة ومسلمي الاتحاد الروسي (نحو 40 مليونا).
وهي الأجواء التي فتحت الأبواب لترميم المساجد والتوسع في إنشائها. إضافة إلى السماح بفتح المدارس والجامعات (96 مؤسسة تعليمية دينية و7 جامعات إسلامية).
والاتجاه إلى إنشاء قناة تلفزيونية إسلامية، وقبول روسيا كعضو مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي. وفي سياق هذه العلاقة الإيجابية قام الرئيس ميدفيديف بزيارة جامع موسكو الشهير، لأول مرة في تاريخ مسلمي روسيا.
لقد انتقلت روسيا خلال ربع القرن الأخير مرحلة العداء للدين تحت الحكم الشيوعي إلى طور فصل الدين عن الدولة في ظل «البريسترويكا»، ثم تقدمت خطوة إلى الأمام بحيث أصبحت الصيغة الراهنة كالتالي:
الدين منفصل عن الدولة وليس عن المجتمع.
إن الفرق بين دعاة مناهضة التدين في بلادنا وبين أولئك الذين يستدعونه في روسيا، هو ذاته الفرق بين أناس تحركهم مراراتهم وحساباتهم الخاصة، وآخرين يحركهم الصالح العام،
أو قل إنه بين أناس يدافعون عن عقدهم وأهوائهم وآخرين يدافعون عن أوطانهم.
....................

18 أغسطس، 2010

شياطين الإنس قاموا باللازم

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 8 رمضان 1431 – 18 أغسطس 2010
شياطين الإنس قاموا باللازم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_18.html


شياطين الإنس انطلقوا فى شهر رمضان، ربما للقيام بـ«الواجب» فى غياب شياطين الجن، الذين انبأنا الحديث النبوى أنهم يحجبون خلال شهر الصيام.

وإذا أردت دليلا على ذلك فتابع ما يجرى على شاشات التليفزيون، خصوصا فى البرامج الحوارية التى أعمت حرارة المنافسة معديها ومقدميها، فاطلقوا لألسنتهم العنان دونما اعتبار لقيمة أو شىء، باستثناء الشأن السياسى، الذى أصبح الثابت والمقدس، الذى لا يجرؤ «شجعان» آخر الزمان على الاقتراب منه.


كنت قد قرأت ما نشرته بعض الصحف عن تلك الحوارات التى ذهبت بعيدا فى سعيها للإثارة، ففتحت ملفات العلاقات العاطفية والجنسية لمن تستضيفهم من الرجال والنساء، ومنهم من لم يتردد فى الاستفاضة فى هذه الأمور بصورة لاتدعو إلى القرف فقط، وانما تعد أيضا من قبيل إشاعة الفاحشة بين الناس.
وهو ما يصعب فهمه أو افتراض البراءة فيه، ليس لأنه يبث على الهواء فى مجتمعات محافظة إلى حد كبير، لايزال التحلل فيها يمثل استثناء وشذوذا على القاعدة، وإنما أيضا حين يتم اختيار شهر الصيام من دون كل شهور السنة الاثنى عشر، لعرض تلك البرامج.


من باب الفضول وللتأكد من صحة التعليقات المنشورة، قررت أن أتابع واحدة من تلك الحلقات، ففتحت التليفزيون على لقاء تم مع أحد الفنانين، ووجدت أن مقدمة البرنامج استفتحت الحلقة بسؤاله عن بعض الأمور العامة،
وبعد فاصل إعلانى قصير انتقلت إلى حياته الشخصية ومزاجه العاطفى وعلاقاته بالنساء، خصوصا ممثلة ذكر اسمها.. فسألته عن عدد النسوة اللاتى أقام علاقة معهن، وما إذا كانت تلك العلاقة صداقة أم حبا أم مشروعات زواج، أو علاقة جنسية خارج الزواج. إلى آخر تلك المعلومات التى أخبرتنا مقدمة البرنامج أنها تعرف ما هو أكثر منها عن نزوات الرجل ومغامراته العاطفية ونشاطه الجنسى.
لم أجد فيما سمعت سوى أنه نميمة ثقيلة العيار، تتكئ على الفضائح وتكشف عورات الضيوف فيما وصفه أحد الزملاء عن حق بأنه من قبيل «الاستربتيز (التعرى) الفضائى».
انس أن ذلك حاصل فى رمضان، وأنه خطاب يهدر كل قيم ومعانى شهر الصيام.
انس أيضا الصورة التى ترسمها لمصر مثل هذه البرامج فى ذهن المشاهد العربى،
وركز فقط على صداها فى داخل المجتمع المصرى، وتأثيرها على نسيج القيم السائدة فى البيت والشارع وفى أوساط جيل الشباب والفتيات، المتدينون منهم والمتفلتون.
إنك إذا دققت فى هذا الجانب فستجد أننا نوزع على المجتمع بذورا فاسدة لا نعرف على وجه الدقة مدى خطورة حصادها. لكننا لا ينبغى أن نتوقع خيرا فى ظل ما نشهده من مظاهر للتفلت والتحرش والاغتصاب،
مازلنا نتعامل معها بارتباك مشهود متصورين أن الشرطة كفيلة بالموضوع. فى الوقت ذاته فإننا ينبغى ألا ننسى أن هذا الترويج العلنى للفاحشة يعد نوعا من الغلو يشجع الغلو المضاد ويستدعيه. ذلك أننا ينبغى ألا نستغرب أن يرد على خطاب من ذلك القبيل بنزوع البعض إلى الترويج لأفكار التبديع والتفسيق والتكفير.
إذا قال قائل إن برامج النميمة والفضائح هذه لها مثيلها فى دول أخرى، فردى على ذلك أن مجتمعات تلك الدول لها قيمها الاجتماعية الخاصة، التى اختلف فى ظلها مفهوم «الأخلاق»، واحتملت سلوكيات مازالت عندنا مستهجنة ومرفوضة.
جدير بالذكر أن المسئولين عن الإعلام فى مصر مفتوحو الأعين عن آخرها على كل ما يتعلق بالشأن السياسى ويعرفون جيدا كيف يضبطون موجة تناوله، لكنهم يبدون تسامحا مشهودا مع المواد التى تخدش الحياء العام.
كما أنهم توافقوا مع عدد من المسئولين فى العالم العربى وتحمسوا للغاية لإطلاق ما سموه «وثيقة البث الفضائى» لإحكام الرقابة على الفضائيات العربية. وتذرعوا فى ذلك بالأسباب الأخلاقية وبدواعى الاحتشام السياسى.
وكان واضحا أن الهدف هو الرقابة السياسية فى حين أن حماية الأخلاق العامة كانت مجرد ذريعة لتغطية الرقابة المنشودة على ما هو سياسى.
وحين تعثر إصدار الوثيقة، فإن القنوات الخاضعة للتوجيه الحكومى أخذت راحتها فى برامج الفضائح السابقة الذكر. الأمر الذى كشف حيلة وثيقة البث الفضائى.
إن البعض مشغول بفوضى الإفتاء عن طريق التليفزيون، لكنهم يغضون الطرف عن فوضى الإفساد. الأمر الذى يثير تساؤلات عدة حول حقيقة موقف السلطة وسياستها الإعلامية، وأخشى ما أخشاه أن يظن جهابذة الإعلام عندنا أنهم بذلك يكافحون التشدد والتطرف، ويشجعون التحرر والتنوير. وهم بذلك لن يختلفوا كثيرا عن الذى جاء يكحلها فأعماها.
.........................

17 أغسطس، 2010

حين نسي العرب ولم يتعلموا – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 7 رمضان 1431 – 17 أغسطس 2010
حين نسي العرب ولم يتعلموا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_17.html

السياسيون أيضا لهم إسهامهم في مسلسلات اللهو والعبث التي يحفل بها شهر رمضان
. الدليل على ذلك أننا مقبلون على جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

1

مسلسل المفاوضات أسوأ، إذ إنه عابر للأشهر ومفتوح بغير نهاية، والأحداث فيه مكررة ومملة. ناهيك عن أن الفكرة الأساسية فيها معروفة سلفا وشاهدناها عدة مرات. محورها هو التفنن في تخدير الفلسطينيين لمواصلة سرقة فلسطين، بحيث يأكل الفلسطينيون الهواء ويأكل الإسرائيليون الأرض.

منذ عام 1978، الذي طرح فيه الرئيس السادات فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين في اتفاقية كامب ديفيد الأولى "وجزرة" التسوية النهائية تلوح في الأفق، دون أن تطولها يد الفلسطينيين إذ بمقتضى تلك الاتفاقية كان يفترض أن تتم التسوية بعد خمس سنوات، أي في عام 1983.
وهو ما تكرر في اتفاقية أوسلو عام 1993 التي علقت بمقتضاها جزرة التسوية على جدران عام 1999. لكن الأعوام الستة مرت دون أن يحصل الفلسطينيون على الجزرة الموعودة.

ولم يتوقف "الحاوي" عن ألاعيبه، فاستخرج من كيسه خارطة الطريق في عام 2003 التي لوحت بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005.

وحين لم يتحقق الوعد، وجد العرب أنفسهم مدعوين إلى مائدة "أنابوليس" في خريف عام 2007، وقيل لهم إن موعدهم المرتقب مع "الجزرة" سيكون في آخر عام 2008، مع نهاية ولاية الرئيس بوش.

وانتهت الولاية وتبدد الوعد، إلى أن جاء الرئيس أوباما حاملا معه الجزرة، ومبشرا العرب بكلام دغدغ مشاعرهم عن وقف الاستيطان وحل الدولتين. لكنه لم يلبث أن نكث بعهده، وغطى موقفه بلعبة المفاوضات، التي أرادها غير مباشرة لأربعة أشهر، ثم قرر أن يقطعها ويحولها إلى مباشرة قبل الموعد الذي حدد لها،
وفى هذه المرة الأخيرة فإنه أظهر العصا ولم يلوح بالجزرة، حيث وجه 12 تهديدا إلى الرئيس الفلسطيني في رسالته الشهيرة التي بعث بها في 17 يوليو/ تموز الماضي، وتسرب مضمونها مؤخرا. وقد أنذره فيها بالعزلة وقطع الموارد المالية إذا لم يذهب صاغرا إلى المفاوضات المباشرة.

صحيح أن الجزرة لم تظهر في هذه الدعوة الأخيرة، لكنه طمأن الفلسطينيين والعرب إلى أنها موجودة، وأن الجلوس حول مائدة المفاوضات هو خطوة على طريق الفوز بها يوما ما.

لم يكف الفلسطينيون والعرب معهم عن الركض وراء جزرة الدولة الموعودة طيلة الثلاثين عاما الماضية. لم يملوا خلالها من الدخول إلى قاعات المؤتمرات والجلوس حول موائد المفاوضات ثم الخروج بوعود إسرائيلية لا تنفذ، ولم يترددوا في تكرار التجربة ذاتها عدة مرات بعد عدة سنوات، والخلوص إلى النتيجة ذاتها.

لم يقنعوا طوال تلك المدة بأن الطريق الذي يسلكونه لا يوصلهم إلى مرادهم. ولم ينتبهوا إلى أنهم رغم الركض الذي لم يتوقفوا عنه طيلة تلك السنوات، لم يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.

من ثم لم يكتشفوا أنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا يدعون إلى مفاوضات أو مباحثات، ولكنهم كانوا يستدرجون إلى جلسات للثرثرة لابتزازهم وإلهائهم عما يجري على الأرض، ولإيهام العالم بأنهم يسعون إلى الحل.

2

طوال الثلاثين عاما التي مضت ظلت الدول العربية والقيادات الفلسطينية قابعة في مستنقع الانتظار، حتى حينما صدرت مبادرة القمة العربية في عام 2002، فإنها أطلقت في الفضاء. وبقيت الحكومات العربية مستسلمة لحالة الانتظار، رغم أن إسرائيل تجاهلتها وتعاملت معها بازدراء حتى هذه اللحظة.

المدهش في الأمر أن الدنيا تغيرت خلال تلك العقود الثلاثة. وجاءت بعض المتغيرات لصالح الطرف العربي والقضية الفلسطينية، ولكن الانتظار تحوّل فيما بعد إلى قعود وعجز عن الحركة.

فرغم انهيار الاتحاد السوفياتي وتفرد الولايات المتحدة بصدارة النظام الدولي الجديد، فإن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت. إذ أصبحت أسيرة مشكلاتها سواء تمثلت أزمتها الاقتصادية في الداخل أو ورطتها العسكرية في الخارج (في أفغانستان والعراق).

أما إسرائيل فقد فقدت هيبتها بعد هزيمتها أمام حزب الله في عام 2006، وبعد فشلها في العدوان على غزة عام 2008، واهتزت صورتها أمام العالم الخارجي بسبب جرائمها في غزة التي فضحها تقرير القاضي الدولي غولدستون. وهى تواجه الآن عزلة دولية بسبب استمرار حصارها للقطاع وجريمتها التي ارتكبتها في المياه الدولية بحق أسطول الحرية. ومن ثم أصبحت في موقف الدفاع وليس الهجوم.

وفي حين ازدادت الثقة في قدرة وثبات المقاومة العربية والإسلامية، واتسع نطاق التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني بفضل ثورة الاتصال التي فتحت أعين الجميع على الوجه الحقيقي لإسرائيل، فإن ضعف الأنظمة العربية فوّت فرصة استثمار تلك الأجواء للوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.

وفي ظل ذلك الضعف فإن مسار القضية ومصيرها أصبحت تتحكم فيه السياسة الأميركية التي يديرها "كونغرس" شديد الانحياز والتطرف لصالح إسرائيل، وقد أثار ذلك الانصياع دهشة أحد الكتاب الإسرائيليين (تسفى برئيل) فكتب ذات مرة قائلا إنه لشدة حرص الدول العربية على استرضاء الولايات المتحدة، فإن كثرة استخدامها لكلمة نعم أسقطت من قاموس العرب كلمة "لا" (هآرتس 30/7/2010).

3

سواء نسينا تجارب المفاوضات السابقة ونتائجها المحبطة أو تناسيناها، فالثابت أننا لم نتعلم منها شيئا، أو تعلمنا ولكننا لم نملك شجاعة الإعلان والجهر بالدرس الذي تعلمناه.
الدليل على ذلك أننا بصدد الدخول في حلقة جديدة من المسلسل العبثي. ذلك أنه منذ قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما بالاتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة قد وجب، وكتب الرئيس الأميركي بذلك إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فإن عجلة التحضير للمفاوضات دارت بسرعة، وتولت مصر بالاتفاق مع السعودية والأردن ترتيب أمر الغطاء العربي للجولة الجديدة. وبدأ بعض الكتاب يتحدثون عن المستقبل، وكأنه ليس هناك ماض، وكأننا نبدأ من نقطة الصفر.

في هذه الأجواء تحدثت الأنباء عن معالم الفخ الجديد الذي أعده نتنياهو للمفاوض الفلسطيني، وهو يتمثل في عرض يستهدف التوصل إلى إعلان مبادئ وليس اتفاق سلام نهائي شبيه باتفاق أوسلو عام 1993، بمقتضاه تنسحب إسرائيل من مساحة 90٪ من الضفة لا تدخل فيها القدس الشرقية، كما يتم إخلاء 50 ألف مستوطن من قلب الضفة إلى الكتل الاستيطانية،
ونقلت الصحف عن مصادر نتنياهو قوله إن العرض "واسع ومغر" للفلسطينيين، لأنه يمنحهم مساحة واسعة من الضفة مع إخلاء عدد كبير من المستوطنات، دون أن يلزمهم بالتوقيع على إنهاء الصراع، أو بوقف مطالبتهم بالجزء المتبقي من الضفة الغربية والقدس.

وفي حالة القبول بذلك العرض فإن إسرائيل سوف تقدم بعض التسهيلات المتعلقة بالإعمار والنهوض الاقتصادي للسلطة الفلسطينية في الضفة.

الفكرة الأساسية لمشروع نتنياهو تنطلق من ارتهان الضفة والمساومة عليها، بعد اقتطاع أجزاء منها بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل. وفي وقت سابق فعلها نتنياهو حين عرض إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحة 60٪ من الضفة. وكان أرييل شارون قد عرض على الفلسطينيين إقامة دولتهم على 42٪ من الضفة، وفعلها إيهود باراك حين كان رئيسا للوزراء ومن بعده إيهود أولمرت.

لا يشك أحد في أن عرض نتنياهو خال من البراءة، وأنه لجأ إلى الخداع والاحتيال في المشروع الذي قدمه. ذلك أنه يتلاعب فيه بالأرقام بحيث يضلل قارئها دون أن يكون محيطا بدلالاتها. فهو حين يتحدث عن 90٪ من الضفة فإنه يحذف منها القدس الكبرى ومنطقة اللطرون الواقعة بين خطي الهدنة والبحر الميت وغور الأردن.

وهذه المساحات المحذوفة تشكل 40٪ من مساحة الضفة التي تبلغ 5800 كيلومتر مربع. وحين يتحدث عن إخلاء 50 ألف مستوطن، فإنه يتحدث عن 13٪ فقط من المستوطنين، بما يعني أن 87٪ من أولئك المستوطنين سيبقون في أماكنهم، 40٪ منهم في القدس و47٪ في قلب الضفة.

وحين رجعت إلى الدكتور سلمان أبو ستة رئيس هيئة أرض فلسطين والدكتور خليل تفكجى مسؤول الإحصاء في الأرض المحتلة، فإنهما قالا لي إن المساحة الحقيقية التي يعرضها نتنياهو على الفلسطينيين لإقامة دولتهم الممزقة والمجردة من السلاح لا تتجاوز في حقيقة الأمر 12٪ من مساحة الضفة الغربية.

أخطر ما في هذا العرض أنه يعرض حلا للاتفاق على مبادئ جديدة في علاقة الطرفين، في حين يرحل إلى المستقبل ملف القدس وبقية القضايا المختلف عليها، وهذا الحل يخفى في طياته سعيا لجعل الحل الانتقالي المقترح بمثابة حل طويل الأجل ونهائي يقام بقوة الأمر الواقع في نهاية المطاف.

وثمة تقارير صحفية تعتبر أن سعي نتنياهو إلى فكرة الحل الانتقالي يخفى شعورا بالقلق في أوساط اليمين الإسرائيلي من عودة فكرة الدولة الواحدة على جدول الأعمال، بعد فشل الجهود الرامية للتوصل إلى حل الدولتين.

4

ثمة ثلاث مشكلات أساسية تواجه المفاوض الفلسطيني والأطراف العربية التي تسانده في تكرار تجربة المفاوضات المباشرة، هى:

- أن الطرف الفلسطيني وقع في فخ تفكيك القضية، وتحويلها إلى مجموعة ملفات تتعلق بالحدود والمياه والمستوطنات وغير ذلك. وهى ورطة تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضا متنازعا عليها فيما وصف بأنه صراع بين حقين، أحدهما للفلسطينيين والآخر للإسرائيليين.
وذلك وضع مخالف تماما للحقيقة ولقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ذلك أن القضية في جوهرها لها ملف واحد وتختزلها كلمة واحدة هي "الاحتلال"، أما الدخول في متاهة التفاصيل والاستدراج إلى مناقشتها، فإنه يعد استسلاما للفخ ووقوعا في براثنه.

- المشكلة الثانية أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات دون أن تكون لديه خيارات أخرى. بمعنى أنه مضطر للاستمرار في المفاوضات حتى وإن لاحقها الفشل في كل مرة. ذلك أن من أهم مصادر قوة أي طرف مفاوض أن تتوافر له خيارات أخرى غير التفاوض مثل حل السلطة أو إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد. أو قطع المفاوضات والانضمام إلى معسكر المقاومة، وأن يعي الطرف المقابل ذلك.
لأن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في عملية التفاوض تتأثر إيجابا وسلبا بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها..
وإذا انحصرت الخيارات بمسار التفاوض فقط، وأصبح ذلك هو المسار الوحيد المتاح، فإن الطرف المفاوض يخسر جل وضعيته التفاوضية أمام الطرف المقابل، الذي سيوظف انعدام الخيارات هذا كأداة ضغط فعالة للحصول على تنازلات قيمة.

وهذا الكلام ليس من عندي، لكنني اقتبسته من ورقة حول المأزق الفلسطيني العربي في المفاوضات، قدمها قبل ثلاث سنوات إلى ندوة مركز الخليج للدراسات بالشارقة الدكتور علي الجرباوي، حين كان أستاذا للعلوم السياسية بجامعة بير زيت، وقبل أن يصبح وزيرا في حكومة رام الله.

- المشكلة الثالثة أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات بلا ظهير عربي يؤمنه ويشد من أزره. أعنى بذلك حالة الوهن المخيمة على الأنظمة العربية التي أفقدتها القدرة على تبني موقف مستقل يرعى المصالح العليا للأمة. وهى التي حولت العواصم العربية الكبرى (نسبيا) إلى وسيط يضع استرضاء الولايات المتحدة ضمن أولوياته.
ومن ثم فإنها تحولت إلى عبء على القضية بدلا من أن تكون داعمة ورافعة لها،
وبالتالي أصبحت الحالة العربية الرسمية نقطة الضعف الأساسية التي تحسب على القضية وليس لصالحها.
............................

16 أغسطس، 2010

علاج خاطىء لوضع خاطىء

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 6 رمضان 1431 – 16 أغسطس 2010
علاج خاطىء لوضع خاطىء – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_16.html


صحيح أن حال الفتوى لا يسر في العالم العربي، بعد أن أصبحت ساحة لكل من هب ودب، ومهنة من لا مهنة له، لكن حل المشكلة لا يكون بتأميم الفتوى، وقصرها على نفر من أهل العلم تتخيرهم السلطة من بين رجالها الذين ترضى عنهم.

كان ذلك هو انطباعي عن الأمر الذي أصدره العاهل السعودي إلى مفتي المملكة وطلب فيه قصر الفتوى في الشؤون العامة على هيئة كبار العلماء. وحذر الذين يخالفون هذا التوجيه من أنهم سوف يتعرضون للجزاء الرادع.

تعرض الأمر الملكي لمبررات هذه الخطوة. فأشار إلى تجاوزات بعض الخطباء «وتناولهم موضوعات تخالف التعليمات الشرعية المبلغة لهم عن طريق مراجعهم» مما يؤدي إلى تشويش أفكار الناس والتعدي على صلاحيات المؤسسات الشرعية.

سواء كانت تلك هي الأسباب الحقيقية أم أن هناك ملابسات أخرى استجدت واستدعت اتخاذ هذه الخطوة، فإن ذلك لا يغير كثيرا من اقتناعنا بأن عالم الافتاء يعاني من فوضى شديدة، أسهم في تأجيجها وتوسيع نطاقها التطور الكبير في عالم الاتصالات، الذي فتح الأبواب على مصارعها لكل من شاء أن يقول ما شاء في أمور الدين أو الدنيا.
ولأن ذلك التطور جعل التواصل مع الناس خارجا عن السيطرة، فإن الجهات المعنية في الدول غير الديمقراطية دأبت على ملاحقة ومحاصرة تلك الوسائط بمختلف السبل. سواء عن طريق المراقبة أو المصادرة أو القرارات الإدارية.
يشهد بذلك مثلا الجهد الذي يبذل الآن لإخضاع الفضائيات العربية للقيود المختلفة التي تكفل الرقابة على البث وتقييد حرية التعبير.
كما تشهد بذلك الإجراءات الأخيرة التي اتخذت لوقف بعض خدمات «بلاك بيري» ومراقبة المدونات والفيس بوك وتويتر ورسائل الهواتف النقالة وغيرها،
هذه المشكلة ليست مثارة في الدول الديمقراطية. التي تكفل حرية التعبير بغير قيود. وينصب الجهد فيها على مواجهة الأضرار التي تترتب على سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة. مثل الاتجار بالبشر أو غسل الأموال.
التصدي لفوضى الإفتاء عن طريق حصره في جهة رسمية بذاتها لا يحل المشكلة، ولا ينبني على نظر يتحرى جذورها. ذلك أن الفتوى رأي غير ملزم لأي أحد. وتعدد الآراء مطلوب في الفقه كما هو مطلوب في العمل السياسي.
وكل الذي سيحدث أن الناس ستعتبر العلماء المأذون لهم بالفتوى والمعينين من قبل السلطة موظفين يخضعون للتوجيه بما لا يبعد عنهم شبهة الولاء لمن عينهم، الأمر الذي يفقد ثقة الجمهور فيهم، ومن ثم سيكون ذلك حافزا للرجوع إلى المراجع «المستقلة» البعيدة عن شبهة الارتباط أو الولاء للسلطة.
إن حصر الفتوى في أناس معينين من قبل السلطة هو في حقيقته تأميم للفتوى، الأمر الذي يضعنا أمام مفارقة جديرة بالملاحظة، وهي أن «الخصخصة» تسود قطاعات التجارة والأعمال، في حين أن قبضة التأميم تشتد على مجالات السياسة والإفتاء والإعلام.
لذلك فإن القرار ربما كان أحكم وأكثر موضوعية لو أنه قصر الفتوى على أهل الاختصاص، لاستبعاد الأدعياء والمتطفلين، وفي الوقت ذاته لاستبعاد شبهة إخضاع المفتين لتوجيه السلطة ورغباتها.
على صعيد آخر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو
لماذا شاعت الفوضى في مجال الإفتاء؟..
لقد أشرت إلى دور ثورة الاتصال في توسيع المجال، وجذب كثيرين إلى المحطات الدينية، وبرامج الرد على التساؤلات، والافتاء في مشاكل الخلق.
لكني أزعم أن هناك سببا أهم وأعمق هو فقدان ثقة الناس في المؤسسات الدينية الرسمية. وتلك أزمة حقيقية وليست مفتعلة؛ لأن الأنظمة التي شددت من قبضتها على مؤسسات المجتمع لم تترك المؤسسة الدينية بغير رقابة أو توجيه.
وحين أدرك الناس هذه الحقيقة، التي استدعت إلى المجال العام نفرا من أهل العلم عرفوا بأنهم فقهاء البلاط أو السلطان، فإنهم انفضوا من حولهم، وبحثوا عن آخرين ممن يفتون بوحي من ضمائرهم، وليس بتوجيه من الحكومة، ويخشون الله بأكثر من خشيتهم السلطان وضباط أمن الدولة.

إن قرار قصر الإفتاء على أي مؤسسة تتحكم السلطة في تعيين أعضائها هو علاج خاطئ لوضع خاطئ. وعلينا أولا أن نحافظ على استقلال المؤسسة الدينية لتستعيد صدقيتها وهيبتها قبل أن نطالب الناس بالاعتماد على مرجعيتها والاكتفاء بصوتها.
لكن ذلك يظل مطلبا صعبا في ظل أوضاع غير ديمقراطية ترفض استقلال المؤسسات الأهلية، ومنها ما فرط في استقلال الأوطان ذاتها.
...........................

14 أغسطس، 2010

الإعلام في خدمة الأمن

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 5 رمضان 1431 – 15 أغسطس 2010
الإعلام في خدمة الأمن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_14.html


أيهما أسوأ بالله عليكم:
أن يطلب ضابط أمن الدولة من أحد الشيوخ أن يبدي رأيا معينا في مداخلة تليفزيونية،
أم أن ترجع القناة التليفزيونية إلى مباحث أمن الدولة لتستأذنها في استضافة الشخصيات العامة؟

هذا السؤال خطر لي حين قرأت مقال زميلنا الأستاذ إبراهيم عيسى على الصفحة الأولى من صحيفة الدستور يوم الخميس الماضي 12/8، وقال فيه إن أحد المذيعين روى له القصة التالية:
رتب أحد المذيعين لقاء مع معارض أطلق سراحه بعد اتهامه بالعمل ضد مصر بالخارج، وقامت إدارة المحطة باستئذان جهاز أمن الدولة كالمعتاد، فوافق الضابط المختص مشترطا أن تتخلل البرنامج مداخلتان هاتفيتان من أحد الصحفيين وأحد الدعاة.
وحين اتصل المذيع بالشيخ أبلغه الأخير بأنه تلقى اتصالا من أمن الدولة وسجل النقاط التي طلب منه التركيز عليها. كما أنهم قالوا له ادخل بآيتين من القرآن، ومعهما ««شوية كلام من إياهم».
وقد تحقق إبراهيم عيسى من ذلك حين تابع البرنامج، ووجد أن الشيخ نفذ التعليمات كاملة!
لم أجد في القصة أي مفاجأة، لأن الكاتب أورد فيها بعض وليس كل ما نعرفه ويعرفه هو قبلنا منذ زمن.
لكنني لم أفهم لماذا أبدى دهشته من أن الشيخ نفذ توجيهات ضابط أمن الدولة في حين لم يستوقفه أن الضابط المذكور كان قد طلب ترتيب مداخلة من جانب أحد الصحفيين، الذي لا أشك في أنه قام بدوره باللازم، تماما كما طلب منه.
ثم إنه لم يتوقف أمام القضية الأساسية المتمثلة في الاتصال الذي قامت به إدارة المحطة لاستئذان أمن الدولة في مشاركة الضيف في البرنامج.
مع ذلك فأهمية القصة تكمن في دلالتها الكاشفة، التي تشير بوضوح إلى أن أصابع جهاز أمن الدولة القابضة على قنوات التليفزيون الرسمي مخترقة أيضا لكل المحطات التليفزيونية الأخرى.
وأنه ما من ضيف يظهر في برامج الحوار والرأي إلا بعد الموافقة المسبقة على ظهوره من جانب جهاز أمن الدولة. وحكاية المداخلتين اللتين طلبتا من الشيخ والصحفي تتكرر في كل الحالات المماثلة.
لقد أشرت قبلا إلى صدور تعليمات بمنع ظهور الدكتور محمد البرادعي في المحطات والقنوات التليفزيونية المصرية.
وذكرت أن أحد أبرز الشخصيات العامة في مصر ألحت عليه إحدى القنوات لاستضافته حتى وافق أخيرا. وقبل يومين من موعد تسجيل البرنامج، تلقى اعتذارا من المعد عن عدم إتمام اللقاء.

ويعلم المشتغلون في المجال الإعلامي أن ثمة قائمة بأسماء شخصيات مستقلة ومعارضة موزعة على المسؤولين في المحطات التليفزيونية، ومحظور عليهم الظهور في أي برنامج تليفزيوني، على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية القادمة.
وقد علمت قبل أسابيع قليلة أنه حين أجرى أحد مقدمي البرامج الحوارية المسائية حوارا معي ذات يوم، فإن مجموعة صغيرة من الضباط كانت تتابع الحوار في جهاز أمن الدولة، وأن المذيع كان يتلقى منهم أسئلة بذاتها قصد بها الإحراج أو التوريط.
غنيٌّ عن البيان أن الحاصل في مجال التليفزيون، متكرر بذات القدر في المجال الصحفي، خصوصا الصحف القومية، التي لمباحث أمن الدولة كلمة في تعيين رؤساء تحريرها.
وللعلم فإن اختراق الصحف من جانب أجهزة الأمن أسبق بكثير من اختراق الأجهزة لقنوات التليفزيون، باعتبار أن الأولى أقدم بكثير من الثانية.
وليس سرا أن الأجهزة الأمنية تتدخل لإضافة أو حظر الكُتَّاب في الصحف القومية.
وقد منع ثلاثة من المثقفين من الكتابة مؤخرا في إحدى الصحف القومية الكبرى بتعليمات قال رئيس التحرير صراحة إنها «توصيات أمنية».
بهذه المناسبة فقد سمعت القصة التالية من أحد القياديين الفلسطينيين.
التقى صاحبنا مسؤولا أمنيا كبيرا. وحين تبسطا في الحديث فإن صاحبنا القيادي الفلسطيني أبدى استغرابه من موقف الإعلام المصري الذي يهاجمهم حينا ثم يسكت أو يرضى عنهم في حين آخر.
ثم قال: كأن هناك «زر» يتم الضغط عليه في كل حين لكي تنطلق قذائف الإعلام في الاتجاه المطلوب.
حينئذ ضحك المسؤول الأمني وقال: أنا الذي اضغط على «الزر»!
إننا إذا نظرنا في عمق الصورة فسوف نكتشف أن الحضور الأمني القوي في وسائل الإعلام هو مجرد واجهة لحقيقة أكبر هي أن أصابع الأمن وأعينها أصبحت مبثوثة في كل مكان،
وأن أجهزتها لم تعد أحد أذرع الدولة، وإنما أصبحت الآلة التي تدير الدولة،
وأن قانون الطوارئ ليس المشكلة، ولكن المشكلة الحقيقية أننا أصبحنا نعيش في ظل نظام بوليسي يزداد تغوُّلا حينا بعد حين.
..........................

13 أغسطس، 2010

قبل التفكير في تغيير الشعب

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 4 رمضان 1431 – 14 أغسطس 2010
قبل التفكير في تغيير الشعب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_13.html

أصبحت ممجوجة وغير مقنعة الحجة التى يرددها المسئولون فى مصر حينا بعد حين، قائلين إن الحكومة تؤدى ما عليها، ولكن المشكلة فى الشعب الذى يفسد تلك الجهود ولا يمل من السخط والشكوى، ولا يختلف فى سلوكه عن القطط التى تأكل وتنكر.

وهو منطق إذا سلمنا به فإنه يقودنا إلى حل واحد هو أننا يجب أن نفكر بشكل جاد فى تغيير الشعب واستبداله بآخر أكثر استجابة وأفضل وعيا.
الحجة ذاتها كررها رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف قبل أيام، حين ذكر فى تعليقه على الضجة التى ثارت فى مصر بسبب قرار روسيا وقف تصدير القمح إلى الخارج إن إنتاج مصر من القمح زاد ثلاثة أضعاف، ولكن المشكلة أن الاستهلاك المتنامى الذى يلتهم الزيادة (جريدة الشروق 11/8).
وهو كلام له معنى واحد هو يعنى أن الحكومة لم تقصر فى القيام بالواجب، ولكن المشكلة صنعها الناس الذين لا يكفون عن الإنجاب. ومن ثم لا يتوقفون عن الأكل. حتى فى شهر الصيام فإن شهيتهم للأكل تتضاعف (الملاحظة الأخيرة من عندى).
لم يكن الدكتور نظيف أول من قال هذا الكلام. ولكنه تردد على ألسنة مسئولين كثيرين، بعضهم أكبر منه وأهم. ذلك أن مسألة اتهام الشعب بكثرة الإنجاب واتهامه بالتصرف بغير مسئولية فى السلوك الإنجابى والاجتماعى حجة سمعناها كثيرا.
ومن أولئك المسئولين من قال غامزا إن الحكومة لا تستطيع أن تخصص شرطيا لكل سرير. وفى حين لا يتوقف المسئولون عن تقريعنا، فإنهم يمنون علينا بقولهم إن الحكومة من جراء تهور المواطنين واستسلامهم لنزواتهم تتحمل مليارات الجنيهات كل عام لدعم السلع الأساسية، وكأنهم يدفعون هذه الفلوس من جيوبهم وليس من مال الشعب.
لى عدة ملاحظات على الموضوع هى:
< لست واثقا من أن الضجة الحاصلة بسبب وقف تصدير القمح الروسى فى محلها، وفى حدود معلوماتى فإن المسئولين فى الحكومة ذعروا بسرعة وارتبكوا بعد إعلان القرار فى موسكو، وأن هذا الذعر انتقل إلى وسائل الإعلام التى وجدتها «جنازة تمارس فيها العويل واللطم»، كما يقال. ذلك أن تقلبات الأسواق واردة دائما، سواء فيما خص الأسعار أو الكميات المعروضة من أى سلعة. ولذلك فإن الاحتفاظ بمخزون احتياطى من السلع الاستراتيجية يشكل ضمانا للسيطرة على الموقف فى مواجهة أى تقلبات محتملة. وذلك هو الحاصل الآن فى مصر وفى غيرها من الدول. معلوماتى أيضا أن وقف تصدير القمح الروسى لم يحدث أزمة فى السوق العالمية، وأن سعر طن القمح لم يزد أكثر من ثلاثة دولارات رغم مضى أسبوع على الإعلان الروسى، وأن أسعار القمح تتجه إلى التراجع وليس إلى الزيادة. وأن مصر اشترت فى اليوم الذى نشر فيه تصريح رئيس الوزراء (11/8) صفقة قمح بسعر 309 دولارات للطن، علما بأن سعر الطن إبان الأزمة العالمية فى سنة 2008 كان نحو 500 دولار، وأن ذلك السعر وصل فى العام الذى يليه مباشرة إلى 150 دولارا للطن. < حين يقول رئيس الوزراء إن الحكومة ضاعفت إنتاج القمح ثلاث مرات ولكن الاستهلاك التهم الزيادة، فمعنى ذلك أن ثمة خطأ فى التخطيط، الذى لا تتحمل حكومة الدكتور نظيف مسئوليته بالضرورة، لأنه يعنى أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح فى وضع سياسة تلبى احتياجات المجتمع الغذائية. فلا هى استطاعت أن تحقق الاكتفاء من القمح (كما فعلت الهند التى تجاوز عدد سكانها مليار نسمة، أو إيران بسكانها الذين وصل عددهم إلى 74 مليونا، ودعا رئيسها الناس قبل أيام إلى زيادة نسلهم). ولا هى استطاعت أن توفر للناس البدائل التى يمكن أن تقلل من استهلاكهم للقمح. < ملف ترشيد الاستهلاك سواء فى القمح أو المياه ليس مأخوذا على محمل الجد، سواء فى سياسة الحكومة أو وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدنى. لا يقل خطورة عن ذلك أن الحكومات المصرية المتعاقبة لم تتعامل بجدية أو مسئولية مع ملف الإنتاج بشكل عام، خصوصا مع فكرة الاعتماد على الاستيراد لتوفير 80٪ من احتياجات المصريين من السلع الأساسية رغم أن هذا الملف وثيق الصلة وعلى مساس قوى باعتبارات الأمن القومى. < أكرر التنبيه إلى أن التزايد السكانى ليس شرا كله، لأن الطاقات البشرية يمكن أن تعد ثروة إذا أحسن استخدامها. وعبئا ثقيلا إذا فشلت الحكومة فى استخدامها، بحيث تصبح الزيادة السكانية إضافة إلى طوابير العاطلين وليس إلى سواعد المنتجين. إن أبسط وأسهل شىء أن يتهم الناس فى كل أزمة وأن تلقى الحكومة بالكرة فى مرماهم. لكن من الصعب ربما أن تحاسب الحكومة على تقصيرها فى التخطيط أو الترشيد. ومن الواضح أننا نفضل اللجوء إلى تقريع المجتمع وليس تربيته، مستلهمين فى ذلك المنطق الأمنى الذى يقدم التياسة على السياسة. .......................

12 أغسطس، 2010

فى بؤس التناقض العربى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 2 رمضان 1431 – 12 أغسطس 2010
فى بؤس التناقض العربى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_12.html


أستغرب موقف بعض الصحف العربية والمصرية بوجه أخص من المؤتمر الصحفى الذى عقده السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله مساء الاثنين الماضى 9 / 8 الذى عرض فيه مجموعة من المعلومات المثيرة التى تتهم إسرائيل بالضلوع فى قتل رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريرى.
فقد لاحظت أن قسما منها تجاهل المؤتمر بالكامل ولم يأت له على ذكر، وأدهشنى أن صحفا أخرى أبرزت رد الفعل الإسرائيلى على تصريحات نصرالله وادعاء المتحدث باسم حكومتها أنه «كلام سخيف مثير للسخرية».
أدرى أن تلك الصحف المعبرة عن الحكومات «المعتدلة» والقريبة منها لها موقفها المخاصم والمتهم للسيد حسن ولحزب الله لأسباب مختلفة، لكننى لم أتصور أن تلك الخصومة بلغت حدًّا يجعلها تتبنى الموقف الإسرائيلى حين يكون الرجل مشتبكا معها، الأمر الذى يعبر عن مدى البؤس الذى وصل إليه التناقض العربى العربى.
وهو ليس بؤسا فقط، بل إنه فجور أيضا، لأنه بات يتم الجهر به أمام الملأ بجرأة خلت من أى حياء. وهذا التحيز لوجهة النظر الإسرائيلية لا نجده فى بعض الصحف المصرية فحسب، وإنما نلمحه أيضا فى بعض الصحف العربية الصادرة فى لندن.
وهى التى باتت تقول صراحة إن العدو لم يعد إسرائيل، ولكنه إيران، ويتحدثون نفس اللغة التى يعبر عنها غلاة المحافظين اليمينيين فى الولايات المتحدة الأمريكية.
السيد نصر الله فى المؤتمر الصحفى قدم مجموعة متكاملة من اعترافات الجواسيس الذين ذكر أحدهم أنه اقترب من الدائرة الأمنية للرئيس الحريرى واستطاع إقناعه بأنه مستهدف من قبل حزب الله.
فى الوقت ذاته كانت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية تراقب بيت الحريرى وترصد خط سيره من بيته إلى مكتبه أو إلى المنتجع الذى يقضى فيه عطلاته.
كما كانت تراقب بيت شقيقه، وتتبع الأماكن التى يتردد عليها أنصاره وجماعة 14 آذار. وهو ما يثير شكوكا كثيرة حول القصد من كل ذلك، سواء فيما خص الرئيس الحريرى نفسه أو ما خص جماعة 14 آذار، الذين أرادت إسرائيل أن تنال منهم لكى تتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى حزب الله وحلفائه فى تجمع الثانى من آذار.
مما ذكره السيد نصر الله أيضا أن جاسوسا لبنانيا من الذين جندتهم إسرائيل كان فى موقع اغتيال الحريرى قبل 24 ساعة من حدوث التفجير الذى أودى بحياته، وأن طائرة إواكس إسرائيلية حلقت فى سماء لبنان يوم الحادث، كذلك تم رصد نشاط كثيف للطيران الإسرائيلى فى اليوم ذاته.
وأثناء استعراضه للشهادات عرض نماذج من صور الأقمار الصناعية التى نجح حزب الله فى استقبالها بعد اختراق الرسائل التى كانت تبعث بها طائرات الاستطلاع الإسرائيلية.
فى السياق ذاته قال «السيد» إن الرئيس الراحل حافظ الأسد أخبره بأن قائدا عربيا نقل إليه فى دمشق رسالة أمريكية خلاصتها أن واشنطن مستعدة لاستمرار الدور السورى فى لبنان إذا ما استجاب لشرطين اثنين هما:
نزع سلاح حزب الله،
ونزع سلاح المخيمات الفلسطينية.
وهو العرض الذى رفضه الرئيس السورى آنذاك.
أبدى الأمين العام لحزب الله دهشته من أن اعترافات عملاء إسرائيل بما احتوته من إشارات ودلالات مهمة لم تأبه بها لجنة التحقيق الدولية فى اغتيال الحريرى، فى حين رحبت بمعلومات أخرى أدلى بها بعض شهود الزور، مما أدى إلى سجن أربعة من كبار الضباط لمدة أربع سنوات، قبل أن تثبت براءتهم ويطلق سراحهم. وهو موقف دال على أن تسييس القضية له بوادره من البداية.
إزاء ذلك فلا يستبعد أن تكون اللجنة قد أعرضت عن مساءلة الجواسيس الإسرائيليين أو الضباط الذين استخدموهم من جهاز الموساد، حتى تظل إسرائيل بعيدة عن الشبهات.
وليس أدل على ذلك من أن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية. لويس مورينو أوكامبو، رفض التحقيق فى العدوان الإسرائيلى على غزة، لاقتناعه بأن ذلك العدوان لا يشكل جريمة حرب، رغم أن تقرير القاضى الدولى جولدستون أدان موقف إسرائيل وطلب التحقيق فيما ارتكبته إسرائيل من جرائم خلال تلك الحرب.
ان أهمية تسليط الضوء على احتمالات ضلوع إسرائيل فى اغتيال الحريرى، تكمن فى كونه يشكل أحد مفاتيح التعرف على الحقيقة فى تلك الجريمة، فضلا عن أنه يشكل خيطا يمكن من خلاله التعرف على المسئولين عن ارتكاب العديد من جرائم القتل الأخرى التى ارتكبت فى لبنان، وأريد بها إثارة الفرقاء وإشعال نار الفتنة بينهم.
ولا يقل أهمية عن هذا وذاك أن الكشف عن تلك المعلومات يتيح لنا أن نتعرف على طبيعة الأنشطة الاستخباراتية والتآمرية التى تمارسها إسرائيل فى مختلف الدول العربية، منتهزة فرصة بلاهة البعض منا الذين صدقوا أن إيران هى الخطر وهى العدو.
.......................

11 أغسطس، 2010

دعوة إلى اختراع العجلة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 1 رمضان 1431 – 11 أغسطس 2010
دعوة إلى اختراع العجلة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_11.html


الذى يطالع الصحف المصرية هذه الأيام يخيل إليه أن مصر فرغت من هموم الدنيا. ولم تعد تنتج شيئا سوى مسلسلات التليفزيون، بحيث تحولت المحروسة إلى ورشة عمل كبيرة تنافست فيها الفضائيات على الفوز بأكبر عدد من الأعمال الفنية «الحصرية»، لجذب أكبر عدد من المشاهدين ومن الإعلانات بطبيعة الحال.
وكأنه أريد لنا أن نخرج من لوثة دورة كرة القدم وكأس العالم إلى لوثة المسلسلات الرمضانية، بحيث لا يبقى مجال بعد ذلك للانشغال بشىء آخر، ولا يعلو صوت فوق صوت كرة القدم حينا أو فوق صوت المسلسلات فى حين آخر.

وقد شاء ربك أن يختلف الأمر هذا العام، وإن تضعنا المقادير أمام مفارقة كاشفة، إذ فى حين خطفت أبصارنا إعلانات المسلسلات الجديدة التى أغرقت صفحات الصحف. وانتشرت ملصقاتها على جوانب الطرق العمومية مزينة بصور النجوم،
داهمتنا الأخبار الواردة من الخارج التى تحدثت عن أزمة شح القمح وصدور قرار فى روسيا بحظر تصديره، الأمر الذى فاجأ مصر وأربكها، ودفع المسئولين فى الحكومة إلى عقد عدة اجتماعات وما لا حصر له من الاتصالات، لمحاولة احتواء الموقف وتدبير الاحتياجات اللازمة لتوفير الخبز فى الأسواق.
على صعيد آخر فإن المفاجأة دفعت بعض المنابر الإعلامية إلى التذكير بالأهمية الاستراتيجية للاعتماد على الذات فى توفير الخبز وغيره من الاحتياجات الغذائية الضرورية. والتنبيه إلى أن الاعتماد على الخارج فى توفير تلك الاحتياجات هو بمثابة ارتهان للخارج فى حقيقة الأمر.

قرأت لأحد الجهابذة نداء يقول للناس «انتجوا غذاءكم»، واعتبرته دعوة لاختراع العجلة من جديد. وكأننا نسمع بهذا «الاكتشاف» لأول مرة، ولم يكن بمقدرونا أن نتوصل إليه إلا بعد أن فوجئنا ذات صباح بأن روسيا أوقفت تصدير القمح إلى الخارج.
وهذا الجيل من الكتاب معذور، لأنهم حين شغلوا أنفسهم بالمشاركة فى التهريج طول الوقت وبالتصفيق والتهليل لإنجازات الحكومة وفتوحاتها. لم يكن بوسعهم أن يدركوا أن ثمة شيئا جادا فى حياتنا ينبغى أن يحتل مكانه فى قلب جدول أعمال الحكومة وفى إدراك الناس ووعيهم. شىء غير كرة القدم ومسلسلات رمضان.

لقد سقط مصطلح الإنتاج من قاموس المرحلة، وشغلنا طول الوقت بالاستهلاك والاستيراد والجباية والاقتراض. وظل بعض الجهابذة يعتبرون أن الاستثمار الأجنبى هو الحل الأول، وأن بيع أصول البلد هو الحل الثانى ــ
وكما لم تراهن السلطة على المجتمع فى تثبيت أقدامها وتعزيز شرعيتها واكتفت فى ذلك بأجهزة الأمن وهراواته، فإن أولئك الجهابذة لم يراهنوا على المجتمع فى الإنتاج الذى يلبى احتياجاته الأساسية، وآثروا التعويل على الاستثمار الأجنبى والاستيراد فى الخارج.
كأن العجز السياسى الذى ارتهن مصير البلد لصالح الإرادة الأجنبية، استصحب عجزا اقتصاديا أذهلنا عن حقيقة بديهية تمثلت فى ضرورة الاهتمام بالإنتاج وإعطاء الأولوية لتشجيعه والنهوض به.

فى عام 1935، جاء أحد المسلمين اليابانيين إلى مصر، واستقل باخرة من السويس لكى يؤدى فريضة الحج. وفوجئ بأنهم عرضوا على ركاب الباخرة شريطا سينمائيا ظهرت فيه سيدة ارتدت ثوبا سرعان ما تمزق منها حين دخلت إلى السوق، وأبلغ المشاهدون أن ذلك حدث لأن قماش الثوب مصنوع فى اليابان، وليس فى مصر. وحين ظهرت السيدة بثوب آخر صنع قماشه فى مصر. فإنها دخلت إلى السوق وخرجت منه وهى فخورة بثوبها الذى نال إعجاب جمهور السوق.
استاء الحاج اليابانى الذى حمل اسما إسلاميا هو محمد صالح (كان اسمه الأصلى سوزوكى تاكيشى). وعبر عن استيائه فى كتاب ألفه بعد العودة ترجم إلى العربية تحت عنوان «يابانى فى مكة». لكنه فرح فى النهاية حين لاحظ أن الشاشة التى عرض عليها الشريط صنعت فى اليابان، الأمر الذى عوضه عن انتقاد القماش اليابانى.

هذه الواقعة تنبهنا إلى أن مصر كانت غيورة على إنتاجها وفخورة به قبل أكثر من سبعين عاما. لكننا قطعنا أشواطا بعدها إلى أن وصلنا إلى «أزهى العصور». ووجدنا من يفيق ذات صباح من الغيبوبة المخيمة ويكتشف أننا ينبغى أن ننتج غذاءنا.

إن المشكلة ليست فى إننا لا ننتج فحسب، ولكنها تكمن أساسا فى افتقادنا الجدية فى حياتنا، ليس فى مسألة الغذاء والإنتاج فحسب، وإنما فى أمور أخرى كثيرة ربما كانت المياه على رأسها، التى يستمر اللغط حول احتمالات وفرتها، فى حين تنتشر فى بر مصر البرك الصناعية وملاعب الجولف،
وما حدث فى المياه هو ذاته الحاصل فى التعليم والاقتصاد والسياسة أيضا.
وإذا كنت فى شك من الأخيرة فطالع الجدل المثار حول التوريث وبدائل المستقبل. لتتأكد من أن التهريج لم يترك مجالا إلا وضربه فى مصر.
......................

10 أغسطس، 2010

الانحياز إلى فلسطين معيار الوطنية الحقة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 29 شعبان 1431 – 10 أغسطس 2010
الانحياز إلى فلسطين معيار الوطنية الحقة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_10.html


الخبر السيئ أن أولوية القضية الفلسطينية تراجعت فى «أجندة» أغلب الأنظمة العربية.
أما الخبر الأسوأ فهو تغييب القضية عن برنامج أى حركة وطنية للتغيير فى العالم العربى، رغم أن حضورها فى صلب تلك البرامج الأخيرة يعد أحد معايير الوطنية، ودليلا حاسما على صدق الرغبة فى إجراء تغيير حقيقى.
(1)
قل لى ما موقفك من القضية الفلسطينية أقل لك ما موقعك من الانتماء الوطنى، بل والعربى والإسلامى.
قد لا يمثل رأيى أهمية بالنسبة لك، إلا أننى بهذا المعيار ألزم نفسى على الأقل، ذلك أن لدى اقتناعا راسخا بأن الموقف النزيه من القضية الفلسطينية له تداعياته الضرورية فى اتجاهات عدة.
إذ حين نكون بصدد احتلال أرض واقتلاع شعب وتشريده أو حصاره ونهب موارده وثرواته. فإننا نصبح بإزاء جريمة كبرى ضد الإنسانية، لا سبيل للتهاون أو التصالح مع الفاعلين والشركاء فى ارتكابها. وذلك يقع فى قفص الاتهام. ويستدعى على الفور أمام محكمة الضمير طرفين أساسيين هما إسرائيل والولايات المتحدة.
أدرى أن هذه ليست المرة الأولى التى يتم فيها احتلال أرض واقتلاع شعب، وأن ذلك ما حدث بالضبط مع الهنود الحمر فى الولايات المتحدة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهى الجريمة التى حققت نجاحا نسبيا.
حيث تم سحق وإبادة الهنود أصحاب الأرض الأصليين. واستطاع الأمريكيون فرض واقع جديد سلم به الجميع، وخرجت من رحمه دولة عظمى تتحكم الآن فى مقدرات العالم.
لكن القياس على الحالة الفلسطينية هنا ينبغى أن يضع فى الاعتبار ثلاثة فوارق على الأقل هى
(1) أن ما جرى لا يزال يشكل وصمة عار فى جبين الولايات المتحدة لم ينجح الواقع الجديد فى محوها.تشهد على ذلك الكتب التى مازالت تصدر عن تلك التجربة البشعة سواء من مثقفى الهنود الحمر أو غيرهم.
(2) إن ذلك حدث فى ظل العالم القديم الذى كان يمكن أن ترتكب فيه أمثال تلك الجرائم دون أن يحرك شيئا فى الساحة الدولية (لا تنس أن تجربة الاستيطان والإحلال فشلت فى جنوب أفريقيا).
(٣) إن الهنود كانوا 40 شعبا حقا إلا أنهم لم يشكلوا أمة لها امتداداتها خارج حدودها. على العكس تماما من الفلسطينيين الذين قاوموا الإبادة بالتكاثر والتناسل، ولا يزالون يمثلون جزءا وجرحا فى المحيطين العربى والإسلامى.
استطرادا من النقطة الأخيرة فإن إنجاح محاولة اقتلاع الشعب الفلسطينى لم يعد يكفى فيها تعاظم القدرة العسكرية الإسرائيلية والسعى اللحوح لابتلاع الأرض وتغيير جغرافيتها، وإنما بات ذلك يقتضى أيضا إخضاع العالم العربى المحيط أو تدجينه.
وذلك يفسر لنا إجماع الخبراء الصهاينة على اعتبار معاهدة الصلح التى عقدها الرئيس السادات فى عام ١٩٧٩ بمثابة «الميلاد الثانى» لإسرائيل، وقولهم إنها تمثل الحدث الذى يعادل فى الأهمية التاريخية تأسيس الدولة العبرية فى عام 1948.
وخطورة هذه المعاهدة لا تكمن فقط فى إخراج مصر القوة العربية الأكبر والأخطر من معادلة الصراع. وإنما تكمن أيضا فى استثمارها لصالح تعزيز أمن إسرائيل والدفاع عن مشروعها.
هذه الخلفية تفسر لنا لماذا اعتبر بنيامين بن اليعيزر وزير التجارة الإسرائيلى والجنرال السابق أن القيادة المصرية باتت تمثل «كنزا استراتيجيا» لإسرائيل،
ولماذا تمنى الحاخام الأكبر عوفاديا يوسف للرئيس مبارك دوام العافية وطول العمر.
ولماذا سعت إسرائيل بكل ما تملك من جهد ونفوذ للحفاظ على الوضع القائم فى مصر،
ولماذا يعلن قادتها بين الحين والآخر أن انسحابها من معاهدة السلام يعد عندهم خطا أحمر ليس مسموحا بتجاوزه، وأنهم سيقاومون ذلك الانسحاب بكل السبل فى إشارة ضمنية غير خافية إلى استعداد إسرائيل للدخول فى حرب لأجل استمرار العمل بالمعاهدة!
(2)
فور توقيع معاهدة السلام فى عام 79 ظل تصغير مصر وإضعافها حتى لا يصبح لها دور أو تقوم لها قيامة هدفا إسرائيليا استراتيجيا.
وقد ألمحت توا إلى أن الدور الذى أرادته لها هو حماية أمن إسرائيل، حتى أصبحت كل الترتيبات الحاصلة فى سيناء تخدم ذلك الهدف بصورة أو أخرى.
فالوجود العسكرى المصرى هناك تقيده الاتفاقيات المعقودة مع إسرائيل، ومشروعات تنمية سيناء تضع فى الحسبان التحفظات الإسرائيلية. وتدمير الأنفاق وإقامة السور الفولاذى العازل مع غزة، وقواعد فتح معبر رفح تراعى فيه الشروط الإسرائيلية
(بالمناسبة ذلك هو المعبر الوحيد فى كل منافذ البلد والذى لا تمارس عليه السيادة المصرية كاملة).

من ناحية أخرى، فإن إسرائيل أصبحت حاضرة فى المساعدات الأمريكية لمصر، وهى حاضرة فى مشروعات مياه النيل، ودورها فى دعم وإذكاء الحركة الانفصالية فى جنوب السودان لم يعد فيه سر، بل صار موثقا فى دراسات إسرائيلية عدة.
واستراتيجية الاختراق الإسرائيلى لدوائر رجال السياسة والأعمال والإعلام، فضلا عن التعاون والتفاهم المستمرين بين الأجهزة الأمنية على الجانبين صار مرصودا من جانب الباحثين فى الشأن الاستراتيجى، على المستويين الإقليمى والدولى.
الذى لا يقل أهمية عن كل ذلك تلك الانتكاسة التى أصابت منظومة المشروعات الاستراتيجية والصناعات الحربية فى مصر بعد توقيع اتفاقية السلام. ذلك أن تلك المشروعات جرى تفكيكها والمصانع الحربية تحولت إلى الإنتاج المدنى، وصارت تنتج مستحضرات التجميل بدلا من الذخيرة.
وهناك من يقول إن ذلك كان أمرا متعمدا، فى حين أن ثمة رأيا آخر يرى أصحابه أن الانتكاسة كانت نتيجة لانتقال مصر من مرحلة المشروع إلى مرحلة اللامشروع، وتحولها من نصيرة لحركات التحرر الوطنى، إلى حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل. وهو ما ثبط همم القائمين على المشروعات الاستراتيجية، وأشاع فى أوساطهم درجات متفاوتة من الاسترخاء والتسيب.
مما تجدر ملاحظته فى هذا الصدد أن دور مصر تراجع على مختلف الجبهات فى الساحة العربية، وأصبح دورها النشط نسبيا محصورا فى الحالة الفلسطينية.
إن شئت فقل إن مصر لم يعد بيدها سوى البطاقة الفلسطينية، التى وظفت لصالح الفلسطينيين بالدرجة الأولى. وهذا الضغط مشهود فى موقف القاهرة من الانتخابات التشريعية التى أسفرت عن فوز حركة حماس، ومن محاصرة قطاع غزة وملاحقة عناصر المقاومة.
وفى ورقة المصالحة التى تتمسك مصر بفرضها بما يؤدى إلى إقصاء المقاومة وإخراج حماس من الساحة،
وزايد الإعلام المصرى والموجه على هذه الحالة إلى الحد الذى دفع منابره إلى تكثيف التخويف والتعبئة المضادة للفلسطينيين. حتى أصبحت لغتها لا تختلف فى مضمونها كثيرا عن الخطاب الذى تتبناه الصحافة الإسرائيلية.
بل وجدنا أن بعض المنابر الإعلامية ذات الصلة بالسلطة أصبحت تدعى أن خطر الفلسطينيين على مصر أشد من الخطر الإسرائيلى، وتصف المقاومة بأنها إرهاب كما تصف عناصرها بأنهم متطرفون ومخربون.
وفى الأسبوع الماضى وحده ادعت واحدة من تلك الصحف أن الذين أطلقوا الصواريخ على إيلات بأنهم «خونة»، وفى مرة تالية نشرت على الصفحة الأولى مقالا تحت عنوان يقول: حماس (وليس إسرائيل طبعا) خطر استراتيجى على مصر ومصالحها (هكذا مرة واحدة!).
(3)
فى أوائل يناير من العام الماضى 2009) وقعت حادثة مثيرة وعميقة الدلالة إذ حينذاك وقعت وزيرتا الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس والإسرائيلية تسيبى ليفنى، اتفاقية قيل إن الهدف منها وقف تهريب السلاح إلى غزة.
وجه الإثارة فى الموضوع أنه تنفيذا لتلك الاتفاقية تقررت إقامة السور الفولاذى على الحدود بين سيناء وغزة.
أما غرابة الدلالة فيها فإنها اتفاقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل على تنفيذ أعمال على الأرض المصرية، دون أن يكون للسلطات المصرية علم بها.
أما الأشد غرابة فإن القاهرة غضبت وانفعلت حين علمت بالأمر، ثم هدأت بعد ذلك وتم تنفيذ المشروع.
وحاولت الأبواق الإعلامية الرسمية فى مصر تسويقه والدفاع عنه بدعوى أنه لوقف تهريب السلاح من غزة إلى مصر، رغم أن الاتفاقية تنص على ان مبرر إقامة السور هو خشية إسرائيل من تهريب السلاح من مصر إلى غزة!
الواقعة كاشفة لحقيقة التلازم بين الدور الأمريكى والإسرائيلى، كما أنها كاشفة لحجم فاعلية الدور المصرى، ويبدو أن توزيع الأدوار بهذا الشكل أصبح سمة للعلاقة بين الحليفين الأمريكى والإسرائيلى من ناحية، وبين مصر ودول الاعتدال العربية من ناحية ثانية.
فالحليفان يقرران ويتوليان الإنتاج، أما مصر وأقرانها من دول الاعتدال فهم يتولون التنفيذ والإخراج.
ومشهد العودة إلى المفاوضات المباشرة نموذج طازج يؤيد ذلك الادعاء، فبعد أن قررت واشنطن بالاتفاق مع تل أبيب إجراء مفاوضات غير مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحددت لذلك مهلة أربعة أشهر،
ورغم التصريحات الفلسطينية الرسمية التى شككت فى جدوى تلك المفاوضات، إلا أن السيد نتنياهو ذهب إلى واشنطن، وقرر مع الرئيس الأمريكى أن المفاوضات غير المباشرة نجحت، ومن ثم يجب الانتقال إلى المفاوضات المباشرة،
ووجه الرئيس أوباما خطابا بهذا المعنى إلى الرئيس الفلسطينى محمود عباس، وتضمن الخطاب 12 إنذارا للفلسطينيين بعزلهم وقطع المساعدات عنهم إذا لم يمتثلوا للقرار.
وقامت مصر والسعودية بتوفير الغطاء للعملية من خلال لجنة المبادرة العربية، التى أعطت الضوء الأخضر لأبومازن، وتعبيرا عن الكرم العربى فإن اللجنة لم تحدد أجلا للمفاوضات المباشرة، حتى يستمر الإسرائيليون فى ملاعبة الفلسطينيين واستدراجهم للثرثرة إلى ما شاء الله!!
(4)
كيف يمكن لحركة وطنية أن تدعو إلى التغيير، فى حين تتجاهل ذلك كله؟..
وهل يجوز مثلا لأى حركة وطنية فى بلد محتل أن تتجاهل واقع الاحتلال، وتكتفى بالدعوة إلى إقامة الديمقراطية وتوفير ضمانات نزاهة الانتخابات مثلا
إننى ليست ضد هذه الطلبات واعتبرها مهمة للغاية إلا أن الاكتفاء بها فى الظروف المشار إليها يعبر عن خلل فى الأولويات، كما أنه يفتح الأبواب لظنون يسىء بعضها إلى الحركة الوطنية ذاتها.
إذا قال قائل إن مصر ليست بلدا محتلا، فإنى أؤيده تماما إذا كان يقصد الاحتلال العسكرى، لكننى إحيله إلى المقال المهم الذى نشرته صحيفة «الشروق» للمستشار طارق البشرى فى 26 فبراير الماضى تحت عنوان محاولة لفهم الواقع الحاضر،
وتحدث فيه عن احتلال الإرادة المصرية، الذى هو أشرس من الاحتلال العسكرى، إذ الأول خطر كامن يؤثر فى مصائر البلد دون أن تراه، فى حين أن الثانى خطر ظاهر ومكشوف يمكن التعامل معه وحده بغير عناء.
لقد تلقيت أكثر من رسالة من أناس أقدرهم وأحترمهم فى بدايات تجليات الحراك الوطنى الذى شهدته مصر هذا العام بوجه أخص، وكان ردى عليها جميعا أننى أعتبر ان الموقف من قضية فلسطين ينبغى أن يكون أحد المحاور المركزية ببرنامج الحركة الوطنية، لأن التعامل النزيه مع هذه القضية يستدعى على الفور كل مقومات تحرير إرادة الوطن، الذى يفتح الباب واسعا لتحرير المواطن بعد ذلك.
اننى أستحضر فى هذا المقام مقولة الشاعر والأديب الفلسطينى مريد البرغوثى فى كتابه الأخير «ولدت هناك ولدت هنا»، التى ذكر فيها أن ظل فلسطين مضمر فى كل مشهد مر بنا سلبا أو ايجابا.
وهو ما يدعونى إلى القول مرة أخرى إن الناشط فى زماننا لا يستطيع أن يكون وطنيا حقا، ولا عروبيا حقا، ولا إسلاميا حقا، إذا تخلى عن قضية فلسطين واختار منها الموقف الغلط بل أزيد على ذلك مدعيا أن أى إنسان يصبح مطعونا فى عدالته ونزاهته إذا تخلى عن هذه القضية وانحاز إلى الاقتلاع والاحتلال.
..................................

Delete this element to display blogger navbar