Subscribe:

Ads 468x60px

30 يوليو، 2010

ليس عزيزًا ولا صديقـًا أصلا

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 19 شعبان 1431 – 31 يوليو 2010
ليس عزيزًا ولا صديقـًا أصلا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_30.html


هل يعقل أن يكون الحاخام عوفاديا يوسف صديقا عزيزا حقا للرئيس حسني مبارك؟..
لأن سجل الرجل لا يسر ولا يشرف، فقد قررت أن اعتباره صديقا عزيزا للرئيس المصري لا يخرج عن أحد احتمالين،
أولهما أن يكون هناك خطأ مطبعي سواء في إطلاق هذه الصفة عليه أو في اسم المخاطب، كأن يكون المراد شخصا آخر ولكن وضع اسم الحاخام محله.
الاحتمال الثاني أن تكون سكرتارية الرئيس للمعلومات قد قصرت في توفير المعلومات اللازمة عن الرجل، ولم تضع سجله الحقيقي أمامه، لكي يعرف بالضبط من يخاطبه، وما هي اللغة التي ينبغي أن تستخدم معه.
ربما لاحظت أنني قلت إن ذلك تم بقرار خاص من جانبي، لأنني رفضت الاحتمال الثالث المتمثل في أن يكون الحاخام قد أصبح دون أن نعلم صديقا عزيزا للرئيس.
كما أنني رفضت أيضا احتمال أن يكون الوصف قد أطلق عليه على سبيل المجاملة، ليس فقط لأن كلمات الرؤساء يتم اختيارها بعناية، ولكن لأن الرجل لا يستحق ولا ينبغي أن يكون صديقا أصلا، ناهيك عن أن يكون عزيزا.
لا أخفي أن لدي حساسية خاصة إزاء الزمرة صاحبة القرار في إسرائيل، التي تضم طائفة من مجرمي الحرب، وهي حساسية تمتد لتشمل كل الذين يؤازرونهم ــ والحاخام المذكور في المقدمة منهم ــ أو الذين يصوتون لصالحهم. الذين اعتبرهم شركاء ومؤيدين للجرائم التي ترتكب يوميا بحق الفلسطينيين.
مناسبة هذا الكلام أن السيد عوفاديا يوسف، كان قد بعث برسالة خطية إلى الرئيس مبارك. حملها إليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال زيارته للقاهرة في الأسبوع الماضي.
وقد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نص الرسالة التي تمنى الحاخام فيها للرئيس الشفاء والتمتع بموفور الصحة والسعادة والعمر المديد...الخ.

ومن الواضح أنها من أصداء التقارير المكثفة التي تنشرها الصحف الإسرائيلية والعالمية عن الحالة الصحية للرئيس، ومصير السلطة القائمة في مصر.
بعد أيام قليلة - في آخر الأسبوع الماضي- نشرت الصحيفة ذاتها رد الرئيس مبارك على الرسالة، الذي استهله بعبارة:
صديقي العزيز الحاخام عوفاديا يوسف. ثم عبر الرئيس عن شكره للمشاعر التي أبداها الرجل، وأخبره بأنه تعافى تماما على العكس مما تذكره وسائل الإعلام الإسرائيلية. وفي ختام الرسالة، أعرب الرئيس مبارك عن أمله في التعاون مع الحاخام في تعزيز عملية السلام.
ما أدهشني في الموضوع ليس فقط أن الرجل وصف بما لا يستحق، وإنما أيضا أنه ممن يراهن عليهم في التعاون من أجل السلام، إلا إذا كان يحقق له ولأمثاله من المتعصبين والغلاة استعادة ما يزعمون أنه «أرض إسرائيل».
ولا أعرف كيف غابت هذه الخلفية عن العاملين في مكتب الرئيس للمعلومات، لأن أي واحد منهم لو فتح «الإنترنت» وألقى نظرة على سجل الرجل، لاقترح أن يصرف النظر عن مخاطبته أصلا، وأن تلقى رسالته في سلة المهملات.

يكفيه أن يتابع خطبته التي ألقاها في شهر أبريل من العام الحالي - في مناسبة عيد الفصح - التي عممتها الأقمار الصناعية على أنصاره من اليهود الشرقيين في مختلف أنحاء العالم، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه لم يسمع بما ردده خلالها من أفكار.
في تلك الخطبة دعا الحاخام عوفاديا، المولود بالبصرة في العراق سنة 1920، اليهود في كل مكان لأن يتمثلوا في تعاملهم مع العرب آية التوراة التي تقول: صب غضبك على الأغيار، مدعيا في ذلك أن العرب «يحاولون القضاء علينا منذ خروجنا من مصر وإلى اليوم».
ثم دعا الله لأن ينتقم منهم وأن يبيد ذريتهم ويسحقهم ويخضعهم ويمحوهم عن وجه البسيطة»
- وبناء على ذلك أوصى أتباعه بما يلي:
ممنوع الإشفاق عليهم، ويجب قصفهم بالصواريخ بكثافة وإبادتهم، لأنهم أشرار لا يستحقون الشفقة.
في هذه الإشارات ما يكفي لتصور موقف الرجل، الذى اعتبر البعض في إسرائيل ذاتها أنه من دعاة العنصرية والمروجين لكراهية العرب وإبادتهم. ولا أعرف كيف يمكن لرجل هذا موقفه أن يصبح «صديقا عزيزا» للرئيس مبارك، هكذا مرة واحدة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:
حين تمنى الحاخام عوفاديا الصحة والعافية والعمر المديد للرئيس مبارك،
فهل كان يريد أن يطمئن على مصلحة مصر أم مصلحة إسرائيل؟
........................

29 يوليو، 2010

لأجل سمعة الحليف الأمريكى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 17 شعبان 1431 – 29 يوليو 2010
لأجل سمعة الحليف الأمريكى - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_29.html


إذا جاز لمجلس الشيوخ الأمريكى أن يناقش إلغاء حالة الطوارئ فى مصر، فهل يجىء يوم نضطر فيه إلى الاستعانة بالمجلس لحل مشكلاتنا المستعصية الأخرى، مثل أزمة القمامة فى القاهرة واختلاط مياه الشرب بالمجارى. والنقص فى البوتاجاز والخبز؟.
هذا السؤال خطر لى منذ قرأت فى بعض الصحف المصرية أن أربعة من الشيوخ الأمريكيين أعدوا مشروعا لعرضه على المجلس تحت عنوان:
دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية فى مصر. وقد تضمن عدة مطالبات للحكومة.
على رأسها إلغاء الطوارئ المفروضة منذ عام 1981.
ومنها دعوة السلطة إلى تقديم أدلة تضمن نزاهة وشفافية ومصداقية الانتخابات المقبلة، التشريعية والرئاسية، وضمان خلوها من التزوير.
منها كذلك وقف الاعتقالات والتعذيب ورفع القيود المفروضة على حرية الرأى والتعبير، وتلك التى تقيد الترشح للمجالس النيابية وتأسيس منظمات المجتمع المدنى.. الى غير ذلك من المطالب التى بحت أصوات الناشطين فى الجماعة الوطنية المصرية منذ عدة سنوات وهى تلح عليها، ولكن الحكومة لم تكترث بها، واستمرت فى ممارساتها حتى أصبحت سمعة مصر فى مختلف الأوساط السياسية والحقوقية الدولية لا تشرفها كثيرا.
صحيح أن المشروع المقدم يراد به استصدار قرار وليس إصدار قانون ملزم، من ثم فهو يدعو إلى تسجيل موقف وإثبات حالة، بأكثر مما يدعو إلى إصدار قانون له آليات التنفيذ، أو له علاقة بالمساعدات الأمريكية لمصر، لكن له دلالته مع ذلك.
إذ إنه يشكل فضيحة سياسية من أكثر من وجه.
من ناحية لأنه يدل على أن ثمة يأسا من أى إصلاح سياسى داخلى حقيقى فى مصر، رغم كل ما تدعيه الأبواق الرسمية فى هذا الصدد.
ومن ناحية ثانية لأنه يعنى أن القوى السياسية فى مصر ومنظمات المجتمع المدنى أصبحت عاجزة عن أن تمارس أى ضغط على السلطة لكى تستجيب لمتطلبات الإصلاح المنشود، ولم يعد هناك من سبيل إلى ذلك إلا بممارسة ضغوط الخارج.
الملاحظة الأخرى المهمة والمحزنة ان الشيوخ الذين قدموا مشروع القرار اعتبروا أن استمرار سياسات الوضع القائم فى مصر يشوه صورة الولايات المتحدة ويسحب من رصيدها. وأن التحالف مع النظام المصرى بوضعه الراهن ينال من هيبة وكرامة بلدهم، ويعرض مصداقيتها للخطر.
وانطلقوا فى ذلك من انه لا يجوز للولايات المتحدة ان تقدم دعما غير مشروط لحكومة لا تحترم حقوق الإنسان الأساسية (جريدة الوفد ــ 27/7)
من ثم فهم ليسوا مشغولين بمكانة مصر أو كرامتها ولا بمعاناة الشعب المصرى ــ وليسوا مطالبين بذلك بالمناسبة ــ لكنهم اعتبروا أنه لا يشرف بلدهم ان تتحالف مع بلد آخر سيئ السمعة السياسية.لقد قالوا ذلك صراحة فى مقدمة مشروعهم وهم يبررون الخطوة التى لجأوا إليها، حيث ذكروا أن مصر باتت تمثل أهمية للأمن القومى الأمريكى، وانها بلد له ثقله الثقافى والفكرى فى المنطقة العربية. ولذلك فإنها تستحق وضعا أفضل مما هى عليه الآن.
قلت إن الأثر السياسى للقرار أكبر من تأثيره العملى، لكنه مع ذلك لا ينبغى الاستهانة به. ذلك اننا لا نعرف بالضبط كيف سينتهى الأمر، وهل سيكتفى بإصدار قرار من مجلس الشيوخ، أم أن كرة الثلج سوف تكبر، بحيث يذهب بعد ذلك إلى الكونجرس، وقد يتحول من مجرد توصية وقرار إلى قانون.
ومما يدعونا لأن نتعامل معه بجدية ان الأربعة الذين أعدوا المشروع ــ صاروا خمسة بعدما انضم إليهم كريستوفر دود، وهو أحد الشيوخ المهمين ــ هؤلاء يمثلون شخصيات لها وزنها. ولم يعرف عنها العداء لمصر أو التحامل عليها. الأمر الذى يوفر ثقلا خاصا لمشروعهم الذى قدموه.
ومن الملاحظات الجديرة بالرصد على المشروع أنه كتب بدرجة معتبرة من الرصانة والتفصيل، وأنه خلا من الإشارة إلى بعض العناوين التقليدية التى نجح المتعصبون فى اقحامها على المشروعات التى تخص مصر، ومنها على سبيل المثال مسألة اضطهاد الأقباط وحرمانهم من حقوقهم.
لا أعرف كيف استقبل المسئولون فى القاهرة رسالة المشروع المقدم، وهل سيتجاهلونها كما صموا آذانهم عن استقبال دعوات الإصلاح التى ما برحت تتردد فى مصر طوال السنوات التى خلت، أم أنهم سيعيدون النظر فى عنادهم وتحديهم لتلك الدعوات. ان لم يكن لأجل مصر وشعبها، فعلى الأقل حفاظا على سمعة الحليف الأمريكى ذلك انه إذا كان التهاون ممكنا فيما خص مصر، فإن كرامة الدولة العظمى ينبغى ان تصان ولا يمكن التفريط فيها لأى سبب.
....................

28 يوليو، 2010

درس في الأدب

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 16 شعبان 1431 – 28 يوليو 2010
درس في الأدب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_28.html


ماخطر لى يوما أن أدافع عن قلة الأدب. لكننى غيرت رأيى حين قرأت تصريحا لأمين الإعلام بالحزب الوطنى الحاكم ذكر فيه أن الحديث عن مرشح الحزب للرئاسة فى وجود الرئيس حسنى مبارك بمثابة قلة أدب.
لم أكن ساذجا حتى أتصور أن قلة الأدب فى السياسة مختلفة عنها فى الشأن الاجتماعى العام، وإنها يمكن أن تكون أمرا إيجابيا فى الأولى. وعنصرا سلبيا فى الثانية.
لذلك كان اقتناعى منذ اللحظة الأولى أن الدكتور على الدين هلال قصد المعنى السلبى، وأن رسالته كانت واضحة فى أن قلة الأدب فى المفهوم الأخلاقى تنسحب بنفس الدرجة على المفهوم السياسى.
فالمطالبة بترشيح شخص آخر غير الرئيس مبارك للرئاسة تعد فى رأيه انحرافا وتحرشا وتعبيرا عن سوء التربية السياسية، لا يختلف فى شىء عن الانحرافات والتحرشات الأخرى وسوء التربية الأخلاقية التى نشهدها فى الشارع المصرى.

عندئذ خطر لى السؤال التالى:
إذا كان الدكتور هلال يعتبر ترشيح شخص آخر للرئاسة غير الرئيس مبارك قلة أدب، فما توصيفه للدعوة إلى تغيير النظام بسياساته ومنظومة قيمه وليس تغيير الرئيس فقط؟
فى هذه الحالة، وامتدادا لنفس اللغة والمنطق فهل يصبح من الضرورى أن ينتقل ملف الحراك السياسى الحاصل الآن فى الشارع المصرى من مباحث أمن الدولة إلى شرطة الآداب؟!
الكلام قاله الدكتور هلال أثناء لقائه يوم الأحد الماضى 25/7 مع طلاب الجامعات المشاركين فى معسكر أبوبكر الصديق بالإسكندرية. وهو الذى تنظمه وزارة الأوقاف لتوعية شباب الجامعات كل صيف.
وفى سياق هذه النوعية، بعث أمين الإعلام بالحزب بالرسالة التى سبق ذكرها. وغمز فى الدكتور البرادعى، وانتقد الدعوة إلى تغيير الدستور قائلا:
إن النظام السياسى الذى يعدل دستوره إرضاء لشخص أو فئة بذاتها لا يستحق الاحترام (وصفه بأنه نظام هزؤ ــ بضم الهاء والزين).
استوقفنى الكلام وبدا محيرا من عدة أوجه.
من ناحية لأنه فى اليوم التالى الذى نقلت فيه الصحف كلام الدكتور على الدين هلال (الاثنين 26/7) نشرت صحيفة المصرى اليوم على صفحتها الأولى، تحت عنوان كتب باللون الأحمر، أن أنصار جمال مبارك بدأوا حملة الدعاية لترشيحه رئيسا.
وفهمنا من الخبر أن ثمة شيئا اسمه «الائتلاف الشعبى لدعم جمال مبارك». وإن ذلك الائتلاف الذى قيل إنه يضم أربعة آلاف شخص، وزع فى بعض أحياء القاهرة ملصقات تحمل صورة المرشح المذكور، وكُتبت تحت الصورة كلمتان هما: جمال ــ مصر.
ولا أعرف إن كان هذا التصرف يدخل ضمن «قلة الأدب» التى عناها الدكتور هلال أم لا. لأن الصور كانت لمرشح آخر للحزب الوطنى غير الرئيس الحالى، إلا إذا كان يقصد أن قلة الأدب تحل ليس فقط إذا رشح آخر غير الرئيس مبارك، وإنما أيضا إذا كان المرشح من خارج أسرته.
من ناحية ثانية، فإن الكلام الذى قاله الدكتور هلال عن تعديل الدستور إرضاء لشخص أو فئة من الناس يبعث على الحيرة أيضا. ذلك أنه حين اعتبر أن الدولة التى تلجأ إلى هذا الأسلوب لاتستحق الاحترام، كان ناسيا فيما بدا أن كلامه هذا ينطبق على مصر أيضا.
ذلك أن التعديل الغريب الذى أدخل على المادة 76 من الدستور، التى حددت شروطا ومواصفات الترشح لرئاسة الجمهورية، كان مجرد «تفصيل» للمادة على قد وقياس مرشح الحزب الوطنى، سواء كان الأب أو الابن.
ولا أظن أنه أراد أن ينضم إلى زمرة الناقدين الذين نددوا بتلك المادة البائسة، وإنما كان يقصد فى الأغلب أن الدولة لا تستحق الاحترام إذا أجرت تعديلا فى دستورها إرضاء لأى فئة غير الحزب الحاكم.
أحد الأسئلة التى عنَّت لى حين تابعت كلام أمين الإعلام خصوصا استخدامه لمصطلح قلة الأدب فى وصف الذين يتحدثون عن مرشح للحزب فى وجود الرئيس مبارك ما يلى:
إذا كان هؤلاء يمارسون قلة الأدب. فبماذا يمكن أن يوصف الدور الذى يؤديه الدكتور على الدين هلال فى المرحلة الراهنة؟
السؤال يذكرنا بالجدل الذى ثار بين الدكتور عبدالعظيم انيس والأستاذ لطفى الخولى. والاثنان من أبرز مثقفى اليسار المصرى.
لكن الأول كان يساريا محترما ثابتا على موقفه الوطنى،
أما الثانى فقد انخرط فى اللعبة السياسية بمختلف تقلباتها، حيث بدأ مناضلا ثوريا وانتهى عضوا فى جماعة كوبنهاجن وأحد سماسرة التسوية السياسية.
قال لى الدكتور أنيس إنه انتقد موقف الخولى، فرد عليه الأخير واتهمه بأنه خارج الصورة وأصبح جالسا على رصيف السياسة.
حينئذ عقب الدكتور أنيس ضاحكا إن الجالس على رصيف السياسة يظل أفضل من الجالس على خازوقها!!
ــ ليست هذه إجابة على السؤال الموجه للدكتور هلال، ولكنها خلفية إيضاحية فقط!
........................

26 يوليو، 2010

لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 15 شعبان 1431 – 27 يوليو 2010
لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_26.html

أما آن لنا ان نعترف بأن مشكلة سيناء هي مشكلة مصر مصغرة ومكثفة، وأنه لا سبيل أمامنا الى حل الأولى، الا اذا وجدنا حلا ناجعا للثانية؟

(1)

بين أيدينا لقطة طازجة تقرب الصورة الى الأذهان، قبل ان ندخل في صلب الموضوع، يوم السبت الماضي 24/7نشرت صحيفة «الشروق» حوارا مع محافظ شمال سيناء ومدير المخابرات الحربية الأسبق اللواء مراد موافي، شن فيه هجوما قاسيا على الناشطين من أبناء سيناء،

اذ وصفهم بأنهم بلطجية وخارجون على القانون تحركهم قوى خارجية، وان الاجرام متأصل في بعضهم.
كما دافع عن الاعتقالات التي أجرتها وزارة الداخلية لأعداد منهم.أضاف المحافظ قائلا:
ان الاعلام هو الذي أثار الضجة حول ما يحدث في سيناء، حين صور الذين يحركون الأحداث هناك باعتبارهم أبطالا.
ومن جانبه اعتبر ان المعالجات الصحافية، التي تحدثت عن مشاكل البدو مع الشرطة بمنزلة فرقعات اعلامية، لم تعتن بمصلحة مصر أو كرامتها أو أمنها.

في اليوم التالي مباشرة «السبت 25/7 » كان العنوان الرئيسي لصفحة الأهرام الأولى كالتالي:
فتحي سرور: المعارضة والحركات الاحتجاجية تعمل للهدم لا البناء.
وتحت العنوان ذكرت الصحيفة ان رئيس مجلس الشعب:
أكد ان في مصر حزبا يعمل وحركات احتجاجية ومعارضين يسعون للهدم لا البناء.وليس لدى هؤلاء أي رؤية للاصلاح، فهذه المجموعات تحمل الفؤوس لهدم كل شيء.

فهمنا من الكلام المنشور ان فريقا من محرري الأهرام يتقدمهم رئيس التحرير أجروا حوارا مطولا مع رئيس مجلس الشعب، الدكتور فتحي سرور، تناول أمورا عدة، لم يجد الأهرام ما يستحق الابراز منه الا العنوان الذي سبق ذكره على الصفحة الأولى.
وعلى الصفحة الداخلية تكرر الموقف ذاته في عنوان آخر كان كالتالي:
بعض المعارضين والحركات «الجماهيرية» تعمل لصالح المجهول.

هي لغة واحدة عبر عنها محافظ شمال سيناء ورئيس مجلس الشعب،
الأول وصف الناشطين في سيناء بأنهم«بلطجية» تحركهم قوى خارجية،
والثاني وصف المعارضين بأنهم هدامون وبعضهم يعمل لصالح المجهول.
وهو اتفاق يثير الانتباه بالنظر الى موقع كل من الرجلين.فمحافظ سيناء رجل عسكري مخضرم يمثل السلطة التنفيذية، أما الدكتور سرور فهو رجل قانون بالأساس، ويفترض أنه يمثل الشعب.
ورغم المسافة الشاسعة بين موقعي الرجلين الا ان منطقهما كان واحدا.اذ لم يترددا في شيطنة الآخر واتهامه، ولم ير أي منهما ان الحراك الحاصل يمكن ان يحمل في طياته شيئا يتصل بالصالح العام.الأمر الذي يعني ان العقل الذي يدير سيناء، لم يختلف في شيء عن العقل المهيمن في القاهرة، حتى لدى من نصبوا أنفسهم ممثلين عن الشعب.

(2)

اذا ركزنا النظر على المشهد في سيناء، فسنلاحظ ان جريدة «الشروق» نشرت على صدر صفحتها الأولى لعدد الجمعة الماضية «23/7» عنوانا تحدث عن تصاعد المواجهات بين الداخلية «الشرطة» وبين قبائل بدوية في جبل عتاقة بسيناء.
لم يكن الخبر مفاجئا أو مثيرا.وصياغة العنوان دلت على ذلك.اذ افترضت ان ثمة مواجهة مستمرة بين الطرفين، تهدأ حينا ثم لا تلبث ان تتجدد بعد ذلك.
والصياغة دقيقة في هذه الزاوية، لأننا اعتدنا طوال السنوات الأخيرة على وقوع مثل هذه الاشتباكات، التي كادت تقنعنا بأن سيناء تحولت الى ساحة حرب بين الأجهزة الأمنية والشرطة من ناحية، وبين القبائل من ناحية ثانية.
لقد تفاءلنا أو أريد لنا ان نتفاءل باجتماع وزير الداخلية في 29 يونيو الماضي مع شيوخ القبائل الذين تم استقدامهم من سيناء، بعدما تصاعدت موجة الاشتباكات بين الشرطة والقبائل، حتى تحدثت الأنباء عن محاولة لتفجير خط أنابيب الغاز الى اسرائيل، وعن اغلاق معبر العوجة البري.

وعزز ذلك التفاؤل ان قرارات صدرت باطلاق سراح دفعات من المعتقلين «نحو 140 شخصا من بين عدد يتراوح بين 600 وألف من البدو» .
لكن تبين ان التفاؤل كان تعبيرا عن الافراط في حسن الظن، ليس فقط لأن كلام محافظ سيناء الذي سبقت الاشارة اليه سحب الكثير من رصيد التفاؤل ان لم يكن قد بدده تماما،
ولكن أيضا لأنه تم اكتشاف محاولة لتسميم ثلاثة من قيادات بدو وسط سيناء على يد عميل جنده جهاز أمن الدولة.وقد تم ضبط الشخص الذي لايزال محتجزا وسجلت اعترافاته كاملة، وأرسلت نسخ منها الى الجهات السيادية المختصة.على الأقل فهذا ما تقوله مصادر البدو، التي لم يصدر تكذيب لمعلوماتها.

جدد ذلك الحادث هواجس الشك في موقف الأجهزة الأمنية، بحيث ساد الاقتناع بأن شيئا لم يتغير في سياستها، التي تعتمد على القمع واختراق صفوف الناشطين عن طريق غواية بعض العناصر وتجنيدها، ومن ثم استخدامها سواء في عزل الناشطين أو تصفيتهم.

نكأ الحادث جراحا قديمة، وأعاد الى الأذهان وقائع كثيرة كامنة في الذاكرة، منذ ظهرت عناصر أمن الدولة في سيناء بصورة لفتت الأنظار بعد انسحاب الاسرائيليين في عام 1982،
وحين حدث الزلزال الأمني الكبير هناك في عقب تفجيرات طابا في عام 2004، ثم تفجيرات شرم الشيخ عام 2005، وما حدث في دهب» عام 2006» وهي التطورات التي دفعت الشرطة الى القيام بحملة تمشيط واسعة النطاق لسيناء، أسفرت عن اعتقال وتعذيب آلاف من البشر على نحو استخدمت فيه الأساليب التي نعرفها، والتي دعت كثيرين الى الاحتجاج بأن الاسرائيليين لم يفعلوا بهم ما فعلته أجهزة الأمن المصرية.

استعاد اهل سيناء ايضا ذكريات ما جرى عام 2007، الذي يعد نقطة تحول في المواجهة بين الشرطة والقبائل.اذ تعددت حوادث القتل بين الاهالي التي اتهمت فيها الشرطة مما فجر مشاعر الغضب في ارجاء سيناء، خصوصا حين قتل الصبي محمد عرفات «17 سنة» في ميدان «ماسورة» قرب رفح.وثارت ثورة القبائل حتى هوجمت مقار الحزب الوطني ومزقت صور كبار المسؤولين، وشيعه الناس في اكبر جنازة عرفتها سيناء خرجت من «الشيخ زويد».

في عامي 2008 و2009 كان قد وقع العدوان على غزة، ثم حدث اشتباك بين الشرطة والاهالي بسبب ازالة المساكن في رفح لاقامة السور الفولاذي، الذي يحكم حصار غزة.

وحين بدا ان الأمور تزداد تفاقما عاما بعد عام، وأن الأساليب البوليسية وسعت من دائرة السخط والتمرد.بل ودفعت الناشطين من أبناء سيناء الى التلويح بتهديدات أقلقت السلطة، من قطع خط أنابيب الغاز المرسل الى اسرائيل واغلاق معبر العوجة، وتهديد مصنع الاسمنت المقام وسط سيناء.
ذلك اضافة الى ان قضيتهم وصلت الى المحافل الدولية، وأصبحت معاناة الناشطين في سيناء وما يتعرضون له من قمع وتعذيب مدرجة ضمن تقارير المنظمات الحقوقية في الغرب.حينذاك تم ترتيب اجتماع شيوخ القبائل مع وزير الداخلية، واتخذت اجراءات تخفيف الضغوط واطلاق سراح المعتقلين، على النحو الذي سبقت الاشارة اليه.

(3)

لا مجال للدفاع عن جرائم ارتكبت على أيدي نفر البدو اذا ثبتت وقائعها أو عن محاولات التهريب التي تورط فيها البعض.لكنني أزعم ان التعميم في ذلك يعد خطأ جسيماً.
كما ازعم ان الأجهزة الأمنية اذا ما عاملت أبناء سيناء بنفس الأسلوب الذي تتعامل به مع بقية أبناء الشعب المصري في تجاهل لجغرافية المنطقة أو خصوصية الوضع الاجتماعي والقبلي، فانها بذلك تفجر أوضاعا لا قبل لها بها.
واذا جاز لنا ان نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بأن الشرطة فشلت في السيطرة على الموقف في سيناء او التفاهم مع قبائلها.وفضلت استخدام بعض العناصر الموالية التي تم اغراؤها.
لا مفر من الاقرار أيضا بأن اعتبار سيناء حالة أمنية، كان ولايزال المدخل الغلط الذي أوصل الأمور الى ما وصلت اليه.

أدري ان ثمة أطماعا في سيناء، وهناك من يطرح لها سيناريوهات جهنمية تستهدف استقرار مصر وأمنها، وهي خلفية يفترض ان تكون حافزا على اتباع سياسة أكثر حكمة وحنكة للتفاعل مع سيناء، وليس التخاصم أو التنابذ مع قبائلها.

(4)

في كتاب«شخصية مصر»، ذكر الدكتور جمال حمدان استاذ الجغرافيا السياسية الراحل، ان سيناء تختزل مصر من الناحية الجغرافية.حتى اعتبرها «ملخصها الجغرافي».
ويبدو ان هذا الاختزال حاصل على الصعيد السياسي أيضا، على الأقل من زاويتين أساسيتين هما:

أولا: كما ان مصر قبل كامب ديفيد غير مصر بعدها، كذلك سيناء.مصر بعد كامب ديفيد انكفأت على ذاتها، وخرجت من محيطها العربي، وصارت حليفا استراتيجيا لأعدائها الاستراتيجيين.
أما سيناء فقد أصبحت مرتهنة للاسرائيليين، وبسبب جوارها الجغرافي فان اتفاقية كامب ديفيد أرادت لها ان تكون احدى ضمانات الدفاع عن أمنها.على مستويين.فمن ناحية اعتبر الشريط الحدودي الممتد من البحر المتوسط وحتى جنوب سيناء،«بطول 250 كيلومترا وعرض 40 مترا وقد وصف بأنها المنطقة ج»، أقرب الى المنطقة العازلة منزوعة السلاح، اقتصر الوجود الأمني فيها على الشرطة فحسب، باعداد مقررة، وبتسليح محدود وعدد متفق عليه من سيارات الجيب، الى غير ذلك من الاشتراطات التي تتولى قوات حفظ السلام مراقبتها وتحديد مدى الالتزام بها.
وفي غيبة القوات المسلحة انتشرت قوات الأمن المركزي وعناصر مباحث أمن الدولة، التي أصبحت تتولى اضافة الى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مراقبة أي عبور أو عون يقدم للفلسطينيين من جانب اخوانهم في سيناء.

على صعيد آخر، وطالما نظرت اسرائيل الى سيناء باعتبارها احدى جبهات الدفاع عن أمنها، فان عينها ظلت مفتوحة على ما يجري فيها، بحيث أصبحت شديدة الحساسية ازاء أي جهد حقيقي للتنمية على ارضها.
وغدا ترحيبها منصبا على المشروعات التي يمكن ان تستفيد منها، كما حدث مع مصنع الاسمنت الذي كان بعض انتاجه يذهب لصالح مشروع الجدار العازل الذي تبنيه في الأرض المحتلة.
وقد سمعت من بعض المهتمين بشأن سيناء تساؤلا عن سبب عدم وصول مياه ترعة السلام الى سيناء، وما اذا كان للتحفظ الاسرائيلي عليها صلة بذلك.

ثانيا: حين اعتبرت سيناء حالة أمنية، أطلقت فيها يد الشرطة ومباحث أمن الدولة فان ذلك يعد صورة طبق الأصل لما يحدث في مصر، التي أصبحت مصائر الحياة السياسية والاجتماعية، مرتبطة كلها بالقرار الأمني.
من رضي عنه الأمن صعد وانفتحت له الأبواب، ومن رفع عنه الرضى خسفت به الأرض وأغلقت في وجهه الأبواب،
أما تمشيط سيناء واعتقال أعداد غفيرة من أبنائها.والتنكيل بأكبر عدد من البدو عقب التفجيرات التي وقعت في طابا وشرم الشيخ ودهب، فذلك كله لم يختلف في شيء مما يحدث في بر مصر.

ان شئت فقل ان مصر أصابتها لعنتان أثرتا على نموها ودورها ومكانتها، هما اتفاقية كامب ديفيد والهيمنة الأمنية على مقدراتها.
ولا غرابة في ان تعاني سيناء منهما معا، لأن الذي أصاب الأصل لا يستغرب منه ان يمد أثره الى الفرع.
من ثم فلا أمل في ان تبرأ سيناء مما حل بها طالما ان معاناة مصر من اللعنتين مستمرة.وهو ما يدعونا الى قراءة المشهد على نحو مختلف، والتفكير في مهماته بصورة اكثر جذرية.
...................

25 يوليو، 2010

ما وراء هذا العنف

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاحد 13 شعبان 1431 – 25 يوليو 2010
ما وراء هذا العنف – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_25.html


من أخبار الأسبوع الماضى أن مذيعا تليفزيونيا قاهريا تعارك مع زوجته فأخرج مسدسه وقتلها،
وأن شابا ذبح أباه داخل مسجد فى بنى سويف، لأنه رفض تزويجه ممن أحب.
وأن ثلاثة أشقاء فى أسيوط استدرجوا إلى منطقة نائية زوج شقيقتهم التى أسلمت وهربت معه إلى بلده قليوب. وهناك قتلوه ثم مزقوه إربا وألقوا بجثته فى أحد المصارف.
وفى سوهاج طلبت امرأة الطلاق بعد شهرين من زواجها فخنقها الزوج وأشعل النار فى جثتها.
من تلك الأخبار أيضا أنه ألقى القبض فى حى العجوزة بالقاهرة على شاب اتهم بخطف حقائب السيدات، ومن ثم تعرض لضرب مبرح أدى إلى وفاته، وقيل إن المخبرين هم الذين ضربوه فى حين ذكرت مصادر أخرى أن الأهالى هم الذين قتلوه.
وفى العمرانية بالجيزة فوجئ الأهالى بغارة قام بها 20 بلطجيا يحملون الأسلحة النارية والسنج والمطاوى والسيوف، واختطفوا شابا نقلوه إلى مكان مجهول.
وفى السويس تمت مطاردة استمرت 6 ساعات بين الشرطة، وبعض «الخطرين على الأمن» بسبب تعرض الأولين المكلفين بتأمين مطاعم وفنادق العين السخنة للاعتداءات المستمرة وسرقة السلاح من جانب أولئك الأشقياء.
وقضت محكمة جنح الأحداث حكما بحبس سبعة فتيان استخدموا العنف فى أثناء مباراة لكرة القدم بين فريقى الأهلى وكفرالشيخ، مما أدى إلى إصابة 11 شخصا بينهم ثلاثة من ضباط الشرطة.
تلك عينة لأخبار أسبوع واحد، لم أشر فيها إلى تطورات التحقيق مع سائق الحافلة الذى قتل ستة من زملائه بشركة المقاولات التى يعمل بها لأنهم سخروا منه وعيّروه،
كما لم أشر إلى تداعيات قتل «شهيد الطوارئ» بالإسكندرية، خالد سعيد، التى ما برحت تهز المجتمع المصرى.
ما كل هذه الدماء وهذا العنف؟
وهل اجتماع تلك الحوادث فى أسبوع واحد مجرد مصادفة أم أنها ظاهرة لها دلالاتها؟
وإذا صح أن ثلاثة آلاف شخص فى مصر حاولوا الانتحار لأسباب مختلفة، أهمها العجز عن مواجهة أعباء الحياة والبطالة، وأن ألفا فقط «نجحت» محاولاتهم، فما معنى ذلك أيضا؟
ليست عندى إجابة عن تلك الأسئلة، ولم أسمع أن أحدا من أهل الاختصاص أو غيرهم مشغول بالموضوع، إلا أن أمرين أقلقانى فى هذا الصدد.
الأول أن زميلنا على صفحات «الشروق» الدكتور محمد المخزنجى، الأديب المبدع وصاحب الخلفية العريضة فى الدراسات النفسية، تعرض للموضوع فى مقالة أخيرة له (نشرت فى 15/7 الحالى)، وصدمنا فى تعليقه على شيوع حالات القتل بشهادة من شقين.
فى الأول نقل خلاصة انطباع لزملائه المتخصصين فى الأمراض النفسية، مؤداه أن ثمة تغيرا جذريا فى مؤشرات الأمراض الشائعة فى مصر بالمقارنة بما كانت عليه الحال قبل عقدين من الزمان، وأصبح السائد الآن هو
«مزيج غير متجانس من الذهانات المختلطة والاكتئابات وكثرة من حالات الهلع».
فى الشق الثانى من شهادته ذكر أن ما يحدث فى مصر
«يعنى شيئا خطيرا جدا ضمن الانحدارات التى لحقت بالمجتمع. فطغيان الاكتئاب والهلع وفقر النسيج البلاغى فى الأمراض النفسية، ما هى إلا مؤشرات على تدهور الجنون».
وهو ما عقب عليه متسائلا ومندهشا: حتى الجنون تدهور؟!
الأمر الثانى الذى أقلقنى أن وزير الداخلية المسئول الأول عن الأمن فى البلد بدا غير منشغل بالموضوع، لأنه فى نهاية الأسبوع ذاته ألقى كلمة فى حفل تخريج ضباط الشرطة ركز فيها على ما سماه «عودة أشد عنفا للإرهاب».. «نتيجة لانتشار بؤره فى أنحاء العالم وتنوع مصادر تمويله، وارتباطها بأنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود» ــ (الأهرام 21/7)،
وهى إشارة تعزز الانطباع السائد بأن الأمن السياسى بات يحتل الأولوية القصوى لدى وزارة الداخلية، وأن كل ما عداه تراجعت أهميته. باعتبار أن أمن النظام مقدم على أمن المجتمع.
فى نفس اليوم الذى نشرت فيه كلمة السيد حبيب العادلى وزير الداخلية، أجرت صحيفة «الدستور» حوارا مع الأديب مسعد أبوفجر الذى أطلق سراحه مع غيره من أبناء سيناء، بعد اعتقال دام أكثر من ثلاثين شهرا حذر فيه من انفجار قادم فى مصر.
وهو ما لا أستطيع أن أؤيده أو أنفيه، لكنى واحد من كثيرين يرون فى إرهاصات الحاضر ما يبعث على القلق على المستقبل، ويرون فى أفقه إشارات غامضة لم تتضح ملامحها بعد
ــ ربنا يستر!
.....................

24 يوليو، 2010

المستحيل في غزة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 13 شعبان 1431 – 25 يوليو 2010
المستحيل في غزة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_24.html


أعلن رسميا في رام الله أن الطالبة نور إسماعيل من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة حصلت على المركز الأول متقدمة على كل طلاب الثانوية العامة في فلسطين (الفرع العلمي).
وذكر الإعلان أن أربعة من أبناء القطاع ضمن العشرة الأوائل الذين نجحوا في القسم العلمي، أما العشرة الأوائل في القسم الأدبي فقد كان ستة منهم من أبناء غزة.

ليس هذا خبرا عاديا، لأن مدارس القطاع التي دمرت والأساتذة والطلاب الذين قضوا عامهم الدراسي في ظل ظروف غاية في التعاسة والبؤس، وأجواء الحصار الوحشي المفروض على غزة، هذه كلها عوامل تهيئ الأذهان لاستقبال نتيجة مغايرة تماما.
إذ ربما كان مجرد النجاح إنجازا كبيرا، ولكن حين تصبح الأولى على القسم العلمي فتاة من خان يونس وعشرة من الأوائل في القسمين العلمي والأولى من غزة، فإن طعم الإنجاز يصبح مختلفا تماما.

لقد أمضى تلاميذ القطاع وتلميذاته عامهم الدراسي في حين تعاني المدارس أو ما تبقى منها النقص في الأساتذة وفي الكتب والكراريس والأدوات المدرسية والمقاعد، فضلا عن فترات انقطاع التيار الكهربائي، التي كانت تضطر الطلاب إلى استذكار دروسهم على ضوء الشموع أو باستخدام لمبات الجاز التقليدية. ولن أتحدث عن أجواء التوتر السائد بسبب استمرار الحصار والغارات الإسرائيلية التي تتم بين الحين والآخر.

من الخارج يبدو ذلك أمرا مدهشا، وهو كذلك لا ريب، لكننا إذا تأملنا المشهد في داخل القطاع فسوف تتسع دائرة الدهشة وترتفع وتيرتها.
أعني أننا إذا اعتبرنا تفوق بعض طلاب القطاع، في ظل ظروف التعجيز التي يعيشون في ظلها، باعثا على الدهشة، فإن تلك الدهشة يجب أن تتضاعف إذا ما وقفنا على الكيفية التي تستمر بها الحياة في القطاع في ظل المستحيل الذي يطبق عليهم من كل صوب.

هو وضع أقرب إلى المعجزة، أن تتمكن عبقرية الشعب الفلسطيني من إدارة عجلة الحياة في القطاع، في ظل ظروف التدمير والحصار للعام الثالث على التوالي، بدرجات مختلفة من الكفاءة، وهي التي مكنت ذلك الشعب المدهش من مقاومة الانكسار والتركيع.
بحيث بدا في النهاية أن فشل إسرائيل في دفع القطاع إلى الاستسلام في حربها التي استخدمت فيها مختلف أسلحة الفتك والدمار، استصحب فشلا آخر لكل الذين راهنوا على تركيع القطاع بالحصار وهدم الأنفاق. وبالسور الفولاذي وغير ذلك من أساليب التضييق والتنكيل.

إن عزيمة الشباب الذين حققوا تفوقهم الدراسي المدهش، لم تختلف في شيء عن عزيمة الأطباء الذين صنعوا معجزات أخرى في إدارتهم للمستشفيات وإجراء الجراحات وتهيئتهم غرفا للعناية المركزة اعتمدوا في تجهيزها على بقايا الأجهزة المدمرة، وعلى خامات أخرى بدائية.
وما فعله هؤلاء فعله نظراؤهم من المهندسين والبناءين والحرفيين والمزارعين، الذين تحدوا الحصار والقهر بقدرتهم الفذة على تحقيق المستحيل.

إن فكرة الأنفاق ذاتها من دلائل تلك العبقرية التي اقترنت بالعزيمة الجبارة، التي مكنت أهل غزة من تحدي الحصار والسخرية منه والانتصار عليه. حتى باتت تلك الأنفاق صورة جديدة للمقاومة، فاجأت الذين راهنوا على تركيع الفلسطينيين وإلحاقهم من خلال الحصار بجماعة المنبطحين الذين دخلوا في بيت الطاعة الإسرائيلي.

لقد قرأت على ألسنة نفر من الذين زاروا القطاع إعرابهم عن الدهشة لأن الكثير مما يحتاج إليه الناس متوافر في الأسواق. وهي حقيقة لا فضل فيها لأحد، وإنما ذلك الفضل يرجع أولا إلى قوة عزيمة الشعب الفلسطيني وإصراره على تحدي إعصار الحصار وجبروته، ويرجع ثانيا إلى المعونات التي قدمها الشرفاء والنشطاء لأهل غزة.

لقد نجحوا بامتياز في مقاومة الإذلال والتركيع، لكنهم لايزالون يحتاجون إلى الكثير للنهوض وإصلاح ما دمره انقضاض الأعداء وما أفسده تآمر «الاعتقاء».
ولا أعرف إن كانوا لا يزالون يأملون خيرا أم لا في أهل القرار من بين الأشقاء، بعدما كشفت التجربة عن أن بعضهم كان عليهم وليس لهم، واختاروا أن يكونوا أعزة على المؤمنين وأذلة على المعتدين.
....................

23 يوليو، 2010

المنافقون والأفاقون يمتنعون

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 12 شعبان 1431 – 24 يوليو 2010
المنافقون والأفاقون يمتنعون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_23.html

من نصدق، التصريحات الرسمية التي أكدت أن العلاقة بين مصر وتركيا سمن على عسل، أم كتابات المحسوبين على بعض الدوائر الرسمية التي لم تكف عن الغمز واللمز في الموقف التركي، مستخدمة أسلوب دس السم في العسل؟

لست في وارد استعادة تلك التصريحات الإيجابية أو الكتابات السلبية، فهي منشورة وبين يدي الكافة. لكن ما يهمني في هذه الصورة أمران.
الأول أن التصريحات الإيجابية عبرت عن وجه للعلاقات. وأن الكتابات السلبية عبرت عن وجه آخر ،
والذي حدث أن التصريحات الرسمية تحدثت عما هو متفق عليه بأسلوب مهذب ومحترم نسبيا،
أما الذين انطلقوا من نقاط الخلاف فقد عبروا عن ذلك بلغة «الردح» التي يجيدها نفر من كتابات الصحف القومية،
لكننا إذا دققنا النظر في عمق المشهد فسوف نجد في هذا التباين قرينة تدل على تعدد الأصوات داخل النظام في مصر. وهذا التعدد الذي نلاحظه في أمور أخرى حساسة ودقيقة، بعضها يتعلق ــ مثلا ــ بقرارات الحكومة والبعض الآخر يتعلق بأسلوب إدارة الأزمة مع بدو سيناء، ربما تكون له علاقة بخيارات وترتيبات مستقبل الحكم في مصر، وهو الملف الذي يثار من حوله لغط كثير هذه الأيام.

الأمر الثاني الذي تستدعيه التصريحات المسئولة والكتابات غير المسئولة. ينصب على تحرير العلاقة بين مصر وتركيا، التي هي جيدة للغاية اقتصاديا، لكنها ليست كذلك بالضبط سياسيا. ذلك أن ثمة إقبالا مشهودا من جانب رجال الأعمال الأتراك على الاستثمار في مصر، حتى وصل عدد الصناعيين الأتراك الذين استثمروا نحو مليار و200 مليون دولار في مصر إلى أكثر من 260 مستثمرا، وثمة مشروع كبير لإقامة منطقة صناعية للأتراك في محافظة 6 أكتوبر، ثم إن هناك إقبالا مصريا ملحوظا على السياحة والإتجار مع السوق التركية
(قال لي القنصل التركي في القاهرة أكرم اكويونلو إنهم كانوا يتلقون يوميا قبل سنتين نحو 50 طلب تأشيرة للدخول. وفي الوقت الراهن فإن متوسط التأشيرات اليومية أصبح يتراوح بين 500 و700 طلب).

على الصعيد السياسي، فمصر وتركيا لهما علاقاتهما الدبلوماسية مع إسرائيل، ومعروف أن تركيا كانت الأسبق في ذلك، لأنها اعترفت بإسرائيل منذ عام 1949، ثم إنهما ارتبطا بعلاقات تحالف مع الولايات المتحدة. إلا أن الحالة الديمقراطية في تركيا سمحت لها بأن تحتفظ بهامش حركة أوسع من مصر في علاقاتها مع البلدين.
تدل على ذلك الأزمة الراهنة بين أنقرة وتل أبيب بسبب أسطول الحرية والسفينة مرمرة، واللغط المثار في واشنطن الذي يطالب الحكومة التركية بأن تحسم أمرها وتختار بين معسكري الاعتدال والتطرف في العالم العربي.

مصر وتركيا تتفقان أيضا في تبني الحل السلمي للقضية الفلسطينية. لكنهما تختلفان حول الموقف من حركة حماس. فتركيا تعتبر الحركة فصيلا مقاوما اكتسب شرعيته السياسية حين فاز في الانتخابات التشريعية، ومن ثم فله الحق في المشاركة السياسية. وهي تعتبر أن في فلسطين شرعيتين منتخبتين وليس شرعية واحدة، الأولى في رام الله والثانية في غزة.

الموقف المصري مختلف. إذ يعتبر حماس حركة انقلابية، لا يُعترف بشرعيتها، وهي متضامنة في ذلك مع أبومازن وحكومة رام الله في السعي لإقصائها وإخراجها من الساحة السياسية الفلسطينية.
وذلك أحد الأهداف الأساسية للورقة المصرية للمصالحة، التي تتمسك القاهرة بصيغتها وترفض إدخال أي تعديل عليها
ولأن تركيا تتفهم موقف حماس، فإن الرئيس عبدالله جول تطرق إلى هذا الموضوع في لقائه الرئيس مبارك، لكن مصر ظلت على موقفها ولم تغيره. وهذا واضح من إشارة المتحدث باسم الرئاسة إلى ملابسات إعداد الورقة المصرية، وكونها لا تحتمل التعديل.

ولنا أن نرصد الحذر المصري في التعامل مع تركيا فيما أعلن رسميا عن تأجيل البحث في موضوع إقامة مجلس للتعاون الإستراتيجي بين البلدين، وفي استبعاد مصر لرغبة تركيا في إلغاء تأشيرات الدخول فيما بينهما، وتفضيلها عقد اتفاقية لتسهيل تبادل التأشيرات للمستثمرين ورجال الأعمال.
وذلك كله لا غضاضة فيه، لأن الاختلاف في الاجتهادات السياسية مفهوم ومقبول. وينبغي ألا نتوقع تطابقا في وجهات النظر في كل شيء.

إنما المهم دائما هو كيف يمكن أن يستمر التفاهم والتعاون في ظل الاختلاف، وألا يتحول الاختلاف إلى اشتباك. وأحد شروط النجاح في ذلك أن نرفع شعار:
المنافقون والأفاقون يمتنعون!.
..............

22 يوليو، 2010

حين انعدمت خياراتنا الأخرى

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 9 شعبان 1431 – 21 يوليو 2010
حين انعدمت خياراتنا الأخرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_22.html


هذا مسلسل يحتاج إلى مؤلف كوميدي لمعالجته، رغم أنه يقع في قلب الصراع السياسي الحاصل في المنطقة.
وقد طرأت لي فكرته حين قرأت ذات صباح في صحيفة الحياة اللندنية أن الرئيس محمود عباس لا يرى أي تقدم في المفاوضات مع إسرائيل، وأن اجتماع رئيس وزراء حكومة رام الله سلام فياض مع وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك لم يحقق أي نتائج.

تذكرت أنني قرأت هذا الكلام عدة مرات من قبل؛ إذ في كل مرة تتحرك فيها المفاوضات أو تعقد الاجتماعات مع القادة الإسرائيليين يقال لنا إنها لم تحقق أي تقدم.. مع ذلك فإنه ما إن تهدأ الأمور بعض الوقت حتى يعود نفس الأشخاص من الطرفين إلى الاجتماع، وتردد التصريحات نفس الكلام.
خطر لي أن تكون التصريحات المتشائمة نوعا من الاستباق الذي يتولى بمقتضاه مسؤولو السلطة نقد ما يجري، بحيث ينقلون ما يجري على ألسنة الناس، ومن ثم يمتصون شعور الرأي العام بالسخط والغضب،
إذ كثيرا ما سمعنا أن مسؤولي السلطة لن يعودوا إلى الاجتماع مع الإسرائيليين إلا إذا تحقق كذا وكذا. ثم تمر فترة يهدأ خلالها الحماس للشروط، وبعد ذلك تعود الاجتماعات إلى سابق عهدها.
ومن باب الالتفاف والاحتيال يقال لنا إن السلطة متمسكة بعدم العودة للاجتماعات، لكنها لن تمانع في عقد مفاوضات غير مباشرة. في الوقت الذي تستمر فيه الاتصالات اليومية، على الأقل عند مستوى التنسيق الأمني. وبعد أن تمر فترة المفاوضات غير المباشرة، تتسرب الأنباء متحدثة عن احتمالات العودة إلى المفاوضات المباشرة.
لقد قرأنا يوما ما أن وقف بناء المستوطنات شرط للعودة للمفاوضات، وبعد فترة تم التراجع عن هذا الشرط وقيل لنا إنه تجميد مؤقت للاستيطان في مناطق دون غيرها بالضفة الغربية، الأمر الذي يعني استمرار التوسع الاستيطاني من الناحية العملية، دون أي توقف أو تجميد. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأنه في خلال تلك الفترة المعلنة انطلقت عمليات هدم بيوت المقدسيين وتواصلت عمليات إبعاد فلسطينيي غزة من الضفة الغربية. ويجرى الآن الإعداد للعودة إلى المفاوضات مرة أخرى!
سمعنا أيضا مرارا عن أن السلطة ستحل نفسها إذا استمر التعنت الإسرائيلى والإصرار على تحدي الطموحات الفلسطينية أيا كان تواضعها، وكان ذلك أيضا من قبيل الاستباق حتى لا يقول قائل:
ما قيمة السلطة إذن إذا ظلت إسرائيل ماضية في مخططاتها دون أن يوقفها أو يردعها أحد؟
ردد مسؤولو السلطة هذه المقولة قبل أن يطلقها أي أحد، ثم ابتلعت الكلام ونسيت الموضوع.

حدث ذلك أيضا مع عملية السلام التي أعلن أمين الجامعة العربية أنها "ماتت"، لكن تبين أنها ما زالت حية والجميع يركضون وراءها، كما حدث مع المبادرة العربية التي أعلن في العام الماضي أنها لن تبقى طويلا على المائدة، وتصورنا أن الخطوة التالية ستكون تحذير «إسرائيل» بأن المبادرة ستسحب في أجل محدد إذا لم تتفاعل معها وتستجب لشروطها. لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وظلت المبادرة فوق المائدة منذ عام 2002، ولا تزال بعض الأنظمة العربية تتمسح بها وتتعلق بأهدابها.
حين يتابع المرء هذه المشاهد المسكونة بالمفارقة والتي يتجلى فيها العجز بصورة فاضحة، فسيجد أن ثمة مشكلة تكمن وراءها، إن لم تكن المصدر الحقيقي لها، تتمثل في انعدام الخيارات الأخرى أمام المفاوض الفلسطيني والعربي، الأمر الذي يجعله مضطرا لإدارة خده الأيسر كلما تلقى صفعة على خده الأيمن،
ذلك أن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في عملية التفاوض تتأثر -إيجابا وسلبا- بمدى توافر هذه الخيارات من عدمه. فقوة الطرف المفاوض تزداد بمقدار ما يتوافر له من خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها عدا عن التفاوض.
أما إذا انحصرت الخيارات في مسار التفاوض فقط، وأصبح المسار الوحيد المتاح، فإن الطرف المفاوض يخسر قضيته ويصبح عاجزا حتى عن مجرد الممانعة، لأن الطرف المقابل سيلجأ حينئذ إلى ابتزازه والحصول منه على أكبر قدر من التنازلات الجوهرية،
وهذه الفقرة الأخيرة ليست من عندي، ولكني أقتبسها من ورقة حول المأزق الفلسطيني، قدمها الدكتور علي الجرباوي قبل سنتين إلى مؤتمر عقد حول مستقبل القضية الفلسطينية، بدعوة من مركز الخليج للدراسات بالشارقة. وكان الدكتور الجرباوي وقتذاك أستاذا للعلوم السياسية بجامعة بيرزيت، قبل أن يصبح وزيرا في حكومة رام الله الحالية.
....................

21 يوليو، 2010

النزاهة لا تُستحضر بقانون

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 10 شعبان 1431 – 22 يوليو 2010
النزاهة لا تُستحضر بقانون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_21.html

عندي ثلاثة هوامش على فكرة إصدار قانون للتعامل مع تضارب المصالح بين كبار المسؤولين في مصر، هي:

- إن الدستور المصري إذا كان قد حظر على الوزراء (في المادة 158 التي أوردت نصها أمس) التعامل بالبيع أو الشراء أو الإيجار مع أموال الدولة إلا أنه لم يجرم تلك المعاملات. ولكن التجريم أورده قانون العقوبات، في المادة 115، التي اعتبرت أن التربح من الوظيفة العامة جناية يمكن أن تصل فيها العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وهي عقوبة مغلظة كما يقول القانونيون.
ويلاحظ فيها أن النص حرص على أن يشمل التجريم ليس التربح فقط. وإنما مجرد السعي إليه أو محاولة بلوغه، حتى وإن لم تنجح تلك المحاولة.

كما أنه نص على أن يشمل التجريم أيضا التربح للنفس أو للغير، كأن يكون تربح المسؤول من وظيفته لحساب أحد من أبنائه أو أقاربه. الأمر الذي يعني أن المشروع تبنى موقفا حازما من مسألة استغلال نفوذ كبار المسؤولين.
بالتالي فإن ما حدث من فساد أو تربح لصالح أولئك المسؤولين، لم يتم التسامح معه أو غض الطرف عنه بسبب وجود ثغرة في التشريع. وإنما المشكلة الحقيقية كانت في تجاهل تطبيق التشريع. وهو ما يسري على قانون من أين لك هذا القائم بالفعل والمعطل تقنينه فيما يتعلق بكبار المسؤولين.

- الهامش الثاني نبهني إليه بعض القانونيين، وهو يتمثل في أن النص على تجريم التربح من الوظيفة في قانون العقوبات لا يعني أنه أصبح ممكنا محاسبة الوزراء على ما يقترفونه من تجاوزات في هذا الصدد، لسبب جوهري هو أن الوزراء محصنون ضد المحاكمة وهم في مناصبهم. بمعنى أن القانون الحالي لا يجيز محاكمتهم أمام المحاكم العادية بسبب تلك الحصانة.
وفي الوقت ذاته ثمة استحالة عملية في محاكمتهم طبقا لقانون محاكمة الوزراء. ذلك أن هذا القانون صدر أثناء الوحدة بين مصر وسورية، في أواخر الخمسينيات، وقد روعي في تشكيل المحكمة أن تضم قضاة من الإقليمين (الشمالي والجنوبي)، ولايزال هذا الوضع مستمرا حتى الآن. الأمر الذي يعني أنه إذا ما أريد لمحكمة الوزراء أن تباشر عملها، فعليها لكى يصح تشكيلها أن تستدعي بعض القضاة السوريين الذين يمثلون الإقليم «الشمالي». وثمة استحالة عملية تحول دون ذلك
- وهو خلفية نخلص منها إلى أنه حتى إذا توافرت الرغبة في محاكمة أي وزير على ما نسب إليه من تربح أو إساءة لاستخدام منصبه، فإنه تستحيل محاكمته أمام المحاكم العادية (بسبب الحصانة). كما تستحيل محاكمته أمام المحكمة الخاصة نتيجة عدم القدرة على تشكيلها.

-الهامش الثالث يتعلق بمفهوم التربح وتعارض المصالح. ذلك أننا نتحدث عن استغلال المسؤول لوظيفته ونفوذه لكى يحقق مكاسب مادية أيا كان حجمها،
والتجريم في ذلك واجب لا ريب، خصوصا إذا توافرت الإرادة لذلك. لكني لا أرى غضاضة في توسيع مفهوم التربح وتعارض المصالح بحيث يشمل أيضا المكاسب السياسية وليس المادية فحسب.

فحين يكون أحد رجال الأعمال رئيسا للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وحين يكون رجال الأعمال هم رؤساء لجنة الصناعة، أو الضابط السابق رئيسا للجنة الأمن القومي وزميل له من رجال الشرطة رئيسا للجنة الشؤون العربية. وحين يكون صاحب شركة المقاولات رئيسا للجنة الإسكان، فتضارب المصالح يصبح صارخا في هذه الحالات. لأن كل واحد من هؤلاء له مصلحة مباشرة سياسية أو مادية في المجال الذي يقوم عليه. ولا يتوقع منه، ولا يتصور بأي حال، انه يمكن أن ينسى حساباته ومصالحه الكبيرة وهو يباشر عمله في تلك اللجان.

بالمثل فإن الأمين العام للحزب الوطني حين يرأس لجنة شؤون الأحزاب، التي يفترض أن تجيز الأحزاب المنافسة، فإن تضارب المصالح السياسية تصبح قائمة هنا أيضا.
وحين يكون المسؤول الكبير في الجهة السيادية العليا عضوا في مجلس الشعب وعضوا في مجالس إدارات بعض الشركات الأجنبية العاملة في مصر، فإن تضارب المصالح هنا يصبح حتميا أيضا.

لقد سألت أحد كبار رجال القانون عما إذا كانت مصر حقا بحاجة إلى قانون جديد يعالج تضارب المصالح ويوقف التربح من الوظائف العامة.
كان رده إن ما نحتاجه حقا ليس قانونا جديدا، ولكننا أشد حاجة إلى النزاهة والتسلح بأخلاق العمل العام،
وهذه أمور لا يستحضرها القانون، ولا تتم إلا في بيئة سياسية مواتية.
.......................

20 يوليو، 2010

ترقيع ثوب مهترئ

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 9 شعبان 1431 – 21 يوليو 2010
ترقيع ثوب مهترئ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_20.html


لا نستطيع أن نأخذ على محمل الجد نية الحكومة استصدار قانون للتعامل مع تضارب المصالح لدى موظفي الدولة ومسؤوليها،
كما أنني أستغرب أن تكون إحدى اللجان الوزارية قد أعدت مشروعا بهذا الخصوص قبل أربع سنوات، لكن مجلس الوزراء آثر آنذاك أن يصدر توصية بهذا الخصوص، وألا يلجأ إلى تقنين المسألة.
ولابد أن يثير انتباهنا في هذا الصدد أن الموضوع الذي نام في الأدراج طوال السنوات الأربع تم إيقاظه هذه الأيام. على النحو الذي أشارت إليه صحيفة «الشروق» في 17 /7 الجاري، إذ ذكرت أن رئيس الوزراء كلف مجموعة وزارية بإعداد مشروع القانون المذكور.

ولعلنا لا نذهب بعيدا إذا قلنا إن هذه «الصحوة» ليست بعيدة عن اللغط الذى يسود مصر هذه الأيام، حول أنشطة بعض الوزراء من رجال الأعمال، الذين انتفعوا من مناصبهم واشتروا مساحات كبيرة من الأراضى بأسعار بخسة، ضيعت على الدولة مليارات الجنيهات.

وإذا صح هذا الربط فإنه يجيب عن أحد الأسئلة التي يثيرها إطلاق الفكرة فى الوقت الراهن. إذ بوسعنا أن نقول إن تصدي رئيس الوزراء للموضوع أريد به امتصاص حالة السخط والغضب المنتشرة في المجتمع، والإيحاء بأن الحكومة جادة في قطع الطريق على صور ومظاهر استغلال النفوذ والانحراف، وهو تفسير لا يخلو من وجاهة، إلا أن المشهد يحتمل تفسيرات أخرى،

منها مثلا أن يكون الأكابر قد وزعوا أراضي البلد فيما بينهم بحيث لم يبق منها شيء له قيمته وانتهوا من بيع شركات ومصانع القطاع العام إلى أصدقائهم وأنسبائهم، بحيث لم يبق شيء لم ينهب. وبعد أن شبعوا وأمنوا أنفسهم وأولادهم وأحفادهم. بعد أن اطمأنوا إلى كل ذلك قال قائلهم:
لماذا لا نفتح صفحة جديدة، ونستصدر قانونا لمنع تضارب المصالح، نحسن الصورة ونغسل أيدينا مما فات؟

لا أستبعد أن تكون هناك دوافع أخرى ليس بينها وقف تضارب المصالح واستغلال نفوذ كبار المسؤولين والوزراء فى المقدمة منهم، لسبب جوهرى لأن ثمة نصا صريحا فى صلب الدستور يؤدي الغرض، لمن كان جادا في وقف التضارب المشبوه. ذلك أن نص المادة ١٥٨.. تقول صراحة إنه:
لا يجوز للوزير أثناء تولي منصبه أن يزاول مهنة حرة أو عملا تجاريا أو ماليا أو صناعيا، أو أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقايضها عليه.

هذا النص الذي ورد في الدستور الصادر سنة 1971، إذا طبق وأخذ على مأخذ الجد، فإنه يبطل جميع العقود التي أبرمها كبار المسؤولين، ورئيس الوزراء والوزراء في مقدمتهم، لشراء الأراضي والعقارات في بر مصر، ذلك أننى أعلم- والكل يعلم -أنه باستثناء حالات نادرة للغاية، فما من وزير تولى منصبه خلال الثلاثين سنة الأخيرة إلا وانفتحت أمامه الأبواب على مصارعها وأطلقت يده في تملك الأراضي والعقارات في كل المدن والمنتجعات الجديدة.
وهي ممارسات أصبحت تتم بجرأة شديدة حتى وجدنا وزيرا خصص لابنه أرضا تابعة لوزارته، فقام بالتوقيع على العقد باعتباره البائع، ثم وضع توقيعا آخر على نفس العقد بوصفه نائبا عن المشتري!

في بلدة فايد المجاورة للإسماعيلية منطقة في البحر سميت «لسان الوزراء» اقيمت عليها فيلات تملكها الوزراء الذين يحظر عليهم نص الدستور أن يشتروا أو يستأجروا شيئا من أموال الدولة أثناء توليهم وظائفهم.
ذلك حدث أيضا في لسان الوزراء بمارينا، وبعضهم تملك وحدات في المواقع المتميزة تراوح عددها بين خمس وعشر. وهؤلاء دفعوا فيها مبالغ رمزية وتم تقسيط الباقي. وجنوا منها الملايين.
وفيما علمت فإن شيئا مماثلا يجهز للوزراء في منطقة سيدي عبدالرحمن التالية لمارينا.
وهؤلاء أنفسهم أصبحوا من أصحاب القصور في ضاحية القاهرة التي عرفت باسم التجمع الخامس (غرب الجولف).
أما الأراضي التي تملكها هؤلاء على ساحل البحر الأحمر، فحدث فيها ولا حرج.

إن محاولة إصدار قانون لتطويق مشكلة تضارب المصالح هي من قبيل ترقيع ثوب مهترئ. لأن الأمور انفلتت والمصالح تضخمت وتكرست، بحيث لم يعد هناك مسؤول خصوصا في الوزارات المهمة، إلا وأصبح متورطا فيها.
ومن ثم فإن وقف ذلك التضارب أصبح من رابع المستحيلات. ولم يعد ممكنا تطبيق القانون المراد إصداره إلا على صغار المسؤولين الذين لا يحلم الواحد منهم بأكثر من توفير مصاريف الدروس الخصوصية لأولاده أو تزويج ابنته وسترها.
إن الكبار في بلادنا كبار أيضاً، حتى على القانون.
.......................

19 يوليو، 2010

آفاق الغضب والحيرة في مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 8 شعبان 1431 – 20 يوليو 2010
آفاق الغضب والحيرة في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_19.html


اذا جاز لي ان أصف المناخ السائد في مصر هذه الأيام، فقد أغامر بالقول بأنه بعيد عن التفاؤل، ومسكون بخليط من مشاعر الغضب والحيرة.
1
يوم الاثنين 12 - 7، تلقيت على هاتفي المحمول رسالة هذا نصها:
المرافعة والحكم في الطعن على حكم «مدينتي» بنفس يوم الأربعاء، الساعة التاسعة والنصف صباحا.نرجو حضور كل من تسمح ظروفه بذلك للأهمية وابلاغ الآخرين.
الرسالة كانت موقعة من شخصية لا أعرفها هي الدكتورة ياسمين، والهدف منها توفير حشد من المثقفين والناشطين لحضور جلسة الفصل في الطعن الذي قدم في قرار المحكمة الادارية العليا بابطال عقد بيع أرض مدينتي «ثمانية آلاف فدان» الذي لم تتبع فيه الاجراءات القانونية مما ضيع على الدولة أكثر من مائة مليار جنيه.
لم تكن هذه أول مرة أتلقى فيها دعوة من هذا القبيل، لكنها أحدث ما تلقيته.وقبل ذلك جاءتني رسائل عدة.
واحدة للانضمام الى مسيرة الاحتجاج على مقتل خالد سعيد «شهيد الطوارئ» في الاسكندرية،
وثانية لحضور جلسة الحكم في المطالبة بوقف تصدير الغاز لاسرائيل،
وثالثة للمشاركة في وقفة احتجاجية على تمديد الطوارئ،
ورابعة للانضمام الى حملة المطالبة بوقف تزوير الانتخابات.
وخامسة للانخراط في حملة كسر الحصار وفتح معبر رفح.
وسادسة للتضامن مع الزميل مجدي حسين الذي سجن ونكل به بسبب تضامنه مع غزة..الخ..الخ.
لا أحد يعرف حجم هذه المجموعات ولا هوية رموزها، ولا موقفهم الفكري أو خلفياتهم السياسية، ومع ذلك فثمة قواسم مشتركة أهمها أنهم ينطلقون من عدم الرضا عن الوضع القائم في مصر، وأن وسائل الاتصال الحديثة مكنتهم من رفع أصواتهم وايصالها للآخرين بعيدا عن سلطة الدولة ورقابتها.
ولأن أغلبهم قدموا من المجهول، فهم حديثو عهد بالعمل السياسي، ثم انهم فقدوا الثقة في الأحزاب الشرعية القائمة، واختاروا دون توافق بينهم ان يتحركوا من خارجها، مما يجمع بينهم أيضا ان مطالباتهم ليست ذاتية أو فئوية، بمعنى أنها لا تتعلق بالرواتب والبدلات ومعادلة الشهادات مثلا، وانما هم مهجوسون بالقضايا العامة التي تهم الحاضر والمستقبل، دون ان تكون لهم رؤية واضحة لما يريدون، وان كان موقفهم أكثر وضوحا ازاء ما لا يريدون.

بمعنى أنهم ضد الوضع القائم، لكنهم لا يملكون رؤية متبلورة للبديل، وهي نتيجة طبيعية لاختلاف مشاربهم وتباين أحجامهم.
صحيح ان بعض المواقف الصادمة للمجتمع تستنفرهم وتدعوهم الى الاحتشاد وتشجع الجماهير على الالتفاف حولهم، مثل قضية رفع الحصار عن غزة وفتح معبر رفح، وكذلك فضيحة قتيل الاسكندرية خالد سعيد، الا ان ذلك يظل احتشادا استثنائيا يتجاوز الأصل المتمثل في الفرقة والتشرذم.
من القواسم المشتركة بين هذه المجموعات أيضا أنها تقوم على فئتين من الناس بالدرجة الأولى، هم النخب والشباب، أما حضورهم بين الجماهير فمحدود، وبطبيعة الحال فلا أحد يستطيع ان يشكك في غيرتهم ووطنيتهم، لكن أسلوب التعبير عن تلك الغيرة، والمدى الذي يمكن ان تذهب اليه في ذلك، يختلف من مجموعة الى أخرى.
لا يخلو الأمر من أناس التحقوا ببعض هذه التجمعات من باب ركوب الموجة والتعلق بالأضواء والبحث عن دور، الا ان هؤلاء يظلون قلة وفي حدود النسبة المتوقعة في مجالات العمل العام.
ينطبق ما سبق على الجمعية الوطنية للتغيير التي برزت بعد عودة الدكتور محمد البرادعي الى مصر وعلى حركة كفاية ومجموعة 6 ابريل و9 مارس، ومواطنون ضد الفساد أو التوريث أو غير ذلك.
وجميعها ما برحت تتحرك على السطح، لكنها لم تؤسس لنفسها قاعدة في عمق المجتمع، سواء بسبب خطابها النخبوي أو لحداثة عهدها بالعمل العام، ولعدم تمكينها من التفاعل مع الجماهير وحصارها في حدود المتعاملين مع الانترنت والمواقع الالكترونية.
2

وضع الأحزاب السياسية أسوأ بكثير، ذلك أنها في مصر ثلاث فئات أو درجات،
أحزاب شرعية تشكلت بموافقة لجنة الأحزاب ومن ثم برضا الحكومة والأجهزة الأمنية وهذه عددها 24 حزبا..
وأحزاب تحت التأسيس تشكلت ولم تحصل على الرخصة بعد ولم تفقد الأمل في ذلك، وفي المقدمة منها حزبا الكرامة والوسط،
وأحزاب ثالثة موجودة على الأرض ولا أمل لها في اكتساب الشرعية، على رأسها الاخوان المسلمون والحزب الشيوعي المصري.
وقبل ان نتوه في التفاصيل ينبغي ان نقرر أولا ان النظام السياسي في مصر لا يريد مشاركة ولا مساءلة أو تداول للسلطة.ومن ثم فالأحزاب بالنسبة له من متطلبات توفير «الديكور» الديموقراطي، تماما كما كان الحال في ظل الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشرقية، حيث كان الحزب الشيوعي يحتكر السلطة طول الوقت باعتباره «الحزب الطليعي»، وفي الوقت ذاته كان يحيط نفسه ببعض الأحزاب التي تحسن الصورة وتعطي انطباعا وهميا بالتعددية السياسية.
والحزب الوطني في التجربة المصرية هو ذاته «الحزب الطليعي»، على الرغم من خلوه من المشروع الفكري الذي استندت اليه التجربة السوفييتية، والقاسم المشترك الأعظم بين الاثنين يتمثل في الاصرار على احتكار السلطة وتهميش كل ما عداها.باشتراط موافقة الأمن والحزب الوطني على انشاء الأحزاب (أمين الحزب الحاكم هو رئيس لجنة الأحزاب) فمعنى ذلك أنه ما من حزب اكتسب الشرعية الا كان مرضيا عن مؤسسيه.وهذا الرضا قد يتطور الى صفقة واستخدام اذا استمر «التعاون» بين الطرفين.وقد يتحول الى قمع ومصادرة اذا لاحت بوادر التمرد على ذلك التعاون (حزب العمل جمد لهذا السبب وأوقفت صحيفة الشعب الناطقة باسمه منذ عام 2000).
النتيجة ان الأحزاب «الشرعية» ولدت هشة وضعيفة البنية.وحين لم يسمح لها بالتحرك خارج مقارها، ومن ثم التواصل مع المجتمع الا بتصريح من الأمن، فانه أوقف نموها من الناحية العملية.
وفي الوقت الراهن فان تلك الأحزاب أصبحت تعاني من شيوع التصدع الداخلي (الناصريون والتجمع والغد أبرز النماذج) أو الاختراق الأمني الذي لم يسلم منه حزب.
اذا لاحظت أنه في انتخابات مجلس الشعب لم تفز الأحزاب التي لا أعرف لماذا يسمونها معارضة بأكثر من خمسة أو ستة مقاعد (الاخوان «المحظورون» فازوا بأكثر من 85 مقعدا!)، فسوف نخلص الى نتيجتين،
الأولى ان حضور تلك الأحزاب أو غيابها عن المجالس النيابية والمحلية أصبح معلقا على قرار الحزب الحاكم الذي بات يوزع عليها المقاعد باعتبارها رشاوى سياسية، لتطييب الخاطر وكسب التأييد،
النتيجة الثانية والأهم ان الصحف التي تصدرها أصبحت التعبير الوحيد عن وجود تلك الأحزاب على قيد الحياة.حتى اذا قدر لها ان تتوقف فلن يبقى لما تنطق باسمه أثر على الأرض.
لا مجال للحديث عن الحزب الوطني الحاكم، ليس فقط لأن أغلبيته مفتعلة ومستندة الى التزوير والتدخلات الأمنية لصالحه، ولكن أيضا لأن مصيره أصبح مرتبطا بوجود السلطة واستمرارها.ومن ثم أصبح الافلات من قبضته أحد أهداف الحملة المطالبة بالتغيير.
بقية الأحزاب التي سبقت الاشارة اليها بعضها لافتات وعناوين بغير جمهور، والبعض الآخر بقي مجموعات نخبوية مغلقة على ذاتها، وظل حضور هؤلاء وهؤلاء في الاعلام أقوى من حضورهم في الحقيقة.

وحدهم الاخوان المسلمون الذين أثبتوا ذلك الحضور، لكنهم يعانون من أكثر من مشكلة،
الأولى ان التعبئة الاعلامية والسياسية القوية ضدهم أحاطتهم بسياج من الهواجس والشكوك نفّرت منهم قطاعات لا يستهان بها،
والثانية أنهم لم ينجحوا في تقديم صيغة لبرنامجهم تحظى بالقبول العام خصوصا بين نخب السياسيين والمثقفين، (يشهد بذلك مشروع البرنامج الذي أعلنوه في العام الماضي).
الثالثة أنهم لم يستثمروا حضورهم في الشارع السياسي في دفع حركة التغيير المنشود.حتى بدا وكأن حرصهم على تعزيز موقف الجماعة وتقوية عضلاتها مقدم على الابداع المطلوب في الدفاع عن الوطن، على الرغم من أنهم يدفعون ثمنا مرتفعا دون ان يفعلوا شيئا يذكر في مسار التغيير.
3

لا أحسب ان أحدا في مصر بات يعلق أملا على مؤسسات الدولة الأخرى.بعدما أثبتت خبرة الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل ان المجالس النيابية تحولت الى أداة في يد الحكومة وليست رقيبة عليها.
وأن السلطة القضائية لم تكسب معركة استقلالها، خصوصا بعدما نجحت خطط اقصاء الداعين الى ذلك الاستقلال عن موقعهم في نادي القضاة.وهو ما تم بالتوازي مع تفكيك اعادة هيكلة أجهزة السلطة التنفيذية، بحيث لم يعد في مصر غير سلطة واحدة حقيقية تمسك بكل الخيوط وتصنع القرار، هي سلطة رئاسة الجمهورية.

وقد أغنى المستشار طارق البشري هذه النقطة في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك» حين أفرد فصلا لما اسماه «شخصنة الدولة»، التي اعتبرها صيغة في الادارة تتجاوز الحكم المطلق ودولة الاستبداد، حيث تتعدد صور كل منهما، في حين ان للشخصنة شكلا وحدا، بمقتضاه يسيطر الفرد الحاكم بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزتها كلها تحت امرته،
وعنده فان النظام المتشخصن الذي لا نظير له في التاريخ نظام مغلق، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لاجراء أي تعديل فيه أو تجديد أو تنويع...
لذلك فان الصفة اللازمة للدولة المتشخصنة هي ان تسعى دائما الى تثبيت الأمر الواقع ومقاومة التغيير حتى وان ادعته.ومن ثم فأخطر ما يهددها بالزوال هو الحركة، لأن الحركة تستدعي تعديلات وتستدعي خبرات فنية وعناصر جديدة، وتكاثرا في الأشخاص وأحوالهم، وهي ما تستدعيه وتستصحبه لكشف الوهن والعجز.
لذلك فان الدولة المتشخصنة ما خيرت قط بين بديلين أحدهما الجمود أو الثبات أو عدم التحرك الا واختارت الجمود وعدم التحرك كي لا ينكشف عوارها.
4

تعد الحيرة وصفا غير دقيق لهذه الصورة التي يبدو فيها الأفق شبه مسدود، على نحو يستدعي الكثير من مشاعر الاحباط.ذلك ان مشاعر الغضب المخيم حين توزعت على تجمعات عدة وتعاملت معها أيد مختلفة الاتجاهات واقتصر النضال المعبر عنها على الاحتجاجات واللافتات التي تتوجه الى وسائل الاعلام، فان ذلك الغضب فقد قدرته على الضغط والتأثير،
وحين عجزت الأحزاب المعوقة أصلا عن استثمار تلك المشاعر لصالح التغيير المنشود، وتحولت الى جثث سياسية لا حراك فيها، فكان من الطبيعي ان تنتكس الدعوة الى التغيير.
الأمر الذي يستدعي السؤال:
على أي شيء يراهن الناس ومن أين يستلهمون القدرة على التطلع الى المستقبل والتفاؤل به؟

ان المشهد الذي نحن بإزائه في مصر الآن دال على ان مفاسد الاستبداد لا تدمر الحاضر فقط، وانما تدمر المستقبل أيضا، ذلك ان سياسات الملاحقة والقمع ومصادرة الحريات العامة لا تتيح الفرصة لنمو أو تجديد خلايا العافية في المجتمع، بما تحدثه من اخصاء مستمرة له.
وهي حين تفعل ذلك فانها تصادر المستقبل أيضا، من حيث انها تجتث بذور ذلك الأمل في الغد أولا بأول بما يشيع التصحر الممتد في الحياة السياسية.
على صعيد آخر فان كثيرين من الناشطين في الحياة السياسية أصبحوا يترددون في دفع ضريبة استعادة الحرية، التي هي مكلفة في كل أحوالها.وتكون النتيجة ان ترددهم هذا يطول من أجل الاستبداد، فيدفعون في ظل الذل ثمنا من حاضرهم ومستقبلهم أضعاف ما كان يتعين عليهم دفعه لاستعادة حريتهم.

ولست أنسى ان الشهيد سيد قطب رحمه الله كان قد كتب مقالة ساخنة بهذا المعنى في منتصف شهر يونيو عام 1952 كان عنوانها «ضريبة الذل».وشاءت المقادير ان تنطلق ثورة يوليو بعد ذلك بخمسة أسابيع.
اذا سألتني ما العمل ومن أين يأتي الأمل، فردي أنه «ليس لها من دون الله كاشفة».
.....................

18 يوليو، 2010

لابد أن تكون محترماً أولاً

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 7 شعبان 1431 – 19 يوليو 2010
لابد أن تكون محترماً أولاً – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_6855.html

جرعة الحزن، التي نتلقاها من الصحف كل صباح، أصبحت مضاعفة.
لا أقصد الأسباب التي في بالك، ولكن لديَّ أسباب أخرى إضافية، صحيح أن ما تبثه من أخبار عن السياسة وفضائح أهلها تصدم المرء وتصيبه بالاكتئاب، إلا أن اللغة العربية التي تكتب بها المواد المنشورة تضاعف لديَّ الشعور بالصدمة والاكتئاب،
ولأسباب متعلقة بالإثارة والمنافسة بين الصحف في الأغلب فإن أخبار الفضائح السياسية وغير السياسية تحظى بقدر كبير من الاهتمام، لكن الفضيحة اللغوية مسكوت عنها، ولا تكاد تستوقف أحداً باستثناء المعنيين بها،

ولأنني أنتمي إلى جيل في المهنة يعتبر الأخطاء اللغوية من الكبائر، فقد أصبحت أعاني كل يوم من ذلك الحزن المضاعف. كلما وقعت عيناي في صفحاتها على آثار المذبحة اللغوية وبصماتها.
وما يحير المرء ويكاد يوصله إلى درجة اليأس والإحباط أن يتسع نطاق المذبحة، وتتعدد صورها حيناً بعد حين. من دون أن تبدو في الأفق أي مبادرة لوقف استمرارها،

لقد كتبت من قبل عن احتقار اللغة العربية ونشر الإعلانات بالإنجليزية في صحف عربية تخاطب القارئ العربي. وحذرت، في مرة أخرى سابقة، من زحف العامية المبتذلة على العامية المحترمة ذات الجذور الممتدة إلى الفصحى، أو المنسوبة إليها.
ومن بين ما قلته إن هذه الممارسات لا تشكل عدواناً وإهانة للغة الفصحى فحسب، لكن الإهانة فيها تصيب القارئ المتلقي، كما أنها تنال من قيمة وعزة أي مجتمع ينتمي إلى الأمة العربية. ناهيك عن بلد كمصر اعتبر نفسه يوماً ما رائداً وقائداً لتلك الأمة.

للمحنة وجه آخر يتجاوز أزمة الاستعلاء بالإنجليزية، والابتذال والسوقية في العامية الجديدة، يتمثل في مذبحة الفصحى ذاتها، التي تتم بأيدي الذين يستخدمونها، ويخطئون في أبسط مبادئ الإملاء وقواعد النحو. وهي الفضائح، التي شاعت حتى في بعض عناوين الصحف المصرية المحترمة، الأمر الذي ينبئ عن مستوى مخجل من الأمية اللغوية غير مسبوق فى تاريخ الصحافة المصرية.

على زماننا في (الأهرام) كان يجلس على رأس سكرتيري التحرير مدير التحرير هو الأستاذ نجيب كنعان رحمه الله مهمته الأساسية هي التدقيق اللغوي والتأكد من أن كل همزة في مكانها، وكل حرف جر أدى ما عليه. وكان الخطأ اللغوي الذي يقع فيه الواحد منا بمنزلة ذنب يستنكر منه، وكان لدينا قسم للتصحيح من الجيل الذي تمكن من الفصحى وتفانى في حراستها. وإذا ما وقعت الواقعة وحدث خطأ لغوي أو إملائي في أي سطر منشور، فإنها تعد كارثة يتم التعامل معها بمنتهى الصرامة والحزم.

ذلك كله اختلف في الأهرام وفي غيرها من الصحف، بل إن احترام اللغة والاعتزاز بها تراجع أيضاً في أوساط المتعلمين، لأسباب عدة، تتراوح بين تأثير الهزيمة السياسية والحضارية، وانعكاسها السلبي على الاعتزاز بالهوية والذات، وبين تدهور مستوى التعليم العربي، وعلو شأن التعليم الأجنبي.

عدد صحيفة «الشروق» الصادر في 5 يوليو الجاري جسد الحالة، التي نتحدث عنها. فقد نشرت عنواناً على أربعة أعمدة بالصفحة الأولى يقول:
أزمة القضاة والمحامون في طريق مسدود. والصحيح أنها «المحامين»، لأن الكلمة معطوفة على القضاة.
وتحت العنوان، صورة كبيرة لحشد المحامين وقفوا تحت لافتة كبيرة كتبت عليها العبارة التالية:
محاموا الإسكندرية يعلنون تضامنهم مع محاموا الغربية،
وفيها ثلاثة أخطاء، فمن الناحية الإملائية لا تضاف الألف إلى جمع المحامين،
ومن الناحية النحوية فكلمة «مع» حرف جر، كان يتعين كسر المجرور فيها، وصحتها كالتالي:
محامو الإسكندرية يعلنون تضامنهم مع محامي الغربية.

لدي نماذج أخرى أفدح لمذبحة اللغة في بقية الصحف المصرية، وللأمية اللغوية المتفشية بين خريجي الجامعات والمهنيين، بل وبين بعض أساتذة الجامعة، الذين تفزعني الأخطاء النحوية والإملائية التي أصادفها فيما أتلقاه من رسائل منهم، لكني آثرت أن انتقد ما نشرته «الشروق» من باب ممارسة النقد الذاتي، وحتى لا يُساء فهم كلامي عن الآخرين.

إزاء عموم البلوى لا مفر من التذكير بالحقيقة التالية:
لكى تحترم لغتك لابد أن تكون محترماً أولاً. وهذا سبب إضافي للاكتئاب!
................

نتنياهو فى مصر والأسد لا!

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 6 شعبان 1431 – 18 يوليو 2010
نتنياهو فى مصر والأسد لا! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_18.html

إلى جانب الشعور بالمهانة الذى ينتابنى كلما قرأت أن نتنياهو قادم إلى مصر، فإن سؤالين يلحان على فى كل مرة.
الأول هو: هل انفصلت علاقات القاهرة بتل أبيب عن الممارسات الإسرائيلية فى الأرض المحتلة؟
ــ أما الثانى فهو: هل أصبح التناقض العربى العربى أكثر استعصاء على الحل من التناقض العربى الإسرائيلى؟

سمِّ هذا الشعور ما شئت، لكنى لازلت غير مصدق حتى الآن ــ رغم مضى أكثر من ثلاثين عاما على توقيع معاهدة كامب ديفيد ــ أن أبواب مصر أصبحت مفتوحة على مصارعها أمام الزعماء الإسرائيليين وجميعهم بلا استثناء من القتلة ومجرمى الحرب،
ولازلت أعتبر أن قدومهم إلى مصر ليس فقط بمثابة كابوس أو حلم أسود لابد أن يزول يوما ما، ولكنه أيضا يعد خصما من رصيدها، وإهانة لشهدائها وشعبها وانتمائها.

هذه الكلمات ليست تنفيسا عن شعور مختزن فحسب، ولكنها أيضا وثيقة الصلة بالسؤال الأول. ذلك أننى لم أفهم حتى الآن أن يفعل الإسرائيليون ما يشاءون من أفعال بحق الفلسطينيين، ثم يغسل قادتهم أيديهم من دمائهم ومن آثار الجرائم التى لا يكفون عن ارتكابها ويحزم بعضهم حقائبه ويأتى مبتسما إلى القاهرة، أو شرم الشيخ، حيث يرحب به كأى صديق أو ضيف محترم،

أعنى أننى لم أفهم كيف يمكن أن تواصل إسرائيل سياستها الاستيطانية التوسعية وتستمر فى تهويد القدس وهدم بيوت الفلسطينيين فيها، وتقنن طرد عشرة آلاف من أبناء غزة من الضفة الغربية وتخدع الجميع بمزاعم تخفيف الحصار، فى حين تستمر فى سياسة تركيع غزة وإذلالها ولا أفهم أن تنقض على قافلة الحرية فى المياه الدولية وتقتل تسعة من المتضامين مع الشعب الفلسطينى، وفى الوقت ذاته تبتز الفلسطينيين وتدعوهم إلى لعبة المفاوضات العبثية.

ويظل همها أن تأخذ ولا تعطى وتناور ولا تلتزم، لا أفهم أن يحدث ذلك كله ثم يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلى فى مصر للتشاور حول دفع مسيرة «السلام»،
أفهم أن ينخذع به ويصدقه الرئيس الأمريكى لأن عينيه على انتخابات الكونجرس فى الخريف القادم التى يحتاج فيها إلى دعم «اللوبى» الصهيونى، لكنى لم أفهم لماذا نغمض نحن أعيننا على ممارساته ونفتح له صالة الشرف فى مطاراتنا، بحيث يستخدم الموقف المصرى فى الضغط على الفلسطينيين والاستمرار فى خداعهم، بدلا من أن يكون الموقف المصرى عنصرا ضاغطا على إسرائيل.

إذا لم تعد تعنينا كرامة الفلسطينيين ولا مصالحهم، فإن الدفاع عن كرامة مصر وهيبتها وتاريخها وشهدائها، ذلك كله يستحق أن يدافع عنه، بوقفة تلتزم بالحد الأدنى من الغيرة والعزة ولا أقول النخوة،
ولدينا خيارات عدة عند ذلك الحد، من بينها الإعلان صراحة عن إغلاق أبواب مصر فى وجوه القادة الإسرائليين، وليس مجرد تأجيل زياراتهم، حتى تستجيب حكومتهم لمطالب الفلسطينيين الراهنة، وفي مقدمتها فك الحصار ووقف الاستيطان.

وللأسف فإن عدم التزامنا بذلك الحد الأدنى يكاد يرد بالإيجاب على فكرة انفصال علاقات البلدين عن ممارسات إسرائيل فى الأرض المحتلة.

هذه الخلفية تستدعى السؤال الثانى، الذى تكمن فى عمقه حقيقة صادمة وهى أن العلاقات الرسمية بين القاهرة وتل أبيب أصبحت فى الوقت الراهن أفضل من علاقات القاهرة ودمشق.

وأضع أكثر من خط تحت كلمة «الرسمية» لأنه لا وجه للمقارنة بل لا ينبغى أصلا أن نضع علاقات مصر وسوريا على قدم المساواة مع أية علاقات أخرى بين مصر وإسرائيل،
لكن الحاصل للأسف أن أبواب مصر الرسمية باتت مفتوحة أمام نتنياهو وموصدة أمام الرئيس بشار الأسد، رغم أننى لا أعرف على وجه الدقة الطرف المسئول عن ذلك الإغلاق، إلا أن النتيجة الظاهرة تعطى انطباعا بأن ما كان بين مصر وإسرائيل أمكن تجاوزه، أما الذى بين مصر وسوريا فلايزال من الصعب تجاوزه، مما يعد قرينه على أن التناقض العربى العربى فى هذه الحالة بدا أعمق وأكثر تعقيدا من التناقض العربى الصهيونى!

من المفارقات فى هذا السياق أن الجميع يتحدثون عن المصالحة ورأب الصدع الفلسطينى، لكن أحدا لا يتحدث فى الانقسام العربى الذى تجسده القطيعة الراهنة بين القاهرة ودمشق إذ أزعم أن أسبابه الحقيقية هى ذاتها التى تقف وراء الانقسام الفلفسطينى، من ثم فإن المرء لا يستطيع أن يخفى دهشته إزاء التركيز على علاقات غزة ورام الله، فى حين أن المشكلة تكمن في علاقات القاهرة ودمشق.

إن أبالسة السياسة الذين يعبثون بمقدراتنا لا يريدون لمعين مفارقات وغرائب السياسة فى العالم العربى أن ينضب. وبعضنا يستريحون إلى ذلك فيما يبدو!
.....................

16 يوليو، 2010

ماذا تفعل لو كنت مكانه؟

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 5 شعبان 1431 – 17 يوليو 2010
ماذا تفعل لو كنت مكانه؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_16.html

ماذا تفعل لو كنت مكاني، واصطبحت ذات يوم برسالة يقول صاحبها إنه مواطن عادي يعيش في مصر على الكفاف، ويحمد الله على الستر، لكنّ ما جرى له قلب حياته رأسا على عقب، وطير النوم من عينيه.
أما الذي جرى فهو كالتالي: منذ حوالي خمسة أعوام طرق باب بيته زوار الفجر، واقتادوه تحت جنح الظلام إلى "عاصمة جهنم".
هناك أمضى 21 يوما ذاق خلالها الأمرين، إذ عذب بالصعق بالكهرباء في الأماكن الحساسة من جسمه، وتعرض للضرب والسحل وإلى أمور أخرى كثيرة حولته إلى إنسان بلا كرامة.
وفي النهاية أطلقوا سراحه وعاد إلى بيته محطما. ولكنه بمضيّ الوقت أدرك أن ما أصابه لم يكن أسوأ ما في الأمر، لأن الأسوأ كان ما حدث معه بعد ذلك، والذي تلخصه النقاط التالية:

- قالوا له إن أولاده وأقرباءه من الدرجة الثانية ممنوع عليهم الالتحاق بأي كلية عسكرية، أو بأي من الوظائف في الأجهزة الحساسة بمصر.

- له شقيقة عمرها 38 سنة، تقدم لخطبتها شخص يعمل في وظيفة أمنية. وكإجراء روتيني من جانبه (هكذا قال) فإنه تحرى موقف الأسرة لدى الأجهزة، وبعد 15 يوما اعتذر عن عدم الاستمرار في مشروع الزواج.
وحين بحث صاحبنا عن السبب تبين له أن سجله لدى الأمن كان السبب في ضياع فرصة شقيقته في الزواج.

- له قريب يعمل في وظيفة حكومية مرموقة؛ فتقرر نقله إلى وظيفة كاتب في أحد أحياء القاهرة، وكان السجل الأمني لصاحب الرسالة السبب فى ذلك.

- قدم أوراق أحد أبنائه للالتحاق بإحدى مدارس القاهرة المعروفة، وبعد أن تم قبوله اعتذرت له المدرسة عن عدم استقبال ابنه، وكان هو أيضا السبب فى ذلك الاستبعاد.

- يشارك صاحبنا في عمل تطوعي بإحدى الجمعيات الخيرية، وعنَّ له أن يرشح نفسه لعضوية مجلس إدارة الجمعية، فرفض طلبه لأسباب أمنية.

- كان يعمل في وظيفة بشركة خاصة؛ وقامت الشركة بالاستغناء عنه، بعدما تعرض صاحب الشركة لضغوط مارستها الأجهزة الأمنية. فمضى يبحث عن فرصة عمل يسد بها رمقه ويستر أهله، ولم يجد غير وظيفة عامل في محل للألبان، رغم أنه حاصل على درجة الماجستير في تخصصه.

لا أعرف صاحب الرسالة، وأظن أن أول ما ينبغي أن يفعله المرء حين يتسلمها أن يتأكد من صحة المعلومات الواردة فيها. وللأسف فإن الباب الطبيعي الذى ينبغي أن يطرق لأجل ذلك هو وزارة الداخلية ذاتها.
ولكن تجاربنا الطويلة معها أقنعتنا بأنها تتبنى دائما موقف الدفاع عن تلك الممارسات، وتلجأ إلى اتهام المنتقدين لها سواء من خلال ما تصدره من بيانات، أو ما تلقنه من ردود ومعلومات لممثليها في وسائل الإعلام المختلفة.

والبيان الذى عممته إثر تفجر قضية قتيل الإسكندرية خالد سعيد نموذج على ذلك. ورغم أن التحقيقات أعيد النظر فيها إثر الضغوط الدولية التى مورست، فإن الداخلية لم تسمح بتجاوز روايتها للحادث، وظل بيانها مصنفا بحسبانه "عنوان الحقيقة"!

خطر لي أيضا أن أنصحه باللجوء إلى إحدى منظمات حقوق الإنسان (وليس المجلس القومي لحقوق الإنسان) علها تثبت حالته وتتحرى وقائعها. وإذا صح ما يقوله فإن سؤاله يصبح واردا، وليس بمقدوري أن أجيب عنه.
ولذلك فإنني أحيله إليك؛ إذ ضع نفسك مكانه وحاول أن تجد حلا لمشكلته بين أحد هذه الخيارات:
أن تنصحه بأن يهاجر هو وأسرته من البلد؛
أن يستسلم لقدره ويموت كمدا؛
أن ينتحر؛
أن ينضم إلى أي مجموعة إرهابية تمكنه من الانتقام من الذين ظلموه ونكلوا بأسرت؛
أن ينضم إلى جمعية المستقبل التي يرعاها جمال مبارك عساه يولد من جديد!

(للعلم: لديّ اسم الرجل وعنوانه، لكني احتفظت بهما حتى لا نجده ملقى على أحد الأرصفة وفي حلقه لفافة البانجو التي استخدمت مع خالد سعيد).
.....................

14 يوليو، 2010

دروس في التعددية وقبول الآخر

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 3 شعبان 1431 – 15 يوليو 2010
دروس في التعددية وقبول الآخر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_14.html

تنهال علينا هذه الأيام من العواصم الغربية دروس احترام التعددية والقبول بالرأي الآخر
ففي الولايات المتحدة طردت صحافيتان من أصول لبنانية من وظيفتيهما لمجرد أن الأولى هيلين توماس عميدة مراسلي البيت الأبيض، داست على طرف لإسرائيل، وتحدثت عن عودة الإسرائيليين إلى البلاد التي جاؤوا منها قبل اغتصاب فلسطين.
أما الثانية فهي أوكتافيا نصر، مسؤولة الشرق الأوسط، التي عملت في شبكة سى.إن.إن منذ إنشائها، وقد طردت لأنها عبرت عن تقديرها واحترامها للمرجع الشيعي الراحل السيد محمد حسين فضل الله ولم تبد رأيها هذا على الشبكة أو في تقرير إخباري لها، ولكنها سجلته في بضع كلمات على موقع «تويتر»،

كل جريمة السيدتين أنهما عبرتا عن رأي آخر لم يحتمل، في شأن يتعلق بصورة أو أخرى بإسرائيل، التي هي بمنزلة قدس الأقداس في السياسة الأميريكية، ولم يكن فيه أي طعن أو تجريح لها، «أو كفر» بما تدعيه من مزاعم وأكاذيب.

الضيق بالرأي الآخر المختلف في الولايات المتحدة، تحول إلى نفور من ثقافة الآخر بل وضيق بوجوده في أوروبا، وهذا الآخر هو العرب والمسلمون بالدرجة الأولى تجلى ذلك في الحرب التي أعلنتها بعض العواصم على النقاب وتسابقها على تحريمه ومعاقبة من تظهر به في الأماكن العامة،
وكانت فرنسا من «الرائدات» في ذلك المضمار، إذ بعد أن منعت الفتيات من ارتداء الحجاب في مدارس الحكومة، ومعاهدها، فإن جمعيتها الوطنية (البرلمان) أقرت في الأسبوع الماضي قانوناً يقضي بفرض غرامة قدرها 150 يورو (الف جنيه مصري) على كل مسلمة تضبط «متلبسة» بارتداء النقاب في الأماكن العامة.
(في بلجيكا مشروع قانون قدم إلى البرلمان تبنى نفس الفكرة).
من ثم فإن تقاليد الجمهورية العلمانية الفرنسية، التي احتملت ظهور المومسات والبغايا على نواصي الشوارع طوال الليل، استفزها واستنفرها ظهور بعض المنقبات في الأماكن العامة خلال النهار، واعتبر الموقف الأول دفاعاً عن الحرية، والموقف الثاني عدوانا على الجمهورية.

الطريف أن رجل أعمال فرنسياً مسلماً اسمه رشيد نقاذ أصدر بياناً نشرته الصحف، أعلن فيه إنشاء صندوق رصد فيه مبلغ 130 مليون دولار (حصيلة بيع عقارات له)، لمساعدة المسلمات اللاتي يلتزمن بارتداء النقاب خارج بيوتهن على دفع الغرامات، التي تفرض عليهن جراء تمسكهن بموقفهن.

الأمر ذهب إلى أبعد في هولندا، إذ شرَّعت الحكومة بعض القوانين، التي تدعو إلى ترحيل الأجانب، الذين اكتسبوا الجنسية بمضي الوقت، وفي المقدمة من هؤلاء أبناء الجاليتين التركية، والمغربية، الأكبر بين المسلمين المقيمين هناك،
من ذلك قانون يقضي بمنح الأجنبي راتباً شهرياً مدى الحياة إذا ما تخلى عن الجنسية الهولندية، وعاد إلى بلاده، وهذا الراتب يصل إلى 500 يورو، ويقدم إلى المهاجر فور قبوله بإسقاط الجنسية، وتسليم جواز سفره الهولندي، وحجز مقعده في الطائرة المتجهة إلى بلده الأصلي، وإذا كانت للفرد عائلة فإن «المكافأة» ترتفع إلى 650 يورو شهرياً،
هو طرد مهذب وقانوني يستخدم الإغراء والغواية، رغم أنه في حقيقته غير أخلاقي وغير إنساني،

في الوقت ذاته فإن مثل هذه التشريعات تعد من أصداء تنامي حملة اليمين المتطرف، الذي يجهر بالدعوة إلى طرد الأجانب. ومن الواضح أن تلك الحملة تلقى تأييداً شعبياً متزايداً.
آية ذلك أن حزب «الحرية»، الذي يدعو برنامجه إلى طرد المسلمين ويقوده اليمين المتطرف، خيرت فيلدرز، فاز في الانتخابات الأخيرة التي تمت هذا العام بأربعة وعشرين مقعداً في البرلمان (صوت لمصلحته أكثر من ربع الناخبين) في حين كانت له تسعة مقاعد فقط في البرلمان السابق.

التقرير الذي طالعته، حول الموضوع، ذكر أن بعض المهاجرين العرب الذين اكتسبوا الجنسية الهولندية، الصوماليين والعراقيين تحديداً، لم يحتملوا استمرار البقاء هناك وسط مشاعر العداء المتنامية، ولم يستطيعوا المغامرة بالعودة إلى بلادهم، فحلوا مشكلتهم بالنزوح إلى بريطانيا،
إذ استفادوا من قانون الاتحاد الأوروبي، الذى يعطي المواطن، الذي يحمل جواز الاتحاد حق الإقامة والعمل في أي دولة عضو فيه، ورغم أن أولئك المهاجرين يعيشون في ظروف بائسة هناك، إلا أنهم على الأقل ليسوا مهددين بالطرد، كما هو الحاصل في هولندا.

إن رياح التسامح مع العرب والمسلمين تتراجع في بعض أقطار الغرب، وعدواها تنتقل في هدوء من بلد إلى آخر لكنهم لم يكفوا عن وعظنا وإسداء النصح لنا بضرورة التحلي بذلك التسامح والاستمرار في قبول الآخر خصوصاً إذا كان إسرائيلياً،
وليس ذلك هو المظهر الوحيد للكذب والنفاق الذي يصدقه البعض عندنا.
.................

13 يوليو، 2010

لأن الكلام بالمجان

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 2 شعبان 1431 – 14 يوليو 2010
لأن الكلام بالمجان – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_13.html


هذا موسم الغزل في الفلاحين والفقراء في مصر، وما قاله جمال مبارك يوم الأحد الماضي في هذا الصدد ليس أول كلام في الموضوع ولا آخر كلام.
صحيح أنه قال إن قضايا الفلاح والزراعة احتلت أعلى درجات الاهتمام من جانب الحكومة خلال المؤتمر السنوي الأخير للحزب الوطني، إلا أن الإشارة المهمة جاءت في قوله إن ذلك الاهتمام سوف يستمر ويتزايد خلال الفترة المقبلة. وقد استوقفتني تلك الإشارة التي جعلتني أتساءل عن أجلها والمقصود بها.

خطر لي أن يكون الكلام مما اقتضاه المقام. فمبارك الابن كان يتحدث أمام لجنة الزراعة المتفرعة عن لجنة السياسات التي يتولى أمانتها.
ولذلك كان مفهوما أن يقول إن الفلاحين في عين الحكومة وقلبها، وإنهم عماد اقتصاد البلد.
ولو أنه كان يتحدث أمام لجنة العمل والعمال مثلا لأبرزت الصحف قوله إن العمال هم ملح البلد وعماد اقتصاده، وإن الحكومة والحزب لا شاغل لهما إلا تحسين أحوال العمال ورعاية مصالحهم.
وهو أمر لا غرابة فيه. خصوصا إذا كان الكلام بالمجان، ولا يجرؤ أحد على المحاسبة عليه. ومن ثم فقد كنت على استعداد للاقتناع به، وبالتالي تمرير الكلام وغض الطرف عنه، لولا أن ما حدث في انتخابات مجلس الشورى الأخير جعلني أعيد قراءته مرة ثانية والتوقف عند نقطة الاهتمام المتزايد بالفلاحين خلال الفترة المقبلة.

إذ في حدود علمي فإن انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى التى تمت اخيرا سبقتها تعليمات سرية بوقف محاسبة الفلاحين على أي مخالفات ارتكبوها وتأجيل المديونيات التي عليهم لصالح بنك التسليف الزراعي.
ولم يكن ذلك جديدا تماما، لأن الفلاحين اعتادوا مع كل انتخابات على أن تسعى الحكومة إلى تهدئة خواطرهم والتسامح معهم، بهدف ملاطفتهم وترطيب جوانحهم، إلى أن تمر العملية في هدوء، وبعدها تعود «حليمة إلى عادتها القديمة».

ولأن هذه صفقة متعارف عليها، فإن الفلاحين دأبوا على انتهاز أجواء الانتخابات للقيام بالكثير مما هو حرم عليهم على مدار العام، خصوصا عمليات البناء فوق الأراضي الزراعية، التي تؤدي مع كل انتخابات إلى تراجع الرقعة الزراعية بمعدلات تتراوح بين 30 و40 ألف فدان.

كانت هذه الخلفية في ذهني حين توقفت عند تأكيد جمال مبارك على أن اهتمام الحكومة والحزب بالفلاحين سوف يستمر ويتزايد خلال الفترة المقبلة، واعتبرت أن المقصود بها هو لحين الفراغ من انتخابات مجلس الشعب التي ستجرى في نوفمبر المقبل، وانتخابات الرئاسة التي يفترض أن تتم في نوفمبر الذي يليه «عام 2011».
لم يقل أمين السياسات شيئا من ذلك بطبيعة الحال. ولكني فهمتها على هذا النحو استنادا إلى خبرة التجارب السابقة. وقبلي فهمها الفلاحون الذين لا ينقصهم النباهة، ولم يكونوا بحاجة لأن يقرأوا تصريحات جمال مبارك في الصحف. فالذين يزورون قرى الدلتا بوجه أخص يلاحظون أن عملية البناء فوق الأراضي الزراعية مستمرة على قدم وساق، تحت بصر وسمع الجهات الحكومية التي أصبحت تقف متفرجة على ما يجري.

لا أعرف عدد ألوف الأفدنة من الأراضي الزراعية التي سوف تهدر حتى تنتهي الانتخابات الرئاسية. ولكني أعرف جيدا أن سياسة رشوة الفلاحين واسترضائهم بهذا الثمن الفادح تؤدي إلى تخريب الثروة الزراعية المصرية.
ومن الواضح أن ثمة استعدادا لاحتمال ذلك التخريب، طالما أنه يؤدي إلى تعزيز قبضة الحزب واستمرار سيطرته على مقدرات البلاد. وهو أمر لا يبدو مستغربا، لأن الذي يختطف وطنا ويقزمه ويدمر قدراته واحدة تلو الأخرى، لا يستكثر عليه ألا يكترث بتدمير الثروة الزراعية أو إهدار ثروته العقارية.

أعرف أيضا أن الاهتمام الحقيقي بالفلاحين أو العمال لا يكون بامتداحهم ودغدغة عواطفهم بالخطب والتصريحات التي تتذكرهم في المواسم الانتخابية، ولكنه يكون بتحسين أحوالهم والحفاظ على كرامتهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم، في واقعهم المعاش وليس على صفحات الصحف وداخل قاعات الاجتماع المكيفة. ذلك أن الخطب يتبخر أثرها بعد إلقائها، ولا تبقى إلا السياسات التي تنفع الناس على الأرض.

والحالة التي نحن بصددها تعد نموذجا صارخا للتناقض بين الأقوال والأفعال.
.......................

12 يوليو، 2010

مصر هي المشكلة والحل – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 1 شعبان 1431 – 13 يوليو 2010
مصر هي المشكلة والحل – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_12.html


مصر أمامها شوط طويل لكي تستعيد دورها وحيويتها، حتى أزعم أنها باتت بحاجة لأن تخوض حرب تحرير سياسية شرسة، تتحدى فيها أقدارا رسمها لها آخرون، وبدون ذلك لن يبقى الرأس رأسا.ولن يرجع الى مكانه فوق الجسم العربي.
(١)
منذ خطفت تركيا الأضواء والأبصار في الآونة الأخيرة بمواقفها وممارساتها لم تتوقف المقارنة بينها وبين مصر، كأنما حضور الأولى استدعى التساؤل عن غياب الثانية،
ومن الصحافيين اللبنانيين من تحدث عن الدور المصري لتركيا، في اشارة الى ان بعض ما تقوم به الأخيرة في مختلف قضايا الشرق الأوسط، خصوصا في تحدي العربدة والغطرسة الاسرائيليتين، هو ما كان منتظرا من مصر،
ومن بين الأسئلة التي رددها البعض وتناولها الكتاب بالتحليل سؤال عن امكانية تكرار التجربة التركية في مصر، خصوصا في احتوائها لحزب سياسي له جذوره الاسلامية استطاع ان يكسب ثقة الرأي العام وتأييده، ومن ثم نجح في الوصول الى السلطة والتعبير عن ضمير المجتمع التركي ولبى شوقه الى النهوض والتقدم،
والحق ان السؤال ليس جديدا، لأنه يتردد منذ حقق حزب العدالة والتنمية فوزه الكبير بأغلبية المجلس التشريعي في الانتخابات عام 2002، وشكل الحكومة منذ ذلك الحين، وكنت أحد الذين ألقى السؤال عليهم أكثر من مرة واجتهدوا في الرد عليه، الا ان ما دعاني للعودة للموضوع ان المناقشة تجددت حوله بعدما أضافت حكومة حزب العدالة التركي نقاطا جديدة الى سجلها أخيرا.

وكان من أبرز ما كتب فيه مقالة رصينة للأستاذ ضياء رشوان نشرتها صحيفة «الشروق» يوم 5/7 في الرد على ذات السؤال، ورغم أنه سلط الضوء على جوانب مهمة في الموضوع، فانني وجدت ان الكلام يحتاج الى تكملة على مستويين.
مستوى الهوامش التي تعمق الفكرة التي طرحها،
ومستوى اضافة عنصر مفقود في تلك الأفكار،
ذلك أنه تحدث عما هو مطلوب من الحركات السياسية الاسلامية، والاخوان المسلمين على رأسها، وما هو مطلوب من الأنظمة السياسية والنظام المصري في المقدمة منها.ولم يتطرق الى عنصر بالغ الأهمية في المشهد يتعلق بحدود وآفاق حركة كل من تركيا ومصر في الخرائط الاستراتيجية الراهنة، اقليميا ودوليا.
خلاصة الفكرة التي طرحها الكاتب كالتالي:
لكي يكون هناك احتمال لتكرار التجربة التركية في الواقع العربي فلابد ان يشهد ذلك الواقع تغييرا عميقا وجادا في اتجاه الديموقراطية، كما يتعين على الأحزاب والقوى الاسلامية الراغبة في الاندماج في التجربة الديموقراطية القيام بجهود حقيقية وجبارة من أجل التطوير الذاتي واكتساب القدرة الأكبر على هذا الاندماج.
(2)
الهامش الذي وددت الحاقه بهذا الكلام مؤيدا ومصدقا يتمثل في شهادة التاريخ التركي المعاصر، التي تثبت ان البيئة الديموقراطية والممارسات التي تخللتها هي التي تكفلت بانتاج مشروع حزب العدالة والتنمية، ذلك ان ظهور هذا الحزب هو أحد أطوار خبرة استمرت أكثر من ثلاثين عاما،
فقد احتملت الديموقراطية التركية تأسيس أول حزب اسلامي بقيادة البروفيسور نجم الدين أربكان عام 1970 باسم حزب النظام الوطني.لكنه حظر بعد عام واحد اثر انقلاب الجيش في عام 1971
وسمحت القوانين التركية لأربكان بأن يؤسس حزبا جديدا باسم السلامة الوطني (العلمانية التركية تحظر ذكر الهوية الدينية في تسمية أو نشاط أي حزب)، خاض الحزب الجديد انتخابات عام 1973، وأثبت فيها أنه رقم مهم في الحياة السياسية التركية، الأمر الذي دفع به الى المقدمة، وجعله شريكا في السلطة.حيث أصبح أربكان نائبا لرئيس الوزراء لأول مرة في الحكومة التي تشكلت في أعقاب انتخابات عام 73.ثم كانت له مشاركتان أخريان كنائب رئيس الوزراء في حكومتين أخريين عامي 1975 و1977.
تعرض حزب السلامة الوطني للحظر بعد حل الأحزاب اثر انقلاب الجيش في عام 1980.لكنه عاد الى الحلبة السياسية في عام 1983 تحت اسم آخر هو حزب «الرفاه».وشارك في جميع الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت بعد ذلك.الى ان اكتسح الانتخابات البلدية في عام 1994.لاسيما في مدينتي اسطنبول وأنقرة (في ذلك الوقت انتخب رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الحالي رئيسا لبلدية اسطنبول).
وكان ذلك مؤشرا على المنحى الذي ستنتهي اليه الانتخابات النيابية، التي أجريت في آخر عام 1995، وحقق فيها حزب الرفاه انتصارا كبيرا قاده الى السلطة في صيف عام 1996.اذ أصبح البروفيسور أربكان رئيسا للوزراء في حكومة تحالف فيها حزب الرفاه مع حزب الطريق المستقيم (عبدالله جول رئيس الجمهورية الحالي كان وزير دولة للشؤون الخارجية في تلك الحكومة)،
وقد استقالت تلك الحكومة بضغط من الجيش عام 97 وتم حل حزب الرفاه،
لكن الحزب عاد بعد ذلك للظهور تحت مسمى جديد هو «الفضيلة»، الذي حل بدوره بذريعة مساسه بالعلمانية.فشكل أركانه حزب «السعادة» الذي لايزال قائما حتى الآن.
خرج حزب العدالة والتنمية من رحم هذه المشاركات، اذ أدرك بعض قادته، عبدالله جول ورجب طيب أردوغان في المقدمة منهم، وجدوا أنه لا سبيل للاستمرار في الحلبة الا باعادة النظر في برنامجهم، بحيث يقدم على صياغة جديدة تكون أكثر رحابة ومرونة، ومن ثم أكثر قبولا من جانب المجتمع.فلجأوا الى تأسيس حزبهم في سنة 2001، مقتبسين العنوان من حزب بذات الاسم في المغرب، وخاضوا ببرنامجهم الجديد انتخابات عام 2002 التي حققوا فيها فوزهم المشهود.
(3)
عندما يطالع المرء هذه الصورة بخلفياتها وتداعياتها، فان السؤال الذي يخطر على باله هو:
هل يمكن ان يحدث ذلك حقا في مصر؟
أعني أننا اذا افترضنا جدلا ان الاخوان المسلمين أو غيرهم أعدوا برنامجا كامل الأوصاف، يلبي الشروط التي تجعله مرحبا به من المجتمع، هل يمكن ان ينفتح الطريق أمامهم، للسير على ذات الدرب الذي بدأه حزب النظام الوطني وانتهى بتجربة حزب العدالة والتنمية؟

عندي شك كبير في ذلك، ليس فقط لأن توافر البيئة الديموقراطية في مصر لايزال حلما بعيد المنال، ولكن أيضا لأن وضع تركيا يختلف عن وضع مصر في الاستراتيجيات العالمية والاقليمية، بحيث ان ما قد يقبل أو يحتمل في تركيا قد لا يقبل أو يحتمل في مصر.وهذا منطوق يحتاج الى بعض الشرح.
اذ من حيث القيمة الاستراتيجية فتركيا دولة، في حين ان مصر أمة.
صحيح أنه من الناحية الجغرافية والتاريخية، هناك ما يسمى بالعالم التركي، الذي يمتد من تركيا الحالية الى حدود الصين، مرورا بدول آسيا الوسطى، التي تتحدث بلهجات تركية مختلفة.الا ان مصير تركيا الحالية لم يعد مرتبطا بمصير دول العالم التركي المشار اليه،
لكن هذا الوضع اختلف تماما مع مصر التي هي مفتاح العالم العربي، ان سقطت سقط واذا فتحت فتح.ولذا كان الاستعمار دائما يركز ضربته الأولى والقصوى على مصر.ثم ما بعدها فسهل أمره.
فكان وقوع مصر سنة 1882بداية النهاية لاستقلال العالم العربي، بينما جاء تحرر مصر الثورة (عام 1952) بداية النهاية للاستعمار الغربي في المنطقة، وفي العالم الثالث جميعا وهذه الفقرة الأخيرة مقتبسة من مؤلف الدكتور جمال حمدان (شخصية مصر ج1)

الموقف مختلف أيضا على صعيد الدور.فقد كانت الأهمية الاستراتيجية لتركيا طوال سنوات الحرب الباردة أمرا مسلما به.لكن تلك الأهمية تراجعت مع انهيار الاتحاد السوفييتي.وهي الآن بسياستها النشطة وبقوتها الاقتصادية الصاعدة، تبحث عن دور وتحفر لنفسها مكانة لتصبح لاعبا أساسيا في الشرق الأوسط.
أما مصر الأمة فالدور ينتظرها ولا تبحث عنه.ومنذ استقالت منه بتصالحها مع اسرائيل عام 1979 فان مكانها لايزال شاغرا، ولم ينجح أحد في ملئه،
في هذا الصدد لا تنس ان الشرق الأوسط في تلك الحسابات مختزل في أمرين، هما النفط واسرائيل.
من هذه الزاوية فان التغيير في الوضع التركي لن يكون ضرره جسيما على المصالح الغربية،
أما التغيير في مصر فانه يمكن ان يحدث انقلابا في المنطقة يقلب ميزان تلك المصالح رأسا على عقب.بسبب من ذلك فان الولايات المتحدة واسرائيل مفتوحة الأعين عن آخرها ازاء احتمالات التغيير في مصر، خصوصا اذا كان ديموقراطيا، قد يأتي بعناصر وطنية مشكوك في ولائها للغرب.
وهناك أكثر من قرينة تعبر عن هذا القلق، الذي نجده واضحا مثلا في المحاضرة الشهيرة، التي ألقاها في عام 2008 وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي السابق آفي ديختر، عن تقدير بلاده للأوضاع في المنطقة العربية.
وكنت قد أشرت من قبل الى تلك
المحاضرة، التي ألقيت على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، لكن السياق يقتضي استعادة بعض فقراتها للتدليل على الفكرة التي أتحدث عنها.
(4)

في تلك
المحاضرة الوثيقة قال وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي ما يلي:
لأن العلاقات بين اسرائيل ومصر أكثر من طبيعية (هل تذكر قول بن اليعيزر ان القيادة المصرية بمثابة
كنز استراتيجي لاسرائيل)، فان من مصلحة اسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن في مصر ومواجهة أي تطورات مستقبلية لا تحمد عقباها تمس علاقة البلدين.
انسحاب مصر من اتفاقية السلام خط أحمر لا يمكن لأي حكومة اسرائيلية ان تسمح بتجاوزه، وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف بكل الوسائل.
ان الولايات المتحدة واسرائيل تقومان بتدعيم الركائز الأساسية، التي يستند اليها النظام المصري.ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والانذار، قادر على تحليل الحيثيات، التي يجري جمعها وتقييمها، ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن وتل أبيب وحتى في القاهرة.
بعد وفاة الرئيس عبدالناصر وتولي السادات زمام الأمور عمدت الولايات المتحدة الى اقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية مع مصر، على غرار ما فعلته مع تركيا بعد الحرب العالمية الثانية.بهدف لجم أي مفاجآت غير سارة تظهر في الساحة المصرية.

وتمثل تلك المرتكزات في الاجراءات التالية:
اقامة شراكة مع القوى المؤثرة من رجال السياسة والأعمال والاعلام
اقامة علاقات وثيقة مع كل الأجهزة الأمنية في مصر
تأهيل محطات استراتيجية داخل المدن الرئيسية، التي تمثل مراكز لصنع القرار، في القاهرة والاسكندرية والاسماعيلية والسويس وبورسعيد
الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في القاهرة بامكانها التحرك خلال ساعات والسيطرة على الموقف لمواجهة أي مفاجآت
مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها، في الغردقة والسويس ورأس بيناس.
أرجو ان تكون التفاصيل غير دقيقة، لكن الفكرة الأساسية التي أدعيها تظل قائمة، وهي التي تتمثل في حرص قوى الهيمنة الدولية والاقليمية على ان يبقى الوضع في مصر على ما هو عليه.لظنها أنه أفضل ما يحمي مصالحها ويؤمنها.
لسنا بصدد قدر مكتوب ولا وضع يستحيل التعامل معه.لأن كل هذه الحسابات يمكن ان تتغير اذا ما توافق الغيورون في الجماعة المصرية على أولوية خوض معركة تحرير الارادة الوطنية مما يكبلها ويقيد حركتها ويطلق طاقات التقدم والنهضة فيها.

ذلك أنني أزعم بأن كسب تلك المعركة هو واجب الوقت، لأن تحرير الارادة المصرية هو شرط استعادة مصر لدورها الطليعي، بل انه شرط لاستعادة الأمة العربية مكانتها، وشرط لتحرير فلسطين أيضا ان مصر هي المشكلة وهي الحل.
........................

11 يوليو، 2010

استنفدوا مرات الرسوب

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 30 رجب 1431 – 12 يوليو 2010
استنفدوا مرات الرسوب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_6195.html

ليس من عادة الحزب الوطني أن يمازحنا، وإن اعتدنا منه أن يستغفلنا مدعيا تمثيله لنا، وأنه القوة السياسية العظمى في مصر، التي لم تقهر في أي تصويت يعبر عن الإرادة الشعبية.

هذه حقيقة فهمناها وتعاملنا معها منذ أكثر من ثلاثة عقود صابرين محتسبين، ومنتظرين فرج الله وقضاءه الذي لا يرد.
ثم إننا لم نعرف عن أحد من قيادات الحزب مرحا ولا خفة ظل، هذا إذا استثنينا عادل إمام الذي أصبح من المنتسبين إلى تلك القيادات.

إذا كان الأمر كذلك فإننا لا نعرف لماذا يضطر الحزب إلى الإعلان عن أنه أجرى استطلاعا للتعرف على مدى شعبيته في بر مصر، وقياس مدى رضا المواطنين عن أداء الحكومة الحالية.
وهي المزحة التي يصعب بلعها، ذلك أن الحزب الذي «اكتسح» انتخابات مجلس الشورى مؤخرا، ولديه من الآن ما يثبت اكتساحه انتخابات مجلس الشعب القادمة، والتأييد غير المسبوق أو الملحوق لمرشحي منصب الرئاسة،
حزب هذا شأنه ليس بحاجة لأن يقيس مدى شعبيته في الشارع المصري، ولا أتصور أنه قرر أن يتحرى هذا الجانب إدراكا منه أن الاكتساحات سابقة الذكر عبرت عن شعبية الحزب الحاكم لدى وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية وجيوش الأمن المركزي الجرارة، وأنه أراد حقا أن يتعرف على شعبيته في أوساط المواطنين العاديين.

بكلام آخر فإن لجوءه إلى هذا الباب لا تفسير له سوى أنه ليس واثقا من صحة الأرقام التي أكدت انكشاف أمر الاكتساحات المذكورة، وأن التزوير فيها كان فجا ومفضوحا، فقرر أن يلجأ إلى أسلوب آخر في التزوير والتدليس أكثر ذكاء، وأقل فجاجة.

ثم إن الحزب يريد أن يعرف رأي الناس في الحكومة، التي هي من اختيار الرئيس وابنه، وقد امتدحها الرئيس أكثر من مرة، وأعرب عن رضاه على أدائها،
وفي كل فصل برلماني «يبصم» مجلس الشعب على تأييدها وتجديد الثقة فيها، رغم مسلسل الفضائح التي ارتبطت بها، والتي ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وهي التي تمثلت في رشاوى الكبار، وانهيار الخدمات الأساسية، وإهدار ثروة مصر العقارية، وصولا إلى إهدار كرامة المواطنين والازدراء بهم (قصة قتيل الإسكندرية خالد سعيد على أيدي الشرطة لم تهز شعره في رأس قياداتها)، رغم أنها كفيلة بإسقاط حكومة في أي بلد محترم إذا ثبتت وقائعها.
بل إن مشكلة القمامة وحدها، التي حولت القاهرة إلى واحدة من أقذر عواصم العالم، دليل دامغ على الفشل الذي يؤكد أن الذي يعجز عن حل مشكلة بهذا المستوى لن يكون بمقدوره أن يحل مشكلات وطن يعيش فيه أكثر من 80 مليون نسمة.

إذا كان الأمر كذلك، فهل بوسعنا أن نأخذ على محمل الجد حكاية الاستطلاع، الذي أزعم أنه حين تضمن تساؤلا حول هاتين النقطتين تحديدا فإنه عمد إلى الاستهبال وخلط الهزل بالجد.

أدري أن مثل هذه الاستطلاعات من تقاليد الدول الديمقراطية، وأنها تؤخذ على محمل الجد من جانب واضعي السياسات ومنظمي الحملات الانتخابية، وهي تتم بواسطة مراكز مستقلة ترصد مؤشرات واتجاهات الرأي العام بين الحين والآخر، وأحيانا في كل أسبوع،
لكن إذا كان ذلك من خصوصيات الدول الديمقراطية، فما دخلنا نحن بالموضوع، ولماذا نقحم أنفسنا فيه، وندس أنوفنا في خصوصيات الآخرين التي لا شأن لنا بها؟

ردي على السؤال أن ذلك من آيات تزوير الديمقراطية، وتحويلها من تثبيت لقيم المشاركة والمساءلة وتداول السلطة، إلى مجموعة إجراءات وهياكل وتقارير ورقية، بحيث يجهض المضمون، وتعطل الوظيفة، في حين يستوفى الشكل، ويرتب المنظر، من باب تحسين الصورة لا أكثر.

قرأت في عدد «الشروق» يوم السبت الماضي 10/7 أن الاستطلاع أشرفت عليه أستاذة للعلوم السياسية، وأن نتائجه ستعلن غدا.
وهي النتائج التي نستطيع أن نتوقع خلاصتها، على الأقل فيما يتعلق بالنقطتين اللتين سبقت الإشارة إليهما، ولن نفاجأ إذا لم تختلف في شيء عن تقرير الطب الشرعي الذى أيد رواية الداخلية في قضية قتل خالد سعيد.

إننا لن نستطيع أن نأخذ نتائج هذا الاستطلاع وأي استطلاع آخر في مصر على محمل الجد إلا إذا أجرته جهة مستقلة، وهذه الجهة لن تتوفر إلا إذا كانت لدينا ديمقراطية حقيقية.. وتلك معضلة لا يؤتمن القائمون على الأمر في الوقت الراهن على حلها، فقد رسبوا في كل اختباراتها، حين أصبحت المراهنة على نجاحهم في ذلك من قبيل العبث وتضييع الوقت،

ولست أفهم لماذا يُفْصَلُ من استنفد مرات الرسوب في الدراسة، ولا يطبق نفس المعيار في السياسة؟!
....................

طُز – فهمي هويدي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 29 رجب 1431 – 11 يوليو 2010
طُز – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_11.html

كانت البداية فى أحد مطاعم اسطنبول حين أثار انتباهى أن وعاء الملح كتبت عليه بالأحرف اللاتينية كلمة «طز»، وهو ما استغربت له.
ومن باب الفضول حاولت أن أتحرى العلاقة بين الملح والكلمة، التى أصبحت تجرى على لساننا، مسكونة بمعانى عدم الاكتراث والرداءة وقلة القيمة.

لم أجد لها أثرا فى قوامسينا اللغوية. وحين رجعت إلى كتاب «المحكم فى أصول الكلمات العامية»،
وجدت انها فى الفارسية تكتب دز (بكسر الدال) وتطلق على ما هو قبيح أو ردىء أو سيئ الخلق.
وفى التركية تكتب «طكز» وينطقها العامة طُنز التى تعنى السخرية والهزل.
وفى لسان العرب أن الطنز هو السخرية. وقد عربت الكلمة وحرفت إلى طُز،
وقالوا لى فى تركيا إنهم أطلقوا على الملح كلمة طز للتدليل على تواضع شأنه وقلة قيمته.

سألت أحد أساتذة التاريخ، إذا سلمنا بكل ذلك، فما الذى أوصل الكلمة إلى مصر وأشاعها على ألسنة الناس بنفس المعنى تقريبا؟
رد صاحبنا قائلا إنه فى عهد الدولة العثمانية كان جباة الضرائب يحصلونها من التجار عن كل سلعة يبيعونها، ويستثنون الملح لقلة شأنه واستصغارا لقيمته.
وإذ أدرك التجار ذلك فإنهم لجأوا إلى حيلة بسيطة للتهرب من الضرائب.

إذ اصبحوا يخفون بضاعتهم فى قاع أجولة أو أوعية كبيرة ويضعون فوقها طبقة من الملح، لا تظهر شيئا من السلعة المخفية. وحين كان يمر عليهم جباة الضرائب ويسألونهم عما لديهم فإنهم كانوا يشيرون إلى تلك الأجولة والأوعية قائلين: «فيها طز»، مستخدمين مفردات لغتهم التركية.
ومنذ ذلك الحين ارتبطت الكلمة بالملح عند الأتراك، وسرت على ألسنة المصريين بالمعنى المتداول فى الوقت الراهن.

وانضمت بذلك إلى قائمة المفردات التركية التى شاعت فى لغتنا الدارجة، ومنها: كوبرى ــ شراب ــ شنطة ــ أوضه (حجرة) ــ فستان ــ توكه ــ فرشة ــ قفطان ــ أورنيك ــ بقلاوة ــ بومبار (الأمعاء المحشية وينطقونها منبار) ــ ياميش (الثمر الجاف فى التركية) ـ جلاش ــ ماسورة ــ بويه ــ أويمه (للنقش أو الحفر) ــ طابور ــ شلته ــ حنطور ــ جزمة (حذاء) ــ ماهية (الراتب الشهرى) ــ طاسه ــ بسطرمه (ينطقونها باصدرمة) ــ أورمان بمعنى غابة (حديقة الأورمان) ــ جردل (ينطقونها كردل) ــ طقم ــ ضُلمة (المحشى) ــ برش (حصير) ــ ازان (وعاء كبير لغلى الماء) ــ كبشة (المغرفة) ــ كركون (لمركز الشرطة) ..الخ.

ليست المفردات التركية وحدها التى اخترقت خطابنا المتداول، ولكن هناك قائمة طويلة من المفردات الفارسية أيضا (غير الكلمات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية). وهو اختراق كان متبادلا. ذلك أن المفردات العربية التى دخلت على اللغتين التركية والفارسية لا حصر لها. ويقدر بعض الباحثين ان نسبتها فى هاتين اللغتين تتراوح بين 30 و40٪ من المفردات المستخدمة. ولا غرابة فى ذلك لأن انتشار الإسلام فى تلك البلدان استصحب معه انتشارا للغة القرآن العربية.
يقول مؤلف كتاب المحكم فى أصول الكلمات العامية إن «اللغة التى يتكلمها أهل مصر فى الآونة الحاضرة (الكتاب مطبوع سنة 1939م) هى اللغة العربية محرفة عن أصولها. خارجة عن قيودها وقواعدها، وإن التحريف فى العربية قديم يرجع عهده إلى زمن النبوة.

..لأن اللحن فى اللغة ظهر فى كلام الموالى والمتعربين آنذاك. فقد لحن أحدهم أمام النبى محمد، فقال عليه الصلاة والسلام «ارشدوا أحدكم فقد ضل».
وإذ يذكر المؤلف أنه إذا كانت مخالطة العرب لغيرهم من الأعاجم من الأسباب الخارجية التى أدت إلى تحريف اللغة، فهناك أسباب داخلية أيضا أدت إلى ذلك. وهذه الأسباب ثلاثة هى:
تعدد اللهجات بتعدد القبائل واختلافها ــ وخصائص اللغة وسننها ــ واتساع اللغة.

بقى أن تعلم أن مؤلف ذلك الكتاب النفيس اسمه الدكتور أحمد عيسى بك، الذى وجدت تعريفا له على الغلاف ذكر أنه:
عضو المجمع العلمى المصرى، وعضو بالأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم بباريس ــ وعضو المجمع العلمى العربى بدمشق ــ وعضو بالمجلس الأعلى لدار الكتب الملكية، وعضو اللجنة العليا لمتحف فؤاد الصحى ــ
هل لدينا أحد الآن يملك مثل هذه المؤهلات؟!
..................

10 يوليو، 2010

الديمقراطية لا تقاس بالأرقام

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 28 رجب 1431 – 10 يوليو 2010
الديمقراطية لا تقاس بالأرقام – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_10.html


لى ملاحظتان حول الشكل والموضوع فى تعليق المتحدث باسم الخارجية المصرية على انتقاد السيدة هيلارى كلينتون لموقف الحكومة المصرية من منظمات المجتمع المدنى.
فيما خص الشكل فإن تعليق صاحبنا كان فى منتهى الأدب، إذ اكتفى بالإعراب عن الاستغراب والدهشة إزاء ما قالته. واعتبر أن كلامها لا يعكس الواقع، ثم أورد بعض الأرقام التى اعتبرها ردا على ما قالته.
منها أن فى مصر نحو 26 ألف مؤسسة مجتمع مدنى بينها 200 منظمة غير حكومية تعمل فى مجالات حقوق الإنسان والمساعدة القانونية ودعم الديمقراطية (الأهرام 7/7)،
وإذا ما قارنت هذه اللهجة المهذبة التى اختيرت فيها الكلمات بعناية مع تعقيب السفير حسام زكى الأخير على كلام الدكتور محمود الزهار القيادى فى حركة حماس، الذى تحدث فيه عن تعامل مصر مع الملف الفلسطينى، ستدرك على الفور أن اللغة المستخدمة مع الأكابر لا علاقة لها بالأسلوب الذى يخاطب به الأشقاء، خصوصا إذا كانوا فلسطينيين مختلفين مع مصر.
ليس فقط لأن كل طرف له قدره ومقامه، ولأن العين لا تعلو على الحاجب، ولكن أيضا لأن هناك فرقا لابد من مراعاته بين الحلفاء الاستراتيجيين وبين المختلفين مع السلطة المصرية، الذين نستبيحهم على الفور ونحولهم إلى خصوم استراتيجيين.
فيما يخص الموضوع، فإن ملف المجتمع المدنى فى مصر لا تقاس الدلالة فيه بالأرقام وإنما تقاس بالفاعلية ومدى التأثير فى المجتمع. والقول بأن فى مصر كذا ألف مؤسسة بينها 200 غير حكومية تعمل فى مجال حقوق الإنسان، لا يختلف عن القول بأن لدينا 24 حزبا سياسيا ولكنها تجسد الموات السياسى وليس الحيوية السياسية.
ونحن نعلم مدى الفشل الذريع الذى منيت به تلك الأحزاب الشرعية فى انتخابات مجلس الشعب الأخيرة (عام 2005) حيث لم يزد عدد ممثليها فى مجلس الشعب على عدد أصابع اليد الواحدة، فى حين أن الإخوان المسلمين الذين يعتبرون جماعة «محظورة» من وجهة نظر النظام فازوا بأكثر من 85 مقعدا.
وليس سرا أن أغلب ممثلى الأحزاب المعترف بها ينجحون من خلال الصفقات الجانبية والتزوير، لتحسين الصورة وتجميل الوجه وتوفير متطلبات «الديكور» الديمقراطى.
وكما أن نظامنا السياسى ارتضى أن يتم تشكيل الأحزاب بناء على موافقة الأمن (ومع ذلك تكبل تلك الأحزاب ولا يسمح لها بممارسة أى نشاط خارج مقرها إلا بموافقة الأمن، فضلا عن انها لا تمكن من المشاركة ولا تحلم بالتداول)، كذلك منظمات المجتمع المدنى.

أعنى أن نظامنا الذى يريد للأحزاب أن تظهر فى «الصورة» فقط وتصبح حاضرة وغائبة فى ذات الوقت، يريد لغيرها من منظمات المجتمع المدنى أن تظل بدورها جزءا من «الديكور» فقط.
صحيح أن بعض منظمات حقوق الإنسان أثبتت حضورا وفاعلية فى العديد من الحالات، إلا أن ذلك تم رغما عن أجهزة الأمن، كما أن العاملين بتلك المنظمات يعانون الكثير من العنت والمشقة ويتعرضون للملاحقة والاعتقال، بسبب ذلك الجهد الذى يبذلونه.
إن أزمة منظمات المجتمع المدنى وكذلك أزمة موت السياسة والأحزاب فى مصر. هى من تجليات وإفرازات أزمة غياب الديمقراطية، ذلك أن فاعلية منظمات المجتمع المدنى وحيوية الحياة السياسية لا تتحقق إلا فى ظل بيئة تطلق فيها الحريات العامة، من حرية التعبير إلى حرية تشكيل الأحزاب وإصدار الصحف والاحتكام النزيه إلى صندوق الانتخابات، الذى يوفر للمجتمع حقوق المشاركة والمساءلة وتداول السلطة.

ولأن أغلب أنظمة العالم العربى لا تحتمل ممارسات من هذا القبيل، فإنها لجأت إلى الالتفاف على الديمقراطية بما يبقى على الشكل والهياكل فيها ويعطل الوظيفة ويجهضها. وكانت النتيجة أنها لم تعدم حيلة فى استيلاد أحزاب سياسية معوقة، وفتح الأبواب لإقامة منظمات المجتمع المدنى وحقوق الإنسان مع إحكام السيطرة عليها. وأصبحت تتباهى لا بالمشاركة أو التداول ولا بشفافية الانتخابات، ولكن بكم الأحزاب الموجودة وعدد منظمات المجتمع المدنى ودقة التقارير التى تشيد بإنجازات تلك المنظمات ورعاية النظام القائم لأنشطتها.
ما يلفت النظر أن التصريحات الوردية التى يطلقها المسئولون فى هذا الصدد لم تعد تنطلى على أحد فى الداخل أو الخارج، لسبب جوهرى هو أن الواقع المكشوف للجميع يكذب ادعاءاتهم (شكرا لوسائل الاتصال الحديثة الخارجة عن السيطرة)،
الأمر الذى يعنى أن أولئك المسئولين لا يخاطبون الرأى العام. وإنما يخدعون أنفسهم ويوهمون رؤساءهم بأن «كله تمام» فى حين أن السفينة التى تقل الجميع موشكة على الغرق.
..................................

Delete this element to display blogger navbar