Subscribe:

Ads 468x60px

30 يونيو، 2010

مصطلحات لغة لا نفهمها

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 19 رجب 1431 – 1 يوليو 2010
مصطلحات لغة لا نفهمها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_579.html


بعض المعلومات التي تنشرها الصحف في الدول الديمقراطية على أنها أخبار جادة ومثيرة للاهتمام، تتحول عندنا إلى غرائب وعجائب وربما إلى أمور تثير السخرية والتندر.

فالصحف الفرنسية تتحدث هذه الأيام عن الإجراءات التقشفية التي اتخذها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ومنها إلغاء الحفلة السنوية التي تقام في القصر الرئاسي بمناسبة العيد الوطني (في 14 يوليو)، بعدما تبين أنها تكلفت في العام الماضي 732 ألف يورو، وهي مصاريف دعوة 7500 شخص لهذه المناسبة. ما يعني أن كل ضيف كلف خزينة الدولة مائة يورو.
كذلك ألغى الرئيس الفرنسي الطائرات الخاصة التي كانت تحمل الصحفيين لتغطية الزيارات الرئاسية لقاء مبالغ منخفضة. بحيث أصبح على الصحيفة التي تريد أن تغطي زيارات الرئيس أن تتحمل مصاريف السفر على شركات الطيران التجارية، على أن تنسق العملية مع قسم الصحافة في الرئاسة (تبين أن الطائرات التي تحمل الصحفيين تكلف ميزانية الدولة مئات الآلاف من اليورو).
وفى سياق تتبع الصحف لمظاهر البذخ في وزارات الدولة، فإن صحيفة "لوكانار انشينيه" كشفت عن أن أحد الوزراء (كريستيان بلان) اشترى كمية كبيرة من السيجار من موازنة وزارته، وكان سعر السيجار الواحد 12 يورو، فسارع الوزير إلى تسديد قيمة ما اشتراه فور نشر الخبر، وأكد رئيس الوزراء أن السيد بلان كان يتعين عليه من البداية أن يسدد قيمة السيجار من ماله الخاص، حتى إذا كان يقدمه إلى ضيوفه في المكتب.
قبل ثلاثة أسابيع من نشر أخبار التقشف في الحكومة الفرنسية كانت وكالات الأنباء قد تحدثت عن مضمون إقرار الذمة المالية للرئيس الأمريكي باراك أوباما عن عام 2009. ومنه علمنا أن ثروته في ذلك العام تراوحت بين 2 و3 ملايين و7.7 مليون دولار. وأن كلب الأسرة (برتغالي الأصل اسمه بو) قدرت قيمته بمبلغ 1600 دولار، وقد أدرج في الإقرار رغم أنه أهدي إلى الأسرة من السيناتور الراحل إدوارد كينيدي. وأظهرت السجلات أن أوباما وزوجته لديهما بعض حسابات مدخرات تقاعد مع أحد صناديق الاستثمار، وأن لديهما حسابات أخرى مع اثنين من البنوك.
كما أنهما يملكان بعض السندات وأذون الخزانة. وتفاصيل هذه المعلومات، بما فى ذلك أسماء البنوك وقيمة الإيداعات مدرجة فى الإقرار. وما أثار الانتباه فى هذا الصدد أن الرئيس وزوجته فتحا حساب ادخار لتأمين مصاريف التعليم الجامعي لابنتيهما ماليا (11 سنة) وساشا (8 أعوام).
أشار التقرير المنشور عن ذمة الرئيس الأمريكي إلى أن جزءا كبيرا من ثروته حققه من عوائد تأليف كتابيه الأكثر مبيعا (أحلام أبي وجرأة الأمل)، وقد نشرا قبل أن يصبح الرجل رئيسا. والثابت في إقراره الضريبي عن عام 2009 أن أرباحه فى ذلك العام بلغت 5.5 مليون دولار، معظمها في حقوق تأليف الكتب.
ماذا يكون شعور القارئ المصري أو العربي حين يقرأ هذا الكلام؟..
إذا نحيت جانبا ردود أفعال الذين لن يأخذوه على محمل الجد، وسيحولون الوقائع المنشورة إلى مادة للتندر والسخرية، فلن نعدم أناسا يعبرون عن الحيرة والدهشة. وهؤلاء ممن يعجزون عن استيعاب فكرة تقشف الرئاسة والحكومة اللذين يملكان مفاتيح «بيت المال»،
ومنهم من لم يسمع عن شيء اسمه الذمة المالية لرئيس الدولة. وهو «صاحب المحل» الذي إذا كان لا يسأل عما يفعل، فلن يكون بمقدور أحد أن يسأله عما ينفق.
ثم إن المال كله في «كيسه»، لا فرق فيه بين ما هو خاص أو عام. ولا غرابة في ذلك؛ لأن بعض نواب الشعب الأتراك كانوا قد زاروا مصر قبل ثلاث سنوات، وحينما حدثهم نفر من أقرانهم في مصر عن تزوير الانتخابات، فإنهم لم يستوعبوا المصطلح، وسألوهم ماذا يعني وكيف يكون التزوير؟..
وهو ما يسوغ لنا أن نجد أناسا في مصر يسألون أيضا: ماذا يعني التقشف؟ وهل يمكن حقا أن يُسأل رئيس الدولة عن ذمته المالية؟
تلك مفردات ومصطلحات لغة لا نفهمها، وقيم مجتمعات بيننا وبينها ــ في شق محاسبة ومساءلة أهل الحكم ــ ما بين السماء والأرض. فحكامهم بشر وحكامنا آلهة، وما في «كيس» الدولة هو عندهم مال الشعب وحصيلة ما يدفعونه من ضرائب (هو مال الله في الثقافة الإسلامية)، وهو عندنا قدر وهبه الله لأجل الحكم، فاقتسموا الهبة فيما بينهم وتوارثوها.
......................

لزوم ستر العورة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 18 رجب 1431 – 30 يونيو 2010
لزوم ستر العورة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_30.html


فجأة هذه الأيام، صرنا نشاهد أخبارًا يومية يبثها التليفزيون المصري عن فتح معبر رفح، وأعداد الداخلين والخارجين منه، وهو ما تزامن مع نشر أخبار شبه يومية في الصحف القومية عن استمرار فتح المعبر.
ورغم أنها من الناحية المهنية لا تعد أخبارا، لأنها لا تقول أكثر من أنه لليوم الرابع عشر أو السادس عشر تواصل مصر فتح المعبر، بما يعني أنه لا يوجد جديد يضاف إلى ما لا يعرفه الناس. من ثم فهو أقرب إلى الإعلان منه إلى الإعلام.

هذا الإلحاح الإخباري يثير الانتباه، إذ يوحي بأننا في "موسم الفتح"، الذي تجاهلناه طويلا، في حين ظلت التعبئة الإعلامية في السابق موجهة صوب التحريض على الأنفاق والتخويف مما تمثله من "خطر" على أمن مصر القومي، الأمر الذي أريد به تبرير إقامة السور الفولاذي على الحدود بين سيناء وقطاع غزة.
لم يقف الأمر عند حد الإلحاح اليومي على ترسيخ فكرة قيام مصر بفتح المعبر، وإنما لاحظت أن بث الخبر يستصحب في كل مرة استطرادا ضروريا للحديث عن حرص مصر على رفع المعاناة عن "الإخوة الفلسطينيين"، ودفاعها المستمر عن القضية الفلسطينية، ومحاولاتها الدءوب لرأب الصدع وإنهاء الانقسام بينهم.

أعني أن الجهة التي حرصت على تكثيف نشر "أخبار" فتح المعبر لم تكتف بالإيحاء الكامن فيها، ولكنها حرصت على أن تضمن البث أو النشر إيضاحا مفصلا وصريحا لمضمون الرسالة المراد توصيلها، والتي خلاصتها أن مصر على الخط، وتؤدي ما عليها على أكمل وجه، وأنها لم تقصر في حق "الأشقاء" الفلسطينيين.
الملاحظ على هذه اللهجة الجديدة، أن إطلاقها تم بعد ما جرى لأسطول الحرية الذي خطف الأبصار وشغل الناس، في حين أحرج الجميع في المنطقة من حلفاء إسرائيل ومن لف لفهم من أهل "الاعتدال". ذلك أن قدوم الناشطين من 40 دولة من بلاد الفرنجة حاملين معهم معونات على ظهر القافلة البحرية، ثم استشهاد بعضهم وهم في طريقهم لكسر الحصار وإغاثة المحاصرين..
ذلك كله فضح مدى التقاعس والتواطؤ في جانب الحلفاء والمعتدلين، إذ بدا أن الناشطين القادمين من موانئ الغرب يتوقدون حماسا ويضحون بأرواحهم في سبيل هدفهم النبيل، في حين أن إخواننا "المعتدلين" يتفرجون على ما يجري ويشاركون في الحصار بقلب جامد وأعصاب باردة وضمير مستريح.
حين جرى ما جرى، ندد الجميع بالحصار وانتقدوا القائمين عليه، وكان لإسرائيل نصيبها الذي فضحها وزاد من عزلتها الدولية. وكان لمصر نصيبها باعتبارها الشريك الثاني في الحصار، الذي يجرمه القانون الإنساني الدولي.
في مواجهة هذا المأزق استخدمت مصر الإعلام وصوته العالي في تغطية موقفها، ولجأت في ذلك إلى أسلوبين،
أحدهما دفاعي والآخر هجومي.
على صعيد الدفاع؛ لجأت إلى الإعلان اليومي عن فتح المعبر بما ينفي تهمة المشاركة في الحصار. وفي ذات الوقت ركبت مصر موجة المطالبة برفع الحصار الذى تشارك فيه.
وفي مجال الهجوم، فتحت مصر ملف المصالحة الفلسطينية، حيث دعت حركة حماس إلى التوقيع على الورقة التي أعدتها بهذا الخصوص، وهي تعلم سلفا بأنها تضمنت شروطا تعجيزية تنهي المقاومة. وتطالب حماس بالخضوع والخروج من اللعبة السياسية.
ولأن الأمر كذلك، فقد بدا أن فتح ملف المصالحة في الوقت الراهن أريد به صرف الانتباه عن قصة وتداعيات موضوع أسطول الحرية من ناحية، وإحراج حماس وتصويرها بحسبانها تشكل عقبة في طريق المصالحة التي يفترض أنها تمهد الطريق لرفع الحصار، من جهة ثانية.
الطريف والمثير في ذات الوقت، أن ذلك كله ظل مقصورا على السجال الإعلامي، ولا علاقة له بما يجري على الأرض، فمعبر رفح فتح ولم يفتح، بمعنى أن القيود المفروضة على المرور منه ظلت كما كانت في السابق، سواء تعلقت بالأفراد أو بالمعونات.
كما أن مطلب رفع الحصار يظل من قبيل الفرقعة الإعلامية، لأن الأطراف المعنية لا تريد رفعه قبل إسقاط حركة حماس،

أما موضوع المصالحة فهو رسالة للإحراج كما سبقت الإشارة. ولأن الضجيج الذي يشوش ويصرف الانتباه عن الحقيقة هو المطلوب في نهاية المطاف، فإن الطنطنة التليفزيونية والإلحاح الإخباري يصبحان لازمين لستر العورة والضحك على ذقون العوام، بعدما بدا أن المطلوب تحسين الصورة، وإبقاء "الأصل" على ما هو عليه.
....................

29 يونيو، 2010

خرائطنا إذ ترسم في غياب مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 17 رجب 1431 – 29 يونيو 2010
خرائطنا إذ ترسم في غياب مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_29.html

الخبر المثير أن تحولات إستراتيجية بالغة الأهمية تحدث الآن في الشرق الأوسط،
أما الخبر المؤسف فإن مصر ليست طرفا فيها، بعدما انسحبت من الحلبة واكتفت بالجلوس في مقاعد المتفرجين.

ــ1ــ
صحيح أن الدول العظمى التقليدية مازالت تتحكم في الكثير من الخيوط التي تحرك الأحداث في العالم، لكن من الصحيح أيضا أن الدول الناشئة أو النامية أصبح لها حضورها الذي لا ينكر في تقرير مصير قضايا الحرب والسلم في العالم، بل صار اتخاذ قرارات في هذه الأمور مستحيلا في غيبة تلك الدول الأخيرة.

هذه هي الفكرة الأساسية في مقالة كتبها وزير خارجية البرازيل سيلسو أموريم «في 15 يونيو الحالي» على موقع دولي باسم «بروجكت سينديكيت». وهو يشرح فكرته ذكر أن الأزمة المالية العالمية أبرزت دور دول العالم النامي الصاعدة التي تتوزع فيما بين أمريكا اللاتينية «البرازيل والأرجنتين والمكسيك» وأفريقيا «جنوب أفريقيا» وآسيا «الصين والهند وتركيا».
هذه الدول أصبحت لها كلمة الآن في المسائل المالية والبيئية والمناخية ومعاير العلاقات الدولية. وأحدث مثال على ذلك هو مبادرة البرازيل وتركيا للتوصل إلى حل لمشكلة تخصيب اليورانيوم في البرنامج النووي الإيراني،
وقد اعتبر ذلك الحل الذي تم التوافق عليه بمثابة «قلب للوضع القائم رأسا على عقب». ورغم أن تلك الخطوة تعد من آيات التعاون بين القوى الجديدة، فإنها تعد أيضا نموذجا للتجاذب الحاصل في الشأن السياسي بين تلك القوى وبين القوى الأخرى التقليدية الممثلة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهى التي فوجئت بارتفاع صوت الجنوب في إعلان طهران، فتجاهلته ومضت في طريق فرض العقوبات على إيران. الأمر الذي يثبت حرص أصحاب الامتيازات على استمرار احتكار حسم القضايا الدولية ومقاومة رياح التغيير الحاصلة في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

ــ2ــ
التغير الحاصل في الساحة الدولية له صداه على الصعيد الإقليمي. فظروف الأزمة التي أبرزت دور دول العالم الثالث في الساحة الدولية، شبيهة بتلك التي أفرزت المتغيرات الجذرية التي تحدث الآن على الصعيد الإقليمي، ذلك أنه إذا كان العالم الغربي يعاني من الأزمة الاقتصادية، فإن العالم العربي يواجه أزمة الفراغ، الذي نشأ عن غياب مصر، وخروجها من المشهد العربي منذ تصالحها مع إسرائيل في عام 1979. كأن ذلك التصالح بمثابة تثبيت للحضور الإسرائيلي وإعلان عن الخروج المصري.

وحين حدث ذلك فإن العالم العربي دخل إلى مرحلة التيه، إذ أصبح بمثابة جسم بلا رأس. وفى الوقت الذي خلا فيه موقع القيادة في العالم العربي، كانت تركيا تنمو وتتقدم وتتأهل للعب دور رئيسي في منطقة الشرق الأوسط، متجاوزة بذلك الدور الإيراني على أهميته. بعدما أثبتت تجربة ثلاثين عاما منذ نجاح الثورة الإسلامية، أن ثمة محاذير سياسية ومذهبية حالت دون الترحيب به في العالم العربي. لذلك ظل الدور الإيراني حاضرا في بعض الساحات وغائبا عن ساحات أخرى، على العكس من ذلك كان الدور التركي الذي كان الطريق مفتوحا أمامه لكي يتقدم في كل الساحات.
ثمة عوامل ثلاثة أسهمت في تحقيق الصعود التركي، تتجاوز خصوصية الموقع الجغرافي والخلفية التاريخية هي:
ــ النموذج الديموقراطي الذي وفر للحالة التركية جاذبية وقوة دفع معتبرة، إضافة إلى النهوض الاقتصادي المشهود، الذي حول تركيا إلى قوة اقتصادية معتبرة في محيطها، أوصل الناتج المحلي إلى تريليون دولار، وجعل من تركيا الدولة رقم 17 في قائمة القوى الاقتصادية العالمية (يخططون لكى تصبح القوة العاشرة بحلول عام 2020). أما في أوروبا فهي تعد الدولة السادسة في ترتيب القوى الاقتصادية. ومن نتائج هذا الوضع أن تضاعفت صادرات تركيا إلى العالم العربي أكثر من خمس مرات في الفترة من عام 2003 إلى الآن (من 5 مليارات أصبحت 27 مليارا) كما أن قيمة صادراتها إلى العالم الإسلامي ارتفعت في الفترة ذاتها من 11 إلى 60 مليار دولار.
ــ المساندة الشعبية وفرت لحزب العدالة والتنمية الأغلبية في البرلمان، مكنت الحكومة لأول مرة من أن تتمتع بحرية نسبية في التعامل مع الحلفاء التقليديين، وفى المقدمة منهم الولايات المتحدة وإسرائيل، بمعنى أن الاستناد إلى التأييد الشعبي حرر القرار السياسي الذي لم يعد مرتهنا للإرادة الخارجية، ومن ثم أتاح للحكومة هامشا من الحركة، جعلها تختلف وتتفق مع أولئك الحلفاء، وهذا الاستقلال في الإرادة الوطنية هو الذي أحدث تباينا في مواقف أنقرة وواشنطن إزاء المشروع النووي الإيراني وإزاء حركة حماس (التي رفض أردوغان اعتبارها حركة إرهابية). وهو ذاته الذي أفرز الفراق بين أنقرة وتل أبيب.
ــ وضوح الرؤية الإستراتيجية لدى الفئة الحاكمة. وهى الرؤية التي حدد معالمها وزير الخارجية الدكتور أحمد داود أوغلو في أكثر من لقاء على النحو التالي:
تركيا أكبر من أن تكون مجرد ممر أو جسر بين الشرق والغرب، ولكنها مؤهلة لأن تصبح دولة مركز وصاحبة قرار في محيطها
ــ في الوقت ذاته فإنها لا تعتبر الغرب قدرها وخيارها الوحيد، لكنها مع الغرب بأمر الجغرافيا ومع الشرق بحكم التاريخ
ــ وهى تعتبر أن دورها ومن ثم مجالها الحيوي يمتد من مضيق إسطنبول «البوسفور» إلى مضيق هرمز، ومن القرص (المنطقة الحدوية بين تركيا وأرمينيا) إلى موريتانيا
ــ لكي تقوم تركيا بالدور الذي تطمح إليه فينبغي أن تحل مشكلاتها مع جيرانها، فيما سمي بسياسة «تصفير» المشكلات. أي جعلها على درجة الصفر.

ــ3ــ
في التفكير الإستراتيجي فإن الاستقرار ومن ثم النهوض في الشرق الأوسط يقوم على أعمدة ثلاثة. هي مصر ممثلة للعرب وتركيا وإيران.

وهو ما اعتبره الدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية الأشهر «مثلث القوة» في المنطقة. ويرصد الباحثون أن التفكير الإستراتيجي الغربي ظل حريصا دائما على ألا تلتئم أضلاع ذلك المثلث. وجيلنا عاصر المرحلة التي قادت فيها مصر حركة التحرر الوطني في المنطقة، بعدما امتلكت قرارها، في حين كانت تركيا وإيران تدوران في فلك المعسكر الغربي. وتراهن إسرائيل على أن تحالفهما معها من شأنه أن يحاصر العالم العربي ويضغط عليه، لكن انقلابا حدث في ذلك المشهد خلال الثلاثين سنة الأخيرة، بمقتضاه خرجت إيران من المعسكر الغربي، وحافظت تركيا على استقلالها إزاءه. ومن ثم خسرت إسرائيل أهم حليفين لها في المنطقة.
وفى الوقت ذاته أقامت مصر تحالفا «إستراتيجيا» مع الولايات المتحدة، وعقدت تصالحا أقرب إلى التحالف مع إسرائيل. وهو ما بدد الأمل في تكامل أضلاع مثلث القوة، وأدى إلى انفراط عقد العالم العربي وأحدث فراغا كبيرا في المنطقة، بدا مهيأً، بل جاذبا، للتمدد التركي.
عبر عن هذا المعنى الكاتب السياسي المخضرم جنكيز شاندلر، أهم معلقي صحيفة «راديكال» التركية، في الندوة التي عقدت أخيرا بإسطنبول حول الحوار العربي التركي، إذ قال إنه في حين تعاظمت القوة السياسية والاقتصادية لتركيا، فإن مصر بدت قلعة جرى تفريغها، وإن تمدد تركيا في الفراغ المخيم على الشرق الأوسط بعد غياب مصر كان المصدر الحقيقي لإزعاج الإسرائيليين.

وفى رأيه أن توتر العلاقات بين أنقرة وتل أبيب سابق على حادثة منتدى دافوس (الذي انتقد فيه أردوغان السياسة الإسرائيلية علنا وانسحب من الجلسة الذي كان بيريز متحدثا فيها)، كما أنه سابق على العدوان الإسرائيلي على غزة، وعلى انقضاض إسرائيل على أسطول الحرية وقتل تسعة من الأتراك.
ذلك أن إسرائيل ــ والكلام لايزال له ــ تصورت بعد تنحية مصر وإخراجها من المشهد العربي أن الساحة قد خلت لها وأصبحت بغير منافس. لكنها فوجئت بالصعود والتمدد التركيين وبما يترتب عليهما من ظهور منافس لزعامتها وهيمنتها على المنطقة. وهو ما أثار حفيظتها تماما مثلما حدث مع إيران وأدى إلى استنبات بذرة الحساسية والتوتر بين البلدين، اللذين ربطا بـ 59 اتفاقية للتعاون، بينها 16 اتفاقية أمنية وعسكرية.
وقد نمت تلك البذرة بمضي الوقت، متغذية بالممارسات والعربدة الإسرائيلية، الأمر الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن.

ــ4ــ
لأن التاريخ لا ينتظر أحدا، ولكن عجلته تدور بمن حضر في مجراه وامتلك إرادة الانخراط في صناعة أحداثه، فإن خروج مصر من المشهد العربي في ظل تحالفاتها الجديدة، لم يوقف عجلة التاريخ في الشرق الأوسط. وكل الذي حدث أن اللاعبين تحركوا وفى حسبانهم أن مقعدها القيادي شاغر، ولم يملؤه أحد.

وأذكر هنا ــ وأكرر ــ أن من بين المتغيرات الإستراتيجية المهمة في المنطقة أن إسرائيل وإن بدت أقوى عسكريا، فإنها غدت أضعف بكثير إستراتيجيا وسياسيا. بعد فشلها في كسر إرادة المقاومة في لبنان وغزة، وبعدما أصبحت تدافع عن نفسها داخل حدودها وليس خارجها، وبعدما فقدت أهم حليفين لها في المنطقة (إيران وتركيا)، وبعدما خسرت الرأي العام العالمي بعد عدوانها الفج على أسطول الحرية في المياه الدولية.
وتلك عوامل يمكن أن توظف لصالح انتزاع الحقوق العربية إذا وجدت من يحسن استخدامها.
على صعيد المتغيرات الإستراتيجية الأخرى بوسعنا أن نرصد المؤشرات التالية:
ــ اقتراب تركيا من المشهد الفلسطيني عزز من موقع قوى الصمود في المنطقة. وحين قال وزير خارجيتها مؤخرا إن تركيا هي اليد اليمنى للعرب فإن تلك بدت لغة جديدة تعد امتدادا لكلام مماثل تحدث به السيد أردوغان أمام قمة طرابلس العربية.
ــ عقدت تركيا سلسلة من اتفاقيات التعاون الإستراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي، ومع الدول التي تبادلت معها اتفاقيات إلغاء تأشيرات الدخول وتحرير التجارة (سوريا ولبنان والأردن وليبيا والعراق، وهناك اقتراح قدم إلى مصر أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس مبارك لأنقرة. وقد وعد بدراسته)
وذهبت تركيا إلى أبعد من ذلك حين أعلنت أثناء انعقاد المنتدى العربي التركي في إسطنبول عن إنشاء مجلس أعلى للتعاون مع سوريا ولبنان والأردن، وإقامة منطقة حرة لانتقال الأفراد والبضائع فيما بين الدول الأربع.
ــ ثمة تقارب وتفاهم سياسي مشهودين فيما بين تركيا وسوريا وقطر، وكان لقاء قادة الدول الثلاث خلال الشهر الماضي في أنقرة لمناقشة تشكيل الحكومة العراقية علامة بارزة في هذا الاتجاه وقرينة على اتساع نطاق التشاور بين الدول الثلاث، بحيث شمل أحداث المنطقة المحيطة.
ــ ثمة تفاهمات مستمرة بين تركيا وإيران وسوريا حول عدد من الملفات المهمة، على رأسها الوضع في العراق وملف النفط والغاز (إيران تعد المصدر الثاني لتمويل تركيا بالطاقة بعد روسيا) ومشروعات شبكة المواصلات التي تربط بين الدول الثلاث إضافة إلى لبنان والأردن.
ــ تتحدث الدوائر السياسية في دمشق عن رؤية إستراتيجية جديدة يتبناها الرئيس بشار الأسد تسعى من خلالها سوريا لأن تصبح ممرا ومعبرا بين البحور الأربعة: الخليج العربي، الأبيض المتوسط، بحر قزوين والبحر الأسود. وهي تصبح خمسة إذا أضفنا البحر الأحمر.
وبمقتضى هذه الرؤية تصبح سوريا عقدة ربط بين الشرق والغرب وبين تركيا والعالم العربي. وقد تحدث الرئيس الأسد في هذا الموضوع في أثناء لقائه مع رجال الأعمال في إسطنبول عام 2004، حين ذكر البعض أن سوريا هي بوابة الأتراك إلى الخليج العربي وأن تركيا بوابة سوريا إلى أوروبا.
قد تكون هذه مجرد تمنيات وأحلام تراود القادة، لكننا يجب أن نتذكر أن حقائق اليوم هي أحلام الأمس. وأن الذين يحلمون يظلون أفضل كثيرا من الذين فقدوا القدرة على الحلم، وشغلوا بتثبيت مقاعدهم عن التطلع إلى المستقبل.
إنني أخشى حين يكتب تاريخ المرحلة الراهنة أن ينبري شاب في وقت لاحق متسائلا:
ألم يكن هناك بلد باسم مصر في تلك الأيام؟
.....................................
dien

28 يونيو، 2010

الزعيم حين يفتي

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 16 رجب 1431 – 28 يونيو 2010
الزعيم حين يفتي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_28.html


صدّق عادل إمام أنه «زعيم» حقا، فراح يفتي في أمور الحاضر والمستقبل، وصدّق الصحفيون بدورهم أنه زعيم، فأمطروه بالأسئلة حول قضايا الساعة وخيارات التغيير.

ولا أعرف أيهما أكبر خطأ من الآخر، لكني أعتبر أن الاثنين مخطئان يقينا، وأميل إلى تخطئة الصحفيين؛ لأن الرجل لم يتطوع بالخوض في أمور ليس ضالعا ولا ناشطا فيها، وإنما يجيب عن أسئلة وجهت إليه، بمعنى أن الذي سأله هو الذي وجهه واستنطقه وورطه.
كان ذلك انطباعي حين تابعت الحوار الذي أجرته صحيفة «المصري اليوم» مع عادل إمام، ومن قبله الحوار الذي أجرته مع السيدة فاتن حمامة التي هي بدورها زعيمة في مجالها، وإن ظلت زعامتها مختزنة في قلوب الناس ولم تستثمرها إعلاميا.

في الحوارين استغربت نوعية الأسئلة التي ألقيت عليهما في القضايا العامة، خصوصا في الأمور السياسية. وخطر لي أن أسجل تحفظا على توريط «الزعيمين» في هذه الأمور، وتحويل الحوار إلى ما يشبه ثرثرة المقاهي، في حين أن كلا منهما يمثل كنزا كبيرا في حياتنا الفنية، ومرجعا يستطيع أن يقول كلاما مشبعا ومفيدا ومنيرا للقارئ في مجاله.
لكني أحجمت عن ذلك حتى لا يساء فهم كلامي، ويدرجه البعض ضمن المشاحنات التي تحدث بين الحين والآخر بين صحفيي المصري اليوم و«الشروق». علما بأن هذا التوريط لا تنفرد به المصري اليوم، لكنه شائع في محيطنا الإعلامي الذي بات يبيع بالنجوم ويستثمر نجوميتهم إلى أبعد مدى، ولسبب لم أفهمه لاحظت أنهم جميعا جاهزون للكلام في أي قضية، خصوصا في مديح الحكومة وهجاء معارضيها. مع أنهم في غنى عن ذلك، إلا إذا كانت لبعضهم مصالح في ذلك.
رفع عني الحرج الدكتور حسن نافعة فيما كتبه يوم الخميس الماضي 27/6 منتقدا الشق السياسي في الحوار الذي أجري مع عادل إمام، والطريقة التي أخرج بها، ووصفه بأنه «سقطة مهنية بأكثر منه خبطة صحفية». وهو تعبير صريح ودقيق أتفق معه تماما، وبقدر ما أنه كان موفقا في نقده للحوار، فإن موقف الصحيفة كان مقدرا، حين احتملت نقده وأبرزته في عناوين صفحتها الأولى.

وأتمنى أن يعي هذه الملاحظة الصحفيون والمحاورون في البرامج التليفزيونية، حين يتحدثون إلى المراجع المعتبرة في عوالم الفن والثقافة والرياضة، فيميزون بين الحوار الذي يضيف إلى معارف المتلقي وينير عقله، وبين الثرثرة التي تتطرق إلى كل شيء ولا تضيف شيئا، وتعنى بالإثارة بأكثر مما تعنى بالتنوير والإضافة.
قبل عدة سنوات أصدر الدكتور عبدالرحمن بدوي أستاذ أساتذة الفلسفة مذكراته التي هاجم فيها كثيرين بصورة قاسية وجارحة أحيانا.
ولأن مقام الرجل عال وشامخ في مجاله، فإنني أشفقت على صورته لدى من لا يعرفونه، فكتبت حينذاك داعيا إلى تقييم الرجل استنادا إلى إبداعه الحقيقي وعطائه الكبير في عالم الفلسفة، وليس اتكاء على شهادته التي قد تدفع إلى اساءة الظن به وتصوره على نحو أحسب أنه لم يكن يرضى به، لا هو ولا تلاميذه ومحبوه.
وضربت مثلا بالموسيقار محمد عبدالوهاب (الذى منح لقب دكتور!) والأستاذ نجيب محفوظ والدكتور لويس عوض، وغيرهم من المبدعين الذين أثروا حياتنا الثقافية والفنية. وقلت إن كلا منهم يستطيع أن يقول الكثير في مجال إبداعه ومرجعيته في الموسيقى أو الأدب أو النقد، لكن شهادتهم لا يعتد بها في غير تلك المجالات، وقد تكون خصما من رصيدهم،
والحالة الوحيدة التي يمكن أن تقبل فيها شهاداتهم في القضايا العامة هي أن يكونوا مشتغلين أو مشاركين في الأنشطة المتعلقة بها.
فحين يكون الأديب أو الفنان من الناشطين مثلا في مجالات العمل السياسي أو الدفاع عن حقوق الإنسان، فإن ذلك يوفر له خلفية تؤهله لأن يدلي بآرائه فيها، أما حين يكون مشغولا فقط بإبداعه الفني أو الثقافي، فإن حديثه عن المجال العام يصبح ثرثرة لا قيمة لها، إذا أحسنا به الظن، وقد يدخل في باب النفاق السياسي إذا أسأنا الظن به.
وفي الحالتين، فالكلام يسحب من رصيده ولا يضيف إليه. وقد يحقق للجريدة بعض الرواج العارض، ولكن ذلك يكون على حساب حظها من التقدير والاحترام.
.........................

27 يونيو، 2010

مشكلتنا في الأصول وليس الفروع

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 15 رجب 1431 – 27 يونيو 2010
مشكلتنا في الأصول وليس الفروع - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_27.html


لم يفاجئنا التقرير الذي صدر مؤكدا براءة الشرطة من دم قتيل الإسكندرية الشاب خالد سعيد، واتهامه بأنه هو الذي قتل نفسه حين ابتلع لفافة من المخدرات تسببت في اختناقه.
وكنت قد
ذكرت في تعليق نشر قبل ثلاثة أيام من إعلان نتيجة تقرير الطبيب الشرعي أن "الداخلية" لن تسمح بأن تختلف نتيجة التحقيق أو التشريح الجديد عن البيان الذي أصدرته، وإلا اعتبر ذلك إدانة علنية لها، كما لن يصدقها أحد إذا جاءت نتيجة التحقيق مطابقة لبيانها ومؤيدة له.ومن ثم سيظل الملف مفتوحا، وتظل الفضيحة مستمرة في الداخل والخارج (21/6/2010).
حدث ما كان متوقعا، إذ جاءت نتيجة التقرير الثاني للطب الشرعي مطابقة من الناحية الموضوعية للبيان الذي أذاعته، حينما بدأ المجتمع يعبر عن غضبه من خلال المظاهرات، وبيانات الإدانة التي صدرت في القاهرة والإسكندرية بوجه أخص.
إذ تحت ضغط تلك التحركات وبعد النقد الأمريكي العلني لما حدث، تم استخراج الجثة وأعيد تشريحها ثانية بواسطة لجنة ثلاثية من الطب الشرعي، وخلصت اللجنة في تقريرها الذي أعلن يوم الخميس 25/6 إلى نفس النتيجة التي سبق أن أعلنها بيان وزارة الداخلية، الذي اتهم أصحاب الرأي الآخر الذين حملوا رجالها المسئولية عن قتل الشاب خالد بأنهم تعمدوا التغليط، ولجأوا إلى الكذب والتضليل.
لم يغير صدور بيان البراءة الثاني شيئا من اقتناع الرأي العام بأن شرطة الداخلية هي المسئولة عن جريمة القتل، والوقفة الاحتجاجية التي أقيمت بالإسكندرية يوم الجمعة الماضي 26/6 تؤيد ذلك الانطباع، الأمر الذي يعني أن المسئولية عن الجريمة ستظل معلقة برقبة وزارة الداخلية إلى يوم الدين،
أما لماذا لم يصدق الناس البيان فلذلك سببان رئيسيان هما:
أن سمعة وزارة الداخلية في التعذيب بوجه أخص مجرحة تماما.
وإذا كان الشاب خالد سعيد قتل في الشارع، وشاهده آخر ورجلا الشرطة يفتكان به، فإن آخرين سبقوه إلى ذات المصير، ولكن أحدا لم يرهم، بعدما تم تعذيبهم في مراكز الشرطة والسجون العلنية والسرية.
وقد نشر الدكتور إبراهيم السايح مقالا في "الدستور" (يوم 14/6) تحدث فيه عن بعض حالات القتل المماثلة التي ما زالت معلقة في رقبة وزارة الداخلية، كما أن لدى مركز النديم لحقوق الإنسان أكثر من دراسة تضمنت قائمة بأسماء الذين قتلوا بسبب التعذيب، وأسماء الضباط الذين اتهموا بالمسئولية عن تلك الحالات (في الفترة بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٦ قتل ٥١ شخصا في السجون).
إن لجنة الطب الشرعي التي أعدت التقرير تضم ثلاثة من موظفي الحكومة، الذين لا أستطيع أن أشكك في علمهم ولا نزاهتهم، إلا أن كونهم موظفين لدى الحكومة يعطي انطباعا مباشرا بأنهم ليسوا محايدين (لهم تاريخ في عدم الحياد)، إذ فضلا عن النفوذ الهائل الذي تملكه وزارة الداخلية في جميع مؤسسات المجتمع، فإننا نعلم أنه تمت إعادة هيكلة النظام الوظيفي في مصر، بحيث يصبح ترقي المؤهلين منهم للوظائف القيادية العليا مرهونا بموافقة أجهزة الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية.
فالموظف لا يرشح للوظائف العليا لا لعلمه أو خلقه أو خبرته، وإنما بالدرجة الأولى استنادا إلى ولائه، وبعد ذلك تأتي الاعتبارات الأخرى، وهو ما يعني أن مصير الموظف ومستقبله في سلك الحكومة مرهون بمقدار الرضا عنه، وحين يتعلق الأمر بوزارة الداخلية فإن سخطها ينهي مستقبل الشخص الوظيفي، الذي لن يجد ما يحميه أو يدافع عنه في هذه الحالة.
إننا نتمنى أن تبرأ ساحة الشرطة مما نسب إليها في جريمة قتل الشاب خالد سعيد، إلا أننا لن نستطيع أن نطمئن إلى تلك البراءة إلا إذا أعدت لجنة مستقلة -من نقابة الأطباء مثلا- تقرير تشريح جثته، لكن ذلك سيظل أملا بعيد المنال، فى ظل الجبروت الذي تمارسه وزارة الداخلية الذي حولها قانون الطوارئ إلى أهم مركز للقوة في البلد.
وبعدما خصخصت الحكومة التجارة، فى حين أصرت على تأميم كل مؤسسات المجتمع، لم يعد هناك صوت يعلو فوق صوت السلطة، وإذا صح ذلك فهو يعني أن المشكلة أكبر من وزارة الداخلية. وأننا بإزاء وضع يحتاج إلى مراجعة جوهرية لأصول الوضع السياسي للبلد، وليس لما تفرع عنه.
من ثم فما لم نتفق على تشخيص صحيح للمشكلة، فلن نستطيع أن نتوصل إلى حل لها.
.........................

26 يونيو، 2010

أسئلة العالم السفلي في مصر

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 14 رجب 1431 – 26 يونيو 2010
أسئلة العالم السفلي في مصر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_26.html


ملف التعذيب في مصر لم يفتح بعد، ولن يفتح في الأجل المنظور، إلا إذا فاجأتنا الأقدار بما ليس في الحسبان.
صحيح أن المجتمع أعرب عن غضبه واحتجاجه إزاء مقتل الشاب خالد سعيد الذي اتهمت شرطة الإسكندرية بتعذيبه. وكان ذلك الغضب الذي عبرت عنه تظاهرات الشوارع أمرا جيدا لا ريب، إلا أن الغضب لحالة صدمت الجميع شيء، وفتح ملف الظاهرة شيء آخر.
لقد قلت في مقام سابق إن التزوير والتعذيب أصبحا من «ثوابت» الوضع الراهن في مصر. وهو ما تؤكده الممارسات يوما بعد يوم.
والانتخابات النصفية لمجلس الشورى التي تمت قبل أسبوعين تدلل على أن الالتزام بمثل تلك «الثوابت» لا حيدة عنه. بل إننا وجدنا أن التزوير أصبح يتم بجرأة غير معهودة، حتى بتنا نتحدث عن أملنا في تزوير ذكي، ولم نعد نتطلع إلى انتخابات حرة أو نزيهة.
وأعني بالتزوير الذكي ذلك الذي يكتفي بالتلاعب في فرز الأصوات بطريقة غير محسوسة، تجعل الناخبين يخرجون ولديهم شعور وهمي بالراحة. في حين أن التزوير الغبي هو ذلك الذي يتم في العلن، متحديا إرادة الناخبين ومحتقرا لأصواتهم.
شر التزوير أهون من شرور التعذيب، لأنك في الأول تخرج سليما ولا تصاب إلا بصورة غير مباشرة في كرامتك. وقد تريح بالك وتختصر المسافة من البداية، فلا تذهب لتدلي بصوتك، وتظل مطمئنا أن القائمين على الأمر سيضعون صوتك في «مكانه المناسب»، تماما كما لو كنت موجودا(!).
أما في التعذيب فسلامتك غير مضمونة. ولا تسأل عن كرامتك أصلا، لأنك فى كل الأحوال ستخرج بدونها.
الذي لا يقل أهمية عن ذلك أنك تستطيع أن تأخذ راحتك في الكلام عن التزوير الذي تشارك فيه جهات عدة. خصوصا أنه بات يتم أمام أعين الجمهور.
أما التعذيب، فعلى الرغم من أنه بات يمارس في الشارع، كما حدث مع الشاب خالد سعيد، إلا أن ذلك كان استثناء. والقاعدة أنه يتم بعيدا عن الأعين، في أقسام الشرطة وفي السجون العلنية والسرية.

لكن هناك فرقا نوعيا مهما بين التزوير والتعذيب،
ذلك أن الأول إذا كان يتم بأيدي جهات عدة سياسية وقضائية وأمنية،
فإن الثاني يمارس «حصريا» في نطاق وزارة الداخلية، بأيدي أبنائها وتحت أعينهم.

والمشكلة في مصر أن وزارة الداخلية جهاز متضخم يملك إمكانيات جبارة وصلاحيات بلا حدود. ثم إن له أذرعا طويلة في مختلف الميادين، خصوصا في مجالات الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع.

ليس ذلك فحسب، وإنما تستطيع بأذرعها تلك تلبيسك أي تهمة أو تبرئتك من أي تهمة. وفي نموذج فتى الإسكندرية خالد سعيد. وجدنا أن بيان الداخلية قام «بشيطنته»، فجعله منحرفا من أرباب السوابق، وجاء بشهود يؤكدون ذلك، ثم استصدر تقريرا من الطب الشرعي أكد أنه لم يقتل، لكنه مات مختنقا بسبب تصرفه هو.
ولولا شجاعة أسرته وبعض الشهود الذين فضحوا التلفيق في القضية، ولولا غيرة مجموعات الشبان الوطنيين الذين تضامنوا معه، لتمت لفلفة الموضوع وطمست معالم الجريمة في صمت، ولحقت بسابقاتها التي لم نسمع بها.
ما سبق أعتبره مقدمة لعرض أمر يؤرقني بخصوص ما يجري في السجون المصرية. ذلك أن بين يديّ رسائل عدة تتضمن معلومات مذهلة تتعلق بمعاناة نزلاء بعض السجون، خصوصا أبناء سيناء وعناصر المقاومة الفلسطينية،
هذه الرسائل كتبها خارجون حديثا، وتشير بوجه أخص إلى سجون برج العرب والمرج وأبوزعبل ومقر أمن الدولة في مدينة نصر، وتتحدث عن أشياء لا تصدق،
عن أناس وضعوا في زنازين مسكونة بالحشرات وظلوا معصوبي الأعين طوال خمسين يوما متصلة، وعن حرمان من النوم ومن الاستحمام، وعن وضع الصواعق الكهربائية في الأماكن الحساسة من الجسم، مع السباب والضرب المبرح، إلى غير ذلك من الأساليب التي تفوق قدرة العقل أو الخيال عن الاستيعاب، وتحتاج إلى تحقيق شفاف يبين ما فيها من صحة أو ادعاء.

المشكلة أن تلك الرسائل تشيع الآن في كل مكان عبر الإنترنت، وترسم صورة قاتمة للغاية لمصر، تجعل قارئها يترحم على ما جرى في جوانتانامو وسجن أبوغريب بالعراق.
كنت قد قرأت بعضا من تلك الوقائع في كتاب «عاصمة جهنم» لـ محمد الدريني في عام 2005، لكني أتمنى ألا تكون «جهنم» قد تعددت عواصمها في العالم السفلي غير المرئي بمصر.
......................

24 يونيو، 2010

في اعوجاج الحال

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 12 رجب 1431 – 24 يونيو 2010
في اعوجاج الحال – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_24.html

قررت إدارة أحد المنتجعات السياحية في «رأس سدر» المطلة على البحر الأحمر أن تقيم حفلا غنائيا تحييه المطربة نانسي عجرم في التاسع من شهر يوليو المقبل، بمناسبة مرور عشر سنوات على «النجاح» الذي حققته.

ولكي تزف البشرى إلى الجماهير المصرية والعربية، فإنها نشرت إعلانا على صفحة كاملة بجريدة الأهرام يوم الأحد الماضي «20/6».
وكانت المفاجأة أن الإعلان كله كتب باللغة الإنجليزية. وهو ما أشعرني بالغثيان والحيرة. إذ وجدت أن نشره بهذه الصورة احتقار وازدراء لي كمواطن مصري وعربي.
وتخيلت المسؤول عنه وهو ينظر إلي بقرف واستعلاء، مستكثرا أن يخاطبني بلغتي، لكني رأيته ضئيلا ومستشعرا العار من استخدام لغة أهله. ومن ثم ساعيا إلى الاختباء وراء الحروف اللاتينية، متصورا أنه بذلك يستعير قامة ترفعه فوق رؤوس الآخرين وتثير إعجابهم.
أما الذي حيرني فهو إجابة السؤال لماذا لجأت إدارة المنتجع إلى نشر إعلانها باللغة الإنجليزية، ودفعت لقاء ذلك عشرات الألوف من الجنيهات؟
والسؤال لماذا تقبل جريدة تصدر عن مؤسسة عريقة في مصر، أن تنشر الإعلانات الموجهة إلى القارئ المصري والعربي باللغة الإنجليزية؟.
أفهم أن يسعى الإعلان إلى الإيحاء بأنه يخاطب «الزبون» المتميز، لكني لست مقتنعا بأن اعوجاج اللسان يحقق التميز المطلوب.
أدري بأن إدارة المنتجع لم تبتدع فكرة الإعلان بالإنجليزية، ولكنها انساقت وراء بدعة شاعت بعدما استنها آخرون، ولهذا فإن كلامي ليس موجها إلى المسؤولين عن تلك الإدارة وحدهم، ولكنه منصب على سلوك كل الذين يستنكفون مخاطبة من حولهم بالعربية، سواء بدعوى التميز أو انطلاقا من الشعور بالنقص والعار، ومحاولة تعويض ذلك الشعور بأي رطانة أخرى غير عربية.
أستغرب أيضا قبول مؤسسة بحجم الأهرام لفكرة الإعلان بالإنجليزية، في إصدارها العربي، وحرصها على زيادة الدخل بأكثر من حفاظها على القيمة أو حرصها على احترام القارئ والذات. علما بأنني لا أعتبر قبول مقال تلك الإعلانات إهانة للقارئ فحسب، ولكني أزعم أنه بمثابة إساءة وإهانة للمؤسسة ذاتها، التي لم تبلغ ما بلغته يوما ما إلا من خلال تقدير القارئ العربي لها وحفاوته بها.
لن أختلف مع من يقول إن مؤسسة الأهرام لا تنفرد بهذا الموقف، لأن البلوى أعم وأشمل، فالصحف الأخرى تفعل نفس الشيء، كذلك قنوات وبرامج التليفزيون «لدينا قناة باسم مزيكا زووم وأخرى باسم ميلودي وفيلم باسم الديلر»،
والتعليم الإنجليزي له الأولوية في المدارس والجامعات، والحروف اللاتينية تتصدر واجهات المحال رغم أن هناك لوائح لا تجيز ذلك... إلخ.
من ثم فلا مفر من الاعتراف بأن رياح التغريب ضربت مختلف مجالات الحياة، ليس في مصر وحدها وإنما في الدول العربية أيضا، وهذه الرياح كاد تأثيرها يصل إلى حد اقتلاع ركائز المجتمع في منطقة الخليج.

وكل الشواهد التي نراها بأعيننا تدل على أن هزيمة الأمة العربية ليست سياسية فحسب، وإنما هي حضارية في المقام الأول، وأن الأمة حين فقدت إرادتها وأصبح غيرها يقرر مصيرها، فإنها فقدت الشعور باحترام الذات والاعتزاز بمقومات حياتها، ولغتها من بين تلك المقومات. وهو ما يؤيد القول المأثور المنسوب إلى ابن حزم الذي يقول بإن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال.
إننا حين ندرك أن الأمر أكبر وأبعد من إعلان بالإنجليزية في صحيفة عربية عريقة، فلا يعني ذلك أن نستسلم لتداعيات الهزيمة بما تستصحبه من انكسار ومسخ للشخصية ــ ذلك أننا مازلنا نملك أمرين على الأقل،
أحدهما أن نعبر عن الرفض والغضب، وثانيهما أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، كل في محيطه وموقعه.
وفي حال الأهرام فإنه سيخسر قليلا من المال (إعلاناته وفيرة والحمد لله) لكنه سيكسب كثيرا من الاحترام إذا ما تمسك بنشر إعلاناته باللغة العربية.
السؤال المحرج الذي لا أستطيع أن أرد عليه في هذه النقطة، أن ينبري أحد الخبثاء قائلا:
ألا ينبغي أن يجيد الصحفيون اللغة العربية أولا؟
.......................

23 يونيو، 2010

حين خرجت مصر ولم تعد

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 11 رجب 1431 – 23 يونيو 2010
حين خرجت مصر ولم تعد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_23.html


أبرزت الصحف المصرية يوم الاثنين الماضي 21/6 خبر استياء مصر ودهشتها إزاء التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية السوداني عن ضعف دور مصر في السودان وتواضع معلوماتها عن تعقيدات الحياة السياسية هناك.

وذكرت الصحف أن وزير الخارجية السيد أحمد أبوالغيط طلب من سفير مصر لدى الخرطوم أن يستفسر من الخارجية السودانية عن حقيقة تلك التصريحات، التي أدلى بها السيد على كرتي فى إحدى الندوات هناك.
وفي الرد على كلام الوزير السوداني قام المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير حسام زكي بواجبه إزاء الحكومتين المصرية والسودانية معا، فقال إن مصر تقف إلى جانب السودان في كل قضاياه. (وليست غائبة كما قيل) ــ وإن المسئولين السودانيين يقدرون أهمية الدور المصري، في إيحاء بأن السيد كرتي الذي تولي منصبه حديثا ليس على إحاطة كافية بملف العلاقات بين البلدين.
من جانبي اعتبرت أن الخبر ليس كلام الوزير السوداني عن ضعف دور مصر في السودان، ولكن الخبر الحقيقي أن الوزير المصري ليس مدركا لهذه الحقيقة.
ذلك أن ما قاله السيد كرتي ليس اكتشافا ولا هو رأي شخصي. ولكنه تعبير صادق عما يتردد في كل المنتديات التي يصادفها المرء في الخرطوم. بل هو رأي أي مهتم بالشأن السوداني في مصر. وكنت واحدا من الذين سجلوا هذه الملاحظة، حتى
تساءلت عما إذا كان وضع مصر في السودان نموذجا للغيبة أم الغيبوبة، واعتبرته من تجليات الإخفاق في السياسة الخارجية المصرية (الشروق١-٦).
في هذا الصدد أزعم أنه إذا كان هناك من تحفظ على ما قاله السيد علي كرتي، فهو أنه لأسباب دبلوماسية في الأغلب، قصر الحديث عن ضعف مصر الخارجي فيما خص السودان وحدها ولم يعممه، لأن الشهادة الأصوب والأدق تقرر أن ذلك الضعف والتراجع أصبح سمة لازمة للسياسة الخارجية المصرية كلها.

وهذا أيضا ليس خبرا جديدا ولا اكتشافا أيضا، ولكنه رأى كل الغيورين على مصر في داخل البلد وخارجه. إذ فضلا عن أنه محل إجماع في أوساط الجماعة الوطنية المصرية، فإنه رأي يتردد في مشرق العالم العربي ومغربه. والذين يقدر لهم أن يطوفوا أو يلتقوا مثقفي تلك البلدان وسياسييها سوف يسمعون ملاحظة محل إجماع خلاصتها أن المصريين حاضرون لكن مصر خرجت ولم تعد
.في الرباط شهدت مناقشة، بدت وكأنها حفل تأبين، تحدث المشاركون فيها عن محنتين تواجهها الأمة العربية الآن،
الأولى أن مصر غابت عن ساحة الفعل وموقع القيادة منذ وقعت معاهدة كامب ديفيد في عام 79،
والثانية أن فراغها لم تملأْه دولة أخرى حتى الآن.
شاهدت السيد أحمد أبوالغيط على شاشة التليفزيون المصري ذات مرة وهو يتحدث عن حجم مصر ودورها الكبير. وقد نفخ في ذلك الدور بالقدر الذى أسعفته به إمكانياته اللغوية.
وعلى الرغم من أن ذلك صحيح من الناحية التاريخية، كما أنه ما نتمناه حقا وصدقا. فإنه لا بد يعلم أنه ليست هناك علاقة حتمية بين الحجم والدور، وإلا كانت بنجلاديش الأكثر سكانا أهم من مصر، كما أنه لا بد يعلم حقيقة الدور الذي تقوم به إسرائيل في العالم العربي والولايات المتحدة.فى حين أن عدد سكانها يعادل سكان اثنين من أحياء القاهرة هما شبرا والسيدة زينب.
وإذا لم يكن يعلم أنه منذ وقعت مصر معاهدة الصلح مع إسرائيل، فإن ذلك كان إيذانا بخروج مصر من المشهد العربي، وارتباطها بتحالف لا يضع المصالح العربية العليا في المقام الأول.
وموقف مصر من الملف الفلسطيني ومن حصار غزة يجسد ثمار ذلك التحالف، علما بأن ذلك الملف هو الورقة الوحيدة التي تمسك بها مصر، لأسباب متعلقة بالجوار المفروض، الذى أرغم الفلسطينيين على ذلك، ووصفه بعضهم بأنه من تجليات «قهر الجغرافيا».
إن الدور ليس قضية لغوية، تفرضها العبارات الرنانة وتروج لها الطنطنة الإعلامية، كما أنه ليس وقفا على أحد بذاته مكتوب باسمه على مر الأزمنة، ولكنه موقف ومسئولية لها استحقاقات، من قام بالوفاء بها استحق مكانته، ومن تخلى عنها خسر تلك المكانة.
لذلك فإن تصريحات السيد أبوالغيط والمتحدث باسم وزارته تظل دخانا في الهواء وقعقعات إعلامية فارغة، إذا لم تترجم إلى واقع ملموس على الأرض، يراه الناس ويحترمونه.
...........................

22 يونيو، 2010

تركيا تدفع الثمن نيابة عنا – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 10 رجب 1431 – 22 يونيو 2010
تركيا تدفع الثمن نيابة عنا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_22.html

تركيا تدفع الآن ثمن تصالحها مع ذاتها وتضامنها مع الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يمهد الطريق للانقلاب الاستراتيجي، الذي لاحت بوادره في الشرق الأوسط، الذي يمثل غياب مصر نقطة الضعف الأساسية فيه.
(1)
في الأسبوع الماضي استضاف برنامج «اسكلاسنجق» (المرفأ والراية)، الذي تبثه القناة السابعة التركية مجموعة من الضيوف لمناقشة انطباعاتهم عن أسطول الحرية، الذي انطلق لكسر حصار غزة، وهاجمته اسرائيل في المياه الدولية. اثنان من الضيوف كانا من بين ركاب السفينة «مرمرة»، التي تعرضت للعدوان الاسرائيلي. أحدهما فنان اسمه سنان البيرق.
قال انه حين انضم الى الناشطين المسافرين كان خاطبا لفتاة تركية. وحين عاد وجد ان خطيبته طلبت منه ان يكون أول ما يفعلانه بعد الزواج ان ينضما الى المجموعة المسافرة على ظهر الدفعة الثانية من سفن أسطول الحرية التي تجهز الآن لمواصلة محاولة كسر الحصار.
الضيفة الثانية كانت عارضة أزياء سابقة (غير محجبة)، وقد قالت في حديثها انها ذهبت استجابة لنداء كسر حصار غزة لأسباب انسانية بحتة، وخرجت من بيتها متطوعة، لكنها بعد الذي جرى للسفينة، وجدت أنها عادت من الرحلة مناضلة وصاحبة قضية نذرت نفسها للدفاع عنها. الضيف الثالث كان والد الفتى فرقان دوجان البالغ من العمر 14 عاما الذي قتلته القوات الاسرائيلية، وقد قال بصوت هادئ انه احتسب ابنه شهيدا عند الله، وأن شقيق فرقان وشقيقته قررا ان ينضما الى أول قافلة تالية تسعى لكسر حصار غزة.
هذه الانطباعات ليست مشاعر استثنائية.. انما هي انعكاس لموقف الأغلبية، التي فتح العدوان على غزة في عام 2008 أعينها على بشاعة الوجه الحقيقي لاسرائيل، وكانت تلك هي اللحظة الكاشفة، التي أيقظت الضمير التركي. وجددت انتماءه الى الأمة التي تباعد عنها حينا من الدهر. ومن ثم جعلت الجماهير تندفع لاحتضان فكرة «أسطول الحرية».
ورغم الدم التركي الذي سال أثناء المحاولة الأخيرة لكسر حصار غزة، فان الحماس الجماهيري المتأجج دفع هيئة الاغاثة التركية الى تجهيز ست سفن أخرى للقيام بمحاولة ثانية لكسر الحصار. وتم ابلاغ الاتحاد الأوروبي بأن تلك السفن سوف تنطلق الى هدفها في النصف الثاني من شهر يوليو المقبل.

(2)
غضب الحكومة في أنقرة لا يقل عن غضب الشارع في أسطنبول، ذلك ان ثمة اجماعا بين عناصر النخبة السياسية، الذين التقتهم على الأقل، على ان استهداف السفينة مرمرة كان متعمدا، كما ان قتل الأتراك دون غيرهم لم يكن خطأ أو مجرد مصادفة. وأن اسرائيل في الحالتين أرادت ان توجه رسالة الى حكومة السيد أردوغان، ردا على موقفه من بيريز في مؤتمر دافوس وتحديه لها في موضوع اهانة السفير التركي في تل أبيب. وردا على تصريحاته الناقدة للسياسات الاسرائيلية الوحشية تجاه الفلسطينيين في الوقت الذي يتزايد فيه اقترابه من العالم العربي،
ولأن الرسالة وصلت الى أنقرة فان أردوغان صعد نقده لارهاب الدولة في اسرائيل. ورئيس الجمهورية عبدالله جول أكد في أكثر من تصريح ان العلاقات مع اسرائيل بعد الهجوم على «مرمرة» لن تعود الى ما كانت عليه في السابق.وقال بيان صادر عن وزارة الخارجية التركية انه تم تشكيل لجنة وزارية لتقييم الموقف، الذي نشأ بعد الهجوم على أسطول الحرية، ووضع ما سمي بـ«خريطة طريق» للتعامل مع تداعيات هذا الموقف من مختلف الزوايا.
ذلك ان ما جرى كانت له أصداؤه القوية في ثلاث دوائر على الأقل.
الأولى تتصل بالساحة السياسية الداخلية،
والثانية تخص العلاقات الاسرائيلية التركية،
والثالثة تنصب على العلاقات الأمريكية التركية.
فيما تعلق بالوضع الداخلي في تركيا فالثابت ان ما حدث رفع من شعبية الحزب الحاكم وزعيمه رجب أردوغان حتى وصلت الى %40 حسب استطلاعات الرأي العام. وكان الحديث يدور في الأسابيع الماضية عن 33 و%34، لكن ذلك أثار انتقادات في أوساط الخصوم السياسيين، الذين يتمثلون أساسا في حزب الحركة القومية والشعب الجمهوري.كما أنه أشاع استياء في محيط الفئات التي ارتبطت مصالحها باسرائيل والولايات المتحدة. ومنطق الآخرين مفهوم،
أما الأولون فقد عبرت عنهم كتابات نشرتها بعض الصحف حذرت من مغبة الابتعاد عن الفلك الأمريكي والاسرائيلي، ومن تورط تركيا في الصراع العربي الاسرائيلي. وتحدث بعض الكتاب عن ان أردوغان حرص على تصعيد الموقف مع اسرائيل لأسباب انتخابية، ولكي يعزز موقف حزبه ويوسع من التأييد الشعبي له في الانتخابات التشريعية التي ستجري في العام المقبل.
سألت عن موقف الجيش الذي عادة ما كانت له كلمة فاصلة أحيانا في مثل هذه الأمور، فتلقيت ردين.
الأول ان موقف الحكومة تم بالاتفاق مع رئاسة أركان الجيش،
والثاني ان نفوذ الجيش تقلص خلال السنوات الأخيرة، بحيث انه لم يعد بالقوة التي كان عليها في السابق.
ليس فقط بسبب تراجع دوره في مجلس الأمن القومي، ولكن أيضا لأن تورط بعض قياداته وعناصره في قضية التنظيم السري الانقلابي «ارجنكون» أساء اليه وسحب الكثير من رصيده خصوصا بعدما نسب الى ذلك التنظيم من اتهامات شملت عمليات قتل سياسية وتحضيرا لاثارة الفوضى في الداخل.

(٣)
ملف العلاقة مع اسرائيل أكثر تعقيدا وسخونة. ذلك ان هجومها على أسطول الحرية، وتعمد قتلها تسعة من الأتراك، شكل انعطافة مهمة وأحدث انتكاسة كبرى في العلاقات التاريخية والراسخة بين البلدين. وهي التي توثقت في عام 1996، الذي وقعت أثناءه عدة اتفاقات عسكرية واستخباراتية بينهما كانت بمثابة نقلة نوعية في وضع الأساس لعلاقات استراتيجية بين البلدين، حتى أثارت في حينها توقعات بالمضي نحو تشكيل محور تركي اسرائيلي أمريكي في المنطقة، لكن ذلك كله تبدد الآن، وبدا كأنه من ذكريات زمن سحيق انقلبت فيه الأمور رأسا على عقب.
التطورات التي طرأت على مسار علاقات البلدين تثير سؤالين كبيرين، هما:
كيف ستتعامل الحكومة التركية مع اسرائيل بعد الذي جرى؟
ثم ما هي خيارات اسرائيل في الرد على الموقف التركي الذي خيب آمالها وتحدى سطوتها وهيلمانها؟

في الرد على السؤال الأول هناك مستويان، الأول يخص واقعة استهداف السفينة مرمرة وقتل الأتراك التسعة، الذين كانوا من بين ركابها. والمستوى الثاني يتعلق بعموم العلاقات القائمة بين البلدين منذ عام 1949 (كانت تركيا أول دولة مسلمة اعترفت باسرائيل).بالنسبة لموضوع قافلة الحرية فان حكومة أنقرة لديها أربعة مطالب هي:
اجراء تحقيق دولي فيما جرى
اعتذار اسرائيل عن استهداف السفينة التركية وقتل بعض الأتراك الذين كانوا على ظهرها
دفع تعويضات مالية لأهالي الضحايا التسعة
اعادة السفن التركية الثلاث التي حملت المساعدات لاغاثة أهل غزة.
وهذه المطالب ترفضها اسرائيل باستثناء الرابع منها الخاص بالسفن الثلاث المحتجزة لديها.
صحيفتا «ستار» و«حريات» التركيتان تحدثتا عن اجراءات ستتخذها حكومة أنقرة، أقرتها اللجنة الوزارية، التي شكلت لتقييم العلاقات مع اسرائيل، ذلك ان رفضها للمطالب التركية سيؤدي يقينا الى الهبوط بالعلاقات الدبلوماسية الى أدنى مستوى. وهو ما توقعته اذاعة الجيش الاسرائيلي، التي تحدثت عنه «حضيض جديد» في علاقات البلدين. (للعلم: حين سحبت تركيا سفيرها من اسرائيل بسبب غزو لبنان عام 1982، فان عملية اعادة السفير الى تل أبيب استغرقت عشر سنوات).
الذي لا يقل أهمية عما سبق، وربما الأخطر، ان تدهور العلاقات من شأنه ان يؤدي الى اعادة النظر في 59 اتفاقية بين البلدين، بينها 16 اتفاقية عسكرية وأمنية تبلغ قيمتها سبعة مليارات ونصف المليار دولار، يفترض ان تسددها تركيا الى اسرائيل، وضياع هذا المبلغ الكبير عليها يشكل لها ضربة اقتصادية موجعة. وهذه الصفقات تشكل شراء طائرات بدون طيار، وألف دبابة مدرعة من طراز «ميركافاه 3» بقيمة خمسة بلايين دولار، ومشروع مشترك لبناء صواريخ بقيمة 1.5 مليون دولار، وتحديث طائرات فانتوم وتحديث دبابات وتأهيل طيارين أتراك وتدريب طيارين اسرائيليين في الأجواء التركية..الخ. وقد نشرت صحيفة «زمان» المقربة من الحكومة ان توجيهات صدرت للشركات التركية، التي تتعامل مع الصناعات العسكرية الاسرائيلية بالغاء الصفقات الموقعة معها.
حين سألت ما هي الأوراق التي تملكها اسرائيل في الضغط على تركيا وترهيبها، كان الرد ان حاجة اسرائيل الى تركيا أكبر بكثير من حاجة تركيا الى اسرائيل. فأنقرة لا تعول كثيرا على اسرائيل، وما تحصله منها يمكن توفيره من بدائل أخرى (روسيا سارعت بعد الأزمة الأخيرة الى عرض مساعداتها على أنقرة لتوفير احتياجاتها العسكرية). أما اسرائيل فهى تريد الكثير من تركيا اقتصاديا وعسكريا واستراتيجيا.
أضاف محدثي القريب من دوائر رئيس الوزراء أردوغان ان اسرائيل تراهن في مواجهة الأزمة الحالية على عدة عوامل، أهمها ضغوط حلفائها في واشنطن على أنقرة. والأرجح أنها ستستخدم اختراقها لبعض التجمعات الكردية لازعاج حكومة أنقرة (يربط بعض المحللين بين المجزرة التي حدثت في مدينة الاسكندرونة، وقتل فيها ستة من الجنود الأتراك وبين انطلاق أسطول الحرية يوم 30 مايو الماضي، ويرون أنها رسالة تحذيرية اسرائيلية). وقد تلجأ اسرائيل أيضا الى اثارة بعض الاضطرابات الأخرى في داخل تركيا..
وفي حين قررت لجنة العلاقات الخارجية في الكنيست عقد جلسة خاصة لمناقشة ما وصفوه بـ«مذبحة الأرمن» كيدا في تركيا وتشهيرا بها، فقد انطلقت في اسرائيل حملة شعبية لمقاطعة السياحة في تركيا والمنتجات الصناعية والزراعية التركية، التي تباع في اسرائيل. الى غير ذلك من الاجراءات التي لا تترك أثرا موجعا للاقتصاد التركي (صحيفة صباح ذكرت ان الأفواج السياحية الاسرائيلية ألغت حجوزاتها، في حين ان السياحة العربية زادت بنسبة %40 على العام الماضي، وأشارت الى ان السائح العربي ينفق ثلاثة أضعاف ما ينفقه السائح الاسرائيلي).

(4)
ما كان يمكن ان تغضب اسرائيل، دون ان يتردد صدى ذلك الغضب قويا في واشنطن. وهذا ما حدث. فقد نقلت وكالات الأنباء (في 6/17) ان مؤتمرا صحافيا عقده بهذا الخصوص في العاصمة الأمريكية بعض النواب الجمهوريين والديموقراطيين، الذين حذروا تركيا من استمرارها فيما اعتبروه عداء لاسرائيل. فقال النائب مايك بنس ان تركيا «ستدفع الثمن» اذا استمرت على موقفها الحالي من التقارب مع ايران وزيادة العداء لاسرائيل. ووصف النائب الديموقراطي اليوت انجيل أفعال تركيا بأنها «مخزية».
في الوقت ذاته وقع 126 عضوا في مجلس النواب رسالة طلبت من الرئيس أوباما معارضة أي ادانة دولية لاسرائيل بسبب عدوانها على أسطول الحرية.
وقعت على تحليل أعمق لهذا الملف نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 6/10 منسوبا الى خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»، ذكر ان تركيا أثارت غضب واشنطن، التي اعتبرتها تحديا لسياستها لأهم قضيتين اقليميتين إلحاحا، هما:
البرنامج النووي الايراني (حين اتفقت مع البرازيل لحل اشكال البرنامج بعيدا عن الوصاية الأمريكية)
وعملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية (لاحظ ان أردوغان رفض اعتبار حماس منظمة ارهابية).

أضاف التقرير نقلا عن ستيفن كوك الخبير لدى مجلس العلاقات الخارجية ان واشنطن باتت تنظر الى تركيا باعتبارها «تعبث بأرجاء المنطقة وتقدم على أفعال تتعارض مع ما ترغبه القوى العظمى»،
من ثم فان السؤال الذي أصبح مطروحا في واشنطن الآن والكلام لايزال للسيد كوك هو:
كيف يمكن الابقاء على تركيا في حدود حارة الطريق المخصص لها؟
هذه المشاهد تشكل الخلفية التي تمهد الآن لما يبدو أنه «انقلاب استراتيجي» في منطقتنا، الأمر الذي يستدعي مواصلة الحديث في الأسبوع المقبل باذن الله
...........................

21 يونيو، 2010

مأزق من العيار الثقيل

صحفة السبيل الأردنيه الاثنين 9 رجب 1431 – 21 يونيو 2010
مأزق من العيار الثقيل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_21.html


مأزق الداخلية فى قضية مقتل الشاب خالد سعيد من العيار الثقيل؛
ذلك أنها تصورت أنها حسمت الأمر وأغلقت الملف، حين أعلنت موقفها في بيان نشرته الصحف القومية المصرية في 13-6 الحالي،
وحين استخدمت أبواقها الإعلامية لمحاولة إقناع الرأي العام بأن القتيل مجرم وليس شهيدا.

ولم يقصر بعض كتّاب الداخلية في القيام باللازم، فتم تشويهه وهو ميت، بعد أن هشمت رأسه وتم تشويهه وهو حي. لكن ذلك كله لم يحقق المراد منه، إذ اضطرت السلطة في مصر إلى إعادة تشريح الجثة وفتح التحقيق في الموضوع، بعد أن تعددت أصداء الفضيحة في الداخل والخارج. وانتقدها المتحدث الأمريكي، الذي قال في مؤتمر صحفي: إن واشنطن اتصلت بالقاهرة بخصوصها. وهو ما وضع الداخلية أمام موقف لم تعهده،
فهي من ناحية لن تسمح بأن تكون نتيجة التحقيق أو التشريح الجديد مخالفة للبيان الذي أصدرته، وإلا اعتبر ذلك إدانة علنية لها.
ومن ناحية ثانية فإن أحدا لن يصدقها إذا جاءت نتيجة التحقيق مطابقة لبياناتها ومؤيدة لها، ومن ثم سيظل الملف مفتوحا وتظل أصداء الفضيحة مستمرة فى الداخل والخارج.
هذا المأزق دفع صديقا لي إلى القول بأن تداعيات فتح ملف قتيل الإسكندرية أصعب على الحكومة المصرية من فتح معبر رفح. صحيح أن الضغط الخارجي كان عنصرا حاسما في الحالتين، إلا أنه في حالة معبر رفح، كان بوسع الحكومة المصرية أن تعلن على الملأ أنه تم فتحه للفلسطينيين طوال 24 ساعة، في حين يختلف الأمر على الأرض، ومن ثم يغدو المعبر مفتوحا إعلاميا، ومغلقا في وجوه أغلب القادمين عمليا! وهو ما أجمعت عليه الشهادات المحايدة المنشورة.
هذا الوضع رحبت به الأطراف التي يهمها استمرار الحصار مع تجميله وتحسين صورته، ومن ثم فإن القاهرة لم تواجه حرجا أو مشكلة أمام الرأي العام الخارجي أو الدول "الراعية" والولايات المتحدة على رأسها.

وهو أمر اختلف في حالة قتيل الإسكندرية، لأن الداخلية لا تستطيع أن تقول إنها قتلته ولم تقتله، على غرار صيغة المعبر المفتوح والمغلق في نفس الوقت. ليس فقط لأن واشنطن انتقدت الموقف المصري وأعربت عن قلقها إزاء حادث القتل، ولكن أيضا لأن الداخلية غسلت أيديها من الموضوع في بيانها الذي وزعته، وتمسكت بأنها بريئة من دمه.
لقد كان إصرار الداخلية على سلامة موقفها ولجوؤها إلى الهجوم على الذين انتقدوا ذلك الموقف واضحين في البيان المنشور في 13-6، والذي ورد فيه ما يلي:
إن بعض الادعاءات اعتمدت على مغالطات صارخة، وتمادت في الكذب والتضليل (فيما تعلق) بقتل شرطيين سريين للمواطن المحكوم عليه في عدد من القضايا، والمطلوب لتنفيذ حكمين صادرين ضده بالحبس..
واعتمدت الادعاءات على محاولات الإساءة لجهاز وطني يضطلع بمهامه رجال الشرطة. بل تمادى حد الادعاءات كما يصفه المصدر الأمني للإساءة لحقوق الإنسان بمصر، ومخاطبة جهات أجنبية غير حكومية تدعوها إلى تشويه سمعة مصر ووقف التعامل مع الحكومة المصرية لانتهاكها حقوق المواطنين.
إذا غضضت الطرف عن الركاكة في صياغة البيان، فستلاحظ أن الداخلية اعتبرت كل ما خالف روايتها في حادث القتل ضالعا في الكذب والتضليل، الذي يتعمد الإساءة إلى رجال الشرطة وتشويه سمعة مصر،
وحين يكون هذا هو موقف الداخلية، فهل نتوقع أن تأتي نتائج تشريح الجثة والاستماع إلى أقوال الشهود بما يؤيد "المغالطات الصارخة" و"الكذب والتضليل" الذي تتمسك به كل المنظمات الحقوقية وجماعات الناشطين في مصر؟
بقيت عندي نقطتان في الموضوع،
الأولى أن أحدا لا يستطيع أن يقلل من شأن الشرطة ودورها الوطني، لذلك فليس مطلوب إدانتها في حادث القتل. ولكن المطلوب تحري الحقيقة فيما جرى بشجاعة ونزاهة،
علما بأنه إذا ما ثبت أن ثمة خطأ من جانب بعض رجالها، وأعلن عن ذلك الخطأ وتم الاعتذار عنه ومحاسبة المتورطين فيه، فإن ذلك يعزز الثقة في الشرطة ولا يسيء إليها.
النقطة الثانية، أن العنف الذي تمارسه الشرطة ولا تكف عن التستر عليه وتبريره أصبح ظاهرة خطرة من عدة أوجه.
ذلك أنه لا يعد نوعا من إرهاب السلطة فحسب، ولا إهدارا لقيمة القانون فحسب، ولكنه أيضا يعمق من الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويلقن الناس دروسا شبه يومية في العنف،
الأمر الذي لن تسلم السلطة منه في نهاية المطاف.
.......................

20 يونيو، 2010

قتلى التعذيب في 50 عامًا

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 8 رجب 1431 – 20 يونيو 2010
قتلى التعذيب في 50 عامًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/50.html


حين انفجر حادث مقتل الشاب خالد سعيد في مناسبة مرور خمسين عاما على قتل المناضل اليساري شهدي عطية،فإن ذلك التزامن جاء كاشفا لحقيقة بالغة الأهمية ينبغي أن نفتح أعيننا عليها جيدا، لكي نعرف في أي اتجاه "نتقدم".

لقد قتل شهدي عطية بسبب التعذيب، الذي تعرض له في سجن أبوزعبل يوم 15 يونيو عام 1960. وبسرعة تحركت الآلة التقليدية للتستر على ما جرى، فذكر تقرير الطبيب الشرعي، أن شهدي كان قادما متعبا من تحقيق أجرى معه في سجن الحضرة بالإسكندرية،
وفي حينها أدخل إلى المستشفى لرعايته، لكنه في اليوم التالي لوصوله طلب مقابلة مأمور السجن ليشكو له حالته فأذن له. لكنه تعثر أثناء نزوله على السلم فوقع على الأرض وتهشمّت رأسه، ولأنه كان ضعيف القلب فقد فاضت روحه على الفور،

وكان يمكن أن يمر الأمر دون أن يشعر به أحد، لولا أن زوجته اليونانية سارعت إلى إبلاغ "الرفاق" في اليونان ويوغوسلافيا وفرنسا بما جرى له، وهو ما أسهم في تسرب الخبر إلى الخارج. وتصادف أنه كان الرئيس جمال عبدالناصر آنذاك في زيارة إلى يوغوسلافيا.
وشاءت المقادير أن يرتب له هناك لقاء مع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، الذين أثاروا الموضوع معه. ولم يكن له علم به. فأرسل من بلجراد إلى القاهرة مستفسرا عما جرى وطالبا وقف التحقيق في القضية. وحين علم بذلك زملاؤه في المعتقل، فإنهم سارعوا إلى إبلاغ المحققين بأن الرجل قتل أثناء التعذيب وبسببه. مكذبين ما ورد في التقرير الرسمي عن سقوطه على الدرج وتهشم رأسه.
قصة مقتل خالد سعيد بالإسكندرية تكررت فيها نفس الوقائع. فالشاب قتل أيضا وهو بين أيدي الشرطة. والرواية الرسمية أنه حين حاول اثنان من المخبرين السريين إلقاء القبض عليه، فإنه ابتلع حزمة البانجو المخدر، كانت معه، مما أدى إلى اختناقه وموته. وقال تقرير الطبيب الشرعي إن سبب الوفاة يرجع إلى إصابته باسفكسيا الخنق وانسداد القصبة الهوائية مما تسبب في الوفاة.
لكن أسرته والشهود أجمعوا على أن الشرطة أرادت أن تصفي حسابا معه، فلاحقه اثنان من المخبرين السريين لإلقاء القبض عليه، لكنه قاومهما لأنه لم يكن يعرف من هما. فانهالا عليه بالضرب الوحشي ثم قيدا يديه. وحين حاول أن يحتج عليهما فإنهما قاما برطم وجهه في رخامة على باب المكان مما أدى إلى تحطيم أسنانه وكسر فكه. ثم سحباه إلى الشارع وواصلا ضربه والفتك به حتى سقط ميتا.

ولأن ذلك كله جرى أمام الناس فإن القصة تناقلتها جماهير الإسكندرية. وساعد على انتشارها أن أحدهم التقط صورته وهو مهشم الوجه، وتم تناقل الصورة على مختلف مواقع الإنترنت. وإن أثار الحادث غضب الناشطين، فإن أعدادا منهم خرجت في مظاهرات احتجاجية ضد الداخلية في الإسكندرية والقاهرة.
في الوقت ذاته، فإن أعدادا أخرى قامت بترجمة وقائع ما جرى إلى اللغتين الإنجليزية والألمانية، ومن ثم ذاع أمر الفضيحة في مختلف أنحاء العالم، وتلقفتها منظمات حقوق الإنسان التي سارعت إلى التنديد بما حدث. وأعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها إزاء ما جرى، وأعلن المتحدث باسم الوزارة فيليب كراولي في 14-6 أنه تم الاتصال بالحكومة المصرية بخصوص وفاة خالد سعيد، فأصدر النائب العام قرارا باستخراج جثته وإعادة تشريحها للتعرف على سبب الوفاة، وانتقل رئيس نيابات الإسكندرية لمعاينة الواقعة والاستماع إلى شهودها. وينتظر أن تعلن نتيجة فحص لجنة الطب الشرعي في منتصف الأسبوع الحالى.
ثمة قواسم مشتركة بين قتل شهدي عطية وخالد سعيد. منها أن الاثنين قتلا وهما بين أيدي الشرطة. وأن الطب الشرعي تستر على الجريمة في الحالتين، وأن السلطة لم تتحرك إلا بعد أن ذاع خبر الفضيحة في الخارج.
لكن هناك فروقا مهمة في دلالتها لا بد من الانتباه إليها. منها أن شهدي عطية كان مناضلا سياسيا، وأنه قتل في السجن، ثم إن التحرك حدث بعد أن دافع "رفاقه" عنه.
أما في حالة خالد سعيد فإنه كان مواطنا عاديا وليس سياسيا، وأنه قتل في الشارع أمام ملأ من الناس، أما الذي دافع عنه فقد كان المجتمع بالدرجة الأولى.
خلاصة درس المقابلة بين الحالتين أن تعذيب الشرطة لم يتوقف خلال الخمسين عاما، وأن دائرته اتسعت، إذ لم تعد مقصورة على المواطنين المسيسين وفي السجون فحسب، وإنما أصبحت تشمل المواطنين العاديين في الشارع أيضا.
وفي حين تعد تلك خطوة إلى الوراء، فإن المجتمع الذى ثار لما حل بخالد سعيد أصبح أكثر يقظة واستنفارا، وساعدته على ذلك وسائل الاتصال الحديثة التي أسهمت في فضح الجريمة.
إن السؤال المرير الذي يطرح نفسه الآن هو:
إذا كانت الشرطة لم تتوقف عن سياسة التعذيب طوال خمسين عاما، وإذا كانت قد وسعت من نطاق التعذيب بحيث بات يشمل المواطنين العاديين،
فكم يا ترى عدد الذين قتلوا طوال تلك الفترة ودفنت جثثهم في قبو الصمت؟!
غدا لنا كلام آخر في الموضوع.
.............................

19 يونيو، 2010

تحت الطاولة كلام مختلف

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 7 رجب 1431 – 19 يونيو 2010
تحت الطاولة كلام مختلف – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_19.html

أفهم أن تبرز الصحف العبرية الموالية لبنيامين نتنياهو قرار الحكومة الإسرائيلية تسهيل دخول السلع إلى غزة، وتصوره بأنه تعبير عن التسامح وسعة الصدر إزاء الفلسطينيين، لكن الذى أستغربه حقا أن يكون هذا القرار هو العنوان الرئيسى (المانشيت) الذى تبرزه الصحف القومية المصرية على صفحتها الأولى.
بكلام آخر فنحن فى مصر إذا لم نتعامل إعلاميا مع الخبر بحجمه الطبيعى ولم نفضح الحيلة والتلاعب فيه، فمن يقوم بهذه المهمة إذن، ومن يحمى بسطاء الناس من الوقوع ضحية الإفك والتضليل الإسرائيليين؟
لقد قدم الخبر فى صحافتنا القومية وكأنه إنجاز تحقق وليس كذبة جديدة، تحتال بها إسرائيل لتحسن صورتها أمام الرأى العام العالمى بعد جريمة الانقضاض والقتل التى ارتكبتها فى عرض البحر ضد قافلة الحرية.
ذلك أن السماح بإدخال البقدونس أو المربى والبسكويت مثلا إلى غزة لا يغير من حقيقة الجريمة شيئا. ثم إن مثل هذه السلع من التفاهة بحيث لا تستحق أن تذكر.
والتعامل المهنى والسياسى المسئول يقتضى فضح الجريمة وليس إبرازها. وقافلة الحرية التى قصدت غزة، والدماء التى سالت على ظهر السفينة أنقرة والتعبئة الكبيرة التى أحاطت بالرحلة، كانت تستهدف التأكيد على ضرورة كسر الحصار، وليس السماح بإدخال بعض المعلبات إلى القطاع.
حين وجدت أن الخبر يستحق إدانة ونقدا وليس إبرازا، ولم أجد له مضمونا ذا قيمة يفرضه على رأس الصفحة الأولى، وهو مما لا يفوت أى صحفى مبتدئ، فإننى أعدت قراءته مرة أخرى، وحينئذ أدركت سر إبراز الخبر.
إذ كان العنوان التالى مباشرة تحت أكذوبة الموافقة على تسهيل دخول السلع كالتالى:
مبارك يؤكد (على) ضرورة رفع الحصار وإنهاء معاناة القطاع.
وفى التفاصيل المذكورة أن الرئىس مبارك تلقى اتصالا هاتفيا من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو تطرق خلاله للإجراءات التى اعتمدتها حكومته لتخفيف الحصار على غزة، استجابة لما طلبه منه السيد الرئيس فى لقائهما الأخير بشرم الشيخ فى شهر مايو الماضى (الأهرام 18/6).
أدركت من هذه الإشارة إلى أن الخبر الحقيقى عند محرر الأهرام ليس تسهيل دخول السلع إلى غزة، ولكنه اتصال نتنياهو مع الرئيس مبارك، ولفت الانتباه إلى أن قرار الحكومة الإسرائىلية جاء استجابة لمطلب تقدم به إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى حين التقيا فى شهر مايو الماضى، قبل تحرك قافلة الحرية من الموانئ الأوروبية.
لقد حرص الأهرام على الإيحاء بأن تخفيف الحصار كان استجابة لطلب الرئيس مبارك، بما يعنى أن خروج قافلة الحرية والشهداء الذين سقطوا وهم فى الطريق إلى غزة، والضجة العالمية التى حدثت بسبب القافلة. ذلك كله لم يكن له أى تأثير على دفع الحكومة الإسرائىلية إلى اتخاذ تلك الخطوة (هذه الخلفية تجاهلها الخبر المنشور ولم يأت لها على أى ذكر).
فى ذات الوقت لاحظت أن العنوان تحدث عن تأكيد مبارك على ضرورة رفع الحصار وإنهاء معاناة قطاع غزة،
وهو ما جعل الأمر يلتبس على، إذ لم أفهم لماذا تحدث العنوان عن مطالبة مبارك بضرورة رفع الحصار وإنهاء معاناة القطاع،
فى حين أن المتن ذكر صراحة أن الرئيس طلب من نتنياهو فى شهر مايو أن يخفف الحصار فقط ــ حتى قلت إنه إذا كان للرئيس ذلك «الخاطر» لدى حكومة نتنياهو الذى يجعلها تستجيب لرغباته فلماذا لم يطلب منهم رفع الحصار بدلا من تخفيف سقف الطلبات وقصر الحديث على تخفيفه؟
لقد امتدحت واشنطن القرار الإسرائيلى، ورحب به السيد تونى بلير مبعوث الرباعية إلى الشرق الأوسط، قائلا إنه خطوة مهمة،
أما الرئيس الفلسطينى محمود عباس والدكتور صائب عريقات كبير المفوضين فقد رفعا السقف عاليا فى التصريحات الصحفية المنشورة، وطالبا برفع شامل للحصار، لكنهما لم يعقبا على فكرة تخفيف الحصار، ولم يربطا بين تحقيق مطلب رفع الحصار الشامل وبين بدء المفاوضات غير المباشرة، وهو المؤشر الوحيد الدال على جدية طلب الرفع، كأنما أرادا أن يسجلا موقفا عالى السقف فى وسائل الإعلام فى حين لم يعترضا على التخفيف الذى لا يغير شيئا يذكر فى قطاع غزة.
ما الذى يعنيه كل ذلك؟..
رأيى أن الكلام تحت الطاولة ليس مختلفا على إبقاء الحصار حتى تستسلم غزة. وتسقط حكومة حماس، وهو مطلب كل الأطراف.
أما الكلام فوق الطاولة فهو يطلق الدعوة بصوت عال للمطالبة بإلغاء الحصار.
والكلام الأول متفق عليه بين اللاعبين على المسرح،
أما الثانى فهو موجه إلى جمهور المتفرجين، الذين هم نحن ــ وهذا للعلم فقط.
.........................

17 يونيو، 2010

أين المشكلة في اليمن؟

صحيفة السبيل الأردينه الخميس 5 رجب 1431 – 17 يونيو 2010
أين المشكلة في اليمن؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_17.html


فى اليمن الآن أزمة عربية نمطية.
نظام قبض على السلطة منذ أكثر من ثلاثين عاما، وتمسك بالاستمرار فيها واحتكارها. ولإحكام القبضة سلمت مفاتيح البلد ومفاصله إلى الأبناء والأشقاء والأصهار ومن لف لفهم.
وحين استتب احتكار السلطة انفتحت الشهية لاحتكار الثروة، التي أطلقت فيها الأيدي بغير حساب مما وسع من دائرة المنتفعين في الأسرة والقبيلة. وهو ما أعاد إلى الأذهان ذكريات عهد الإمامة، وصار بعضهم يتندر قائلا إن الإمامة في هذا الزمن غدت في "سنحان" -قبيلة الرئيس- وكانت العرب تقول إن "الإمامة في قريش". ومنهم من أصبح يعبر عن تعجبه من استشراء نفوذ الأسرة الحاكمة قائلا: سنحان الله، بديلا عن سبحان الله!
حيث شغل القابضون على الحكم باستمرار احتكار السلطة ومواصلة الاغتراف من الثروة. واستمر ذلك طوال ثلاثة عقود، فإن المجتمع اليمني الذي لم يفقد عافيته بدأ يتململ معبرا عن ضيقه واحتجاجه على تغييبه.
وإذ أدركت فئاته وقبائله أنها ما عادت شريكة لا في السلطة ولا في الثروة، فلم يكن أمامها سوى التمرد على الوضع القائم، ساعدتها على ذلك التقاليد التي أبقت على السلاح في كل يد وبيت، والجغرافيا - في الشمال بوجه أخص- التى مكنت اليمنيين من الاحتماء بالجبال الشامخة في صراعاتهم.
ولأن النظام القائم اعتمد على القوة المسلحة في تثبيت أقدامه وضمان استمراره، فإنه لجأ إلى السلاح والقمع لإجهاض التمرد وإسكات أصوات الغاضبين.
حين أدرك الجميع أن مظلة الوطن لم تعد تحتويهم، بعدما صارت مقدراته حكرا على أسرة وقبيلة بذاتها، فإنهم احتموا بكياناتهم الخاصة والأصغر. وهذا ما فعله الحوثيون في صعدة بالشمال، ودعاة "الحراك" في عدن والضالع وأبين في الجنوب.
وكان الجنوبيون قد التحقوا بالوحدة مع الشمال في عام 1990، وانخرطوا فيها باعتبارهم مواطنين وشركاء، ثم اكتشفوا بمضي السنين أنهم تحولوا إلى رعايا وأتباع. وهو ما استفزهم حتى دعا البعض منهم إلى الانفصال واستعادة الدولة التي خطفت منهم.
طوال العقود الثلاثة التي مضت وعقلاء اليمن والناشطون الحريصون على استقرار البلد ووحدته يوجهون النصح لمن بيدهم الأمر، داعين إلى إجراء حوار جاد حول سبل الخروج من المأزق، من خلال توسيع نطاق المشاركة في السلطة وإجراء انتخابات نزيهة وإقامة حكم ديمقراطي لا احتكار فيه ولا توريث.
ولكن دعوتهم لم تجد أذنا صاغية، رغم أن أولئك العقلاء يمثلون شرائح النخبة اليمنية التي لا يشك في غيرتها على حاضر البلد ومستقبله، وفي المقدمة من هؤلاء أحزاب "اللقاء المشترك" الذي ضم أهل السياسة، ومجموعة "اللقاء التشاوري" الذين هم أقرب إلى أهل الحل والعقد في اليمن.
لأكثر من خمس سنوات استمرت الحرب ضد الحوثيين، وطوال الأشهر التي خلت تعذر احتواء التمرد في الجنوب. وفي حين خاضت السلطة معركتها على هاتين الجبهتين، أثير موضوع وجود بعض عناصر تنظيم القاعدة في اليمن وملاحقة الأمريكيين لهم. وضج الناس بالشكوى من الغلاء والفساد، الأمر الذي وضع السلطة في موقف حرج، حيث بدا وكأن زمام الأمور يكاد يفلت من يدها.
أخيرا، في ذكرى إقامة الوحدة بين الشمال والجنوب تحدث الرئيس اليمني عن مبادرة للملمة الصف وإنقاذ الموقف. فأمر بإطلاق المعتلقين، وأبدى استعدادا لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الجميع، في أعقاب حوار يجري بين مختلف الفئات.. إلى غير ذلك من الخطوات التي دعت إليها المعارضة خلال السنوات الأخيرة.
بعض العقلاء دعوا إلى التجاوب مع المبادرة واختيار مدى جديتها. وكان من هؤلاء في مصر الدكتور أحمد يوسف الذى تبنى تلك الدعوة أملا في أن يؤدي التجاوب معها إلى إنقاذ وحدة اليمن (الشروق 27-5).
لكن هناك رأيا آخر ينبني على ما هو حاصل على أرض الواقع وعلى خبرة الثلاثين سنة الماضية. وخلاصة هذا الرأي أن المبادرة تتعامل مع النتائج لا مع الأسباب. ذلك أن سياسة النظام القائم هي التي فرضت مختلف الأزمات التى يعاني منها اليمن، ومن ثم فإن المشكلة ليست في صعدة ولا هي في عدن، وإنما هي في صنعاء ذاتها التي يؤمنها الجيش الآن من كل صوب.
وبالتالي، فإن الأرجح أن ما تم إعلانه ليس مبادرة، ولكنه مناورة أجريت لتمكين النظام من الاستمرار والخروج من مأزقه الراهن.
ولست هنا بصدد الدعوة إلى رفض المبادرة، لكنني من أنصار وضعها في إطارها الصحيح، لأن المسكنات المطروحة لا تصلح لعلاج مرض خبيث كالذي يعاني منه اليمن.
...............................

15 يونيو، 2010

تهانينا لليبيا الجديده

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 4 رجب 1431 – 16 يونيو 2010
تهانينا لليبيا الجديده – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_5789.html


حين قرأت أن توني بلير أصبح مستشاراً للعقيد القذافي، قلت، إن هذا الخبر إذا صح فإنه يضاف إلى مفاجآت الرئيس الليبي وغرائبه،
ذلك أن آخر ما يمكن أن يخطر على البال أن يتخير الأخ العقيد قائد «الثورة» الليبية رجلاً مثل توني بلير مستشاراً له. وهو السياسي سيئ السمعة، الذي دخل تاريخ منطقتنا من باب توظيف ذكائه ودهائه لمصلحة تنفيذ السياسات الأميركية والإسرائيلية.

صحيح أن الرئيس الليبي عودنا على المفاجآت بين الحين والآخر لكن هناك مفاجآت من النوع المعقول المحتمل، وآخرى من النوع غير المعقول، والذي يتعذر احتمالها أو ابتلاعها. وما نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية في الأسبوع الماضي على لسان سيف الإسلام القذافي في خصوص توني بلير يدخل في هذا الصنف الأخير.

أدري أن مجلة «الإيكونوميست» وصفت صاحبنا هذا بأنه عملاق السياسة الدولية، وأسبغت عليه هذا الوصف لترجيح كفته في مواجهة منافسيه، الذين كان على القمة الأوروبية أن تختار واحداً منهم لرئاسة أوروبا، إذ قدم، آنذاك، باعتباره صاحب المكانة الأرفع على الصعيد الدولي، حيث حكم بلداً مهماً، مثل بريطانيا، وقاد حزبه إلى النصر في دورتين انتخابيتين، ولعب أدواراً سياسية بارزة على الصعيد العالمي. واختط طريقاً مميزاً لبريطانيا، وصف بالطريق الثالث، لكن ذلك كله لم يشفع له، فحقق فشلاً ذريعاً في انتخابات الرئاسة الأوروبية لأسباب عدة، منها أنه لم يكن ملتزماً بالمشروع الأوروبي،
وأنه تبنى مواقف كان من شأنها إضعاف الاتحاد الأوروبي، فحال دون انضمام بلاده إلى منطقة اليورو، ودون انضمامها إلى اتفاق «شنجن»، الذي يتجول بموجبه زوار أوروبا دولاً عدة بتأشيرة واحدة، وإذا كان ذلك مما يهم الأوروبيين في مواقفه، إلا أنه فيما يهمنا أخذت عليه محاباته لإدارة الرئيس السابق، جورج بوش (صوره رسم كاريكاتوري نشر في بريطانيا باعتباره كلب بوش)، وهو ما أدى إلى توريط بريطانيا في حرب العراق.
كذلك أخذ عليه كثيرون، منهم 50 ديبلوماسياً بريطانياً خدموا في الشرق الأوسط، محاباته لإسرائيل، وسكوته عن جرائمها. وقد وصفه تقرير لجنة لورد بتلر، التي كانت حكومة بلير قد شكلتها بالمكر والخداع، لأنه تلاعب في نتائج التحقيقات، التي أجرتها المخابرات البريطانية حول الحرب في العراق. كذلك استند الرأي السلبي، الذي عارض ترشيحه لرئاسة أوروبا على ما جاء في مذكرات روبن كوك، وزير خارجية بريطانيا الراحل، الذي اتهم بلير بالكذب والتدليس، عندما أكد أن هناك علاقة قوية بين العراق وتنظيم القاعدة.

في ذات الوقت فإن كثيرين انتقدوا ضعفه أمام أصحاب المال والسلطان، من أمثال روبرت ميردوخ صاحب الإمبراطورية الإعلامية، وسيلفيو بيرلوسكوني رئيس الحكومة الإيطالية، والمليونير مايكل ليفي، الذي جمع له ولحزب «العمال الجديد»، الذي أعاد بلير إطلاقه الملايين لتغطية نفقات الحملات الانتخابية، هذه الاعتبارات دفعت نفراً من الشخصيات الأوروبية المرموقة إلى إطلاق حملة منظمة لمحاسبة الرجل، وتشكيل هيئة عالمية باسم «مؤسسة جرائم حرب توني بلير».

في الوقت الراهن يشغل توني بلير منصب مندوب الرباعية الدولية إلى مفاوضات الشرق الأوسط. وللعلم فإن الرباعية في الصيغة الأوروبية، التي تم ابتداعها لتنفيذ المخططات الأميركية الإسرائيلية المتعلقة بالشأن الفلسطيني، وهي التي فرضت الحصار على غزة، وقاطعت حكومة حماس فور فوزها في الانتخابات التشريعية، كما أنه صاحب فكرة السلام الاقتصادي الذي يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وتقوم فكرته على التركيز على انعاش الاقتصاد في رام الله والضفة الغربية، وتجاهل الشق السياسي في القضية المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، والهدف من ذلك إقناع الفلسطينيين بأن رخاءهم مرتبط بالتصالح مع إسرائيل، والتعاون معها. الخضوع لها إن شئت الدقة.

فيما نشرته ديلي ميل فإن بلير أصبح بقدرة قادر صديقاً للعقيد القذافي وأسرته، وأن هذه الصداقة رشحته ليكون مستشاراً لقائد الثورة، بعد احتفاله بمرور أربعين عاماً له فى السلطة.
تهانينا لليبيا الجديدة.
.................

فتنة الحصار حيا الله من أيقظها – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 3 رجب 1431 – 15 يونيو 2010
فتنة الحصار حيا الله من أيقظها – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_15.html


صحيح أن قافلة الحرية لم تكسر الحصار حول غزة، لكن الأهم أنها كسرت جدار الصمت المضروب حول جريمة الحصار ذاتها، فنجحت في تعرية وجهه وأيقظت فتنته من منامها، حتى رأينا في قسماته الكثير مما كان مستورا ومخفيا.
- 1 -
تذكر كثيرون ان الحصار جريمة مسكوت عليها، فقالت نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الحصار غير قانوني ويجب رفعه. وأعلنت ان القانون الإنساني الدولي يحظر تجويع المدنيين كوسيلة حرب.. كما يحظر فرض عقوبة جماعية على المدنيين، وهي الفكرة التي رددها البروفيسور الإسرائيلي في جامعة أوكسفورد البريطانية آفي شلايم، حين انتقد «الهجوم المجنون» الذي قام به الجيش الإسرائيلي ضد السفينة مرمرة. وقال إن الحصار عقاب جماعي يحرمه القانون الدولي. وترددت على ألسنة العديد من السياسيين وفي كتابات المعلقين المحترمين فكرة عدم شرعية الحصار.
كما ارتفعت أصوات أساتذة القانون الذين ذكروا الجميع بأن حصار المدنيين جريمة حرب موجهة ضد الإنسانية وأنه طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة فإن الدول المجاورة ملزمة بأن تفتح حدودها لتزويد الشعب المحاصر بجميع احتياجاته، وفي حالة امتناعها أو تقصيرها في ذلك، فإنها تعد شريكة في ارتكاب تلك الجريمة. وأعادت بعض مواقع الانترنت نشر مقاطع من حكم محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل «صدر في شهر سبتمبر عام 2004»، الذي لم تكترث به الدول العربية أو السلطة الفلسطينية، على الرغم من أنه يعد أقوى وثيقة قانونية معاصرة تنصف الفلسطينيين وتدافع عن حقوقهم، وترفض حصارهم، وتقضي بهدم الجدار وإزالة المستوطنات التي أقيمت فوق الأرض المحتلة والمغصوبة.

لأستاذ القانون والمحامي الدولي الدكتور علي الغتيت الكثير مما يقوله في عدم شرعية الحصار وبطلان الأسس والذرائع القانونية التي تم الاستناد اليها في إغلاق مصر لمعبر رفح. وهو يرى ان القواعد الدستورية الدولية حاسمة في اعتبار فرض الحصار وإغلاق المعبر من جرائم الحرب الموجهة ضد الانسانية، ويعتبر ان كل ما هو حاصل الآن بخصوص محاصرة القطاع والمعبر محكوم باعتبارات السياسة وحساباتها، ولا علاقة له بالقانون الذي يدين ويؤثم كل ما يتم اتخاذه من إجراءات.
وكانت تلك خلفية الدعوى التي رفعها أمام القضاء المحامي الدولي والسفير السابق ابراهيم يسري ومعه ٢٢٠ من الناشطين، لفتح معبر رفح شأنه في ذلك شأن بقية المعابر المصرية، والتي يفترض ان يصدر الحكم فيها يوم 29 يونيو الحالي.
- 2 –
استخدمت القناة الخامسة للتلفزيون الفرنسي في نشرة أخبار الساعة الخامسة مساء يوم الأحد 6/6 مصطلح «الحصار الإسرائيلي المصري لقطاع غزة». وكانت تلك من المرات النادرة التي تمت فيها الإشارة بهذا الوضوح الى اشتراك مصر في الحصار. وفي مساء الخميس 6/10 سمعنا ورأينا على شاشات التلفزيون وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير وهو يقول إن مصر طلبت من فرنسا ألا تجري اتصالات مباشرة مع حركة حماس، التي تدير حكومتها المنتخبة القطاع. وهي اشارة تكاد تؤيد ادعاء عاموس جلعاد مسؤول وزارة الدفاع الإسرائيلية ذات مرة ان القاهرة تعتبر حركة حماس «عدوا وتهديدا لنظامها» (هاآرتس 2090/1/27».
في هذا السياق، لم تكن مصادفة ان يمنع وزير الصحة في حكومة غزة الدكتور باسم نعيم من دخول مصر عبر معبر رفح في الأسبوع الماضي، على الرغم من أنه بحكم اختصاصه مسؤول عن الحالات الإنسانية التي يفترض السماح لها بالمرور. ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن الحظر شمله باعتباره عضوا في حركة حماس.
جدير بالذكر في هذا السياق ان نحو 150 شخصا من عناصر جهاز «الأمن الوقائي»، الذي أسسه محمد دحلان ضمن أجهزة السلطة الفلسطينية في غزة يوجدون في مدينة العريش منذ هربوا إليها في عام 2007. بعد أن حسمت حكومة حماس الموقف لصالحها. وهم يتقاضون رواتبهم الشهرية من حكومة رام الله «300 في الشهر تقريبا»، ويؤدون مهام متعددة، من بينها رصد عناصر حركتي حماس والجهاد الإسلامي التي تحاول المرور من خلال معبر رفح، وإبلاغ الجهات المعنية باسمائهم.
يفيدنا في تصور الوضع في معبر رفح ان نستعيد ما قاله الرئيس حسني مبارك بخصوصه، في حديث بثه التلفزيون المصري، ونشرته جريدة الأهرام في 3 يناير عام 2009. إذ ورد في الكلام المنشور النص التالى: بالنسبة لمعبر رفح، استطعنا بالتفاهم مع إسرائيل ان نفتحه، وهناك كاميرات إسرائيلية و«مونيتور» (جهاز للمراقبة) لمراقبة الحركة عليه. ولابد من اخطار إسرائيل بمن يدخلون منه. وفي حالة وجود مخالفات، هناك من يراقبون الوضع ويبلغون الجانب الإسرائيلي.
وعما اذا كان المعبر سيظل مفتوحا طالما تطلب ذلك الوضع الانساني، قال الرئيس مبارك: نحن نفتح المعبر للحالات الإنسانية، ونخطر إسرائيل قبل المرور، حتى لا يساء الفهم أو يزعمون أننا نسمح بدخول أسلحة أو ذخائر أو ممنوعات.
- 3 –
حين أيقظت قافلة الحرية فتنة الحصار وسلطت الأضواء على عناصرها، حظي معبر رفح بالنصيب الأكبر من الاهتمام والاتهام. إذ اعتبر الإدارة التي استخدمت لاحكام الحصار والحيلولة دون اتصال فلسطينيي غزة بالعالم الخارجي بعيدا عن السيطرة الإسرائيلية. ولم يعد سرا أن فتح المعبر تم بناء على اتصالات مصرية إسرائيلية برعاية أمريكية. وأن ذلك الفتح كان بهدف الاستجابة للضغوط التي مورست لتخفيف الحصار، وامتصاص الاستياء والغضب اللذين سادا في مختلف أنحاء العالم جراء ما جرى.
الذين تحدثت اليهم من المسؤولين في غزة والعريش عن وضع المعبر في الوقت الراهن تكلموا بصراحة بعدما اشترطوا ألا أذكر أسماءهم، وأوردوا في إفاداتهم المعلومات التالية:
• أن انفراجة نسبية حدثت في المرور بالمعبر، اذ بعد أن ظل يفتح لأيام معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة كل شهرين أو ثلاثة، فإن مدة فتحه طالت بعد أزمة قافلة الحرية، ولم يعلن أنه سيظل مفتوحا باستمرار.
• أن قواعد المرور لم تتغير، اذ يسمح فقط بإدخال بعض وليس كل الأدوية منه، أما الأغذية ومواد البناء وبقية الاحتياجات المعيشية الأخرى فانها تمنع، أو تحول الى معبر العوجة «نيتزانا» الذي يتحكم فيه الإسرائيليون. ولا تفسير لذلك الا أنه من قبيل الاستجابة للإسرائيليين الذين يريدون التحكم في دخول كل ما يتعلق بمتطلبات إعاشة الفلسطينيين. صحيح أنه تم ادخال حمولة البطانيات والأدوية و20 مولدا كهربائيا في بداية الفتح هذه المرة، لكن ذلك كان استثناء تم تحت ضغط لحظات الحرج الأولى، علما بأن هذه السلع كانت مخزنة في استاد العريش منذ أكثر من عام، فالبطانيات المخزنة منذ شتاء العام الماضي وصلت مهترئة، والأدوية أصبحت منتهية الصلاحية أما المولدات التي تبرعت بها سلطنة عمان فقد ترك للفلسطينيين أمر تشغيلها.
• الفئات التي يسمح لها بالمرور لم تتغير فإخطار إسرائيل بأسماء المارين متفق عليه كما ذكر الرئيس مبارك. وتلك الفئات تضم المرضى الذين يتم تحويلهم بعد اعتماد أوراقهم من جانب وزارة الصحة في رام الله. - أصحاب الإقامات في مصر أو في أي دولة أخرى، والطلاب المقيدون للدراسة في الخارج - الفئة الثالثة يطلق عليها اسم «التنسيقات»، ويقصد بهم أولئك الذين يمكنون من العبور من خلال التنسيق بين أفراد في غزة وآخرين على المعبر أو في العريش. وكل واحد من هؤلاء عليه ان يدفع مقابل ذلك ما بين ألف وثلاثة آلاف دولار، حسب الحالة.

• إضافة الى الكاميرات والأجهزة التي تنقل الى إسرائيل الحاصل في المعبر، والى عناصر أجهزة الأمن الوقائي التي تراقب المارين، فإن ثلاثة أجهزة أمنية مصرية تعمل هناك، وهذه الأجهزة تتصل بقياداتها في القاهرة للتحقق من شخصيات وهويات المارين، وهو ما يطيل من ساعات الانتظار أمام نوافذ المعبر ويضاعف من معاناة العابرين.
(ملحوظة: رفضت سلطة حماس تسلم ما عرضه عليهم الإسرائيليون من معونات قافلة الحرية التي تمت مصادرتها على السفينة مرمرة، وقال ممثلوها إن تلك المعونات أصبحت ملوثة بدم الأتراك. خصوصا أنهم لاحظوا أن الإسرائيليين نزعوا البطاريات من المقاعد الكهربائية التي حملها الناشطون معهم لاستخدام المقعدين من ضحايا العدوان على غزة)،

- 4 –
العواصم الغربية تتحدث الآن عن تخفيف الحصار وليس رفعه. وكانت تلك هي الوسيلة التي لجأت اليها الحكومات المعنية لامتصاص آثار فضيحة الانقضاض الإسرائيلي على قافلة الحرية. ومصطلح «التخفيف» تعبير مهذب عن الاحتيال على الحصار مع استمرار الإبقاء عليه. (للعلم: نشرت صحيفة «هاآرتس» في 6/13 الحالي ان أبومازن حين التقى الرئيس اوباما يوم الاربعاء الماضي 6/9 طلب منه عدم رفع الحصار عن غزة حتى لا يعد ذلك انتصاراً لحماس. وقال: إن تخفيف الحصار ينبغي ان يتم بصورة تدريجية لذات السبب).
ذلك أن الفشل الذي مني به الحصار حتى الآن دفع الأطراف المشاركة في العملية الى التفكير في اتجاهين متوازيين، أولهما التصرف على أساس ان صمود حركة حماس في غزة مستمر الى أجل غير منظور، بما يمثله ذلك من انحياز الى فكرة المقاومة ورفض التسوية أو التصفية السلمية للقضية. الاتجاه الثاني مبنى على الأول وخلاصته أنه طالما ان حماس أصبحت حقيقة في غزة، فإن ذلك يستدعي ترتيبات معينة على الجانب المصري من الحدود لإقامة منطقة عازلة بين قطاع غزة وسيناء.
صحيح ان الحصار حقق نتائج عكسية الى الآن، ثبتت من أقدام حركة حماس وضاعفت من شعبيتها. وكان ذلك على حساب أبومازن وجماعته، الذين أثبتت الأيام أنهم يقفون في المعسكر الآخر. ورغم استمرار التعتيم على الحصار لمدة ثلاث سنوات فإن النشطاء القادمين من الغرب خصوصا قافلة الحرية الأخيرة فضحوا القبح والدمامة فيه، وسببوا إحراجا شديدا للولايات المتحدة الأمريكية، الراعي الرسمي للحصار، ولكل من مصر وإسرائيل اللتين تنفذان الحصار على الأرض. ليس ذلك فحسب، وإنما أحدثت حملات فك الحصار تغيرات مهمة في خريطة الشرق الأوسط سنتحدث عنها في وقت لاحق، لكن أبرزها خروج تركيا من التحالف مع إسرائيل، مما عزز من موقف معسكر الصمود في العالم العربي.
فيما يخص الاتجاه الأول من الواضح ان الحصار سوف يستمر باتفاق أطرافه الثلاثة، ومحور الاتصالات الراهنة، كما ذكرت صحيفة هاآرتس يوم الجمعة الماضي 6/11، هو حدود «التخفيف» والمقابل الذي يفترض ان يدفع لقاء ذلك. والى جانب عملية التخفيف فإن رئاسة السلطة في رام الله رفعت من وتيرة الحديث عن فك الحصار. لإنقاذ شعبيتها المتدهورة، الى جانب لجوئها الى ما يمكن تسميته «هجوم المصالحة» الذي يراد به صرف الانتباه عن الموضوع الأساسي والإيحاء بأن حماس رافضة لإعادة اللحمة ووحدة الصف.
بالنسبة لموضوع عزل القطاع عن سيناء. فإن السور الفولاذي الفاصل بين الجانبين. والذي أشرف الأمريكيون على اقامته تم الانتهاء من بناء عشرة كيلومترات منه، ولم تتبق سوى ثلاثة كيلومترات ونصف المتر توقف العمل عندها، لأنها مأهولة بالسكان (يعيش فيها حوالي 18 ألف نسمة) ومطلوب إخلاء هذه المنطقة لإحكام الإغلاق النهائي للحدود مع إقامة بوابات الكترونية تدار من خلال غرفة للتحكم في المعبر. والى ان يتم ذلك فقد غادر المنطقة وعاد الى القاهرة. الخبراء الأمريكيون الذين يتبعون مكتب التعاون العسكري بالسفارة (يديره أمريكي من أصل لبناني اسمه وليد ناصر).
على صعيد آخر، فثمة لغط يدور في العريش بخصوص إعادة تخطيط عمراني لمنطقة رفح والشيخ زويد، لتحويلها الى منطقة استثمارية حرة تشكل العازل المطلوب. وقد ثار ذلك اللغط حين قدم الى العريش بعض الأشخاص الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم يمثلون جهات سيادية في مصر. وهؤلاء ناقشوا مع شيوخ القبائل بوجه أخص إمكانية بيع الأراضي للمستثمرين بدعوى النهوض الاقتصادي بالمنطقة.

اللافت للنظر ان كل تلك الاستحكامات والمخططات استهدفت الحدود على قطاع غزة التي هي بطول 13.50 كيلومتراً، أما الحدود بين مصر وإسرائيل التي هي بطول 250 كيلومترا فهي مفتوحة وهادئة.
وقد قيل لي ان مسؤولا كبيرا بالمحافظة سئل عن دلالة هذه المفارقة، فكان رده أن ثمة اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، وذلك ليس حاصلا مع قطاع غزة!
....................

14 يونيو، 2010

في البدء تكون الديموقراطية

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 2 رجب 1431 – 14 يونيو 2010
في البدء تكون الديموقراطية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_14.html

حين قال الدكتور مفيد شهاب إن مصر تمتلك إرادة سياسية قوية للنهوض بمنظومة حقوق الإنسان فإنني فهمت كلامه على أنه حديث عن النوايا، وليس حديثا عن الواقع،
ربما أراد الرجل بوصفه وزيرا للشؤون القانونية أن يؤدي واجبه ويبيض وجه الحكومة أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان في جنيف، فقال مقولته تلك التي أبرزتها «الأهرام» في 10 /6، وهذا شأنه وحقه، لكن من حقنا أيضا أن نقرأ كلامه في ضوء حقائق الواقع ومعطياته، وهذه القراءة هي التي تدفعنا إلى القول بأن شهادة الدكتور مفيد شهاب تسجل النوايا الطيبة ولا صلة لها بالواقع المعيش.

ولست هنا بصدد التفصيل في وضع حقوق الإنسان في مصر، التي يعرف الجميع أنها تتدهور عاما بعد عام، خصوصا في ظل قانون الطوارئ الذي يطلق يد السلطة والأجهزة الأمنية لتفعل ما تشاء في حريات الناس وكراماتهم ومصائرهم، دون رقيب أو حسيب، لكني أردت أن أنبه إلى شيء آخر أزعم أنه يسهم في وضع الأمور في نصابها الصحيح،
ذلك أن عبقرية أنظمة العالم الثالث مكنتها من الاحتيال على الديموقراطية عن طريق تفكيكها وتفريغها من مضمونها، بحيث تنفصل هياكل الديموقراطية عن وظيفتها، ومن ثم تبقى الهياكل شاخصة أمام الجميع، أما الوظيفة فيتم تغييبها وإهدار قيمها واحدة تلو الأخرى، وفي الوقت ذاته يتم إقصاء الأصل في حين تسلط الأضواء على ما يتفرع عنه. وهذا منطوق يحتاج إلى شرح.

فنحن نفهم أن الديموقراطية بما تكفله من تعددية وإطلاق للحريات العامة، تكفل ثلاثة حقوق أساسية هي:
حق المشاركة، وحق المساءلة، وتداول السلطة.
وهذا المناخ الذي توفره الديموقراطية يفتح الأبواب واسعة لممارسات عدة تتراوح بين تعددية الأحزاب السياسية، وظهور منظمات المجتمع المدني، وتنشيط حركة حقوق الإنسان، وغير ذلك من الأنشطة المجتمعية الأخرى،
لكن الحاصل في العديد من أقطار العالم العربي أن أبالسة الاستبداد صادروا الديموقراطية بكل قيمها، وعمدوا إلى إقامة الهياكل المتفرعة عنها، فاصطنعوا أحزابا من ورق، تعبر عن إرادتها وليس عن أشواق الناس، وزيفوا الانتخابات لإقامة مؤسسات تشريعية تقنن الاستبداد وتحميه، وما فعلوه مع الأحزاب استنسخوه مع وسائل الإعلام، ثم تحكموا في منظمات المجتمع المدني، عن طريق التصريح للفئات الموالية لها بإقامة مختلف الجمعيات والهيئات، وحظر أي أنشطة أهلية مستقلة،

وفي الوقت ذاته فإنهم أقاموا من جانبهم ولحسابهم منظمات لحقوق الإنسان، تتستر على الانتهاكات ولا تفضحها وتجمل وجه الأنظمة عبر إخفاء قبح ممارساتها ودمامة وجهها الآخر. وكانت النتيجة أن العالم العربي حفل بالأحزاب السياسية والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، لكننا لم نشهد في أغلب الأنظمة مشاركة أو مساءلة أو تداولا للسلطة، أعني لم نشهد وجودا حقيقيا للديموقراطية. إذ توافرت لنا مظاهرها وجرى تغييب جوهرها.

لقد قرأت قبل حين دعوة أطلقها أحد الأدباء (خالد الخميسي) لتشكيل «لوبي» للنظافة في مصر، تكون له أذرع في المدن المصرية كلها، يتولى المجتمع من خلال تلك الأذرع إزالة تلك الوصمة المشينة والمهينة التي أصبحت في قسمات المدن الكبرى في بر مصر، ولا تسأل عن الأرياف بطبيعة الحال.«جريدة الشروق 30 /5».

ووجدت أن عبدالرحمن الكواكبي صاحب كتاب «طبائع الاستبداد»، ربط بين الاستبداد وبين فساد الأخلاق ونزوع الناس إلى «التسفل». إذ اعتبر أن الاستبداد يهمش الناس ويزدري بهم، فيفقدهم الرغبة في الترقي.
وإذا جاز لنا أن نصوغ فكرته بلغة زماننا فربما جاز لنا أن نقول إنه إذا كان الاستبداد يهمش الناس ويزدريهم فإن الديموقراطية تستدعيهم وتحولهم من متفرجين إلى مشاركين،
الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول بأنه حتى مشكلة النظافة إذا أراد المجتمع أن يتصدى لها، فإنه يظل بحاجة إلى بيئة ديموقراطية تعيد إلى الناس اعتبارهم، وتنمي لديهم حس المشاركة، ومن ثم تجعلهم يعزفون عن التسفل ويتطلعون إلى الترقي والتقدم.
...................

13 يونيو، 2010

«المبادرة»: حجة البليد

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 1 رجب 1431 – 13 يونيو 2010
«المبادرة»: حجة البليد - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_13.html


حيرنا السيد أحمد أبوالغيط حين قال في رده على أسئلة الصحفيين إن المطالبة بسحب المبادرة العربية تعني التخلي عن الرغبة في إقامة الدولة الفلسطينية (الاثنين 7-6).
وهو كلام استغربت له، لأنني افترضت أنه في موقعه كوزير لخارجية مصر يعرف أن هذا الكلام غير صحيح، إذ لا علاقة بين المبادرة وإقامة الدولة، ناهيك عن أن مخططات السياسة الإسرائيلية تستهدف الحيلولة دون إقامة تلك الدولة، ليس فقط بما تحدثه من تغيير في جغرافية الأرض، وإنما أيضا بما تضعه لها من شروط تجعلها مسخا مجردا من السلاح وعاجزا عن الحركة.

وهذه الأوصاف تحتها تفاصيل كثيرة لا شك في أن السيد أبوالغيط على علم بها. ولأنني أربأ به أن يكون مغيبا إلى الدرجة التي تجعله غير ملم بما بات معلوما من السياسة بالضرورة، فقد بقي لدي تفسير واحد لكلامه سابق الذكر، وهو أنه أراد أن "يستغفلنا"، وهو يبرر استمرار المبادرة التي جعلتها بعض الحكومات العربية بمثابة صك لتبرئة ذمتها، تدعي به أنها قدمت "رؤية" لإقرار السلام مع "إسرائيل"، ومن ثم أدت ما عليها، ولا يستطيع أحد أن يطالبها بأكثر من ذلك. وكأنها (بالمبادرة) ألقت بالكرة في المرمى الإسرائيلي والمجتمع الدولي، بحيث تكون الخطوة التالية مسؤولية الأخيرين.

أعني أن السيد أبوالغيط تحدث في هذه النقطة باعتباره وزيرا يتعين عليه أن يدافع عن سياسة حكومة بلاده وأن يبررها ويزينها، وليس باعتباره دبلوماسيا عرك المشكلة وأحاط علما بملابساتها ومآلاتها.
لأن الأمر كذلك؛ فإنني لا أقصد بالتعليق على كلامه أن ألفت انتباهه إلى ما يعرفه، ولكن قصدت أن أخاطب الذين تلقوا كلامه وصدَّقوه. إذ إنني لا أشك مثلا في أنه يعرف الفرق بين تحرير فلسطين وبين مسألة إقامة الدولة، وأن اختزال القضية في الدولة وتجاهل استعادة الأرض المحتلة منزلق خطر، يخدع الناس ويستغفلهم بدوره، خصوصا أن ثمة ألف لغم في مواصفات الرقعة المرشحة ومساحتها وفي مواصفات الدولة المنشودة ("إسرائيل" لا تريد العودة إلى حدود عام 67، كما أنها تتحدث عن دولة منزوعة السلاح، وتحت سيطرتها الكاملة في البر والبحر والجو).
أريد أن أقول إن الدولة ليست جوهر الصراع، وإنما ذلك الجوهر يتمثل في الأرض التي لا تكف "إسرائيل" عن ابتلاعها بمختلف الحيل. لذلك فإن وضع القضية قبل المبادرة كان أفضل منه بعدها. وربما يذكر البعض أن منظمة "التحرير" حصرت نضالها في المطالبة بتحرير الأرض منذ الستينيات وحتى قبل قمة بيروت في عام 2002،
ولكن المبادرة التى أعلنت في تلك القمة كانت خطوة إلى الوراء وليس إلى الأمام (لا تنس دور الصحفي الأمريكي توماس فريدمان في إطلاقها من خلال ولي العهد السعودي الأمير عبدالله (الملك الآن) لتحسين صورة المملكة التي شوهتها أحداث سبتمبر 2001 التي قيل إن أغلب المشاركين فيها كانوا من السعوديين).. ذلك أنها قدمت لـ"إسرائيل" مشروع صلح مفتوح تنازلت فيه عن حق العودة. وهو ما سوغ لها أن تلعب بالمبادرة، خصوصا في شقها المتعلق بيد الصلح الممدودة، فرفضتها في العلن، وعمدت إلى تفكيكها في الواقع، حيث رحبت بالصلح وعملت على تنشيطه باختراق جدار المقاطعة العربية.. وإضافة إلى رفضها الانسحاب إلى حدود 67، فإنها طرحت فكرة تبادل الأراضي، في حين أطلقت العنان للاستيطان والتهجير والتهويد.
ومنذ ظهرت السلطة الفلسطينية في الأفق، فإن قضية تحرير الأرض تراجعت إلى الوراء وأصبح الجدل والسجال يدوران حول تبديد الأرض!
لقد تحولت المبادرة العربية في حقيقة الأمر إلى ضوء أخضر لـ"إسرائيل" لكي تنفذ مخططاتها في الأرض المحتلة، وإلى مخدر تعاطته الأنظمة العربية وأوهمها أنها قدمت مشروعها للسلام. ولأنها مفتوحة، فقد بدا كأنها صممت لكي يظل انتظارها مستمرا حتى تفرغ "إسرائيل" من تحقيق كل مخططاتها. من ثم فإنها استحقت أن يوصف التلويح بها بأنه أقرب إلى ما نسميه "حجة البليد".
في عام 2002 أعلنت المبادرة، وبعدها شرعت "إسرائيل" في بناء الجدار العازل وقتلت ياسر عرفات وأسرعت في خطى الاستيطان وهدم بيوت المقدسيين ولعبت بالمفاوضات.
وبعد سبع سنوات، في عام 2009، أعلن العاهل السعودي في قمة الكويت الاقتصادية، أن المبادرة لن تبقي طويلا على المساندة، فهلل العرب وظنوا أن القمة تبعث برسالة تحذير..
ولكن بعد 18 شهرا من ذلك التصريح لم يحدث شيء سوى دعوة مجلس الأمة الكويتي إلى انسحاب بلدهم منها، ثم خرج علينا السيد أبوالغيط بكلامه الذي أفهمنا فيه أن استمرار المبادرة شرط لإقامة الدولة الفلسطينية.
المدهش أنه كان جادا فيما قاله، ولم يكن يداعب سائليه أو يمزح معهم!
.............................

12 يونيو، 2010

تجاوز لا يليق

صحيفة السبيل الاردنيه السبت 29 جمادى الآخره 1431 – 12 يونيو 2010
تجاوز لا يليق – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_12.html


أن يختلف المرء مع بعض المواقف التي تعبر عنها صحف «الموالاة» الخاضعة لتوجيه السلطة. فذلك أمر مفهوم ومتوقع لكن أن يستشعر المرء خجلا مما تنشره تلك الصحف، فذلك مما يصعب تصوره، ليس فقط لما يعبر عنه من تجاوز لا يليق، ولكن أيضا لأنه يشكل إهانة للبلد الذي يفترض أنه ينطق باسمه.
هذه المواد «المخجلة» تنشرها بعض صحفنا القومية كلما حدث خلاف من أي نوع -سياسيا أو غير سياسي- مع أي دولة عربية. وأقل ما توصف به أنها تدهش قراءها خارج مصر، كما أنها تشعر المصريين بالخزي والعار.
المفاجأة هذه المرة مضاعفة، ذلك أن الطرف الآخر الذي تعرض في الأسبوع الماضي للتشويه والغمز واللمز لم يكن على خلاف مع مصر، بل إن التصريحات الرسمية، التي صدرت على لسان وزير الخارجية مثلا، تحدثت عن ذلك الطرف الذي هو تركيا بعبارات مسكونة بالود والترحيب، الأمر الذي يثير أكثر من تساؤل عن الجهة في السلطة صاحبة المصلحة في ذلك التوجيه، وعن هدفها من ذلك.
كنت قد
أشرت في الأسبوع الماضي إلى حملة التجريح تلك حين كانت في بداياتها، وتزامنت مع بروز الدور التركي في موضوع قافلة الحرية ما سبب حرجا لمصر، وقلت إن خطاب الغيورين والمخلصين ينبغي أن يتجه إلى استنهاض الدور المصري وليس الانتقاص من الدور التركي.
لم تكد تمر أيام على نشر هذا الكلام حتى خرجت علينا واحدة من تلك الصحف «الاثنين 7 يونيو» بتقريرين تصدرا صفحتها الأولى، أحدهما يخص مصر تحت عنوان يقول: تكدير السفير الإسرائيلي في القاهرة.

أما مضمون التقرير فهو بمثابة استعراض لرد فعل الخارجية المصرية على تصريحات أدلى بها المذكور لوكالة «فرانس برس»، وقال فيها إنه حين استدعي إلى الخارجية المصرية بعد حادث الانقضاض على السفية «مرمرة»، فإنه شرح موقف بلاده مما جرى، وأن المسئولين الذين التقاهم «تفهموا» ذلك الموقف.

وقال التقرير المنشور إن السفير الإسرائيلي تعرض للتوبيخ والتحذير والتكدير الدبلوماسي، وأنه تلقى «دشا» باردا أثناء اللقاء. وأبلغ باستياء مصر الشديد مما قاله، لأنه يسيء إلى موقفها. بما يعني أن الرجل تلقى «علقة» ساخنة في مقر الخارجية المصرية، وهو أمر يسرنا لا ريب، إذا صح الكلام المنشور، الذي لم نتعود على لغته في التعامل بين البلدين.
لم يكن النفخ في الاحتجاج المصري وحده المقصود من الكلام. لأن الصحيفة نشرت تحت التقرير الأول مباشرة ــ لداعي المقارنة ــ ما أسمته «المكالمة الهاتفية التي أطاحت بالكبرياء التركي»،
وتضمن ذلك التقرير الثاني نص المكالمة الهاتفية التي سربتها إسرائيل، وجرت مؤخرا بين وزير الخارجية التركي ووزير الدفاع الإسرائيلي، ووصفت الصحيفة المكالمة بأنها تضمنت «انتقاصا كبيرا من الكبرياء التركي» وصل إلى حد الاستجداء لنقل المصابين إلى تركيا، كما أنها احتوت على سقطة تركية غيرة مبررة من الدكتور أحمد داود أوغلو، أما ذلك النص «المشين» فكان كالتالي:
ــ باراك: وقع هجوم على جنودنا وجرحوا بالسيوف وتم الاستيلاء على أسلحة جنودنا واستخدامها ضدهم.
ــ أوغلو: ننتظر منك الاعتذار لقد اقترفتم جريمة دولية وعليكم أن «تسمحوا» بإرسال القتلى والجرحى إلى تركيا.
ــ باراك: لقد تحركنا من أساس الحصار المفروض على العدو في غزة.
ــ أوغلو: وهل القتلى أعداء؟
ــ باراك: توجد صواريخ كثيرة ولقد تعرض شعبنا لهذه الاعتداءات من قبل ونحن مختلفون مع حماس وليست لنا مشكلة مع غزة.
ــ أوغلو: وهل القتلى وجهوا صواريخ تجاهكم كيف استطعتم قتلهم؟ إن تركيا ليست أي دولة.. تركيا لديها من القوة ما تحمي به مواطنيها.
باراك: نحن نحترم تركيا لأقصى درجة ونقدر الدور الذي تقوم به.
أوغلو: أي احترام هذا؟ وأنتم تقتلون أبناءنا في المياه الدولية ولا يمكن لأي شخص أن يمس مواطنينا.. إنكم «تناضلون» منذ خمس سنوات من أجل جندي إسرائيلي واحد ومواطنونا بالنسبة لنا أيضا مهمون، وعليكم التعامل معهم باحترام.
هذا هو الدليل الذي ساقته الصحيفة لإقناع القارئ بأن كرامة تركيا جرى تمريغها في التراب، في حين أن مصر «مسحت البلاط» بالسفير الإسرائيلي.
رغم أن مستوى «ذكاء» الطرفين متقارب، إلا أن الدبة التي قتلت صاحبها كانت أصدق وأكثر أمانة، على الأقل لأنها لم تكذب. وكانت هناك حقا ذبابة حطت على وجهه.
......................

10 يونيو، 2010

يريدون مسلمين بغير إسلام

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 27 جمادى الآخره 1431 – 10 يونيو 2010
يريدون مسلمين بغير إسلام – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/06/blog-post_10.html


البعض يريدون مسلمين بغير إسلام، يرحبون بالناس وينفرون من المعتقد والقيمة.
يعتبرون أن استحضار الإسلام يعقد الأمور ويستدعي مشكلات نحن في غنى عنها،

حجتهم في ذلك أن إظهار الهوية الإسلامية يثير الحساسية ويمثل عنصرا طاردا للآخرين. ثم إنه يختزل القضايا الكبرى في رموز دينية ضيقة. ويفتح الباب لحروب دينية استئصالية ضد «اليهود» تقوض إمكانية التعايش السلمي معهم.
والحل يتمثل في إخراج الإسلام من الموضوع، وتنقية الصراع من «شوائبه»، وتنحية ما هو ديني لصالح ما هو إنساني وعلماني.
هذا الكلام قرأته في كتابات نشرت مؤخرا، جاءت في سياق حملة مطاردة حضور الإسلام في المجال العام، التي يقودها نفر من المثقفين، إذ حذرت تلك الكتابات من فكرة «أسلمة الصراع»، التي قصد بها الانطلاق من المرجعية الدينية في مواجهة العدو.
ثمة ملاحظتان جوهريتان على هذا الخطاب؛
الأولى أنه ينطلق من رؤية استشرافية نافرة من الإسلام بالأساس. وهي معنية بإقصائه عن الصراع بأكثر من عنايتها بالصمود في مواجهة العدو أو كسب الصراع.
ذلك أنهم حين يعتبرون الإسلام مؤديا إلى استبعاد الآخرين وليس متصالحا معهم أو قادرا على استيعابهم، فإنهم يصدرون حكما متأثرا بأجواء التعبئة السياسية والإعلامية الراهنة، التي اختزلت الإسلام في أداء بعض جماعات التطرف والإرهاب.
بمعنى أنه حكم يخص بعض المسلمين ولا شأن للإسلام به. وهذا القصور في النظر يضعف الموقف العربي ولا يخدمه،
فالغيورون والمخلصون حقا يحرصون على لملمة الصفوف وتوسيع دائرة الاحتشاد في مواجهة العدو، ولا يلقون بالا لمعايير الخصم والإقصاء، وأبسط مبادئ الاحتشاد تدعو إلى التركيز على وحدة الهدف مع القبول بتنوع المنطلقات الفكرية والسياسية. بحيث يصطف المشاركون استنادا إلى منطلقاتهم الوطنية جنبا إلى جنب مع أصحاب المنطلقات القومية أو الدينية أو الإنسانية،
أما أن تطالب أي جماعة بالتنازل عن منطلقاتها، بعضها أو كلها، فذلك مما ينطبق عليه قول الجاحظ أنه سقم في العقل وسخف في الرأي، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى.
الملاحظة الثانية لا تخلو من مفارقة، ذلك أن هذا الكلام يصدر في حين تتصدر القوى الإسلامية صفوف المجاهدين المناضلين في ساحة الصراع. وهي التي تدفع الثمن الأكبر في ساحة المواجهة.
ذلك ينسحب على حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان، ومقاومة الاحتلال الأمريكي في العراق.
هم المقاتلون والمحاصرون والشهداء والأسرى. صحيح أن هناك جماعات وطنية شريفة تقف إلى جوارهم في الساحة، لكن أحدا لا ينكر أن القوى الإسلامية تقف في الصف الأول كما أنها تتحمل العبء الأكبر وتدفع الثمن الأكبر.
ولا أعرف كيف يمكن لعاقل أن يطل على ساحة الصراع، ليدعو تلك القوى الإسلامية لأن تتنازل عن منطلقها الجهادي بدعوى عدم إثارة حساسيات الآخرين.
كما أنني لا أعرف كيف يمكن أن ندعو الشباب إلى الجهاد والموت في سبيل القضية، إذا لم نقل لهم إنهم حين يقدمون أرواحهم فداء لوطنهم ودفاعا عن قضيته العادلة، فإن ذلك يعد جهادا في سبيل الله، وبابا للفوز بجنته ورضاه.
المدهش في الأمر أن الذين يأنفون من ذكر المرجعية الدينية في الصراع، لا يقدمون بديلا ينهض بمسؤولية مواجهة العدو، في حين ينشغلون بتجريد القوى الإسلامية من أمضى أسلحتها وأكثرها فعالية. وبدلا من دعوتهم إلى توثيق العرى مع القوى النضالية والمنظمات الإنسانية الأخرى، فإنهم يسعون إلى تعميق الفجوة بين الطرفين، وإعطاء انطباع بأن خطاب القوى الإسلامية يقوض التصالح والتوافق، ويثير التناقض والتعارض.
إن خطاب مناهضة الاتكاء على الهوية الإسلامية يغيب تماما الحس التاريخي. ويتجاهل خبرة الإسلام في التعامل مع العالم طوال 14 قرنا، في حين حاكموه بما تنشره الصحف عن بعض جماعاته وما تروجه تقارير مباحث أمن الدولة.
ثم إنه يتسم بخفة نلحظها في الادعاء بأن خطاب الأسلمة لا يدرك الفرق بين اليهود والصهاينة، وأنه حين يتطرق إلى تحرير المقدسات فهو لا يعني إلا تحرير المساجد والأضرحة والزوايا، إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أن الكاتبين خاضا في أمر يجهلان كنهه، وقدما مرافعة في قضية لم يدرسا ملفها جيدا، حيث قرآ عنها ولم يقرآ فيها.
......................

Delete this element to display blogger navbar