Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2010

مصر في السودان: غيبة أم غيبوبة؟ – المقال الاسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 18 جمادى الاخره 1431 – 1 يونيو 2010
مصر في السودان: غيبة أم غيبوبة؟ - فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_1622.html


إذا أردت ان تشير الى نموذج للاخفاق في السياسة الخارجية واهدار مقومات أمن مصر القومي فما عليك إلا أن تقلب صفحات ملف العلاقات المصرية السودانية في العقود الثلاثة الأخيرة.
- 1 -
السودان يمر بمرحلة عصيبة من تطوره المعاصر.. ومصر أيضا تمر بمرحلة حرجة.. وكلا البلدين مثقل بأعبائه وديونه الخارجية، وسط ضرورات للدفاع والأمن القومي لا مفر من الوفاء بها.وفي خضم هذه الظروف، تكون الحاجة للتنسيق والتعاون مع أقرب الأقربين ضرورة حياة أو موت، وليس ترفا أو تزيدا (ص 9)،

إن هموم السودان هي هموم مصرية، وإن هموم مصر هي هموم سودانية، الأمر الذي يستدعي البحث في جوهر العلاقات المصرية السودانية، التي ستظل هي الأصل، وهي الجوهر والأساس… لقد حان الوقت لتدعيم الوجود المادي المتبادل لكل من مصر والسودان، ذلك الوجود القادر وحده على اختزال المسافة بين القاهرة والخرطوم (ص 16).

لماذا يظل طريق الاتصال الشعبي (بين مصر والسودان) طريقا ذا اتجاه واحد.فالمواطن السوداني هو الذي يزور مصر.والوزير السوداني هو الذي يحضر للاجتماع في مصر. والنقابي السوداني هو الذي يسعى للقاء زملائه في مصر، وتتوقف الحركة على هذا الطريق في الاتجاه الآخر؟ لماذا تتوتر العلاقة الشعبية كلما شاب التوتر علاقة الحكومات؟ (ص 22)

رغم وجود الإحساس بأهمية النيل كشريان للحياة في مصر، فإن فكرة تأمين منابعه كأحد شرايين الأمن القومي المصري لم تكن متبلورة كما هي عليه الآن، لأنه لم يكن واردا ان هناك قوة تستطيع ان تحد من كمية أو تؤثر في نوعية المياه المتدفقة الى مصر.. لكن يظل حرص مصر على تأمين حدودها الجنوبية أحد المبادئ الأساسية في سياستها.
وأدركت الحكومات المتعاقبة على حكم مصر أهمية ذلك، فكان الارتباط على مر التاريخ بين مصر والسودان.. ان ذراعا مهمة للأمن المصري تمتد في أفريقيا حيث منابع النيل. ذلك أنه من شأن أي تهديد لتدفق مياهه ان يمثل تهديدا أساسيا لمصر. ومن هنا فعلاقة مصر بالبلدان المكونة لحوض النيل يجب ان يكون أساسها الود والتنسيق والتعاون (ص 32).
«إن عبدالناصر لم يكن غريبا على السودان. ولم يكن غريبا على أوبوتي في أوغندا. أو كينياتا في كينيا أو نيريري في تنزانيا «كما كانت علاقاته طيبة مع هيلاسلاسي في اثيوبيا «لذلك كانت الدعوة للتعاون العربي الأفريقي تحمل في داخلها دعوة للتعاون بين دول حوض النيل.ومما لا جدال فيه ان النيل من منبعه الى مصبه يمثل وحدة اقليمية لا تؤثر فيها الحدود السياسية. وقد خرج من هذه الدول مشروع دولة وأدى النيل الكبرى. بهدف تقوية التعاون والتقارب لكي يستفيد كل من يعيش حول النيل من مياهه». (ص 34).
- 2 -
صدّق أو لا تصدق، هذا الكلام عمره أكثر من عشرين عاما، اذ هو موثق في كتاب من 700 صفحة أصدره مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد «جامعة القاهرة» بالتعاون مع شعبة العلوم السياسية بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في جامعة الخرطوم.
وكانت الجهتان قد نظمتا ندوة في القاهرة حول العلاقات المصرية السودانية في منتصف شهر مايو عام 1989، اشترك فيها 26 باحثا من الطرفين. والفقرات التي أوردتها بمثابة نقطة في بحر الكلمات والأوراق التي قدمت في الندوة.
بطبيعة الحال لم تكن تلك الندوة فريدة في بابها.ورغم أنها من أهم الندوات التي عالجت عناوين ملف العلاقة بين البلدين، الا أنها لم تكن الوحيدة، وانما سبقتها وتلتها ندوات وحوارات أخرى قتلت الموضوع بحثا.الأمر الذي يعني ان الباحثين على الجانبين أنفقوا وقتا طويلا في تشخيص تلك العلاقة، بحيث لم يعد لأي طرف عذر في الادعاء سواء بأنه لم يكن يعرف أو أنه فوجئ بأي تطور لاحق فرض نفسه على عناوين الصحف وصدارة نشرات الأخبار. وهو ما يسوغ لنا ان نقول بأن ملف العلاقات المصرية السودانية يعد نموذجا لحالة كثر فيها الكلام وندر الفعل.
الى ما بعد الحرب العالمية الثانية (منتصف أربعينيات القرن الماضي) كانت وحدة وادي النيل أحد العناوين المهمة في الساحة السياسية المصرية. وفي المرحلة الناصرية التي حصل السودان خلالها على استقلاله «عام 1956»، ظلت العلاقات هادئة نسبيا باستثناء التوتر الذي خيم عليها بسبب ثورة أكتوبر «عام 1964».
إذ وقع الطرفان اتفاقية الانتفاع بمياه النيل عام 59. كما وقعا اتفاقية الدفاع المشترك عام 1976. في المرحلة الساداتية ظلت العلاقات مع الخرطوم على تحسنها النسبي في ظل حكم الرئيس جعفر نميري، الأمر الذي أدى الى توقيع ميثاق «التكامل» بين البلدين»، عام 1982، في بداية حكم الرئيس مبارك.وبعد اسقاط حكم نميري عام 1985 وتولى الصادق المهدي رئاسة الحكومة، تم في عام 1987 توقيع ميثاق «الإخاء» بين البلدين، بديلا عن «التكامل».
لم يغير ميثاق الاخاء من الجمود المخيم على علاقات البلدين في تلك المرحلة.وقد استمر الجمود بعد انقلاب الفريق عمر البشير في عام 1989، الذي كان يقف وراءه الدكتور حسن الترابي، وبعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في عام 1995، التي قيل ان بعض عناصر السلطة في الخرطوم كانوا ضالعين فيها، تدهورت العلاقات أكثر فأكثر، وترتب على ذلك ان سقط السودان والقارة الأفريقية كلها من أجندة الاستراتيجية المصرية. وكان ذلك «الانسحاب» متزامناً مع أجواء خروج مصر من المشهد العربي التي خيمت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل عام 1979.
في هذا الصدد سجل محجوب محمد صالح رئيس تحرير جريدة «الأيام» السودانية في ورقة قدمها الى ندوة العلاقات التي عقدت في عام 1989، ان التعامل مع السودان ظل مقصورا على مؤسسة الرئاسة في مصر، وليس عبر القنوات المتعارفة للتعامل مع الدول الأخرى، اذ يغلب عليها الطابع الأمني، بحيث أصبحت السياسة تجاه السودان تحددها التقارير الأمنية أكثر مما تحددها قراءة الواقع السياسي أو التحليل السياسى.
- 3 -
في ظل تراجع الدور المصري في العالم العربي، أصبحت مصر الغائب الأكبر عن السودان.هذه العبارة سمعتها من الدكتور حسن مكي مدير جامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم.وقد عبر عن ذات المعنى مقالة نشرتها جريدة «الصحافة» عدد 2010/5/20 كان عنوانها تراجع الدور المصري في السودان.

ومما قاله كاتبها خالد سعد «إن مصر لم تعد من الدول الرئيسية التي تستطيع التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في الشأن السوداني. وبات الوجود المصري في البلاد مجرد ذكرى من بقايا الماضي. ونقل الكاتب عن أحد أساتذة العلوم السياسية بالسودان، الدكتور عبدالرحمن خريس ان التأثير المصري في المنطقة كلها قد خفت، بحيث لم تعد مصر قادرة على منافسة الدور الأمريكي أو الاسرائيلي في أفريقيا، بعدما تعاظم دور الدولتين في ظل غياب القاهرة. مما ذكره الدكتور خريس أيضا ان تفريط مصر في علاقاتها الأفريقية أضر بمصالحها، خصوصا في عهد الرئيس مبارك «الذي أهمل كثيرا في دور بلاده حتى صارت الولايات المتحدة هي البوابة التي تدخل منها مصر الى المنطقة الأفريقية.
لقد كان التعليم مثلا من أهم الساحات غابت عنها مصر. اذ منذ أربع سنوات أعلن عن اقامة فرع لجامعة الاسكندرية في جوبا عاصمة الجنوب، لكن المشروع لم ير النور الى الآن. ومنذ ست سنوات «في عام 2004» تم الاتفاق على اقامة جامعة القاهرة في السودان بمواصفات معينة، وخصصت الأرض للمشروع بالخرطوم وتم بناء المبنى الاداري، وكان مقررا ان تفتتح في شهر أغسطس من العام الماضي «2009» ولكن المشروع لم ير النور بدوره.
تجلى التقاعس والتراخي المصري في التعامل مع السودان في قصة دعوة شيخ الأزهر السابق، الشيخ محمد السيد طنطاوي، لزيارة الخرطوم قبل 3 سنوات. فقد وجه اليه الدعوة الدكتور حسن مكي رئيس الجامعة الأفريقية العالمية، فرد عليه مكتب شيخ الأزهر برسالة ذكرت ان الشيخ في مقام رئيس الوزراء، وينبغي ان توجه اليه الدعوة من نظير له. ولأنه لا يوجد في النظام السوداني رئيس للوزراء فان مستشار الرئيس للشؤون الدينية الدكتور أحمد علي الامام وقع خطاب الدعوة وأرسلها اليه فلم ترد القاهرة.
وحينذاك أرسل اليه الدكتور مصطفى عثمان مستشار الرئيس دعوة ثالثة، فلم يرد عليها، ومات الرجل دون ان تطأ قدمه أرض الخرطوم، ولم يعرف للأزهر حضور في السودان.
- 4 -
في ظل غياب مصر أو غيبوبتها تواجه مصر الآن مأزقا من شقين،
أحدهما يتعلق بدعوة دول المنبع اعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل،
والثاني يتمثل في احتمال انفصال جنوب السودان عن شماله، في استفتاء تقرير المصير الذي يفترض ان يتم بعد ستة أشهر (في شهر يناير المقبل)،
وهو مأزق كان بوسعنا ان نتجنبه لو ان الصورة التي كانت مرئية منذ عشرين عاما أخذت على محمل الجد، وتم الاستعانة بها في وضع استراتيجية وسياسة بعيدة المدى تليق بدولة كبيرة ومؤثرة مثل مصر، لكنها حين تراجعت صغرت، وحين صغرت هانت، ووقعت الآن في حيص بيص، حتى صار شاغلها هو انقاذ ما يمكن انقاذه، بما يرمم الهيبة ويستر العورة.
لقد تحدث كثيرون عن موضوع اعادة توزيع حصص مياه النيل.وفهمنا أنه أمر خطير حقا لكنه ليس عاجلا، لكن مسألة انفصال جنوب السودان التي تلوح في الأفق الآن لم تلق ما تستحقه من تنبيه واهتمام، ولا تزال تعامل بالتراخي وعدم الاكتراث الذي أصبح من سمات الدور المصري الباهت في السودان، على الرغم مما تمثله من تهديد لأمن مصر.
لقد سبق ان تحدثت عن المخططات الغربية والاسرائيلية التي تستهدف تمزيق السودان، والتي يراهن بعضها على انفصال جنوب السودان، خصوصا اتحاد شرق أفريقيا. وهو المشروع الاستعماري الذي طرحته بريطانيا في القرن الماضي، ليضم كينيا وأوغندا وتنزانيا وربما جنوب أفريقيا، لكي يكون عازلا بين العرب والأفارقة.
وفي هذه الحالة فان مناطق أحواض الأنهار التي راهنت مصر على زيادة حصتها المستقبلية منها لمواجهة احتياجات الزيادة السكانية، ستكون كلها في الجنوب وخارج سيطرة الشمال، ذلك ان مصر بحاجة الى عشرة ملايين متر مكعب اضافية من المياه خلال السنوات العشر القادمة، ويتعين عليها ان تدخل في مفاوضات مع «دولة الجنوب» المفترضة وأن تخضع لشروطها لكي تحصل على ما تريد، علما بأن تلك الدولة الضعيفة ستكون معتمدة على الولايات المتحدة واسرائيل بالدرجة الأولى. وللبلدين حضور قوى الآن في الاقليم.
إن نخبة الشمال لديها كلام كثير عن تأثير الانفصال على مصر، وقد علمت أن هذا الكلام نقل الى القاهرة التي زارها أخيرا وفد حذر من مغبة هذا الاحتمال، والسؤال الذي يحيرهم وسمعته على لسان أكثر من واحد منهم هو:
ماذا تنتظر مصر ولماذا تقف متفرجة على ما يجري؟
...................

تركيا نموذج لمكر التاريخ

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 17 جمادى الاخرة 1431 – 31 مايو 2010
تركيا نموذج لمكر التاريخ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_31.html


الصعود التركى المشهود من دلائل مكر التاريخ.
كانت تلك خلاصة ما قلته حين دعيت للمشاركة فى جلسة خصصت للشأن التركى، فى ندوة دعا إليها «منتدى الجزيرة» فى الأسبوع الماضى، كان عنوانها «الرؤى البديلة للعالم العربى والإسلامى».

خلاصة الفكرة التى أردت توصيلها هى أن كل الشواهد كانت تدل على أن التاريخ ماضٍ فى اتجاه معين، وأن العالم العربى بدا وكأنه مرشح للافتراس وقابل للفتك والانقضاض، ولكن الظهور التركى المفاجئ قلب الطاولة، وأربك الحسابات والسيناريوهات المرشحة، فالاتحاد السوفييتى انهار والعرب أصبحوا بلا صديق والولايات المتحدة متورطة فى أفغانستان والعراق وفى أزماتها الداخلية، وإيران محاصرة ومصنفة أمريكيا فى «معسكر الشر» ومصر انكفأت على ذاتها وخرجت من المشهد العربى.
اضافة إلى أن النظام العربى انهار والدول العربية أصبحت معسكرين متنافرين ما بين الاعتدال والممانعة،
أما القضية الفلسطينية فقد تراجعت أولويتها وتعاملت معها أغلب الأنظمة باعتبارها عبئا تريد الخلاص منه والتحلل من تبعاته، فضلا عن أن السلطة الفلسطينية باتت عاجزة عن الفعل والحركة، وأصبح اعتمادها على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أكثر من تعويلها على الشعب الفلسطينى والتأييد العربى.
لم يقف الأمر عند حدود التغيير فى الخرائط السياسية، ولكنه شمل أيضا بعض القيم السائدة، فالمقاومة صارت مستهجنة من قبل بعض الأنظمة وإرهابا عند أنظمة أخرى. والتطبيع مع إسرائيل أصبح وجهة نظر يتبناها البعض ويرفضها آخرون والاستتباع للولايات المتحدة صار مرحبا به، والقواعد العسكرية الأجنبية لم تعد شذوذا ولا خطيئة،
وفى ظل شعار بلدنا أولا ــ مصر والأردن أو لبنان وغير ذلك ــ أصبح التفريط فى الأمن القومى العربى أمرا مقبولا ومحتملا. بل إن فكرة التحرر الوطنى ذاتها أصبحت ملتبسة وغريبة على بعض الاذهان، إلى غير ذلك من القرائن التى تدل على مدى الوهن والفساد فى الوضع العربى، الذى كانت الأزمة/ الفضيحة التى شوهت العلاقة بين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة القدم من تداعياته.
فى هذا الاجواء ظهر حزب العدالة على المسرح، وشكلت قيادته الحكومة فى عام 2003 بأغلبية مشهودة، فخطفت الأبصار، خصوصا حينما أدرك الجميع عزم القيادة الجديدة على القيام بدور فاعل فى المنطقة، ثم حين تبنت موقفا نزيها ازاء القضية الفلسطينية، وهو ما كان له صداه ورنينه القوى فى الفضاء والحيرة المخيمين، عززت من أهمية ذلك الدور أربعة عوامل،

الأول أن الحكومة جاءت مستندة إلى أغلبية شعبية قوية، لم تكن مألوفة فى الساحة التركية، الأمر الذى شجعها على أن تتحرك باطمئنان وثقة معتمدة على ذلك التفويض الشعبى الواسع.
الأمر الثانى أن النموذج الذى قدمه حزب العدالة بخلفيته الإسلامية لقى قبولا من الناس. ذلك أنه لم يخاطب الجماهير بلغة الوعظ والارشاد، لكنه بنى مشروعه ورصيده على السعى الدءوب لنفع الناس وتلبية احتياجاتهم، ولذلك كان تركيزه على الانجاز الاقتصادى ضمن أولوياته.
الأمر الثالث أن الحزب بادائه أسقط معادلة التعارض بين الإسلام والديمقراطية، حيث خاض الانتخابات البلدية أولا والتشريعية ثانيا منطلقا من التسليم بقواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئها.
الأمر الرابع أن حكومة حزب العدالة اتجهت إلى المحيط العربى والإسلامى، دون أن تفرط فى حرصها على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، صحيح أنها بدأت بمجالات التعاون الاقتصادى، وسعت إلى الغاء تأشيرات الدخول مع أربع دول عربية هى سوريا ولبنان والأردن وليبيا، لكنها ما لبثت أن أصبحت حاضرة بقوة فى مختلف عناصر المشهد السياسى.
إن الديمقراطية هى التى مكنت حزب العدالة من تطوير وانضاج مشروعه وبرنامجه السياسى،
وهى التى جاءت به إلى البلديات أولا ثم إلى البرلمان ورئاسة الحكومة بعد ذلك.
وهى التى فرضت على قيادة الحزب ممثلة فى عبدالله جول رئيس الجمهورية ورجب طيب أردوغان رئيس الوزراء أن يعبرا عن مشاعر الناس وغضبهم، خصوصا ازاء الموضوع الفلسطينى، الذى أصبح أردوغان من أفضل المتحدثين عنه،
ومن ثم فإن الديمقراطية حين أخذت على محمل الجد (لا تقارن من فضلك) كانت عنصرا فاعلا فى إفساد المخططات والسيناريوهات المرسومة فى الخارج، وجعلت المجتمع مساهما فى صنع التاريخ وليس متفرجا عليه.
...............

30 مايو، 2010

البرادعى محظورًا

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 16 جمادى الأخره 1431 – 30 مايو 2010
البرادعى محظورًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_30.html


معلوماتى أن توجيها صدر بمنع استضافة الدكتور محمد البرادعى على شاشة القنوات التليفزيونية المصرية، الحكومية و«المستقلة»، وأن هذا التوجيه دخل حيز التنفيذ فى الأسبوع الماضى.
وكانت إحدى القنوات المستقلة قد اتفقت مع الرجل على إجراء حوار معه يوم الأربعاء 26/5، وبعد الانتهاء من جميع الترتيبات الإدارية والفنية، جاءت التعليمات الفوقية فى اللحظة الأخيرة بإلغاء كل شىء. ولم تكن هناك فرصة للمناقشة أو المراجعة، فتم الاعتذار له وصرف النظر عن الموضوع.
لا أعرف من الذى أصدر التوجيه، لأن المصادر «الفوقية» متعددة، كما أننى لا أعرف كيف علمت تلك «المصادر» بأن الدكتور البرادعى سيظهر فى برنامج إحدى القنوات «المستقلة».
ثم إن ما جرى يثير سؤالا آخر حول ما إذا كان ظهوره سابقا فى عدد من تلك القنوات قد تم بموافقة الجهات العليا، أم أن تلك الجهات لم تكترث بالأمر فى البداية، ولكنها أدركت لاحقا أن تمكينه من مخاطبة الناس من خلال التليفزيون أحدث أثرا لم يكن مرحبا به، ومن ثم تقرر إغلاق هذا الباب فى وجهه.
أغلب الظن أن تلك المراجع أدركت أن غياب الدكتور محمد البرادعى خارج مصر كان مريحا لها من عدة أوجه. ذلك أنه بغيابه أوقف «الصداع» الذى سببه لها، سواء بتحركاته أو تصريحاته. ولم يكن كلامه مصدر القلق الوحيد، ولكن أيضا لأن رصيد الرجل وسمعته الدولية أوقعا أجهزة السلطة فى حرج شديد، من حيث إنها لم تكن راضية عن تصرفاته،
وفى الوقت نفسه فإنها وجدت نفسها غير قادرة على «القيام بالواجب» لاسكاته. ونحن نعرف جيدا أن لدى تلك الأجهزة أساليب عديدة تمكنها من القيام بذلك «الواجب».
من ناحية أخرى، فإن غيابه أفقد دعوته إلى التغيير قوة دفعها، وأثر على حجم الاستجابة لها خارج القاهرة. بل إنه أثر أيضا على تماسك فريق العمل الذى يحيط به، إذ أتاح للتباينات واختلاف الاجتهادات والطموحات بينهم أن تظهر وتكاد تتحول إلى «شروخ» انعكست على آراء بعضهم وكتاباتهم.
هذه العوامل التى ترتبت على غياب الدكتور البرادعى اعتبرت من وجهة نظر المراجع العليا «إيجابيات» أثرت سلبا على دعوته ومشروعه، مما شجعها على أن تسعى من جانبها إلى تغييبه، وكان حظر ظهوره على شاشات التليفزيون، التى تعد أقوى وأهم وسائل التأثير، هو السبيل إلى ذلك. باعتبار أنه إذا كان الحصار الأمنى وتقييد الحركة محرجا ومتعذرا، فإن التعتيم الإعلامى عليه يحقق بعض المراد، ويعطى انطباعا لدى الرأى العام بأن الرجل لايزال مسافرا، وأنه خرج ولم يعد إلى أهله!
هذا التطور يثير ثلاث قضايا على الأقل.
من ناحية فإنه بمثابة دعوة إلى الجميع فى مصر لعدم تصديق ما يقال عن أن قنوات التليفزيون مفتوحة على مصراعيها لجميع الاتجاهات، لكى تعلن عن نفسها وتقدم آراءها للجمهور «الحبيب»(!)، وهو الكلام الذى ما برح المسئولون يرددونه هذه الأيام بمناسبة انتخابات التجديد النصفى لأعضاء مجلس الشورى، فى سياق تأكيدهم على الحياد والنزاهة والشفافية وسقف الحرية غير المسبوق.
من ناحية ثانية، فإن ما حدث ينبهنا إلى أنه طالما أن البلد له «صاحب» فالإعلام له «صاحب» أيضا. بمعنى أن ما نعتبره برامج «جريئة» ومتجاوزة للخطوط الحمراء، ليست كذلك فى الحقيقة. بالفعل، ولكن تلك الجرأة وذلك التجاوز من مقتضيات إحسان الإخراج واتقان إدارة اللعبة الإعلامية الخاضعة للتوجيه وتوزيع الأدوار.
القضية الثالثة تتعلق بالنتائج المترتبة على دخول رجال الأعمال فى الساحة الإعلامية. ذلك أن دخولهم حدث بعدما أسس كل واحد منهم إمبراطوريته المالية الخاصة ولأن تلك لها مصالحها الكثيرة مع السلطة، فإن أصحابها يحرصون على عدم إغضابها، لأن السلطة تملك إيذاءهم وتستطيع لى أذرعهم وربما رقابهم أيضا بسهولة بالغة.
(لا تنس سلاح القروض والمديونيات). من ثم فهم لا يستطيعون رفض التوجيهات التى تصل إليهم لأنهم يعلمون جيدا ثمن ذلك الرفض. وهو ما يفسر الاستجابة السريعة من جانب القناة الخاصة وصاحبها لقرار منع ظهور الدكتور البرادعى على الشاشة وإدراجه ضمن القائمة الطويلة من المحظورين.
..................

29 مايو، 2010

إغاثة للصمود وأخرى للاعتدال

صحيفة السبيل الاردنيه السبت 15 جمادى الاخره 1431 – 29 مايو 2010
إغاثة للصمود وأخرى للاعتدال – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_29.html


أبحث كل صباح عن أخبار "أسطول الحرية" في الصحف المصرية فلا أجد لها أثرا، ولذلك أصبحت أتابعها من مصادر أخرى، بعدما صار للأخبار ألف باب، وأصبح التعتيم عليها وحجبها من قبيل دفن الرؤوس في الرمال.

من ثم، فإنني لم أواجه مشكلة في متابعة رحلة قافلة الإغاثة وكسر الحصار المضروب على غزة، التي يقودها ويشارك فيها نفر من النشطاء النبلاء والشجعان الذين يصرون على تحدي الغطرسة الإسرائيلية.
لكن ما استغربت له حقا هو تجاهل الإعلام المصري للرحلة، الذي لا أستطيع أن أفسره بالسهو والخطأ، لذلك فإنني أشم في ذلك التجاهل رائحة العمد، الذي إذا أحسنا به الظن فقد نرجعه إلى الخجل والحرج من أن حملة بذلك الحجم الكبير الذي تشارك فيه أطراف أوروبية وتركية وعربية، تغيب عنه مصر، وهي الدولة الكبيرة، التي تقول لنا الأبواق الإعلامية الرسمية إنها "لم تقصر" يوما ما في حق القضية الفلسطينية.
النتيجة أن المواطن العادي في مصر لم يحط علما بالموضوع، إلا إذا كان من متابعي قناة "الجزيرة" أو تليفزيون "الأقصى"، أو مواقع الإنترنت المعنية بالموضوع،
أصبحت الأغلبية تجهل أن أسطول الحرية، الذي تبنته ورعته الحملة الأوروبية لكسر الحصار التي تتخذ من بروكسل مقرا لها يضم تسع سفن، منها ثلاث سفن شحن، وست للركاب.
أما سفن الشحن فثمة واحدة منها ترفع علمي تركيا والكويت، والثانية بتمويل جزائري، والثالثة ممولة أوروبيا من السويد واليونان،
وهي تحمل عشرة آلاف طن من المساعدات الطبية ومواد البناء والأخشاب، كما أنها تضم مائة منزل جاهز لمساعدة الذين دمر الإسرائيليون بيوتهم أثناء العدوان الأخير على غزة، علاوة على 500 عربة كهربائية لاستخدام المعاقين من ضحايا الحرب.

سفن الركاب تحمل نحو 750 ناشطا ومتضامنا من 60 دولة. وقد زودت لأول مرة بأجهزة للبث الفضائي لنقل أخبار الرحلة إلى العالم الخارجي، ومن ركابها 36 صحفيا يعملون في 21 وكالة أنباء ومطبوعة عالمية.
من الركاب أيضا 44 شخصية رسمية وبرلمانية وسياسية أوروبية وعربية، ومن الأخيرين عشرة نواب جزائريين. ومن الشخصيات البارزة التي انضمت إلى الحملة عضوا البرلمان الإيرلندي كريس أندرو وإينجوس أوسنديغ، وعضو البرلمان الأوروبي كرياكوس تريانتافيدليز، والزعيم السياسي البلغاري كيراك تسونوف، والنائب السابق في مجلس الشيوخ الإيطالي فيرناردو روسي، ورئيسة حزب المصلحة العامة في إيطاليا مونا ببيي، والسياسي النرويجي المعروف إيرلج فولكفورد، والكولونيل الأمريكية السابقة آن رايت المعروفة بمعارضتها للحرب على العراق، وعدد من النواب الأوروبيين والأتراك.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها الناشطون المتضامنون مع غزة كسر الحصار وإيصال المعونات إلى المحاصرين في غزة. فقد سبق لهم أن نظموا ثماني محاولات، نجحت في اجتياز العراقيل الكثيرة التي وضعت أمامها ووصلت إلى غزة، باستثناء واحدة خطفها الإسرائيليون في شهر يونيو من العام الماضي (2009). لكنها المرة الأولى التى يعبأ فيها أسطول بذلك الحجم الكبير نسبيا. وقد أعلنت إسرائيل أكثر من مرة أنها لن تسمح للسفن بالرسو على شاطئ غزة، في حين أن منظمي الحملة يصرون على بلوغ هدفهم. وهذه المواجهة يفترض أن تحدث اليوم (السبت) أو غدا، ويتعذر التنبؤ من الآن بما يمكن أن تسفر عنه.
أثار انتباهي في هذا السياق، أن جريدة الأهرام نشرت في عدد الخميس الماضي (27-5) خبر ترقب وصول قافلة إغاثة إماراتية إلى مصر، تم إرسالها بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري برئاسة السيدة سوزان مبارك ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وأبرزت الأهرام باللون الأحمر مسألة التنسيق مع الهلال الأحمر المصري.
وذكر الخبر أن القافلة تضم 42 مقطورة تحتوي على 400 طن دقيق فاخر و100 طن سكر و100 طن مكرونة وشاحنات أدوية لكل الأمراض. ولم يفت خبر الأهرام أن ينوه إلى أن الهلال الأحمر المصري قام بإدخال ألف طن من المساعدات في الأسبوع الماضى إلى "الأشقاء الفلسطينيين"، "في إطار جهود مصر لتخفيف الحصار عن أبناء غزة".
لا أعرف ما إذا كان ذلك التزامن مقصودا أم لا، لكني حين قرأت الخبر قلت:
حتى الإغاثة لم تنج من الانقسام بين معسكري الصمود والاعتدال؟!
......................

26 مايو، 2010

فصل في استغفال الناس

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 13 جمادى الأخره 1431 – 27 مايو 2010
فصل في استغفال الناس – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_26.html


نحن لا نكف عن الكذب واستغفال الناس،
أمس الأول (25/5) بث موقع «الجزيرة نت» خبرا يقول إن السيدة ميرفت التلاوي وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة اتهمت الحكومة في مصر بمصادرة 435 مليار جنيه (نحو 85 مليار دولار أميركي) من أموال أصحاب المعاشات لسد العجز في الميزانية ودعم البورصة.
ونقل الموقع على لسانها قولها إن القانون الجديد للتأمينات الذي تخطط الحكومة لإصداره الآن يستهدف مسح هذا المبلغ وتقنين المصادرة، وذلك عن طريق خلط التأمينات مع الميزانية العامة.

بدا الخبر صادما لي على الأقل، فرجعت إلى السيدة ميرفت التلاوي، للتثبت من صحته. وجدتها في مهمة عمل بموريتانيا. وقالت لي على الهاتف إنها صرحت بذلك فعلا، وأضافت أن الحكومة بدلا من أن تستثمر تلك الأموال لمصلحة أصحاب المعاشات لكي تحسن من أوضاعهم، فإنها لجأت إلى السحب منها كلما احتاجت لسداد الدين العام أو لسد العجز في الموازنة.

سألت من أعرفهم من أهل الذكر في الموضوع. فقالوا إن أموال التأمينات والمعاشات التي كانت في حوزة وزارة التأمينات نقلت عمليا إلى وزارة الخزانة، وإن الحكومة ظلت تقترض منها لكي تسدد التزاماتها نظرا للعجز المستمر في ميزان المدفوعات. وهذا الاقتراض يسمح به القانون. ولكن نقل التبعية بالكامل إلى وزارة الخزانة يعد إجراء مخالفا للقانون، لأن ذلك مال خاص، لا ينبغي له أن يضم إلى الموازنة العامة.

ذلك أن موظفي الحكومة وقطاع الأعمال تقطع من رواتبهم نسب معينة (16 ٪ من أجورهم و24 ٪ تغطيها جهات عملهم)، لكي تعينهم تلك المدخرات على تحمل أعباء الحياة بعد إحالتهم إلى التقاعد.

وحين تلحق هذه الأموال بوزارة الخزانة فإن ذلك يحقق نتائج عدة،
منها أن ما اقترضته الحكومة منها في السابق قد سقط ولم يعد هناك سبيل لاسترداده،
منها أيضا أن فرصة استثمار هذه الأموال على نحو ينفع تلك الشرائح الضعيفة من الموظفين المتقاعدين لم تعد متاحة. لأن الحكومة أصدرت صكين اثنين مقابلها، أحدهما بنسبة 8 ٪ والآخر بنسبة 8.5 ٪، وهو ما يغلق الباب أمام إمكان نمو ذلك المورد،
أما المستفيد الوحيد من تلك الخطوة فهو الحكومة ووزير الخزانة. ليس فقط لأن الضم يعفي الحكومة من سداد ما سبق أن اقترضته من أموال أصحاب المعاشات، ولكن أيضا لأن من شأنه تقليل الدين الحكومي وإظهار العجز بأقل من قيمته الحقيقية. باعتبار أن إدماج ذلك المبلغ الكبير من أموال التأمينات فى جانب الإيرادات سيعطي انطباعا كاذبا بالوفرة النسبية للموارد في مواجهة المصروفات.

لقد أرادت الحكومة بفكرة الضم أن تتجمل وتضحك على الناس، لكي توهمهم بأن الاقتصاد المصري بخير، وأن السياسة المالية ليس فيها ما يقلق.
وإذا لاحظت أن ذلك تم وسط أجواء يلوح فيها شبح الأزمة المالية اليونانية، ويتساءل فيها الناس عن إمكان تكرار الأزمة في مصر، فلن تغيب عنك دلالة التوقيت، وفهم الرسالة التي تستهدف إيهام الناس بأن الأمور على ما يرام وأن «كله تمام».

مما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن الحكومة لجأت إلى التدليس في الموضوع، في حين أنها تعاني آثار الأوهام التي سوقتها لنا حين ادعت أن كله تمام في موضوع مياه النيل، وفي الشكوى التي قدمتها إلى فيفا بمناسبة مباراة كرة القدم الشهيرة مع الجزائر. وتبين بعد ذلك أنها لم تمتلك شجاعة إعلان الحقيقة ولم تتعامل مع القضيتين بما تستحقانه من جدية ومسؤولية.

المشكلة أن المسؤولين فى الحكومة وهم يلجأون إلى هذه الأساليب، فإنهم يتصرفون مطمئنين إلى أن أحدا لن يحاسبهم، وأن كل ماىشغل بالهم هو أن يظلوا موضع الثقة والقبول، حيث لا يهم لديهم أن يخسروا أي قضية طالما أنهم مشمولون بالرضا السامي.
.................

25 مايو، 2010

فرقة «الوطني» الناجية

صحيفة السبيل الأردنيه 12 جمادى الأخره 1431 – 26 مايو 2010
فرقة «الوطني» الناجية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_25.html

حين ذهب أستاذ الجامعة إلى رئيسها الذي كان زميلا له ليستفسر منه عن سبب تخطيه في وظيفة استحقها حين حل الدور عليه، فإن الرئيس اتكأ على زمالته وصارحه بالحقيقة. وكان مما قاله إنه جرى تخطيه لسبب جوهري، هو أنه ليس من أعضاء الحزب الوطني، وأنه رفض عضوية لجنة السياسات.
كان الأستاذ قد سمع قبل ذلك تفسيرا آخر من عميد الكلية لم يقتنع به؛ خلاصته أن الأمن اعترض على اسمه. ولم يكن ممكنا تجاهل ذلك الاعتراض، لأن ملاحظات الأمن أوامر.
صحيح أنه لم يستغرب أن يكون للأمن كلمة في الموضوع، لأنه تعلم من خبرته أنه الذي يدير الجامعة. فرجاله هم الذين يجيزون رئيسها وعمداءها، وهم أصحاب القول الفصل في التعيينات والترقيات والبعثات والمهام العلمية.
ولأن نفوذ الأمن بهذا الانتشار وتلك الأهمية، فلم يشك صاحبنا في أن الأمن يعلم جيدا أنه أكاديمي مستقل، ليس له أي نشاط سياسي أو انتماء إلى أي حزب سياسي، وهو ما شككه في جدية ما سمعه عن الاعتراض الأمني عليه. من ثم فإنه ظل مشغولا بتحري السبب الحقيقي «غير الأمني» الذى أدى إلى تجاوزه وإعطاء الوظيفة لغيره،
كان زاهدا حقا في الوظيفة التي حرم منها، لأنها لم تكن ذات طبيعة أكاديمية، لكنه كان حريصا على فهم العوامل الخفية التي تتحكم في القرارات الإدارية التي تتخذ، والتي تهدر الأعراف المتبعة ولم تعد تبالي بالتقاليد الجامعية المعتبرة.
استراح صاحبنا لما سمعه من رئيس الجامعة، وشكره على صراحته ثم انصرف. وحين سمعت منه القصة التي رجاني ألا أنشر أسماء أطرافها، فإنه كان مشغولا بشيء آخر أدرك أنه يتشكل في البلد في هدوء، ودون أن يشعر أحد.
ذلك أن ما جرى معه دفعه إلى إعادة النظر في قراءة أخبار وأسماء الذين يعينون في مختلف المواقع. وحين أشركني معه في بحث الموضوع فإنني تساءلت عما إذا كنا بصدد إحياء فكرة «التنظيم الطليعي» التي عرفتها مصر في ستينيات القرن الماضي، واقتبستها من أسلوب الأحزاب الشيوعية في الحكم والإدارة،
إذ بمقتضاها كان يتم اختيار أناس يفترض فيهم أنهم أكثر التزاما وولاء، وإعدادهم ثقافيا وسياسيا لكي ينتشروا في أعصاب أجهزة الدولة ومفاصلها، لضمان سيطرة النظام على كل شيء فى البلد.

لكننا تراجعنا عن فكرة استنساخ تجربة التنظيم الطليعي، التي وجدناها أكبر وأوسع من الموجود حاليا، لأن التنظيم الطليعي كان ينطلق من مشروع وفكرة يجري إعداد نفر من الشباب والفتيات لحراستها والدفاع عنها. لكن الذين يدفعون إلى المواقع الأمامية في مصر الآن يتم اختيارهم بناء على عنصر الولاء وحده، والحالة التي نحن بصددها تشهد بذلك. خصوصا أنه لا يوجد «مشروع»، بالمفهوم السياسي للكلمة، تدعى النخبة لحراسته والدفاع عنه، وإنما هناك نظام مطلوب تأمين استمراره وتثبيت قواعده.
لذلك فإن هؤلاء الذين يتم اختيارهم لمختلف المواقع لا يتعرضون لأي شيء من التثقيف أو الإعداد الفكري والسياسي، وإنما هم يتحركون من خلال التلقين ليس أكثر. ولأن الأمر كذلك، فالأغلبية الساحقة منهم تعتبر أن الالتحاق بالحزب هو باب الترقي والترفيع وجني المكاسب.
لذلك فليس غريبا أن تكون النسبة الأكبر من الضالعين في مختلف مظاهر الفساد في البلد من أعضاء الحزب الوطني وأركانه.
معلوماتي أن الحاصل في الجامعة مطبق في الهيئات الأخرى والوحدات المحلية التي سلمت مقاليدها إلى المنتسبين إلى الحزب الوطني،
وبذلك قسم المواطنون إلى فئتين..
الأولى ضمت المحظوظين من أعضاء الحزب،
والثانية شملت كل من عداهم،
الأمر الذي طبق عمليا فكرة «الفسطاطين» التي رددتها بيانات تنظيم القاعدة، وبمقتضاها اعتبر التنظيم أن أعضاءه هم النخبة المتطهرة والفرقة الناجية. أما من عداهم في الفسطاط الآخر فهم العصاة والمنبوذون وأهل الجحيم.
هل يفسر لنا ذلك ما يتحدث به قادة الحزب بين الحين والآخر عن أهمية وضرورة الالتحام «بالقاعدة»؟!
..................

24 مايو، 2010

مبدعون مسكوت عليهم – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1431 – 25 مايو 2010
مبدعون مسكوت عليهم – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_24.html

حينما سدت الطواويس الأفق، فإننا لم نر مثابرة النمل ولا إبداعاته، تماما كما ان احباطات السلطة حجبت عنا اشراقات المجتمع.

(1)
اتحدث عن الحراك الصامت الذي لم يتوقف في عمق المجتمع المصري.لا اقصد الحراك السياسي الذي يناطح السلطة ويدعو الى التغيير (رغم ان للسياسات طواويسها، ايضا)، لكني اتحدث عن اناس لم ينتظروا شيئا من السلطة ومارسوا بأنفسهم عملية التغيير في الواقع فيما قدروا عليه.
لم يكترثوا بالطوارئ التي استهدفت تشديد القبضة على المجتمع واطلاق يد السلطة لتتحكم في مصيره وتعبث به.لكنهم من جانبهم بادروا الى اعلان «طوارئ» من نوع آخر، لهدف أشرف وأنبل.
ذلك انهم استنهضوا همتهم واختاروا مفاصلة أهل الاهواء والاضواء، وانصرفوا الى صناعة احلامهم بأيديهم.لم ينتظروا خبراً في صحف الصباح، ولا صورة على شاشة التلفزيون، ولا شيئا من جوائز الدولة وعطاياها التي تتقاسمها شلل المنتفعين والمهللين.
اتحدث عن اولئك النفر من الشرفاء المجهولين، الذين اختاروا ان يعيشوا مع الفقراء ويأخذوا بأيديهم، تاركين طواويس المدينة يسبحون في اضوائها فرحين بما أوتوا.اولئك الذين ظلوا مهجوسين بالغرس والزرع دون ان ينتظروا من أحد جزاء ولا شكورا.تركوا للطواويس التيه والمجد، وقعدوا بعيدا في الظل ينسجون الحلم ويبنون في هدوء، متخذين من مثابرة النمل وتواضعه نموذجا ومثلا اعلا.
(2)
في صنعاء سمعت لاول مرة اسم الدكتور محمد غنيم ومركز الكلى الذي اقامه في مدينة المنصورة.شعرت بالخجل والاعتزاز عندما حدثني عنهما بانبهار شديد صديق كان شقيقا لاحد مرضاه.اذ لم يخطر على بالي ان يكون في مصر صرح طبي بالتميز الذي سمعت به.

وطوال السنوات العشر الاخيرة ظللت اتابع اداء الرجل الذي وقف وراء ذلك العمل الكبير.وكان اكثر ما قدرته فيه، فضلا عن مكانته العلمية الرفيعة، عزوفه عن الاضواء وحرصه على ان يؤدي رسالته الجليلة في صمت.
ولا اعرف كيف قاوم ذلك العالِم الزاهد فتنة الشهرة والثراء التي استسلم لها ولهث وراءها غيره، وكيف انه قرر ان يقيم صرحه الطبي في قلب الدلتا بعيدا عن جاذبية القاهرة واغراءاتها.

كذلك سمعت في الفترة ذاتها باسم «لجنة الاغاثة» في نقابة الاطباء، مرة في السودان واخرى في البوسنة وثالثة في اذربيجان.وعلى الرغم من ان اسمها ليس مألوفا في مصر، سواء لان القائمين عليها آثروا اثبات الحضور في ارض الواقع باكثر من حضورهم في وسائل الاعلام، او لان اكثر نشاطها موجه الى الخارج، فانني وجدت في اداء تلك اللجنة نموذجا آخر للذين نذروا انفسهم للتفاني في اغاثة الفقراء والملهوفين وتوظيف المعرفة في الخدمة المباشرة للناس.
اما الذي فعله الدكتور مجدي يعقوب فقد كان مدهشا حقا.اذ فاجأنا ذلك الجراح النابه الذي هاجر من مصر وذاع صيته في انجلترا، حتى منحته الملكة لقب «سير»، بانه قرر اقامة مركز لجراحة القلب في اقصى صعيد مصر.وكأنه حين اختار اسوان فانه اراد ان يعمل في ابعد نقطة عن اضواء القاهرة، وان يعطي لغيره درساً عملياً في الوفاء والمسؤلية.
ان بعضا من هؤلاء النابهين المهاجرين يأتون الى مصر للسياحة حينا، ولاعطائنا النصائح والمواعظ حينا اخر، وللظهور في برامج التلفزيون وحضور الحفلات والمنتديات في حين ثالثة.
لكن الدكتور مجدي يعقوب عزف عن كل ذلك.وبدا كأنه نسيج وحده.فلم يكتف باقامة الصرح الطبي، فحسب، ولكن النموذج النبيل الذي قدمه، شجع آخرين من العلماء المصريين المهاجرين على الانضمام اليه، والاسهام فيما يقدمه المركز من خدمات.
علمت ان المركز يجري 600 عملية قلب مفتوح بالمجان سنوياً.منها 300 عملية للاطفال (لاحظ ان العملية في الظروف العادية تتكلف عدة الوف من الجنيهات).ذلك بالاضافة الى دوره في البحوث والتدريس وتقديم الخدمات الصحية المتميزة لمرضى القلب في مصر والدول العربية والافريقية.
اذ خلال الاشهر الماضية اجرى المركز 240 عملية جراحية مجانية، 50%منها للاطفال من مختلف محافظات مصر، وبعض الدول الاخرى.علمت ايضا ان المركز استضاف فريقا طبيا مصريا- كنديا، اجرى خبراؤه 70 عملية جراحية.ولايزال يؤدي رسالته النبيلة قانعا بالصمت وراضيا بالظل.
(3)
في الاسبوع الماضي عادت الابتسامات الى وجوه اهالي قرية كفر العرب بمحافظة دمياط، التي كان الحزن قد خيم عليها خلال السنوات الاخيرة، بعدما ضاقت عليهم ابواب الرزق، وبدا كان الدنيا اسودت في وجوههم.
ذلك ان اهالي القرية التي اشتهرت بتربية الماشية وتصنيع الاجبان ادركوا ان اسعار الاعلاف زادت بحيث تجاوزت حدود احتمالهم.فما كان من المربيين الا ان اتجهوا الى التخلص من قطعان الماشية بالذبح.وادى ذلك الى اغلاق نصف مصانع منتجات الالبان في القرية.
لكن ازمتهم بدات في الحل بعدما نجح بعض الباحثين في تصنيع علف جديد للماشية بجودة عالية، من البواقي الزراعية في القرية التي كانت تحرق او تُلقى كمهملات في كل موسم.
هذا الجهد وراءه قصة غريبة ومدهشة ايضا، ابطالها مجموعة من الباحثين المغمورين الذين اختاروا منذ سنوات ان يحاربوا الفقر في معاقله، وبايدي الفقراء انفسهم، فشمروا عن سواعدهم واستخدموا معارفهم العملية وخبراتهم لحفر مسار جديد للتفكير والتطبيق، وبدأوا رحتلهم منذ نحو عشرين عاما.صحيح انهم لم يغيروا شيئا في اوضاع المجتمع المصري، لكنهم زرعوا «فسائل» للامل في بعض انحاء مصر، والتزموا بنهج النمل في التحرك والبناء.
الفكرة المحورية في مشروعهم كالتالي:
ان مصر بلد زراعي في الاساس، وريفها هو الاكثر معاناة من الفقر والتخلف والبطالة، والزراعة لها مخلفاتها التي تهمل وتحرق وتتحول الى نقمة احياناً، على الرغم من انها تشكل ثروة لمن يعرف قيمتها.ولانهم يعرفون جيدا قيمة تلك الثروة، فقد اتجهوا الى تصنيع البواقي الزراعية، منطلقين من انها تمثل شريانا للانعاش الاقتصادي في مصر الاخرى.
في دراستهم المرجعية وجدوا ان البواقي الزراعية في مصر تقدر سنوياً بحوالي 72مليون طن كاحطاب (حطب الذرة والقطن) او عروش (بنجر السكر والطماطم والبطاطس) او قشر (القمح والارز)- وللعلم فان مصاص القصب وحده يقدر بحوالي 30 مليون طن.
اضف الى ذلك ان الفلاحين يلجأون عادة الى تشوين تلك البواقي في حواف الحقول تمهيدا للتخلص منها، بما يقتطع من الرقعة الزراعية نحو 88 الف فدان، كان من الممكن ان تزرع قمحا.
هؤلاء الباحثون المغمورون، الذين لم تعرف لهم أسماء ولم تر لهم صور، يجوبون ارجاء «مصر الاخرى» منذ بداية التسعينيات، باحثين عن الكيفية التي يمكن بها احياء الموات في القرى الفقيرة، بحيث يتحول اهلها من قاعدين خاملين الى منتجين، ومن يائسين الى فاعلين.

في عام 1993 اقاموا معرضا لتصنيع الواح خشب «الكونتر» من جريد النخيل.ونجحوا في اقناع سكان القرى الغنية بالنخيل بان الجريد الذي يجفف ويحرق يمكن ان يكون خامة لصناعة تدر عليهم دخلا طيبا، وتغنى عن استيراد خشب الكونتر من الخارج.
وحين نجحت تجاربهم وظهرت الواح الخشب الكونتر الى النور، فانهم حصلوا على شهادات بجودة المنتج من معهد بحوث الاخشاب في ميونيخ،
وحصلوا على جائزة من مؤتمر المواد الذي انعقد في ماسترخت بهولندا عام 1997.واقاموا معرضا لمشروعات منتجات المشربية (الارابيسك او الخرط العربي) في كل من محافظتي الوادي الجديد والفيوم.

ايضا في عام 2006 نجحوا في استخدام حطب القطن كمادة صناعية.واستطاعوا تشغيل احد مصانع الاسكندرية للخشب الحبيبي بذلك الحطب، بديلا لاخشاب الكازوارينا التي اشرفت كمياتها المتاحة على النضوب. من ثم، فبدلا من الحرق المكشوف للحطب المسبب للسحابة السوداء، فان ذلك الحطب اصبح له سعر وفائدة.
في عام 1998 نفذوا مشروعا لاستخدام نواتج تقليم أشجار الفاكهة بديلا للاخشاب المستوردة.ووظفوا في ذلك اخشاب 7 انواع من الفاكهة وصنعوا منها اخشابا تنافس خواص خشب الزان الذي تستورده مصر بما قيمته 4 مليارات جنيه سنوياً.
في عام 2006 قاموا بتجربة ناجحة اخرى.ذهبوا الى بلدة شماس بمرسى مطروح، التي تعد واحدة من افقر عشر قرى في مصر، ووجدوا ان التين فيها بلا ثمن لكثرته، ولاحظوا ان الفائض منه يلقى في الشوارع، فرتبوا لبعض سيدات القرية بالتعاون مع كلية الزراعة بجامعة الاسكندرية، كيف يمكن ان يتحول التين الى مربى.واستطاعت ثلاث سيدات تصنيع 15 طن مربى في شهرين، حققت المواصفات العالمية في الغذاء.
ذلك كله لم يشعر او يسمع به احد.لكن فريق النمل الذي يقوده الدكتور حامد الموصلي الاستاذ غير المتفرغ بهندسة عين شمس لم يتوقف عن السفر مع مساعديه الى قرى الفقراء ومحاولة استخراج الامل من البؤس واليأس.وهم يحلمون بنشر فكرة تصنيع البواقي الزراعية (البيو فيبرز) التي تستثمر تلك الثروة المجهولة في العديد من الصناعات المهمة التي تشكل نقلة مهمة ليس فقط في حياة القرى الفقيرة، ولكن ايضا في مسار النهوض بالمجتمع وتطوره.
(4)
اكتشفت ان الجمعية الشرعية في مصر تقف على راس جيوش النمل التي ما برحت تبنى في صمت منذ مائة عام.ونبهني الى ذلك ان القائمين عليها اقاموا احتفالا متواضعا بهذه المناسبة في مقرهم بالقاهرة، تجاهلته وسائل الاعلام، ونشرت وقائعه مجلتهم «التباين» في عددها الشهري الاخير.
واثار انتباهي في انشطة الجمعية حجم الدور التنموي الذي تقوم به، جنبا الى جنب مع دورها الدعوي التقليدي.
بدا ذلك الدور التنموي مفاجئا ومدهشا.فهم يكفلون 560 الف يتيم في مصر، وينفذون من اموال الزكاة مشروعا للمراكز الطبية المتخصصة، التي لا تعالج الفقراء فحسب، ولكن غير القادرين ايضا، بغير تمييز بين المسلمين والمسيحيين.(جلسة الكيماوي الواحدة لمرضى السرطان تتكلف 5 آلاف جنيه).وتقدم خدماتها يوميا لمائة مريض بالعلاج الاشعاعي و30 مريضا بالكيماوي.والاخيرون يكلفون الجمعية ما يجاوز 5 ملايين جنيه كل شهر.
ومن خلال لجنة الاغاثة بنقابة الاطباء، فانهم اوصلوا المعونات الى العديد من دول افريقيا وآسيا.في ذات الوقت فانهم يكفلون عشرة آلاف طالب وافد، فيقدمون لهم رواتب شهرية الى جانب الاقامة الكاملة والرعاية الصحية، ويعلمونهم العربية.وقد حصل 50 واحدا منهم على شهادة الدكتوراه.
قائمة العطاء طويلة.فلديهم مشروع لتنمية رؤوس الماعز، التي يتم توزيعها على الفقراء والمعدمين (لديهم 82 وحدة تستوعب الواحدة 215 راسا).كما انشات الجمعية 50 محطة لمياه الشرب، تكلفت الواحدة 150 ألف جنيه، وتغذي 12 الف نسمة.
لست أشك في أن مصر تحفل بمثل هؤلاء البنائين العظام الذين لم ينتظروا منا تشجعيا ولا تصفيقا، فمن واجبنا ان نسجل أسماءهم بحروف من نور، وان نقول لهم شكرا،
ليس فقط لما يعملونه، ولكن ايضا لانهم ذكرونا بانه لايزال فينا خير كثير، يمنحنا شعاع امل وسط الظلمة التي نغرق فيها.
...................

23 مايو، 2010

سوق المهارة جَبَر

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 10 جمادى الاخره 1431 – 24 مايو 2010
سوق المهارة جَبَر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_23.html


لا يستطيع المرء أن يخفي دهشته، حين يقال له إن مصر التي تتفاقم فيها مشكلة البطالة تعاني من أزمة في العمالة الماهرة. وإنه لهذا السبب، ولأسباب أخرى تستحق الدراسة والعلاج السريع، فإن الشركات الكبرى التي تصنع منتجاتها من النسيج في مصر بدأت في التحول إلى بلدان أخرى مثل الهند وتركيا وبنجلاديش وفيتنام.
وهي المعلومات التي تلقيتها من مصادر عدة عقب
ما نشرته في هذا المكان يوم السبت الماضي (22-5) عن سوق العمالة الأجنبية في مجال خدمة البيوت، والسماسرة الذين يتلاعبون بتلك السوق، الذين أوصلوا أجر المربية الفلبينية إلى 800 دولار في الشهر، وهو مبلغ يعادل ما يتقاضاه وكيل أول أي وزارة في مصر.
ذكرت الرسائل التي تلقيتها أن المشكلة أفدح في قطاع الصناعة، لأن معاناة بعض الميسورين من قلة المربيات أو الشغالات المدربات محدودة الحجم، فضلا عن أنها تظل أخف وطأة من أزمة المناطق الصناعية جراء النقص الفادح في العمالة الماهرة. وهي الأزمة التي رتبت عدة نتائج سلبية أضرت ضررا بالغا بقطاع الصناعة من أوجه متعددة.
فقد أدى ذلك إلى عدم التزام الشركات المصرية بمعايير الجودة، كما أدى إلى إخلالها بالمواعيد المقررة للتصدير.
من تلك النتائج السلبية أيضا أن تدني كفاءة العامل المصري في قطاع النسيج على الأقل أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع المنتجة.
وفي دراسة مهمة تلقيتها في هذا الصدد أن تكلفة ساعة العامل المصري في صناعة الملابس قدرت بما يساوى 0.88 من الدولار، في حين أن تلك التكلفة تصل إلى 0.32 في بنجلاديش وفيتنام. وتبلغ 0.55 من الدولار في الصين والهند.

بينت الدراسة أيضا أنه بقياس عنصر الوقت في إنتاجية العامل المصري مقارنا بمثيله في سريلانكا وبنجلاديش فإن الإنتاجية في مصر تقل بنسبة 50٪. تبين أيضا أن معدل دوران العمالة في مصر يصل إلى 15٪ شهريا، ومعدل الغياب اليومي يصل إلى 10٪ يوميا. وتلك أمور تؤدي إلى انخفاض الجودة وعدم القدرة على الالتزام بمواعيد الشحن.
وحين يصبح الأمر كذلك فإنه لا غرابة في أن تسوء سمعة المنتج المصري من النسيج، وأن تنقل الشركات العالمية تعاقدها من مصر إلى الدول الأخرى التي سبقت الإشارة إليها. ورغم أن تلك الدول الأخرى لجأت إلى عوامل أخرى لتعزيز قدرتها على التصدير، مثل تخفيض قيمة العملة وتكلفة التمويل، فإن الذي لا شك فيه أن مهارة العمال وارتقاء ثقافة العمل والإنتاج من العوامل الحاسمة التي رفعت من قدرتها التنافسية ورجحت كفتها في مجال جذب الاستثمارات وتصدير المنتجات.
أغلب الرسائل التى تلقيتها شكت من أن الدولة في مصر مهتمة بالتجارة والاستيراد بأكثر من اهتمامها في الصناعة والإنتاج. ونبهت إلى أن مشكلات الصناعة ليست مأخوذة على محمل الجد، بدليل أن هناك مشكلات كثيرة تعترضها لا يعنى أحد بحلها.
أما ما اتفق عليه الجميع فهو أن العامل المصري يحتاج إلى إعادة تأهيل، سواء في قدراته وكفاءته المهنية، أو في التزامه بقيم العمل الناجح، التي في مقدمتها الإتقان والانضباط والالتزام بالمواعيد وبالسلوك الجاد في الأداء.

انعقد الاتفاق أيضا على أن التعليم الفني المتوسط عجز عن تحقيق هدفه في توفير العمالة الماهرة، لأنه بدوره لم يؤخذ على محمل الجد. فلم توفر له أي إمكانيات ولم يلتحق به إلا الفاشلون في الدراسة، ولم يقم بالتدريس في مدارسه إلا أضعف المدرسين شأنا وأقلهم أجرا.. إلى غير ذلك من الأسباب التي أدت إلى انهيار التعليم الفني باختلاف مدارسه الصناعية والتجارية والزراعية.
حين يلاحظ المرء أن التراخي وعدم أخذ الأمور على محمل الجد، من القواسم المشتركة بين عناصر المشهد وحلقاته فإن الدهشة تتحول عنده إلى صدمة، إذ يصبح فريسة لحيرة شديدة تدفعه إلى التساؤل:
إذا كانت قضية الإنتاج على حيويتها يتم التعامل معها بذلك القدر المشهود من التراخي واللامبالاة، فما هو الشيء الجاد في واقعنا إذن؟
وعلى أي شيء نراهن في تحقيق التقدم وإحياء الأمل لدى الأجيال الجديدة؟
........................

22 مايو، 2010

فرنسا أدارت خدها الأيمن لإسرائيل

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 9 جمادى الأخره 1431 – 23 مايو 2010
فرنسا أدارت خدها الأيمن لإسرائيل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_22.html


عرفنا الكثير عن بطش الإسرائيليين بالعرب. ولم نسمع إلا أخيراً عن ازدرائهم بأصدقائهم الفرنسيين.
على الأقل فقد كان ذلك مفاجئاً لي، حين وقعت على مقالة عنوانها «تل أبيب تدوس على حلفائها»، كتبها آلان جريش، مدير تحرير مجلة «لوموند دبلوماتيك» (يهودي ليبرالي)، نشرتها الطبعة العربية للمجلة في عدد أول أبريل الماضي.
وفيها أورد صاحبنا المعلومات التالية، في ديسمبر 2009 طوقت الشرطة الإسرائيلية المركز الثقافي الفرنسي في القدس بهدف اعتقال مسؤولين فلسطينيين كانوا موجودين هناك،
وفى 22 يونيو من العام ذاته اعترض جنود إسرائيليون طريق مديرة المركز الثقافي الفرنسي في نابلس ، وأجبروها على النزول من سيارتها الديبلوماسية، ثم طرحوها أرضاً، وأوسعوها ضرباً، حتى أن أحد الجنود صرخ في وجه المديرة مهدداً «يمكننى أن أقتلك».
وأثناء الهجوم على قطاع غزة، في يناير عام 2009، تعرض منزل الموظف القنصلي الفرنسي المعتمد، مجدي شكورة، للتخريب على يد جنود إسرائيليين نهبوا منه أموالاً، ومجوهرات.
وفي الشهر ذاته، تعرضت سيارة القنصل الفرنسي في القطاع لطلقات نارية «تحذيرية»، وفي 11 يونيو عام 2008، أوقفت السيدة كاترين هيفر، مساعدة قنصل فرنسا في القدس لمدة سبع عشرة ساعة بشكل مذل، على إحدى نقاط العبور في قطاع غزة.

وكان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قد تعهد 
لـ «صديقه»، نيكولا ساركوزي، أن يسهل عملية إعادة بناء مستشفى القدس في غزة، الذي تعرض، أيضاً، للتدمير أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير إلا أن إسرائيل ما زالت تمنع دخول مواد البناء اللازمة إلى القطاع، متذرعة بالأمن، هذا بالإضافة إلى العراقيل، التي تحول دون إعادة تشييد المركز الثقافي الجديد.

لم يثر أي من عمليات الإذلال هذه، التي تعرض لها ممثلو فرنسا أي ردة فعل حازمة من قبل وزارة الخارجية الفرنسية، والمرة الوحيدة التي أبدت فيها الخارجية ردة فعل، كانت عندما استعمل الموساد جوازات سفر فرنسية لتنفيذ عملية اغتيال محمود المبحوح، القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في دبي، في 19 يناير من العام الحالي، إذ بعد الحادث تحركت الأمور كي يتم، وبشكل خجول، استدعاء القائم بالأعمال الإسرائيلي في باريس، لكن فرنسا لم تجرؤ على طرد ديبلوماسيين إسرائيليين كما فعلت بريطانيا.

وأضاف آلان جريش قائلاً : على ما يبدو، تعودت الحكومة الفرنسية على تقبل الكثير من الإهانات الإسرائيلية. فقد وافق وزير خارجيتها، برنار كوشنير، خلال زيارته إلى إسرائيل في نوفمبر من العام الماضي 2009، على أن يلتقي نظيره، أفيجدور ليبرمان، وهو رجل ذو مواقف كانت ستدان، باعتبارها عنصرية وفاشية لو كان نمساوياً، أو إيطالياً،
وقد صرح كوشنير بأن بناء تسعمائة مسكن في مستعمرة جيلو بـ «القدس» ليس «أمراً سياسياً، ويجب ألا يقف عائقاً أمام استئناف المفاوضات».
في حين لم يرفع صوته ضد منع وصول المواد اللازمة لإعادة بناء مستشفى غزة برعاية فرنسية. ولم يحتج على عدم تمكن أصحاب المنح الدراسية في هذا الجيب المحاصر من السفر إلى فرنسا لمتابعة دراساتهم،
كما التزم الصمت حيال العراقيل، التي بات يواجهها جميع الموظفين الأجانب في المنظمات غير الحكومية العاملة في الأراضي الفلسطينية، وذلك بسبب «السياسة الجديدة»، التي تعتمدها إسرائيل في منح التأشيرات. وتتويجاً لكل ذلك، انصاع كوشنير لإملاء سلطات الاحتلال بالتخلي عن زيارة غزة.

انتقد الكاتب السفير الفرنسي لدى تل أبيب، كريستوف بيجو، قائلاً : إنه يبدو في بعض الأحيان وكأنه يمثل إسرائيل لدى باريس. وذكر أنه تحفظ على إطلاق كلمة حصار في شأن غزة، ودعا إلى وضع الكلمة بين قوسين، بدعوى أن احتياجات القطاع تصل إليه في كل الأحوال، إما عن طريق الانفاق أو من خلال إسرائيل،
كما أنه هاجم اقتراحاً سويدياً، قدم في عام 2009، قضى بإصدار تصريح رسمي عن الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل إلى السماح بإدخال مواد البناء إلى قطاع غزة، لإعادة إعمار ما تم تدميره فيها.
وكان رأي السفير الفرنسي أن التصريح يجب أن يأخذ في عين الاعتبار القرار «الإيجابي» الذي اتخذه بنيامين نتنياهو بالتجميد الجزئي لبناء المستوطنات، ويجب أن نحيي قراره، حتى وإن لم يستجب إلى كل تطلعاتنا.

يبدو أن فرنسا ساركوزي في تعاملها مع إسرائيل أخذت عن العرب شيئاً واحداً هو
«الاستعداد لابتلاع الإهانة وإدارة الخد الأيسر بعد تلقي صفعة الخد الأيمن».
.................

21 مايو، 2010

مربية بأجر وكيل وزارة!

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 8 جمادى الأخره 1431 – 22 مايو 2010
مربية بأجر وكيل وزارة! – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_21.html


من يصدق أن أجر المربية أو الشغالة الفلبينية في مصر أصبح يتجاوز راتب وكيل أول الوزارة في مصر؟

ومن يصدق أن في مصر التي قيل لنا يوما ما إن «دبة النملة» مسموعة فيها ومرصودة، سوقا خفية للعمالة الأجنبية تتحكم فيها عصابات من السماسرة والوسطاء، وهذه العصابات هي التي تحدد الأسعار التي باتت تراوح بين 400 و800 دولار في الشهر، حسب الجنسية، فالأسعار المتدنية للقادمات من الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية، والمرتفعة للقادمات من جنوب شرق آسيا.
هو عالم حافل بالحيل والألاعيب التي تستثمر الفوضى والتسيب في المجتمع المصري، كما تستثمر تركيز أجهزة الأمن على ما هو سياسي، وإغفال ما عداه.ذلك أن كل ما يتحرك في داخل ذلك العالم يتم خارج القانون، فلا التجارة مشروعة ولا «البضاعة» لها سند من الشرعية، ولأن الذين يتعاملون مع السوق على وعي بتلك الخلفية، فإنهم يتكتمون على الأمر، ويغضون الطرف عن الكثير من حوادث الابتزاز والهروب والاحتيال والسرقة التي يتعرضون لها، خشية استدعائهم إلى مقرات الشرطة أو النيابة لمساءلتهم.
الذي لا يقل أهمية عن كل ذلك أن جيش العمالة غير الشرعية يزحف على مصر مستغلا الثغرات التي أشرت إليها، ومستفيدا من وفرة السيولة لدى فئات القادرين، الذين أصبحوا يتنافسون على اقتناء المربيات والشغالات الأجنبيات، ويبدون استعدادا لدفع أجور تعادل أضعاف ما يتقاضينه في الدول النفطية الغنية (متوسط الأجر 200 دولار في الشهر)، في الوقت ذاته فإن جيش العاطلين في مصر تنضاف إليه كل يوم أعداد جديدة، والتقديرات المتداولة تتحدث عن أن عددهم وصل إلى نحو ثلاثة ملايين شخص.
لقد أتيح لي خلال الأسابيع الأخيرة أن أتعرف على بعض جوانب ذلك العالم، خصوصا ممارسات مافيات السماسرة الذين تخصص بعضهم فى جنسيات معينة، يستجلبون الفتيات منها بترتيب مع مكاتب أو أشخاص في العواصم الآسيوية والإفريقية، وأحيانا يزوجونهن من شبان مصريين للاحتيال على شروط الإقامة.
وقيل لي إن هؤلاء يحققون مكاسب كبيرة من وراء تلك التجارة، لأنهم يوزعون المربيات على عدد من البيوت ويتقاضون نسبتهم من الأجر، وبعد شهرين أو ثلاثة يعيدون توزيعهن على مجموعة أخرى من الزبائن، ويتقاضون نسبتهم مرة ثانية، ويظلون يكررون العملية وينقلوهن من بيت إلى بيت على مدار العام.. وهكذا.
وقيل لى إن من أولئك السماسرة من يلجأ إلى الكنائس التي يتبعها أولئك الفتيات، لأنها تعلق على أبوابها قائمة بأسماء وجنسيات وأرقام هواتف الوافدات أو الهاربات من البيوت اللاتي يبحثن عن أجور أعلى، كما أن لهم عيونهم في النوادي الكبرى التي يتصيدون منها المربيات المرافقات للأطفال.
وسمعت أنه في دولة الإمارات شكاوى بعض العائلات التي قضت عطلاتها وعادت بغير المربيات اللاتي اصطحبتها، بعدما تعرضن للإغواء بالأجور المضاعفة والاختطاف من جانب السماسرة.
لم يستغرب وزير الدولة للتنمية الإدارية الدكتور أحمد درويش من وصول أجر المربية الآسيوية إلى 800 دولار في الشهر (نحو 4500 جنيه)، ومنه عرفت أن ذلك المبلغ يعادل الراتب الشهري لوكيل أول الوزارة.
وكان تعليقه أن هذه مفارقة كاشفة تسلط الضوء على عدة أمور،
أولها أن ثمة طلبا متزايدا على العمالة الأجنبية في هذا القطاع، بقدر ما أن هناك إعراضا عن العمالة المحلية،
وثانيها أن نظام الأجور عندنا يشوبه خلل يحتاج إلى إعادة نظر، بحيث يصبح الأجر مرتبطا بطبيعة الوظيفة التي تؤدى وليس بالشهادة التي يحملها الشخص.الأمر الثالث أن موضوع استقدام العمالة الأجنبية في البيوت يحتاج إلى تنظيم قانوني يعالج الفوضى الحاصلة ويسد الثغرات التي سمحت بنشوء تلك السوق.أما الأمر الرابع، فهو أن مصر إذا أرادت أن تقضي على الظاهرة فينبغي أن توفر البديل المحلي المعقول من خلال العناية بتدريب العمالة المصرية والارتفاع بمستوى مهاراتها، مع إعادة النظر في منظومة القيم الاجتماعية السائدة التي تحط من قدر بعض المهن الشريفة، وتؤثر البطالة على الاشتغال بها.
حين انتهى الوزير من كلامه، تسرب إليّ الشعور بالإحباط، لأنه أقنعني بأن المشكلة لا حل لها في الأجل المنظور.
..................

19 مايو، 2010

لماذا القمة المصرية ــ الإيطالية؟

صحيفة السبيل الاردنيه الخميس 6 جمادى الاخره 1431 – 20 مايو 2010
لماذا القمة المصرية ــ الإيطالية؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_19.html


ليس مقنعا الكلام الذي نشرته الصحف القومية المصرية حول الهدف من رحلة الرئيس مبارك إلى إيطاليا.
ذلك أننا نعرف أن الرئيس أجرى عملية جراحية كبيرة في ألمانيا، وأنها بعد أن تكللت بالنجاح كان طبيعيا أن يقضي فترة نقاهة قبل أن يعود مباشرة إلى مسؤولياته التي كانت تنتظره في القاهرة، التي تراوحت بين ملف الحراك والتوتر الداخلي المتصاعد والتحديات التي تضعها إسرائيل لتفريغ التسوية السلمية من مضمونها، وصولا إلى ملف مياه النيل الذي يهدد أمن مصر القومي، واحتمالات التمزق التي يتعرض لها السودان إذا ما قرر الجنوب الانفصال عن الشمال في استفتاء شهر يناير المقبل.
لأن النقاهة كانت ضرورية، فقد كان غياب الرئيس عن القاهرة وقضاؤه عدة أسابيع في شرم الشيخ التي يطيب له المقام فيها، أمرا مبررا ومفهوما، إلا أننا فوجئنا بأن الرئيس بعد أن قام بزيارة سريعة للقاهرة للاحتفال بعيد العمال، شد رحاله إلى روما مرة واحدة.
وحين نشرت جريدة الأهرام الخبر في 18-5 الحالي، ذكرت أن جدول أعمال زيارته الرسمية للعاصمة الإيطالية تضمن ثمانية عناوين كبيرة هي:
عقد القمة الثالثة للمشاركة الإستراتيجية بين مصر وإيطاليا ــ تحقيق السلام في المنطقة والتنسيق بين البلدين من أجل رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني
ــ تطورات الموقف في السودان ــ وفي العراق ــ عملية التفاوض الجارية لمراجعة معاهدة منع الانتشار (النووي) في نيويورك
ــ الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على أوروبا والمنطقة (لم يذكر الخبر ما إذا كان المقصود المنطقة العربية أم الشرق الأوسط)
ــ الإعداد لقمة برشلونة ــ العلاقات بين مصر وإيطاليا التي ستسفر عن توقيع 18 اتفاقية بين البلدين في مجالات الطاقة والصحة والتعليم والتنمية الإدارية.
على صفحة داخلية بذات العدد أجرى مراسل الأهرام في روما حوارا مع وزير الخارجية الإيطالى فرانكو فراتيني الذي سئل عن الموضوعات الرئيسية التي سيبحثها الرئيس المصري في العاصمة الإيطالية، فتحدث عن ثلاثة عناوين عامة هي
العلاقات والاتفاقات الثنائية بين البلدين ــ الاستماع إلى رؤية الرئيس مبارك حول مجمل القضايا الدولية خصوصا الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين ــ سبل تعزيز مستقبل الاتحاد المتوسطي.
المقارنة بين تقرير الأهرام وبين تصريحات وزير الخارجية الإيطالي، الذى يفترض أنه ذو صلة وثيقة بالموضوع تعطي انطباعا قويا بأنه لا شيء ملحا في مسار علاقات البلدين استدعى أن يخرج الرئيس مبارك من نقاهته في شرم الشيخ إلى روما مباشرة دون أن تستوقفه الملفات العالقة في القاهرة.
كما أنها تثير أسئلة عديدة حول دقة وجدية الكلام المنشور في صحيفة الأهرام، الذي بدا وكأنه تجميع من الأرشيف للعناوين المطروحة، لإضفاء مزيد من الأهمية على الزيارة. رغم أن التقرير المنشور أغفل موضوع البرنامج النووي الإيراني الذي تحول الاتفاق حول التخصيب فيه إلى حدث عالمي تصدر نشرات الأخبار.
يشكك في جدية الكلام الذي نشره الأهرام أن العناوين التي وردت فيه باعتبارها جدول أعمال القمة الإيطالية ــ المصرية، هي ذاتها تقريبا التي تحدث عنها الأهرام فيما نشره يوم 17-10 من العام الماضي، حين زار روما وقتذاك وعقد فيها قمة مماثلة، بعد زيارة قام بها لكرواتيا.
ذلك أنني حين رجعت إلى النص المنشور في العام الماضي وقارنته بما أورده الأهرام يوم الثلاثاء الماضي (18-5) وجدت أنهما متطابقان، باستثناء أن خبر العام الماضي تحدث عن مسألتين لم تذكرا هذه المرة، هما: تغير المناخ العالمي ومبادرات تحقيق الرفاهية لشعوب المنطقة.

ليست لدي معلومات عن الهدف الحقيقي من زيارة روما الأخيرة، لكن القرائن المتوافرة ترجح أن ما نشر عن أهدافها ليس دقيقا، الأمر الذى يفتح الباب لبلبلة غير مبررة، لن يبددها إلا كلام واضح ومسؤول من أي مصدر مسؤول لا يستخف بنا ويسوق لنا "كلام الجرايد"!
.......................

18 مايو، 2010

أسئلة الانكسار والضياع

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 5 جمادى الاخره 1431 – 19 مايو 2010
أسئلة الانكسار والضياع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_18.html


هل صحيح أن الجزائر صارت أبعد عنا، في حين أصبحت إسرائيل أقرب إلينا؟..
أدري أن السؤال ما كان ينبغي له أن يرد على البال أصلا، حيث يفترض أن تكون إجابته محسومة سلفا، لكنه بات واردا في زمن الانكسار، وغدا تجاهله نوعا من دفن الرؤوس في الرمال.

طرح السؤال له خلفيته التي تبرره. ذلك أن الصحف المصرية كانت قد نشرت كلاما للاعب الأهلي والمنتخب الوطني محمد أبوتريكة، أبدى فيها استعدادا وترحيبا بالسفر إلى الجزائر ومشاركة شعبها احتفاله بالتأهل لمونديال جنوب أفريقيا.

وحسبما ذكرت صحيفة «الدستور» (في 16 مايو الجاري) فإن أبوتريكة في توضيحه لموقفه قال إن هذا هو الوقت المناسب لإزالة الاحتقان بين الشعبين، على خلفية الأحداث التي خلفتها المباراة الشهيرة.
وأضاف أنه ليس من المنطقي السكوت عن الجفاء الذي حدث جراء تلك المباراة، لأن ما بين مصر والجزائر أكبر من أي خلاف بسبب مباراة في كرة القدم، خاصة أن الموضوع أخذ أكبر من حجمه،
كما أن مطالبة كل طرف للآخر بالاعتذار أمر غير مقبول، لأن ما بين الإخوة من روابط في الدين والدم أكبر من أي اعتذار، وخيرهما من يبدأ بالسلام.

هذا الكلام الرصين في الخبر المنشور استُقبل بغضب شديد من جانب أعضاء الجهاز الفني للمنتخب الوطني، وكانت الحجة في ذلك أن أبوتريكة كان أحد شهود العيان لما حدث في السودان وفي أنجولا، كما أنه على علم بالتصريحات المسيئة التي صدرت عن لاعبي المنتخب الجزائري وتناقلتها وسائل الإعلام، واستهدفت المدير الفني للمنتخب المصري.
فهمنا في الكلام المنشور أن مدير المنتخب أغضبته تصريحات أبوتريكة، وكذلك المدرب العام للمنتخب، الذي قال إن طبيعة العلاقات الطيبة القائمة بين الجهاز الفني واللاعبين تفرض على كل واحد من الأخيرين أن يرجع إلى الجهاز للحفاظ على صورته ووحدته قبل الإقدام على خطوة من ذلك القبيل تمس المنتخب الوطني ككل،
مضيفا أن كلام أبوتريكة عبر عن وجهة نظره الشخصية، باعتباره لاعبا في صفوف النادي الأهلي، قبل أن يكون لاعبا في المنتخب الوطني.

المشهد إذا صحّت وقائعه يضعنا أمام مفارقتين،
الأولى أن أبوتريكة تبنى موقفا أرقى وأكثر مسؤولية مما عبر عنه الجهاز الفني، فقد تصرّف اللاعب باعتباره مواطنا عربيا سويا في مصر الكبيرة التي تحتوي الأشقاء وترتفع لأجلهم فوق الجراح،
أما مسؤولو الجهاز الفني فقد تصرفوا كأعضاء في قبيلة منكفئة على مراراتها ولا يعنيها إلا الثأر لما أصابها.
المفارقة الثانية والأهم أن رئيس الجهاز الفني الذي غضب بشدة من ترحيب أبوتريكة بالذهاب إلى الجزائر لمشاركة الأشقاء هناك فرحتهم، هو ذاته الذي وافق على سفر المنتخب المصري إلى رام الله، لكي يلعب مع نظيره الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي وبرعاية من الأعداء.
صحيح أن المباراة أُجّلت لكن الفكرة لم تُلغَ، لأن موعدا جديدا تحدد لها. ومع ذلك فإن المفارقة تثير السؤال الذي ألقيته في بداية الكلام، حول ابتعادنا عن الجزائر واقترابنا من إسرائيل.

إذا دققنا في المشهد، فسنجد أن المفارقة ليست مقصورة على الجهاز الفني للمنتخب، ولكنها انعكاس لمدى التشوّه الذي أصاب الإدراك في بعض الدوائر بمصر. وهو التشوه الذي أسهمت فيه مواقف سياسية عدة أثارت قدرا غير قليل من الحيرة واللغط،
من ذلك اهتمام مصر بإقامة السور الفولاذي الذي يحكم الحصار حول غزة ويطمئن إسرائيل ويؤمنها بأكثر من اهتمامها ببناء بيوت ضحايا السيول في سيناء أو توفير احتياجات المحاصرين في القطاع.

إن أسئلة زمن الانكسار كثيرة، لكن أخطرها ذلك الذي لا يميز بين العدو وبين الصديق أو الشقيق، لأنه يعبر عن التلازم بين الانكسار والضياع.
....................

17 مايو، 2010

خدعوك فقالوا: الطوارئ للإرهاب والمخدرات – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 4 جمادى الأخره 1431 – 18 مايو 2010
خدعوك فقالوا: الطوارئ للإرهاب والمخدرات – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_17.html

- هناك مسافة شاسعة بين الإعلان السياسي الذي استهدف تمرير القانون بعبارات منمقة وبين التطبيق العملي الذي لا يبالي بكل ذلك
- ثمة هدف آخر أبعد يراد تحقيقه من خلال الفرض يتمثل في احتكار السلطة وإجهاض أي بديل لها
ليست المشكلة في تمديد العمل بقانون الطوارئ، ولكنها في الإصرار على التلاعب بالقانون واستمرار استغفال المصريين بذرائع شتى تطلق كل حين.
- 1 -

يوم 14 مايو الذي أبرزت فيه الصحف المصرية موافقة مجلس الشعب على التمديد لمدة سنتين، مع التأكيد أن تطبيقه سيكون مقصورا على مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات،
نشرت جريدة «الشروق» على صفحتها الأولى خبرا كان عنوانه كما يلي:
أوامر باعتقال مرشحي الإخوان اذا أصروا على الشعارات الدينية.
وذكر الخبر ان وزير الداخلية أصدر أوامره الى مساعديه باعتقال المرشحين لانتخابات مجلس الشورى الذين يرفعون شعارات طائفية (المقصود شعار الإسلام هو الحل).
لم يكذب الخبر أو يصحح، لكنه مر دون ان تستوقف أحد المفارقة فيه. ودون أن يتساءل أحد عما اذا كان رفع ذلك الشعار يدخل أم لا، ضمن الإرهاب أم جلب المخدرات.
لكن الأهم من ذلك ان المفارقة تجسد الكيفية التي توظف بها الحكومة قانون الإرهاب. كما انها تكشف المسافة الشاسعة بين الإعلان السياسي الذي استهدف تمرير القانون بعبارات منمقة، وتعهدات مغرية، وبين التطبيق العملي الذي لا يبالي بكل ذلك، بحيث تطلق يد السلطة في ان تنكل بالمعارضين وتقمعهم.
في اليوم ذاته أجرى رئيس تحرير احدى الصحف المستقلة اتصالا هاتفيا مع صديق من كبار رجال القانون، وطلب منه تحليلا للآثار المترتبة على التمديد في ظل الإعلان عن اقتصاره على حالتي الإرهاب وجلب المخدرات.
فما كان منه إلا أن اعتذر عن الاستجابة لرغبته، قائلا إن تلك الخطوة لا علاقة لها بالقانون، لأنها بمثابة عبث سياسي يستخدم القانون لاستمرار احتكار السلطة وإحكام القبضة على المجتمع.
وكانت وجهة نظره، كما سمعتها منه في وقت لاحق، ان الرئيس مبارك كان قد أعلن على الملأ أن مصر هي الدولة الوحيدة المستقرة في المنطقة التي انتصرت على الإرهاب، وأن رئيس الوزراء الحالي ذكر أمام مجلس الشعب ان مصر تنعم الآن بالاستقرار. كما ان أحدا لا يستطيع ان يقول إن في مصر ظاهرة إرهابية، فكيف يمكن لعاقل ان يصدق ان المشكلة أصبحت فجأة تهدد المجتمع الآن وأن الإرهاب هو القضية.
في الوقت ذاته فان في مصر قانونا خاصا للمخدرات يصل بالعقوبة الى حد الإعدام في بعض الأحيان، واذا صح ان قانون الطوارئ سيطبق على من يجلبون المخدرات ويصدرونها، فعلى من اذن سيطبق قانون المخدرات الأصلي؟
ثم ان المخدرات أصبحت مشكلة عالمية، ولم نسمع ان بلدا اضطر لاعلان الطوارئ في تعامله معها.
- 2 -

الاستغفال والتدليس واضحان في مفهوم «الطوارئ». ذلك ان المصطلح في تعريفه القانوني يعبر عن الحالة التي تفاجئ المجتمع، دون ان يكون مستعدا لمواجهتها بتنظيم تشريعي محدد.
اذ في هذه الحالة يكون اعلان الطوارئ مخرجا لمواجهة تلك المفاجأة الطارئة. لكن هذا المفهوم انقلب عندنا، بحيث تحول الى قانون واجراءات استثنائية فرضت وطبقت للتعامل مع أوضاع المجتمع العادية والطبيعية.
اذ لا يستطيع عاقل ان يدعي ان مصر ظلت تعيش المفاجآت طوال الثلاثين عاما الماضية. وحتى اذا قيل ان الإرهاب كان شيئا طارئا هز المجتمع المصري وروعه، فإن هذه الظاهرة عالجتها أيضا تعديلات أدخلت على قانون العقوبات في عام 1992، وتضمنت نصوصا غاية في الشذوذ والغرابة. اعتمدت على تطوير مواد قانونية أصدرها الديكتاتور الفاشي موسوليني في ايطاليا عام 1930.
وهو ما يعني ان التعامل الحازم مع ملفي الإرهاب والمخدرات له مرجعيته الثابتة في قانون العقوبات المصرى، ولا يحتاج لا الى اعلان الطوارئ ولا الى اصدار قانون جديد للإرهاب.
(للعلم فإن قضية خلية حزب الله التي صنفت ضمن قضايا الإرهاب حوكم المتهمون فيها أمام القضاء العادي وصدرت أحكامها المشددة دون ان تخضع لقانون الطوارئ).
وطالما كان التعامل مع الإرهاب ومكافحة المخدرات تتكفل به النصوص الموجودة أو التعديلات التي أدخلت على قانون العقوبات، فان التذرع بها لفرض الطوارئ يغدو نوعا من التدليس، كما قال بعض القانونيين بحق،
أهم من ذلك أنه يدل على ان ثمة هدفا آخر أبعد يراد تحقيقه من خلال فرض الطوارئ، يتمثل في استمرار احتكار السلطة وإطلاق يدها في اجهاض أي بديل لها وسحق أي معارض يعترض طريقها.
في الدراسة التي أعدها المستشار طارق البشري حول الموضوع، في مناسبة مرور 60 سنة على اعلان الأحكام العرفية في مصر، واقترح الاحتفال بعيد الطوارئ على غرار الاحتفال بعيد الدستور، سجل أكثر من ملاحظة مهمة على الوضع القائم.
منها ان مصر شهدت تلازما وتعايشا مدهشا بين أمرين متناقضين،
أحدهما الطوارئ التي تنفي الدستور، والدستور الذي ينفي حالة الطوارئ، بحيث لم يعد يعرف أيهما الأصل وأيهما الاستثناء.
منها أيضا أنه خلال ثلاثة أرباع القرن المنقضي (من عام 1923 حتى الآن)، صدرت ثلاثة قوانين للأحكام العرفية والطوارئ وستة دساتير وبيانان دستوريان، بحيث بدا ان الطوارئ أكثر ثباتا من الدستور.
منها كذلك ان اعلان الطوارئ في مصر تزامن عادة مع أجواء انتهاء الحروب
(الحرب العالمية الثانية حرب فلسطين العدوان الثلاثي ثم بعد توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل)،
لكنها منذ أعلنت في عام 1981 ظلت مستمرة الى الآن، الأمر الذي يعني ان الطوارئ أصبحت حالة ملازمة للسلم. بل وملازمة للدستور وأكثر أصالة منه.

- 3 -
للمستشار السابق سمير حافظ دراسة في الموضوع ركزت على أزمة القانون في مصر، التي وصفها بأنها «خانقة». وفي رأيه ان بعض النصوص والتشريعات التي تصدر تحولت الى أدوات في يد السلطة توظف لأغراض معينة، الأمر الذي يفقدها شرائط القانون ومضمونه وان اتخذت شكل القانون.
وهو المسار الذي بدأ منذ رفع شعار «الشرعية الثورية» قبل نصف قرن، التي كانت تعني ان ارادة الحاكم هي القانون. ثم رفع في مرحلة تالية شعار الشرعية القانونية ودولة المؤسسات، الذي أثبتت التجربة أنه مجرد تغيير في المسمى وليس المضمون. وتبيّن ان الهدف من التشريع في تلك المرحلة هو احكام قبضة الحاكم وتفرده بالحكم. حتى وصفت تلك المرحلة بأنها سيادة بالقانون وليست للقانون.
هذا الوضع استمر حتى الآن، وتجلى في التعديلات التي أدخلت على العقوبات، خصوصا تلك التي تمت في سنة 1992 بدعوى مكافحة الإرهاب ولم تكتف بالأحكام المشددة المنقولة عن قانون موسوليني سيئ الذكر، وانما مارست العصف بكل القواعد الجنائية المسلم بها، فساوت في العقوبة بين الشروع والجريمة التامة على الرغم من ما بين الحلقتين من تباين تقره كل القوانين.
ولا يقل غرابة عن ذلك ان التعديلات خرجت على أحكام قانون العقوبات، واعتبرت التحريض جريمة كاملة وعاقبت عليها، حتى اذا لم تقع الجريمة محل التحريض(!)

أما الأشد غرابة فان التعديل توسع في تعريف الإرهاب بما يفتح الباب لمحاكمة أي معارض أو أي شخص غير مرضي عنه بتهمة الإرهاب اذا عرف بأنه: كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ اليه الجاني.. بهدف الاخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، اذا كان من شأن ذلك ايذاء الأشخاص أو القاء الرعب بينهم، أو الحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات والمواصلات، أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة.. أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل الدستور أو القوانين أو اللوائح.
هذا النص الهلامي يهدر مبدأ ضبط النصوص العقابية، اضافة الى ان من شأنه تجريم الحق الدستوري الذي يسمح بطلب التغيير بالوسائل السلمية، ثم ان عبارات مثل سلامة المجتمع والاضرار بالبيئة والوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى، تتسع لتجريم أي صورة من صور السلوك الانسانى، بل وتتجاوز تجريم السلوك الى تأثير النوايا،
وبسبب هذه الثغرات فقد تم الطعن على هذا النص بعدم الدستورية في عام 2003، ولم يفصل في ذلك الطعن للآن!
- 4 -
كل ذلك ليس كافيا في نظر أهل السلطة، الذين باتوا يعلقون إلغاء قانون الطوارئ على الانتهاء من قانون الإرهاب، الذي يراد له ان يضيف المزيد من التوسع في التجريم ومزيداً من الخروج على القواعد العامة في شأن الأحكام المتعلقة بالمساهمة الجنائية والأحكام المتعلقة بالشروع في الجريمة. وهو ما لا يبعث على الاطمئنان أو التفاؤل.
يؤيد ذلك أنه في عام 2008 نشرت بعض الصحف 15 مادة مقترحة لمشروع قانون الإرهاب، جاءت مطابقة للآراء التي أيدها في الموضوع الدكتور مفيد شهاب وزير الدولة للشؤون القانونية ورئيس اللجنة المكلفة بإعداد المشروع.
وهو ما دفع الدكتور محمد نور فرحات أستاذ القانون الى القول إن المشرع المصري تحت ذريعة مكافحة الإرهاب يتجه لحرمان المصريين من الحريات المنصوص عليها دون إذن قضائي مسبق، اكتفاء بما يسمى الرقابة القضائية اللاحقة، وتشمل هذه الحقوق الحرية الشخصية وحرية السكن وحرية المراسلات والاتصالات وغيرها «الدستور 2008/2/29».
ولأن الأمر كذلك، فلا يختلف أهل الذكر على ان قانون الإرهاب لا يراد به إلا تأبيد حالة الطوارئ، واضفاء الصبغة القانونية الدائمة عليها، بحيث يتحول الهم الاستثنائي الى هم أزلي. وهو ما يدعونا الى القول إنه اذا كان ذلك هو الإصلاح السياسى،
فاسمحوا لنا أن نعلن على الملأ أننا نعتذر عنه، لنطالب ببعض «الإفساد السياسي» الذي يخفف عنا وطأته!
..............

16 مايو، 2010

ما نَسِيَه وزير الأوقاف

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 3 جمادى الأخره 1431 – 17 مايو 2010
ما نَسِيَه وزير الأوقاف – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_16.html


في أكثر من تصريح صحفي، ردد الدكتور حمدي زقزوق وزير الأوقاف دعوة المسلمين إلى زيارة المسجد الأقصى.
وأبدى حماسا شخصيا لذلك، دفعه إلى القول إنه من جانبه لا يمانع في القيام بتلك الزيارة، حتى إن تمت بتأشيرة دخول إسرائيلية.
وحجته في ذلك أن زيارة الأقصى تثبت حق المسلمين فيه، وتمثل دعما لفلسطينيي عام 1948، وتعبيرا عن التضامن معهم.
وهو بهذا الموقف تبنى رأيا مغايرا لما عبر عنه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، الذي رفض في تصريح علني زيارة المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال.
كما أنه انحاز إلى رأي يعارضه البابا شنودة الذي لم يسمح للأقباط المصريين بزيارة المدينة المقدسة،
بل إنه دون الموقف المعلن لوزير الثقافة فاروق حسني الذي رفض فيه فكرة التطبيع. الأمر الذي يحسب له، وربما غفر له مواقف أخرى حاول فيها استمالة الإسرائيليين، وكسب ودهم، أثناء ترشحه لليونسكو.
يستوقفنا كلام الدكتور زقزوق من أكثر من وجه. ذلك أنني لا أشك في أنه يعلم جيدا أن المسجد الأقصى تحت الاحتلال، وأن المسلمين دون الأربعين يمنعون من الصلاة فيه، وأنه لا يجوز شرعا شد الرحال إليه وهو في هذه الحالة، باعتبار أن أي زيارة من قبل العرب أو المسلمين هي نوع من الاعتراف بشرعية الاحتلال، وخطوة على طريق التطبيع مع العدو.

وأغلب الظن أن الدكتور زقزوق يذكر ما فعله المسلمون حين قام القرامطة باحتلال الكعبة ونهبها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، واعتبر بعضهم أنها تعرضت للاحتلال، فامتنعوا عن أداء فريضة الحج في وجود غاصبيها.
وإذا كان ذلك الامتناع قد وقع مع فريضة هي ركن من أركان الإسلام، فأولى به أن يتكرر في حالة المسجد الأقصى الذي هو دون الكعبة منزلة، وزيارته نافلة مستحبة، وهي لا تعد ركنا أو فريضة.
لا أشك أيضا أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي لا يمانع الذهاب إلى المسجد الأقصى بتأشيرة إسرائيلية قد قرأ في الصحف أن "إسرائيل" قطعت شوطا بعيدا في تهويد القدس،
كما أنها ضمت بعض المواقع الإسلامية المهمة إلى قائمة الآثار اليهودية،
وأن المستوطنين أقدموا على حرق بعض المساجد في حماية الشرطة الإسرائيلية،
ومنهم من سعى أكثر من مرة لاقتحام المسجد الأقصى فضلا عن محاولة إحراقه.
وهي ملابسات كان الظن أنها كافية لعدول الوزير عن فكرته، التي يستغرب الإصرار عليها، ومواصلة ترديدها.
لم أفهم كيف أقنع الوزير نفسه بحكاية إثبات حق المسلمين في المسجد الأقصى، ومساندة فلسطينيي 48. ذلك أن أحدا لا يتصور أن زيارته الشخصية أو زيارة أي أعداد أخرى للمسلمين يمكن أن تغير شيئا من حقيقة خضوع المسجد للاحتلال.
وأستغرب كثيرا ألا يكون قد سمع بنداء علماء فلسطينيي 48 الذين اعتبروا أن مثل الزيارات التي دعا إليها الوزير المصري بمثابة مكافأة للإسرائيليين وتطبيع للعلاقات معهم. ومن ثم فهي تثبت الاحتلال وتسلم به، ولا تسحب من رصيده شيئا.

كما أنني أستغرب للغاية أن يغيب عن بال الوزير أن دعوته تمثل استفزازا لمشاعر المسلمين الغيورين على القضية الفلسطينية، والذين يعتبرون مقاطعة العدو وعدم الاعتراف بشرعية احتلاله هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن تلتزم به جموع المتدينين، فضلا عن الوطنيين في العالم العربي والإسلامي.
أدري أن بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية لهم الموقف ذاته الذي عبر عنه الدكتور زقزوق. وكلنا نعلم أن وزير الأوقاف في حكومة رام الله يروج لهذه الزيارة مع كل من يلتقيه، كما أن هناك من وجه الدعوة للمنتخب المصري لكى يقيم مباراة في كرة القدم مع المنتخب الفلسطيني، تتم تحت الحراسة الإسرائيلية، وبموافقة منها، وهي دعوات إذا أحسنا الظن بها فسنقول إنها من قبيل الاستدراج الذي يشق طريق التطبيع، ولن يستفيد منها إلا سلطة الاحتلال.
كان بوسع الدكتور زقزوق أن يتجنب الضجة التي أحدثتها تصريحاته بوسائل شتى، وإذا لم يجرؤ على اشتراط تحرير المسجد الأقصى قبل زيارته، فَلَيْتَهُ تَرَيَّثَ وقال إن الدعوة الى الزيارة تحتاج الى دراسة كما فعل شيخ الأزهر السابق، ورغم أن الشيخ الحالي رفضها.

وليته أحال الأمر إلى مجمع البحوث الإسلامية الرافض للتطبيع ليتخذ قرارا بشأنها. لكن الوزير لم يشأ أن يفعل شيئا من ذلك، وآثر أن يصدمنا ويستفزنا.
لقد نسي أنه وزير للأوقاف والشؤون الإسلامية، وتذكر فقط أنه وزير في الحكومة المصرية، فكان كمن اشترى دنياه بآخرته!
...................

14 مايو، 2010

لا تقتلوهم رجاءً

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 1 جمادى الأخره 1431 – 15 مايو 2010

لا تقتلوهم رجاءً – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_14.html


هل يمكن أن تقبل مصر بأن يُعامل أبناؤها الذين يحاولون التسلل إلى ليبيا أو الوصول إلى إيطاليا بمثل ما تعامل به مصر الأفارقة الذين يحاولون التسلل إلى إسرائيل عبر حدودها إلى إسرائيل؟
أعني، ماذا يكون شعورنا لو أنهم أطلقوا النار على شبابنا وقتلوهم، كما يفعل حرس الحدود المصريون مع أولئك الأفارقة البؤساء، الذين قتلنا منهم 12 شخصا هذا العام، وتقول منظمة مراقبة حقوق الإنسان إن 69 منهم قتلوا على حدودنا منذ سنة 2007.
ليس عندى دفاع عن التسلل عبر الحدود، سواء من قبل المصريين أو الأفارقة أو غيرهم، لكني لا أخفي تعاطفا مع المتسللين (غير المهربين بطبيعة الحال) وفهمًا لدوافعهم واحتراما لإنسانيتهم، إذ أزعم أن أغلبهم من الذين ضاقت بهم بلادهم واضطروا إلى المغامرة باجتياز الصحارى وركوب البحر والتعرض لاحتمالات الموت بحثا عن حياة أفضل.
هم هاربون من جحيم الفقر واليأس إلى المجهول يتلمسون فيه بعضا من شعاع الأمل، ولأنهم كذلك فلدي تحفظات شديدة على طريقة تعاملنا معهم،
إذ أزعم أن من حقنا أن نمنعهم أو نحاسبهم أو حتى نحاكمهم إذا كانوا قد دخلوا إلى بلادنا خلسة، ولكن قتلهم يظل جريمة بكل المقاييس، ولا أعرف بلدا في أوروبا من تلك التي يستهدفها المهاجرون استخدم الرصاص في ملاحقة المهاجرين أو مطاردتهم.
لقد كثفوا من قوات حرس الحدود، وأقاموا مراكز خاصة لتجميعهم تمهيدا لترحيلهم وإعادتهم من حيث أتوا، وعقدوا مؤتمرات واتفاقات فيما بينهم وأخرى بينهم وبين جيرانهم للبحث في أنجع السبل لوقف سيل الهجرة غير الشرعية،
ومؤخرا قرأنا في مصر أن إيطاليا قررت إهداءها خمسة قوارب، لمعاونة حرس الحدود المصريين في ضبط الهجرة غير الشرعية عبر البحر ومطاردة السماسرة الذين يديرون تلك التجارة ويتكسبون من دغدغة مشاعر الفقراء وإغوائهم.
الممارسات المصرية بحق المهاجرين الأفارقة تلقى إدانة ونقدا شديدين من جانب منظمات حقوق الإنسان المحلية الدولية، التي تعتبرها بمثابة انتهاكات جسيمة من جانب الدولة المصرية لمبادئ ميثاق حقوق الإنسان وللمعاهدات الدولية، فالقتل يتم بغير حساب ولا يجري أي تحقيق في ملابساته، واختفاء بعض أولئك المهاجرين لا يبرر ولا يتابع، بل صار مصطلح "حدود الموت" هو ما توصف به الحدود المصرية بين سيناء وإسرائيل في أدبيات المنظمات الحقوقية.
صحيح أن سمعة مصر في مجال انتهاكات حقوق الإنسان لم تثن نظامها عن ممارساته، لكن ما يحدث مع الأفارقة لا يعد حلقة رديئة في ذلك المسار غير المشرف فحسب، وإنما أيضا يثير عدة أسئلة هي:
ماذا سيكون صدى تلك القسوة التي نتعامل بها مع أولئك المتسللين في أوساط الدوائر الإفريقية التي نبحث معها الآن عن حل لمشكلة إعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل؟
ثم: لماذا نتطوع من جانبنا بالذهاب إلى ذلك المدى الفظ في تأمين حدود الدولة العبرية،
ولماذا لا تلجأ مصر بعد أن تستنفد جهود الملاحقة إلى إبلاغ السلطات الإسرائيلية بحدوث التسلل، لكي تتولى من جانبها حل إشكالها مع المتسللين؟
أما السؤال الثالث فينصب على إجراءات وجهود مراقبة الحدود، التي جرى التشديد عليها استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية لإحكام الحصار حول قطاع غزة،
ولماذا لا تكلف الأبراج المقامة أيضا بضبط عمليات التسلل إلى إسرائيل؟
إننا ونحن ندعو إلى التوقف الفوري عن إطلاق الرصاص على الأفارقة المتسللين، لا نستطيع أن نسكت على عمليات القتل التي تمارس بحق الفلسطينيين الذين يضطرون لاستخدام الأنفاق في توفير احتياجاتهم والتخفيف من أثر الحصار المفروض عليهم،
ويدهشنا ويصدمنا التقرير الذي أصدرته مؤخرا الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان (راصد)، الذي تحدث عن مقتل أكثر من 52 فلسطينيا في منطقة الأنفاق، جراء رش السلطات المصرية للغاز في تلك الأنفاق منذ أول العام الحالي (2010).
وهي معلومة تتطلب تحقيقا للتأكد من ملابساتها، ذلك أن قتل هذا العدد في الأنفاق فضيحة لنا،
وإذا ما تم ذلك بواسطة الغاز، فإن الجريمة تضاف إلى الفضيحة،
وإذا سكتنا جميعا على ذلك، فإن بطن الأرض يصبح أفضل لنا من ظهرها.
.................

13 مايو، 2010

خلل فى رؤيتنا الاستراتيجية

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 29 جمادى الأولى 1431 - 13 مايو 2010
خلل فى رؤيتنا الاستراتيجية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_13.html


متأخر جدا، بقدر ما هو مهم للغاية، إعلان مصر معارضتها لانفصال جنوب السودان عن شماله. صحيح أن ثمة مقولة تعتبر أن ما يأتى متأخرا خير من الذى لا يأتى أبدا. إلا أن ما يأتى بعد فوات الآوان قد يستوى مع تمام الغياب.
وأخشى ما أخشاه أن نكون بصدد هذه الحالة الأخيرة، لأن الاستفتاء على مصير الجنوب يفترض أن يتم بعد ثمانية أشهر تقريبا (فى شهر يناير المقبل). والتقارير الإعلامية القادمة من الخرطوم وجوبا يميل أكثرها باتجاه تصويت الأغلبية لصالح الانفصال، الذى تدعو إليه جهات نافذة فى الجنوب، وتؤيده وتشجعه قوى إقليمية ودولية عدة.
لقد أبرزت صحيفة الشرق الأوسط يوم الاثنين (9/5) خبر معارضة مصر لانفصال الجنوب، ضمن تصريحات أدلى بها فى الخرطوم وزير الخارجية المصرى السيد أحمد أبوالغيط، الذى كان فى زيارة للعاصمة السودانية مع مدير المخابرات العامة السيد عمر سليمان.
وفى سياق التقرير المنشور فهمنا أن الزيارة اقتصرت على لقاء الرئيس عمر البشير ورئيس حكومة الجنوب سلفاكير. وكانت بمناسبة فوزهما فى الانتخابات التى تمت مؤخرا.
عندى أربع ملاحظات على الزيارة وما قيل فيها، اثنتان منهما فى الشكل، واثنتان فى الموضوع.
ملاحظتى الأولى فى الشكل لست واثقا من صوابها إذ أثار انتباهى أنها استغرقت عدة ساعات، سارع المسئولان المصريان بعدها بالعودة إلى القاهرة، ذلك أننى أعتقد أن ما بيننا وبين السودان من ملفات يستحق وقتا أطول. سواء ما تعلق منها بتطوير علاقات البلدين أو بتحديات التفتيت، التى يتعرض لها. أو ما تعلق باتفاقية حوص النيل واللغط المثار حولها الآن بعد اعتزام دول المنبع توقيع اتفاقية إطارية للتعاون فيما بينها، لا تشارك فيها مصر والسودان.
أما الملاحظة الثانية فهى أن الصحف المصرية لم تكترث بالزيارة وبما قيل فيها على أهميته. أستثنى جريدة «الشروق» التى نشرت على الصفحة الأولى خبرا تحت عنوان:
أبوالغيط وسليمان يبحثان فى الخرطوم مستقبل السودان ومياه النيل.
رغم أنها لم تبرز فى العنوان رفض مصر للانفصال.
فى الوقت ذاته فى جميع الصحف المصرية أبرزت على صفحاتها الأولى أخبار فوز النادى الأهلى على الاتحاد الليبى وتأهله لدور الثمانية فى دورى أبطال أفريقيا، والانهيار الحاصل فى البورصة وترشيحات الحزب الوطنى لمجلس الشورى.
وهذه الملاحظة إذا صحت فإنها تكشف المدى الذى بلغه انكفاء الإعلام المصرى على شئون الداخل والانصراف عن القضايا الحيوية فى الخارج. وهو الانكفاء الذى يعد صدى لانكفاء السياسة فى مصر.
فيما خص الموضوع، فإننا نرحب بمعارضة مصر لانفصال الجنوب عن الشمال، لكننا لابد أن نسأل:
ما الذى فعلته مصر على أرض الواقع لإقناع الجنوبيين بأن لهم مصلحة فى البقاء ضمن إطار السودان الموحد..
ولماذا غبنا عن السودان بجنوبه وشماله طول السنوات الماضية، ثم اكتشفنا قبل ثمانية أشهر من الاستفتاء على حق تقرير المصير،
إن انفصال الجنوب له تداعيات كثيرة، بينها أنه يهدد الأمن القومى المصرى، من حيث إنه يضيف إلى مجرى النيل دولة جديدة، عند الحد الأدنى لا يطمأن أى سياستها أو موقفها من مصر، ومن العرب جميعا؟
وأليس فى هذا الاكتشاف المتأخر، تكرار لقصتنا مع دول المنبع، التى أهملناها طويلا حتى شردت وبعدت عنا، ثم اكتشفنا أننا كان يجب أن نخضع علاقتنا معها لتفكير استراتيجى واضح يجنبنا المفاجآت والمآزق؟
الملاحظة الثانية فيما نحن بصدده وثيقة الصلة بالأولى. وهى أن التجربة أثبتت أن ثمة خللا فى صواب الرؤية الاستراتيجية المصرية يحتاج إلى مكاشفة ومعالجة جادة. فنحن نفهم أن الوحدة الوطنية بمفهومها الواسع الذى يحتوى الجميع ويستوعبهم هى حجر الأساس والمنطلق.
وأن العلاقة الوثيقة مع الجيران ــ ليبيا والسودان ــ ركيزة ثانية لا غنى عنها، وأن استقرار العالم العربى لا يتم إلا باتفاق مصر وسوريا والسعودية،
أما استقرار الإقليم فإنه يقوم على تعاون مصر وتركيا وإيران، فى حين أن العدو الاستراتيجى هو إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه الخريطة إذا صحت وقورنت بالواقع فإنها تكشف الخلل وتحدد عوراته،
أما إذا لم تصح فهى تدل على أننا بحاجة إلى إجماع وطنى حول الرؤية الاستراتيجية للبلد، وتلك مشكلة أخرى مستعصية!
...................

12 مايو، 2010

خطيئة الإبلاغ عن الفساد

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 28 جمادى الأولى 1431 – 12 مايو 2010
خطيئة الإبلاغ عن الفساد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_12.html


من غرائب زماننا وعجائبه أن المتهم الأول الذي أدين في جريمة أكياس الدم الفاسدة هرب من البلاد ويعيش الآن مطلق السراح في أوروبا، في حين أن السيدة التي كشفت الجريمة تتعرض لصور متعددة من التنكيل طوال السنوات الثلاث الأخيرة،
والأعجب أن التنكيل بها تمارسه قيادات مسؤولة في وزارة الصحة، التي كان يفترض أن تكافئها على يقظتها ونزاهتها حتى يبدو وكأنه أريد لها أن تكون عبرة لكل من تسول له نفسه أن يغرد خارج السرب، ولا يشترك في التستر على الأخطاء والانحرافات.
هذا الكلام ليست فيه أية مبالغة، ولكنني استقيته مما نشرته جريدة الأهرام على يومين متعاقبين إذ في 29/4 تحدثت عن بوادر «انفراج في أزمة» موظفة الصحة السيدة سهير الشرقاوي، التي كشفت عن أكياس الدم.
وذكرت أنها علقت اعتصاما كانت قد بدأته في مقر المجلس القومي للمرأة، بعدما تلقت وعدا بإعادتها إلى عملها في حسابات وزارة الصحة، قطعه على نفسه مساعد وزير الصحة للاتصال السياسي.
وفي عرض خلفيات الأزمة أشار خبر الأهرام إلى أن السيدة سهير الشرقاوي تم نقلها من قسم المراجعة والحسابات بوزارة الصحة إلى مستشفى الصحة النفسية «الأمراض العقلية»، بعد الإبلاغ عن فساد أكياس الدم بشركة القطاع الخاص التي كانت توردها.
وحين تظلمت إلى القضاء الإداري، فإن الحكم صدر لصالحها بعدم تنفيذ النقل. ولكن مساعد وزير الصحة للشؤون الإدارية «لواء سابق»! رفض تنفيذ قرار المحكمة. وزاد على ذلك بأن أصدر قرارا بفصلها بسبب انقطاعها عن العمل في الجهة التي نقلت إليها.
على صعيد آخر، تحدث تقرير الأهرام عن «مفاجأة» جديدة خلاصتها أن وكيل الوزارة ورئيس الإدارة المركزية بوزارة الصحة «وهو لواء سابق أيضا»! قال إن نقل السيدة سهير الشرقاوي من قسم المراجعة والحسابات تم لسبب آخر، هو أنها تتحمل المسؤولية عن ضياع «شيك» تتجاوز قيمته مليون جنيه، وأن ذلك حدث قبل قضية أكياس الدم الفاسدة (لكنه اكتشف مصادفة بعد الإبلاغ عن القضية)!.
لم يحدث الانفراج الذي تحدث عنه خبر الأهرام. فنشرت الصحيفة في 4/5 أن السيدة سهير قدمت بلاغا إلى النيابة الإدارية اتهمت فيه وزارة الصحة بعدم تنفيذ الحكم الصادر بعودتها إلى عملها بديوان عام الوزارة. بعد أن تم نقلها بقرار تعسفي عقابا لها، بسبب إبلاغها عن جريمة أكياس الدم الفاسدة.
وذكرت أنها تقدمت بطلب إلى لجنة التوفيق المختصة التي أوصت بإلغاء قرار النقل، إلا أن الوزارة رفضت تنفيذ التوصية. فأقامت دعوى ضد وزير الصحة ورئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة بالوزارة، قضى فيها بإلغاء القرار وما ترتب عليه من آثار.
لكنها فوجئت بأن إدارة شؤون الأفراد أصرت على رفض تسليمها عملها الأصلي. وذكرت في بلاغها أن الوزارة عرضت عليها العمل في مركز التكنولوجيا خارج الديوان، بدلا من العمل بمستشفى العباسية الذي كانت قد نقلت إليه.
إذا صح الكلام المنشور فمعناه أن البيروقراطية الحكومية أغضبها قيام السيدة سهير الشرقاوي بالإبلاغ عن واقعة الفساد، فقررت الانتقام منها وإبعادها عن موقعها في ديوان وزارة الصحة، الذي مكنها من كشف الواقعة.
وهو موقف يثير أكثر من سؤال حول دوافع النقل والمصلحة المتوخاة من ورائه.
ومن الواضح أن اللواءين السابقين اللذين يديران المعركة ضدها «ماذا يفعلان في وزارة الصحة؟» يصران على تحدي القرارات الإدارية والأحكام التي أنصفتها وصدرت لصالحها.
من الواضح أيضا أن السيدة مصرة على أن تنال حقها، وهي تستحق من الجميع مساندة وتأييدا، لأن القانون فيما يبدو لم يوفر لها الحماية الكافية. وأخشى أن يكون المجلس القومي للمرأة قد خذلها.
يوما ما ليس بعيدا. عمم الحزب الوطني على أرجاء مصر شعارا يقول: المصري اللي (الذي) على حق يقول للغلط لأ. وقد فعلتها السيدة سهير الشرقاوي، وها هي تدفع ثمن نزاهتها.
إن الحزب يضحك علينا ويخدعنا حتى في الشعارات التي يرفعها.
.................

11 مايو، 2010

دعوة لإلغاء الانتخابات

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 28 جمادى الأولى 1431 – 12 مايو 2010
دعوة لإلغاء الانتخابات – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_11.html


هذه مسألة ينبغي أن نعيد النظر فيها بقدر من التجرد والشجاعة، ذلك أنني لم أعد أرى سببا وجيها ولا مصلحة وطنية في إنفاق عشرات الملايين من الجنيهات وإشغال الناس والأمن والقضاء والإعلام بمسألة الانتخابات، كما يحدث هذه الأيام. في حين أننا جميعا نعرف أنها محسومة سلفا لمصلحة الحزب الوطني. وأنها لن تغير شيئا يذكر فيما هو قائم منذ ثلاثين عاما.

الغريب أننا نفعل ذلك دون كلل طوال العقود الثلاثة، دون أن ينتبه أحد إلى أننا ندور في حلقة مفرغة، وأننا نأتي في كل مرة بالحزب ذاته وربما بالنماذج ذاتها، لكي يفعلوا بنا ما يريدون، في حين أن كل من هو من خارج الحزب يؤدي دور الكومبارس أو الديكور،
وإذا كنت قد فهمت لماذا استمرأ الحزب الوطني دور البطولة، فإنني لا أخفي شعورا بالعجز والحيرة في تفسير السبب الذي يدعو الآخرين إلى الاستمرار في دور الكومبارس أو الديكور؟!

عقلاء أولئك الذين يدعون إلى مقاطعة الانتخابات بسبب تزويرها وانعدام فرص المنافسة فيها، سواء كانت انتخابات لمجلس الشورى أو الأمة أو الرئاسة.
وليس صحيحا أن ذلك موقف سلبي يتعارض مع الديموقراطية. وقد يصح هذا النقد إذا كانت هناك ديموقراطية. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، وكنا بصدد تمثيلية تتمسح في الديموقراطية وتدعيها، فالمقاطعة تشكل موقفا احتجاجيا على أصل اللعبة وطعنا في شرعيتها.
لكن الأعقل من هؤلاء هم الذين يطالبون بإصدار قرار شجاع يقضي بإلغاء الانتخابات، على الأقل حتى يسترد المجتمع حريته، ويعيش في ظل أجواء سياسية طبيعية.

حين كان الدكتور رفعت المحجوب رئيسا لمجلس الشعب في الثمانينيات، قام بزيارة لمدينة دمياط وفي جلسة ببيت أحد أصدقائه صارحه بعض الجالسين بانتقاداتهم لتزوير الانتخابات، التي تفرض الحزب الوطني وصيا على الشعب المصري. ولأن الحضور كانوا من الخواص الذين سمعت القصة من أحدهم، فإنه تحدث إليهم بصراحة قائلا إن الانتخابات في مصر تجرى لتحسين صورتها في الخارج بالدرجة الأولى، وينبغي أن ينظر إليها من هذه الزاوية، حتى لا يبالغ البعض في التعويل عليها.
وهذا توصيف أعتبره دقيقا للغاية. لأنه حتى هذه اللحظة فإن الذين يديرون الانتخابات في مصر لا يشغلهم منها سوى تحسين الصورة لدى العالم الغربي وإيهام المجتمع الدولي بأنها لم تتخل عن ركب الديموقراطية.

ولا أخفي أن هذه النقطة شغلتني حين فكرت في الدعوة إلى إلغاء الانتخابات، لكنني حين قلبت الأمر، وجدت أننا لم ننجح في توصيل الرسالة طوال العقود الثلاثة الماضية، حتى أصبح معلوما للجميع في المحافل والمنظمات الدولية أن مصر من الدول التي يضرب بها المثل في تغييب الديموقراطية. عندئذ وجدت أن الحجة أصبحت في مصلحة اقتراحي. ذلك أنهم ماداموا لم يصدقوا ادعاءنا بأن لدينا انتخابات نزيهة، فلماذا لا نتحلى بالشجاعة ونقول إن تلك هي الحقيقة، وأننا قررنا أن ننفق اعتمادات الانتخابات والمبالغ المخصصة لمجلسي الشعب والشورى على مشروعات تنفع الناس؟

الطريف في الأمر أن هذا الموضوع مثار أيضا في الديموقراطيات الغربية الراسخة، ولكن لأسباب مختلفة تماما. أعني أن هناك دعوة لإعادة النظر في العملية الانتخابية، التي يرى البعض أنها لم تعد الأداة التي تمكن الشعب من اختيار ممثليه في السلطة. ذلك أنه بعدما تدخلت الشركات والمؤسسات لفرض نفوذ أصحاب رؤوس الأموال الضخمة على أهل السياسة، فإن صناعة الانتخابات ذهبت إلى ما هو أبعد، إذ ظهرت شركات ومؤسسات تجارية حديثة تخصصت في هندسة الحملات الانتخابية بتحويلها إلى «مقاولات»، بمقتضاها تقدم للمرشح ما يحتاج إليه من بيانات وخدمات. فتعد له برنامجه، وتنظم جمع التبرعات وترتب الحملات الإذاعية والتليفزيونية، وتضع تحت تصرفه الوسائل التي تمكنه من تشويه منافسيه وهزيمتهم.
بالتالي يكون نجاح المرشحين بمقدار ما يدفعونه لتلك الشركات من مصاريف. أبرز هذه الشركات في الولايات المتحدة تحمل اسماء مثل «ساتشي آند ساتشي» و«جيوفوتر» و«كامبين كونيكشن» و«كامبين أوفيس دوت كوم».. وغيرها.

إذا كبرت المسألة في أدمغتهم وقرروا إلغاء الانتخابات والبحث عن وسيلة أنجع في التعبير عن الناس، وإذا تشجعنا نحن من جانبنا وألغيناها لأسباب سابقة الذكر، فربما كانت تلك فرصتنا الوحيدة لكي نشترك في شيء مع الدول الديموقراطية.
..................

10 مايو، 2010

التبلد العربي مقدمة للانتحار الجماعي! – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1431 – 11 مايو 2010
التبلد العربي مقدمة للانتحار الجماعي! – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_10.html


- الغريب أن كل ما تفعله إسرائيل في الفتك بالفلسطينيين وتصفية ملف القضية لم يعد يحرك شيئاً في الدول العربية
- الأخبار متواترة عن وجود العشرات من الجنرالات وضباط الموساد يقومون بالتدريب الأمني وإدارة بعض الشركات في عدة دول خليجية
ليست مشكلة غزة، لكنها مشكلة التبلد الذي ران على العالم العربي، بحيث صار يتذرع بالانقسام لينفض يده من القضية الفلسطينية وهي تصفى، ناسيا أنها اذا ضاعت، ضعنا جميعا.
(1)
«لماذا لا تسمح إسرائيل لسكان غزة باستيراد البقدونس»؟
كان ذلك عنوانا لمقالة كتبتها صحافية محترمة هي أميرة هاس في صحيفة «هاآرتس» يوم الجمعة الماضي (7/5). وعبّرت فيما كتبته عن الدهشة والسخرية من قرار غريب أصدرته الحكومة الإسرائيلية بمنع ادخال البقدونس مع بعض المنتجات الأخرى الى غزة
(شملت القائمة الكزبرة والمربى والحلاوة والكمون واللحم الطازج والفاكهة المجففة. وسلعاً أخرى مثل ألعاب الاطفال والدفاتر والصحف وشفرات الحلاقة).
وفي نفس العدد كتب جدعون ليفي منتقدا يهوديا شهيرا حائزا على جائزة نوبل هو ايلي فيزيل، ومستغربا منه دعوته الى استمرار احتلال الضفة الغربية، ومتمنيا عليه ان يطالب الرئيس أوباما بالتشدد مع الدولة العبرية، لا بالتراخي معها كما هي الحال الآن.
لم أجد في صحفنا المصرية صدى للقرار الاسرائيلي الأخير بتوسيع نطاق الحصار لكي يشمل البقدونس والكزبرة والمربى ...إلخ، لكن وجدت ان صحيفة «الأهرام» أبرزت على صفحتها الأولى يوم الاثنين 3/5 خبراً «حماس تبتكر ضرائب على زيارة المرضى والذهاب للبحر في غزة». وتحت العنوان تقرير تحدث عن قائمة الضرائب والرسوم التي فرضتها حكومة حماس على سكان القطاع ووصفت بأنها «اتاوات» و«غريبة». وختم بالاشارة الى ان «هذه الإجراءات (جاءت) نتيجة للسيطرة على شبكات الأنفاق من الجانب المصري، ومواجهة المهربين الذين كانوا يستخدمون الأنفاق في تهريب الأموال والبضائع من مصر الى قطاع غزة».
المقابلة بين الموقفين تكشف عن مفارقة محزنة ومخجلة، فما نشرته «هاآرتس» يفضح الحصار ويدين الاحتلال، أما ما نشرته «الأهرام» فلا ذكر فيه للحصار والاحتلال، لكنه يعبر عن الشماتة في حكومة حماس التي اضطرت في العام الثالث للحصار لأن تفرض على الناس ضرائب جديدة لتسير عجلة الحياة في القطاع، وفي الوقت ذاته اعتبر التقرير ان هذه الضائقة بمثابة «إنجاز» تحقق جراء الجهد المصري لإغلاق الأنفاق (لم يشر الى دور السور الفولاذي الذي أقيم باتفاق أمريكي اسرائيلي).
يضاعف من الحزن والخجل اننا جميعا وقفنا متفرجين، في حين ان احدى المنظمات الحقوقية الاسرائيلية هي التي تحركت، فتوجهت بطلب الى المحكمة العليا احتجت فيه على قرار حظر ادخال السلع السابقة الذكر، وطلبت الاطلاع على المعايير التي يتم على أساسها اتخاذ قرارات من ذلك القبيل، لكن السلطات تذرعت في ردها بالأسباب الأمنية التي لم تشأ ان تفصح عنها (الحياة 8/5)، في الوقت ذاته نشرت صحيفة «هاآرتس» تحقيقا صحافيا تحدث عن دراسة أجريت لتحديد الحد الأدنى المطلوب لكل فرد في القطاع، شملت قوائم بكمية الوحدات الحرارية والجرامات التي يصرح بها لكل مواطن وفقا للسن والجنس، وأغلب الظن ان هذه الدراسة تم الاعتماد عليها في تحديد كميات الأغذية التي يسمح بدخولها، بحيث يبقى الجميع عند حدود الكفاف، ولا يسمح لهم بأي نمو طبيعي.

(2)

الغريب أن كل ما تفعله اسرائيل في الفتك بالفلسطينيين وتصفية ملف القضية لم يعد يحرك شيئا في الدول العربية الرئيسية، فالحصار صار مقبولا ومؤيدا. في هذا الصدد لا أحد ينسى تلك الواقعة المشينة التي ذكرها أمير أورن المعلق العسكري لصحيفة «هاآرتس» في تقرير أرسله من بروكسل ونشرته الطبعة العبرية للجريدة في 2008/12/2، وذكر فيها ان وزير خارجية لوكسمبرج طلب من وزيرة الخارجية الاسرائيلية (وقتذاك) تسيبي ليفني بعد كلمة ألقتها أمام وزارة خارجية حلف الناتو برفع حصار غزة، وفتح المعابر الحدودية لأن الأوضاع الإنسانية في القطاع بالغة الصعوبة، فما كان من السيدة ليفني إلا أن طلبت من وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط ان يشرح للوزراء لماذا ينبغي ان يستمر معبر رفح مغلقا،
وكانت المفاجأة ان الرجل أيد موقفها، وقال ان المعبر يجب أن يغلق «لدواع قانونية»، مشيرا الى ان ذلك ما تفرضه اتفاقية المعابر الموقعة في عام 2005 بين السلطة الفلسطينية واسرائيل والاتحاد الأوروبى. المخجل (لاحظ أننا غارقون في الخجل طوال الوقت) ان مراسل الصحيفة أمير أورن ذكر أنه بينما قال أبوالغيط هذا الكلام، فإن ممثل الخضر في الاتحاد الأوروبي داني كوين بنديت (يهودي) هو الذي ندد في الاجتماع بسياسة القمع الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين.
أيضا لم يعد الاحتلال محلا للاستنكار ولا الحصار بطبيعة الحال. وعلى الملأ جرت عملية اقامة الجدار الفولاذي على حدودنا مع غزة لإحكام الحصار، ولم يعد أحد يخجل من قيام الملحق العسكري الأمريكي بتفقد عملية البناء، ولا من توجيه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية الذي تمثله منظمة ايباك التحية لمصر على قيامها بتلك الخطوة «الشجاعة».
أما تهويد القدس والاستيلاء على بيوت العرب وهدم عشرات المنازل في حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى، واستمرار الحفر الذي يهدد اساساته، هذه كلها أصبحت أخبارا عادية يقرؤها الناس بهدوء ولا مبالاة في صحف الصباح، مثلها في ذلك مثل اخبار التمدد الاستيطاني السرطاني وتهويد الضفة الغربية وإقامة السور العازل وسرقة الآثار الاسلامية وعمليات التصفية والاعتقال التي تتم بصفة دورية، وتضيف اعدادا جديدة الى العشرة آلاف معتقل فلسطيني الموزعين على السجون الاسرائيلية.
هذه الممارسات التي تتواصل بصفة يومية، وتؤدي الى تآكل القضية الفلسطينية وطمس معالمها، لم يكن لها أي صدى من جانب الأنظمة العربية، هذا ان استثنينا البيانات البلاغية والتصريحات الصحافية الخجولة التي تطلق بين الحين والآخر من باب ستر العورة وذر الرماد في العيون.
وبشكل عام، بوسعنا أن نقول إن الممارسات الاسرائيلية برغم ما اتسمت به من وحشية وفظاعة، لم تؤثر بالسلب على العلاقات القائمة بين اسرائيل والدول العربية، سواء كانت العلاقات رسمية ومعلنة أم سرية وغير معلنة، ومن المدهش ان تلك العلاقات بدأت تنمو وتتوسع، اذ فضلا عن التمدد الاسرائيلي في شمال افريقيا والعراق، فقد اكتشفت ان ثمة زحفا اسرائيلياً حثيثا على دول منطقة الخليج.فالأخبار متواترة عن وجود العشرات من الجنرالات الاسرائيليين السابقين، وضباط الموساد يقومون بالتدريب الأمني وادارة بعض الشركات في عدة دول خليجية (هاآرتس 2009/9/18) كما انني سمعت ذات مرة من دبلوماسي أمريكي تعبيره عن الأسف لقتل محمود المبحوح القيادي بحركة حماس في دبي، لا لشيء سوى ان العملية أثرت سلبا على «العلاقات الوثيقة» التي تربط بين اسرائيل ودولة الإمارات العربية.
وقد استوضحته حين فوجئت بكلامه، فأعاد الرجل العبارة على مسامعي، وبدا مستغربا لأنني لم أكن أعلم بذلك! في الوقت ذاته فان تلك الممارسات لم تحل دون ان يقوم بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو بزيارة الى مصر يلتقي خلالها مع الرئيس مبارك، ويقضي معه 90 دقيقة، وبعد العودة يصرح بنيامين اليعيزر وزير التجارة الذي رافقه لراديو اسرائيل بقوله إن الاجتماع كان «رائعا» وتصل به الوقاحة الى حد وصف الرئيس المصري بأنه «كنز اسرائيل الاستراتيجي» وهو الوصف الذي تمنيت أن تحتج عليه مصر، لكن ذلك لم يحدث.


(3)
حين وضعت السلطات المصرية العديد من العقبات أمام قافلة «شريان الحياة» التي حملت المساعدات الى قطاع غزة في آخر أيام شهر ديسمبر الماضي، كان لتلك الاخبار وقع الصدمة على الاتراك، الذين كانوا مشاركين في الحملة بممثلين عن البرلمان والحكومة. وفي زيارة أخيرة لتركيا وجدت انهم يعدون لحملة اغاثة أخرى خلال ايام تضم 8 سفن وحدثني بعضهم عن دهشته وحيرته إزاء تفسير ما جرى في المرة الماضية، قائلين إنهم سيتجنبون المرور بالموانئ المصرية في المرة المقبلة حتى لا يتكرر ما حدث من قبل.
وقالوا في هذا الصدد ان أعدادا غفيرة من الأتراك حين سمعوا بالعراقيل التي وضعتها السلطات المصرية أمام قافلة «شريان الحياة»، خصوصا حين ذاعت بينهم أخبار عن تعرض الشرطة المصرية للمشاركين فيها، فانهم أحاطوا بالقنصلية المصرية في اسطنبول وهددوا باقتحامها اذا ما تعرضت عناصر الحملة للاعتداء.
مثل هذا الغضب المختلط والدهشة شائع في أوساط الناشطين في العالم الإسلامي ولدي رسائل عديدة معبرة عن تلك المشاعر أتلقاها عبر البريد الالكتروني من اندونيسيين وماليزيين وباكستانيين خصوصا ممن يدرسون في أوروبا. مما يحير هؤلاء أيضا ان جهود الإغاثة ودعوات المقاطعة الأكاديمية والفنية أو مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية نشطة وظاهرة في الدول الغربية، في حين انها تتراجع وتخفت بمضي الوقت في العالم العربي.
الملاحظة المهمة الجديرة بالرصد في هذا السياق ان العالم العربي في السنوات الأخيرة يزداد ابتعادا عن القضية الفلسطينية واقترابا من اسرائيل، في حين ان الرأي العام الغربي والأوروبي بوجه أخص يزداد وعيا-نسبياً- بحقائق القضية وابتعادا عن اسرائيل وقد ظهر ذلك بشكل واضح عقب العدوان الاسرائيلي على غزة الذي فضحه وأدانه تقرير القاضي ريتشارد جولدستون على الصعيد الدولي، في حين تستر عليه في حينه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وساعد اسرائيل على الإفلات من الإدانة بسببه، كما لم تأخذه الحكومات العربية مأخذ الجد.
لم يقف الأمر عند حد تراجع أولوية القضية وتقدم مسيرة التطبيع باسم ذرائع مختلفة، وإنما بدا ان تفكيك القضية والتفريط في ثوابتها أصبح أمرا ميسورا ومقبولا فثمة شبه توافق الآن على امكانية التنازل عن الأرض بدعوى «تبادل الأراضي»، بحيث تبقى المستوطنات كما هي وتستأثر اسرائيل بالأرض الزراعية ومصادر المياه، وتعطي السلطة الفلسطينية مساحات مقابلة لها في صحراء النقب. وثمة تركيز واهتمام بالسلطة والدولة أكثر من الاهتمام بالأرض التي هي جوهر النزاع، وثمة اقرار بالتنازل عن حق العودة والحديث الآن جار حول المقابل والبديل. وثمة شبه اجماع بين الدول العربية ورجال السلطة في رام الله على ادانة المقاومة واتهامها (تلك مشكلة غزة الحقيقية) الأمر الذي أفرز وضعا غاية في الغرابة بمقتضاه تم التنسيق الأمني بين السلطة وبين اسرائيل لملاحقة المقاومة وإجهاض عملياتها.

(4)
الأعجب والاخطر مما سبق هو ذلك التغيير الذي تلوح بوادره في الأفق العربي، وبمقتضاه تختفي صورة العدو الاسرائيلي، لكي تصبح ايران هي العدو الجديد.صحيح ان اسرائيل ما برحت تروج لذلك الادعاء (وهو أمر طبيعي) لكن الغريب في الأمر ان بعض الأطراف العربية صدقته وصارت تروج له بدورها.آية ذلك انني قرأت في صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 13 ابريل الماضي) ان تجمعا عالميا شهدته العاصمة السعودية الرياض جدد التحذير من خطر برنامج التسلح الايراني على المنطقة بأسرها، وخرجت التحذيرات تلك من خلال بحوث متخصصين في الطاقة النووية أيدوا وجود خطر واضح في البرنامج النووي الايراني، الذي (يؤثر سلبا) على منطقة الخليج وتوازن القوى في المنطقة، وفقا لآراء المتخصصين.

وقد لاحظت ان هذه الندوة نظمها أحد مراكز البحوث السعودية بالتعاون مع مركز ستيمسون الأمريكي، ومن المصادفات انني دعيت لمناقشة الموضوع في احدى المحطات التلفزيونية المصرية، ولكنني اعتذرت وقلت لمعد البرنامج الذي اتصل بي أنني لا أمانع في المشاركة في حالة ما اذا بدأنا بالحديث عن السلاح النووي الإسرائيلي لسبب جوهري هو ان ما يخص ايران هو احتمال يشيعه الامريكيون والإسرائيليون، أما السلاح النووي الإسرائيلي فهو حقيقة مسكوت عليها.
حين يطل المرء على الساحة العربية من علٍ، يجد ان العالم العربي يساق ذاهلا ومستسلما في طريق رسمه الأمريكيون ليس فقط لتصفية القضية الفلسطينية وتمكين اسرائيل من تحقيق ابتلاع فلسطين ومحوها من الخريطة، وانما ايضاً لينفتح الطريق بعد ذلك لإخضاع العالم العربي بأسره. وهي الجائزة الكبرى التي ينتظرها الطرفان على أحر من الجمر. إننا نساق الى الانتحار بخطى حثيثة.
..................

09 مايو، 2010

النظام قبل الوطن

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 26 جمادى الاولى 1431 – 10 مايو 2010
النظام قبل الوطن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_09.html


إذا صح الكلام الذي نشر على لسان مساعد وزير الخارجية المصري في الكويت، فإنه يدعو إلى الحزن والأسف، وربما الخجل أيضا، فالرجل عقد في الأسبوع الماضي اجتماعا حضره ممثلون عن الجالية المصرية هناك،
وتطرق إلى أمور عدة كان من بينها
موضوع مناشدة السلطات الكويتية إعادة النظر في قرارها ترحيل 21 مصريا إلى القاهرة،
وإنهاء عقود عملهم بسبب تأييدهم للدكتور محمد البرادعي.

وفي تعليقه ركز مساعد الوزير للشؤون القنصلية، السفير محمد عبدالحكم، على نقطتين،
الأولى أنه طالب المصريين بضرورة احترام القوانين المحلية،
والثانية أنه أكد أن مصر لا تتدخل في الشؤون الداخلية الكويتية. على الأقل هذا ما ذكره مراسل جريدة «المصري اليوم» هناك، في رسالته التي نشرت يوم الخميس الماضي 6/5.

ولأن الكلام لم يصحح أو يكذب حتى الآن، فمن حقنا أن نتعامل معه باعتباره صحيحا، وفي هذه الحالة سنلاحظ أننا لا نكاد نجد فيه أي تعاطف مع محنة المصريين المرحلين.
وسنجد أن مضمونه لا يختلف عما يمكن أن يصرح به أي ديبلوماسي أجنبي في الموضوع، فلو سئل سفير بوركينا فاسو أو كوستاريكا عن رأيه في ترحيل المصريين فإنه سيقول نفس الكلام، ولن يضيف إليه شيئا.
في حين أن أي مسؤول أجنبي في أي منظمة حقوقية سيلاحظ أن الترحيل تم بغير تحقيق ولا يخلو من تعسف وإساءة لاستخدام السلطة، فضلا عن أنه اتسم بالمبالغة والقسوة المفرطة. إذ لا ينبغي أن تقطع أرزاق بعض العاملين في أي جنسية ويلقى بهم وراء الحدود، لمجرد أنهم أيدوا أو تعاطفوا مع سياسي معارض في بلادهم.

كان بوسع مساعد وزير الخارجية أن يطيب خاطر المرحلين ويشعرهم أنهم ينتمون إلى بلد يقف إلى جانبهم، إذا قال كلاما أقل حيادا وجفافا وأكثر غيرة على مصالحهم.
كان يمكن أن يقول مثلا إن وزارة الخارجية المصرية وهي تقدر مسؤولية الحكومة الكويتية وتحترم قراراتها، فإنها مهتمة بملف المصريين المرحلين ومعنية بحل مشكلاتهم بقدر اهتمامها باستقرار الكويت واستتباب الأمن فيها، ولست أشك في أنه كديبلوماسي محترف كان يستطيع أن يوصل رسالة الغيرة على مصالح المصريين، جنبا إلى جنب مع احترام القرار الكويتي، بأكثر من صيغة ذكية ومهذبة تحفظ لكل طرف قدره ومقامه. لكن الرجل فيما نشر على لسانه لم يلجأ إلى ذلك الأسلوب.
وآثر أن يرفع يده عن الموضوع كلية، وأن يقول ضمنا لحكومة الكويت إن الخارجية المصرية ليس لها دخل به. وأن يدها مطلقة في التصرف خصوصا مع المعارضين المصريين.

لو أن الديبلوماسي المصري كان ممثلا لدولة ديموقراطية لقال كلاما آخر، اعتبر فيه الدكتور البرادعي شخصية وطنية مصرية، وأن من حق المصريين أن يؤيدوه أو يعارضوه، بما لا يتعارض مع القوانين الكويتية بطبيعة الحال.
ولربما احتج قائلا إن السلطات الكويتية سمحت بمظاهرة معارضة للانتخابات الإيرانية لكنها سارعت إلى قمع بعض المعارضين المصريين الذين تضامنوا مع الدكتور البرادعي ولم يتظاهروا،
لكن صاحبنا تصرف كأي موظف مصري حذر. فنفض يده من ملف المجموعة المصرية حتى لا يشتم في موقفه أي تعاطف معها، الأمر الذي قد يكلفه الكثير، وقد لا يكون الرجل متعمدا ذلك، لكنه تعلم أن تلك هي الحدود الآمنة التي ينبغي أن يلتزم بها لكي يحافظ على مستقبله الوظيفي، أن يكون مع الحكومة ظالمة أو مظلومة، وتلك ليست مشكلة ديبلوماسي أو مسؤول بذاته، ولكنها مشكلة جيل من الديبلوماسيين وكبار المسؤولين، الذين تعلموا أنهم يخدمون النظام والرئيس، ويقدمونهما على الوطن والشعب والدستور والقانون.
وإذا ما فعلوا ذلك فإنهم يصبحون الموظفين المثاليين الذين تفتح أمامهم أبواب الترقي والترفيع على مصارعها، إذ يكسبون ثقة النظام ويخسرون أنفسهم وثقة شعوبهم.
...........................

Delete this element to display blogger navbar