Subscribe:

Ads 468x60px

29 أبريل، 2010

خطأ فى العنوان

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 15 جمادى الأولى 1431 – 29 أبريل 2010
خطأ فى العنوان – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_29.html


لأول وهلة، بدا الأمر مفاجئا ومثيرا للدهشة. بغير مقدمات ظهر وزير التربية والتعليم مع مفتى مصر فى مؤتمر صحفى، وأعلنا عن «انقلاب» فى مناهج التربية الدينية، وفى «البيان الأول» انتقدا المناهج بحجة أن فيها ما يحض على التطرف والعنف، وقالا إن كتابا جديدا عن «الأخلاق» سيدرس للجميع، ويكون مقبولا من جانب مختلف النحل. وإن المناهج الجديدة سيتم العمل بها من العام الدراسى المقبل (2011 ــ 2012).
كانت تلك هى المفاجأة، أما الدهشة فلها أكثر من وجه.
فهذا وزير للتعليم تسلم منصبه منذ أقل من أربعة أشهر، ولا نعرف ماذا أخذ عن أبيه وزير الداخلية الأسبق، لكن ممارساته دللت على وفائه له. وقد عرفنا عن الأب أنه حاد فى التعبير وأنه من أهل الاندفاعات وليس الانقلابات ــ ولذلك استغربنا من الوزير الابن أن يعلن بعد تلك الأشهر القليلة أن مناهج التربية الدينية سوف تتغير من السنة الأولى الابتدائية إلى الثالثة الثانوية ابتداء من العام الدراسى المقبل (هل يضمن البقاء فى منصبه إلى ذلك الأجل؟).
من أوجه الدهشة الأخرى أن وزير التعليم خاطب المفتى باعتباره جهة اختصاص فى الموضوع، والرجل له علمه وقبوله وشعبيته لا ريب، لكنه مختص بالافتاء وليس بالتعليم، ثم إنه يتبع وزارة العدل التى لا نعرف لها صلة بالموضوع.
ولأن الأزهر هو المؤسسة الدعوية والتعليمية المختصة بالشأن الدينى وله جامعته ومعاهده ومرجعيته المعتبرة، فقد استغربت غيابه عن المشهد.
وفسرت ذلك بأحد احتمالين،
أحدهما أن تكون للوزير مشكلة مع الأزهر، دفعته لأن يدير ظهره له ويخاطب «عمامة» أخرى،
أو أن الأمر التبس عليه وأخطأ فى العنوان، خصوصا أن مبنى مشيخة الأزهر مجاور لدار الإفتاء.
لا أخفى أننى استربت فى العملية، إذ ذكرتنى بالحملة الأمريكية على مناهج التعليم الدينى فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر، التى انطلقت من أن ذلك التعليم يحض على التطرف والعنف والإرهاب. ودعت إلى إعادة تشكيل العقل المسلم، من خلال إعادة النظر فى كتب ومدارس التعليم الدينى وتجديد الخطاب الدينى. وهى الدعوة التى ظاهرها الرحمة. لأن أحدا لا يستطيع أن يعترض على التطوير المنشود، فضلا عن أن مناهج التعليم وكتبه تحتاج بالفعل إلى ذلك التطوير. لكن حين يتحقق ذلك عبر توجيه أو أوامر أمريكية فإن البراءة تنتفى منه على الفور.

لا يقل عن ذلك أهمية أن إطلاق دعوة التطوير فى الوقت الراهن يبعث على الشك، لأننا نعيش أجواء، اشتدت فيها حملة رموز الكارهين والمتعصبين التى استهدفت ملاحقة الإسلام ومطاردته فى مظانه المختلفة. من نص المادة الثانية للدستور إلى حضوره فى حياة الناس العاديين، مرورا بمناهج التعليم، التى طالب البعض بحذف الآيات القرآنية منها. وهى الحملة التى ردت على شعار الإسلام هو الحل، بالترويج لشعار يدعى ضمنا أن الإسلام هو المشكلة!

حين تحريت الأمر تكشفت الحقيقة. إذ قيل لى إن الوزير أخطأ العنوان حقا، وأن العملية ليست جديدة، ولا علاقة لها بمكافحة التطرف أو العنف. وإنما كانت مأخوذة على محمل الجد منذ عدة سنوات. إذ شكلت لجنة لهذا الغرض برئاسة الدكتور أحمد الطيب (شيخ الأزهر الحالى) حين كان رئيسا لجامعة الأزهر، وكان المفتى الدكتور على جمعة من أعضائها ضمن آخرين من العلماء والباحثين، وقد أنجزت اللجنة مهمتها وقدمت مشروعها للتطوير إلى وزير التعليم آنذاك الدكتور أحمد جمال الدين (فى عام 2004)، ولكن الوزير تغير فتوقف المشروع. ولم يتابعه الوزير الجديد، وحين جاء بعده الدكتور بدر أحياه مرة أخرى، لكنه لم ينبه إلى الجهد الذى سبقه، فلجأ إلى المفتى وكان ما كان. ولم يكن اتجاه الوزير إلى العنوان الغلط هو المشكلة الوحيدة، لكن المشكلة الأكبر أن كل الجهد الذى بذل من قبل تاه وجارى البحث عنه..


معلوماتى أن اتصالات رفيعة تمت أمس الأول لتصويب العملية، تم الاتفاق خلالها على إسناد مهمة التطوير إلى الأزهر، وأن الموضوع سيناقش اليوم فى اجتماع مجمع البحوث الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر لتحديد الاختصاص ووضع ضوابط النهوض بمناهج التربية الدينية، بحيث تحقق طموحات الغيورين لا أمنيات الكارهين والكائدين.
..............

28 أبريل، 2010

أسئلة العبارة مجددًا

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 15 جمادى الأولى 1431 – 29 أبريل 2010
أسئلة العبارة مجددًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_28.html


لو أن كارثة عبارة الموت التي غرق فيها أكثر من ألف مواطن مصري وقعت في كوريا، ماذا كان سيحدث؟
عندي سببان لطرح السؤال.
أحدهما مصري والثاني كوري.
السبب المصري أن محكمة القضاء الإداري في القاهرة أصدرت هذا الأسبوع (في 21/4) أحكاما بمعاقبة 58 موظفا من موظفي الحكومة ذوي الصلة بالموضوع، الذين اتهموا بالتقصير والإهمال في عملهم، حين سمحوا بتشغيل السفينة رغم افتقادها لشروط السلامة المقررة، مما أدى إلى غرقها. قامت المحكمة بما عليها فأنزلت مجموعة من العقوبات التأديبية بأولئك الموظفين، تراوحت بين الفصل إلى التقاعد والإيقاف المؤقت..إلخ.
هذا الحكم جدد اللغط وأحيا الأسئلة الحائرة المثارة بشأن الكارثة، التي يمثل بعضها ألغازا لا تكاد تجد تفسيرا مقنعا أو مطمئنا.
أهم الألغاز تلك التي تتعلق بملابسات تفتيت القضية والتهوين من شأنها. ذلك أنه ما كان يمكن أن يخطر على بال أحد أن تحول جريمة بهذا الحجم الكارثي إلى «جنحة» تعرض على محكمة الغردقة، وتكون التهمة الموجهة إلى ملاك السفينة وقبطانها هي الإهمال في التبليغ عن غرقها. ثم يقدم موظفو الموانئ ورجال السلامة البحرية إلى محكمة تأديبية بتهمة التقصير، وتلك عناصر لو جمعت في قضية واحدة لشكلت جناية من العيار الثقيل.
تفتيت القضية ليس الملاحظة الوحيدة، ولكن التراخي فى التعامل معها كان مصدرا آخر للغلط والأسئلة الحائرة. بدءا بالانتظار لأكثر من خمسة أسابيع لإصدار قرار منع مالك السفينة والمسئول الأول عن الكارثة من السفر، بعدما تمكن الرجل من ترتيب أموره ومغادرة البلاد هو وأسرته بأمان.
ومرورا بإصدار الحكم في الجنحة بعد مضي 3 سنوات على غرق السفينة،
وانتهاء بإصدار المحكمة التأديبية جزاءاتها بعد مضي 4 سنوات،
وهو ما أشاع انطباعا بأن القضية لم تتعرض فقط للتفتيت، ولكنها تعرضت أيضا «للتبديد» الذي عول على تهدئة الخواطر والمراهنة على الزمن في امتصاص سخط الأهالي والرأي العام.
فضلا عما سبق فثمة أسئلة عديدة لا تزال مثارة حول مصير تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب برئاسة السيد حمدي الطحان. وهو التقرير الذي تعرض للتسويف في إعداده، ثم دفن فور عرضه على المجلس، وتم تجاهل النتائج التي توصل إليها، وفي مقدمتها ثبوت التقصير في عملية البحث والإنقاذ.
(طائرات البحث وصلت إلى موقع الباخرة بعد نحو 8 ساعات من تلقي الاستغاثة الأولى إلى الجهة المعنية في مصر، أما سفن الإنقاذ، فقد وصلت بعد 12 ساعة).
وهو تقصير أدى إلى زيادة أعداد الغرقى، ولم يحاسب عليه أحد. لأن ذلك يمس أناسا فوق الحساب!
ذلك فيما خص الجانب المصري.
أما سبب إقحام كوريا في الموضوع، فقد فرضته الأخبار القادمة من سيول. إذ تحدثت عن فجيعة مماثلة، وقعت في أواخر مارس الماضي، حين غرقت سفينة كورية جنوبية عليها 46 بحارا بالقرب من خط الحدود مع كوريا الشمالية -وهو ما أحدث صدمة لدى الرأي العام، ودفع الحكومة إلى استنفار الخبراء المحليين واستدعاء الخبراء الدوليين لتحرى أسباب الغرق،
ومع بداية التحقيق ظهر الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونج باك على شاشة التليفزيون مرتديا ثياب الحداد السوداء ليعبر عن حزنه ومواساته لشعبه المفجوع.
وتلا بصوت متهدج بيانا مكتوبا، لكنه لم يتمالك نفسه حين بدأ في قراءة أسماء المواطنين الذين غرقوا. فانفجر باكيا، ورآه الجميع وهو يذرف الدمع ويكفكفه، فبكت كوريا كلها معه، وغرق البلد في بحر من الدموع.
اختلط لدى الحزن بالحسرة حين وقعت على القصة في جريدة الأهرام، في ثنايا تعليق لزميلنا الأستاذ كمال جاب الله الخبير في الشئون الآسيوية، ليس فقط تأثرا بموقف الرئيس الكوري،
ولكن أيضا لأنني تذكرت أن مسئولينا حرصوا على متابعة مباراة كأس أفريقيا في كرة القدم، مباشرة بعد غرق العبارة في البحر الأحمر،

انتابني الشعور بالحسرة حين قارنت بين المشهدين، ووجدت أنهما يجسدان الفرق بين نظام لا يحتاج للناس في وجوده واستمراره، وآخر يستمد شرعيته من قبول الناس ورضاهم.
........................

27 أبريل، 2010

في فقة المقاطعة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 14 جمادى الأولى 1431 – 28 أبريل 2010
في فقة المقاطعة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_27.html


حتى إذا كان قرار مقاطعة اللحوم في مصر ليوم واحد، وحتى إذا لم تؤد المقاطعة إلى إحداث تغيير جوهري في الأسعار، فإن الخطوة تستحق الحفاوة والتشجيع من أكثر من وجه..
صحيح أن الموقف الرسمي من المقاطعة بدا مترددا وخجولا. وأن الصحف القومية تجاهلتها تقريبا (الأهرام لم تشر إليها بكلمة)،
صحيح أيضا أن كثيرين في مصر قطعوا علاقاتهم باللحوم منذ مدة عندما ارتفعت أسعارها، وبدا كأنها هي التي قاطعتهم وتأبّت عليهم ولم يبادروها هم بالمقاطعة.
إلا أن إطلاق المبدأ أهم من كل ذلك، فنحن في شوق إلى أي نداء يستنهض الناس ويدعوهم إلى المشاركة في أي عمل عام، سواء تعلق بمصالحهم الفئوية المباشرة أو بمصالح البلد بشكل عام.

في مصر تفاعلات اجتماعية وسياسية لا تنكَر، إذ إلى جانب دعوات تغيير الأوضاع السياسية، فقد أصبحنا نشهد بين الحين والآخر تجمعات مدنية نشطة تدافع عن الحقوق وتسعى إلى تقويم العوج في قطاعات مختلفة. فقد صار لدينا «مواطنون ضد الغلاء»، و«مواطنون ضد الفساد»، وضد بيع الغاز لإسرائيل وضد البطالة وضد التوريث..إلخ، وهي تجمعات نخبوية وقاهرية في الأغلب.

لا يقل عن ذلك أهمية أن فكرة التظاهر السلمي أصبحت أكثر شيوعا وقبولا بصورة نسبية، حتى لم يعد يخلو رصيف مجلس الشعب من متظاهرين ومعتصمين على مدار الأسبوع.

وفي الوقت الراهن هناك معتصمون آخرون يطالبون بحقوقهم أمام مبنى وزارة الزراعة، وهي ممارسات تدل على أننا صرنا بإزاء وعي مختلف، كسرت فيه قطاعات عريضة حاجز الصمت والخوف بدرجة ملحوظة.

رغم تعدد مظاهر التعبير عن الاحتجاج والسخط، فإن فكرة المقاطعة لم يكن لها نصيب في «أجندة» الرافضين الغاضبين، في حين أنها تعد من أرقى الأساليب المتّبعة في هذا المجال، ذلك أنها لا تتطلب الإقدام على فعل ينسب إليه «تكدير الأمن العام» أو يقتضي الخروج إلى الشارع، وربما التعرض للاشتباك مع الشرطة وما أدراك ما هو، وإنما غاية المطلوب هو مجرد الامتناع عن الفعل، وهو ما لا يعرض المرء لأي نوع من المخاطر.

صحيح أننا عرفنا مقاطعة إسرائيل رسميا وشعبيا في أزمنة الكرامة، ولكن المقاطعة الرسمية تراجعت بعد معاهدة السلام، حين غدت الكرامة وجهة نظر ولم تعد موقفا مبدئيا، وبقيت المقاطعة الشعبية والنقابية التي أصبحت محل أخذ ورد في مصر وفي بعض الدول العربية الأخرى.

ولأن المقاطعة كانت قرارا للجامعة العربية وموقفا رسميا، فإنها لم تتحول إلى جزء من ثقافة الاحتجاج الشعبية، وربما كانت حملة مقاطعة البضائع الدنماركية عقب نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام أبرز صور الاحتجاج التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي خلال السنوات الأخيرة، وفي غير هذه الحالة لا يكاد المرء يذكر حضورا معتبرا لأسلوب المقاطعة، باستثناء المقاطعة الشعبية النسبية والعفوية للانتخابات في مصر، احتجاجا على تزويرها.

حتى نكون منصفين ينبغي أن نقرّ بأن ثقافة المقاطعة وغيرها من أساليب الاحتجاج السلمي هي من إفرازات الممارسة الديموقراطية، باعتبارها الأصل الذي يستدعي المجتمع ويحوله إلى شريك في القرار وفي المصير، ذلك أننا لا نستطيع أن نتوقع تعبيرا مطمئنا عن الاحتجاج في ظل أوضاع ترفض المشاركة أو تتلاعب بها.

إن المقاطعة يمكن أن تكون سلاحا فعالا حقا في محاربة الغلاء، وتلك مسؤولية المجتمع، لكن السلطة في مواجهة الغلاء لها دور آخر من شقين،
أحدهما توفير البدائل للناس التي تمكنهم من الصمود في المقاطعة،
والثاني يتمثل في بذل جهد لرفع مستوى الإنتاج لتخفيض الأسعار التي تلهب ظهور الناس،
وفي موضوع اللحوم مثلا، فإن أجهزة السلطة تحدثت عن الاستيراد لحل الإشكال، لكن أحدا لم يثر موضوع تنمية الثروة الحيوانية. كحل جذري للمشكلة،
وكانت النتيجة أننا حددنا بصرنا إلى ما وراء حدودنا ولم نُلق بالا إلى مواضع أقدامنا.
...................

26 أبريل، 2010

اللاعبون والمتفرجون في حوض النيل – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 13 جمادى الأولى 1431- 27 أبريل 2010
اللاعبون والمتفرجون في حوض النيل – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_26.html


- لماذا لا تستعين الجهود الحكومية في ترميم ومد الجسور مع الدول الإفريقية بالمنظمات الأهلية ذات الخبرة العريقة؟
- الفشل النسبي للمفاوضات مع دول الحوض وثيق الصلة بتراجع الدور المصري وغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع العالم الخارجي
التعامل مع ملف المياه يحتاج الى تفكير من نوع مغاير، يعيد قراءة المشكلة بأبعادها المختلفة بعيدا عن لغة الانفعال والتهديد التي تحدث بها بعض المسؤولين المصريين.
ــ1ــ
ما دعاني للعودة الى
الموضوع مرة ثانية ليس فقط ما يمثله من أهمية حيوية بالنسبة لمصر، ولكن لأنني وقعت خلال الأسبوع الماضي على كم من المعلومات التي تسلط أضواء جديدة على جوانبه المختلفة
ــ ووجدت أن النظر اليها من شأنه أن يسمح لنا بالتعامل مع الملف بصورة أكثر عمقا ومسؤولية، أدري أننا نتحدث الآن بعدما حققت السياسة المصرية فشلا نسبيا في التوصل الى اتفاق مع دول المصب. الأمر الذي يعد مقدمة لمواجهة لم تكن في الحسبان، يخشى أن تكون مقدمة لافتتاح حروب المياه في القرن الواحد والعشرين.
لقد وجدت مثلا أننا أصبحنا طرفا في مشكلة كبيرة متداولة في المحافل الدولية، التي لم تتوقف عن مناقشة «حق المياه»، وكان آخرها المنتدى العالمي للمياه الذي عقد في استنبول في شهر مارس من العام الماضي «2009»، ذلك أن في العالم 260 حوضا للمياه تتقاسمها دولتان وأكثر. ويعيش حولها %40 من سكان العالم، كما أن هناك مئات من الأحواض الجوفية المشتركة.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك أن 14 دولة تتقاسم نهر الدانوب الأوروبي. و11 دولة تشترك في كل من نهري النيل والنيجر. و9 دول تشترك في الأمازون، وثلاث دول في نهري دجلة والفرات، ومثلها لنهر الأردن. وفي أغلب الأحوال فان أنصبة تلك الدول من المياه يتم التفاهم حولها بصورة ودية وسلمية، الا أن الأمر لا يخلو من خلافات تنشأ اما عن التوزيع غير العادل أو الخلافات السياسية. وهو الحاصل بين تركيا والعراق، واسرائيل والمناطق المحتلة. وبين مصر والسودان من ناحية ودول منابع النيل من ناحية ثانية.
في الوقت ذاته، ثمة 145 معاهدة عالمية حول موضوع المياه، لم تحل الخلافات التي تثور بين أطرافها أو تحسمها تماما، مع ذلك لم يحدث أن كانت المياه وحدها سببا مباشرا للحرب فيما بين الدول، كما يقول رئيس المجلس العالمي للمياه لويك فوشون.
وفي حالة وقوع نزاعات مسلحة بين الدول المعنية فعادة ما تكون هناك عوامل أخرى تحرك تلك النزاعات، في مقدمتها طبيعة العلاقات السياسية وغياب التعاون بين تلك الدول، اضافة الى المرارات والرواسب التاريخية، ولا ينسى في هذا الصدد أن موازين القوة بين الأطراف المختلفة تلعب دورها في توزيع حصص المياه، والحالة الأشهر في ذلك تتمثل في اسرائيل التي تحبس المياه وتنتفع بها على حساب الفلسطينيين أصحاب الأرض، وكانت النتيجة أن متوسط استهلاك الفلسطيني في الأرض المحتلة أصبح في حدود 75 لترا يوميا، في مقابل 300 لتر للاسرائيلي، علما بأن المتوسط العالمي الأدنى مائة لتر. بحسب منظمة الصحة العالمية.
ــ2ــ
لأن اللاعبين كثر فالحاصل في القارة الأفريقية أكثر تعقيدا مما نتصور. هذه نقطة مركزية في دراسة تلقيتها من الدكتور السيد فليفل المدير السابق لمعهد الدراسات الأفريقية، اعتبر فيها الموقف المصري ازاء أفريقيا «مفتقدا الى الرؤية الاستراتيجية المتماسكة». وهو يرصد التحركات المناوئة التي يتعين الانتباه اليها سجل الملاحظات التالية:
- تتبنى الولايات المتحدة مشروعات استراتيجية مؤثرة في المصالح المصرية، أخطرها مشروع القرن الأفريقي الكبير. الذي يستهدف تدمير الدرع اليمنى لحوض النيل، وتمزيق السودان بغرض النفاذ منه الى قلب القارة وأقاليمها المائية للهيمنة على أهم موارد القارة الطبيعية الكفيلة بتوليد طاقة مائية هائلة. وهذا المشروع يشكل قيدا على الحركة المصرية في مجاليها الحيويين، العالم العربى والقارة الأفريقية.
- طرحت الولايات المتحدة كذلك فكرة بعث مشروع استعماري بريطاني قديم هو اتحاد شرق أفريقيا (كينيا وأوغندا وتنزانيا). وفي التصور الأمريكي فان ذلك الاتحاد يمكن أن يضم دولة مقترحة في جنوب السودان، وقد عقد عدة دورات في السنوات الثلاث الماضية على مستوى القمة. ومن شأن اقامته أن يتم شق تجمع «كوميسا» واضعاف دور مصر فيه، وبصفة خاصة اذا انضمت اليه اثيوبيا، وفي حال انفصال جنوب السودان فان ذلك الاتحاد، سيكون بمنزلة شرخ محتمل في العلاقات العربية الأفريقية، لا يعلم الا الله تداعياته ومآلاته. وما لم تقم مصر باختراق كبير، فان علاقة مصر والسودان معه ستشهد توترات عدة. وفي ظل احتمال انضمام اثيوبيا اليه، وازاء غياب الدولة الصومالية فان أزمة مياه النيل والعلاقة مع دول الحوض ستصبح أزمة أفريقية أفريقية وأفريقية عربية في ذات الوقت.
- تبنت الولايات المتحدة كذلك مشروع خليج غينيا، وهو يرمي الى حصد البترول المكتشف مؤخرا في دول غربي أفريقيا ووسطها، وتستهدف الولايات المتحدة من خلاله أن توفر في عام 2015 نحو ربع احتياجاتها من النفط من هذه المنطقة، خاصة نيجيريا وتشاد والسنغال وأنجولا، وهي لم تكتف بذلك، بل استخدمت تلك الدول ركيزة للتدخل في جوارها وبعض تطورات أزمة دارفور يمكن قراءتها في اطار هذا المشروع.
- نتيجة لهذه المشروعات الأمريكية صار السودان عرضة للاختطاف والتناوش والنهش من الشرق (في اطار مشروع الشرق الأوسط) ومن الغرب (في اطار مشروع خليج غينيا) ومن الجنوب (في اطار مشروع اتحاد شرق أفريقيا)، بل وصار عرضة للتقسيم الكامل في اطار مشروع القرن الأفريقي الكبير، وهو ما يهدد مصالح مصر الثابتة في مياه النيل بمخاطر شتى.
- اذا أضفنا لذلك كله ذلكم المشروع الوليد للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا «أفريكوم» لأدركنا أن هذه المشاريع الأمريكية ليست برامج تنموية طوباوية تحدث في فراغ استراتيجي، بل يظاهرها تجييش للجيوش وحشد للقوى، وربما نشهد يوما تكون فيه جيوش الدول الأفريقية التي لا تتوقف زيارات المسؤولين الأمريكيين لها (السنغال ونيجيريا وغانا في غرب القارة وجنوب أفريقيا في جنوبها، وكينيا وأوغندا واثيوبيا في شرقها) تدخل في اطار المشروعات الأمريكية، على نحو ما حدث من تدخل اثيوبيا في الصومال، وقيادة أوغندا للقوات الأفريقية هناك. الأمر الذي يعني أننا بصدد برامج خطيرة تهدد أمن مصر القومي، لا تمس مصالحها فحسب، ولكنها تتجاهل أنها موجودة أصلا.
ــ3ــ
في الوقت الراهن، ومن الناحية العملية، لا مفر من الاعتراف بأن موقف مصر ضعيف، لا لأنها لا تملك أوراقا، ولكن لأنها لم تستخدم أوراقها وتجاهلتها طويلا، ولكي تدافع مصر عن حقوقها فمطلوب منها بذل جهد مضاعف، لسبب جوهري هو أن الساحة الأفريقية أصبحت تكتظ باللاعبين الوافدين اليها من كل صوب، فالى جانب الولايات المتحدة واسرائيل، ثمة حضور مشهود للصين وفرنسا وألمانيا واليابان والهند وايران وصولا الى ماليزيا. وفي حدود علمي فان تركيا بدورها أصبحت تتطلع للنفاذ الى الأسواق الأفريقية، حتى انها قامت بتعيين أحد أهم رجال الأعمال سفيرا لها في نيروبي، ولابد أن يلفت نظرنا في هذا السياق أن المنظمات الأهلية التركية أصبحت تمارس نشاطا ثقافيا واسعا في مختلف دول القارة، بحيث لم تعد هناك دولة أفريقية الا وأقيمت فيها مدرسة تركية على الأقل.
لقد تلقيت رسالة بخصوص امكانيات الدور المصري من الدكتور جمال عبدالسلام المدير السابق للجنة الاغاثة باتحاد الأطباء العرب طرح فيها سؤالين هما:
لماذا لا تستحدث مصر وزارة لشؤون أفريقيا، كما سبق أن خصص الرئيس عبدالناصر وزارة للسد العالي (عين لها المهندس صدقي سليمان وزيرا)؟
ــ السؤال الثاني هو: لماذا لا تستعين الجهود الحكومية في ترميم ومد الجسور مع الدول الأفريقية بالمنظمات الأهلية ذات الخبرة العريضة في مختلف مجالات الخدمات، وفي مقدمة تلك المنظمات جمعية الهلال الأحمر ولجان الاغاثة بالجمعية الشرعية ونقابة الأطباء المصرية واتحاد الأطباء العرب.
يذكرنا الدكتور جمال عبدالسلام بأن العالم العربي ومصر خاصة أقرب الى أفريقيا من كل تلك البلدان التي تقاطرت عليها، وأن مدرسة واحدة أقامتها الكويت في جوبا، جعلت شعب جنوب السودان يخرج في مظاهرات صاخبة احتجاجا على غزو العراق للكويت، في حين أن الموقف في الشمال كان ملتبسا، كما أن اقامة مدرسة جمال عبدالناصر في مقديشيو والبعثة الأزهرية التي تم ايفادها الى الصومال «كانت الأكبر في القارة الأفريقية» أحدثتا تغييرات جوهرية في أجواء البلاد، لمسها الوفد الاغاثي الذي أرسلته الجامعة العربية الى هناك في بداية التسعينيات. من ناحية أخرى فان الأنشطة التي قامت بها القوافل الاغاثية العلاجية ولجان مكافحة العمى في بعض الدول الأفريقية كانت لها أصداؤها الايجابية القوية، حين زارت جيبوتي والصومال وتشاد والنيجر.

ــ4ــ

حتى تأخذ المصارحة مداها، يتعين علينا في النهاية أن نسجل عدة أمور أحسبها ضرورية لانتقال مصر من موقف المتفرج الى اللاعب في ساحة حوض النيل، هذه الأمور هي:
1ــ ان الفشل النسبي للمفاوضات مع دول الحوض وثيق الصلة بتراجع الدور المصري وغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع العالم الخارجي، فالعلاقة مع دول حوض النيل مثلا، لا تنفصل عن العلاقة مع دول منطقة القرن الأفريقي، بل مع محيط دول الاتحاد الأفريقي.
2ــ ان مصر لم تتصرف حتى الآن باعتبارها جزءا من أفريقيا، وأعطت انطباعا بأنها ضيف عليها ومضطر اليها. وذلك وضع يحتاج الى تصحيح بحيث تنضم الهوية الأفريقية الى مفردات الهوية الأخرى للاقليم، المصرية والعربية والاسلامية والمتوسطية.. الخ. ورغم أن بعض المسؤولين المصريين دأبوا على الحديث عن تضحيات مصر من أجل أفريقيا (في أزمنة سابقة) الا أن الأفارقة لم يجدوا ما يبرهن على ذلك في زماننا. ولك أن تقدر مشاعرهم مثلا عندما يجدون أن مصر أعادت الحياة الى شبكة كهرباء لبنان مرة واثنتين اثر العدوان الاسرائيلي، في حين لا يجدون أثرا يذكر لدورها التنموي في بلادهم.
3ــ حين نتحدث عن دور العوامل أو الدسائس الخارجية التي باعدت بين مصر وبين دول الحوض، فينبغي ألا يمنعنا ذلك من تفهم مشاعر الأفارقة ازاء مصر. ذلك أن منهم من يلمس استعلاء مصريا غير مبرر في التعامل معهم.. ومنهم من لا يستطيع أن يتحلل من مشاعر الاستياء والحساسية حين يجدون أن مياه النهر تمر على بلدانهم التي تعاني التخلف والفقر والمرض، لتصل الى حياضنا لنزرع بها ونروي. ومن حقهم في هذه الحالة أن يطالبوا بمردود يمتص مشاعرهم تلك ويرطب من جوانحهم. ولا شك أن الاسهام المصري في تنمية تلك المجتمعات وتوفير ما يمكن توفيره من خدمات طبيعية وتعليمية لهم لا يبدد تلك المشاعر فحسب ولكنه أيضا يوفر لمصر نفوذا ناعما يرجح من كفتها في مثل المواقف الخلافية التي نحن بصددها.
4ــ ثمة انطباع مغلوط يشيع بين بعض النخب في الدول الأفريقية خصوصا بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد يدعى أن التنسيق قائم بين مصر والولايات المتحدة واسرائيل في المشرق العربي والقرن الأفريقي واسرائيل، ولا أعرف علاقة هذه الشائعة بفكرة معسكر «الاعتدال» الذي يروج له في العالم العربي وتتصدره الدول الثلاث، لكن الذي لا أشك فيه أن هذه السمعة أفقدت الدور المصري «الغائب» رصيده الوطني والمستقبل في القارة.
لأن التحدي كبير، فالجهد المطلوب أيضا كبير، وهو ما يتطلب قرارا سياسيا على أعلى مستوى، يستصحب عزيمة صادقة ونفسا طويلا.
وتلك مشكلات عويصة لا أعرف سنحلها في الأجل المنظور أم لا.
.......................

25 أبريل، 2010

صناعة الفرعون الإله

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 12 جمادى الأولى 1431 – 26 أبريل 2010
صناعة الفرعون الإله – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_25.html

أكلما التقى الرئيس نظيرا له اعتبر ذلك «قمة»، حتى إذا كان اللقاء على سبيل المجاملة والتعبير عن مشاعر المودة والتقدير؟
وهل لابد أن تكون كل تحركات الرئيس واتصالاته مشاورات سياسية وليس فيها مكان لما هو إنساني؟
وهل يُعقل أن تكون كل محادثات الرئيس محصورة في الانكباب على صناعة التاريخ، وليس فيها شيء يخرج من العام إلى الخاص ومن الفضاء الكوني إلى أمور الصحة واستعادة العافية؟

هذه الأسئلة وأمثالها من وحي ما تنشره الصحف القومية المصرية من عناوين عريضة وتعليقات مستفيضة تخص لقاءات الرئيس مبارك في شرم الشيخ التي يقضي فيها فترة النقاهة بعد العملية الجراحية الدقيقة التي أجريت له، وقد توافد عليه بعض القادة العرب لتهنئته بسلامة العودة ونجاح العملية.
وهو تقليد مقدر يعبر عن طيب المشاعر ونسيج الروابط الإنسانية بين الزعماء العرب، لكن صحفنا القومية تصرّ على أن الأمر ليس كذلك، وأن اللقاءات لم تكن سوى مباحثات حول مصير القضية الفلسطينية والعالم العربي وغير ذلك من الملفات الساخنة التي تهم الإقليم.
ورغم أن الصور المنشورة لا تعطي انطباعا بأنها لمحادثات من أي نوع، فلا جلسات عمل عقدت ولا وفود للمختصين شاركت ولا بيانات رسمية صدرت، فإن صحفنا ظلت مصرّة على أن «تنفخ» في أخبار اللقاءات، حتى نسجت من حولها حكايات من الخيال ودبّجت المقالات والتحليلات، التي سعت إلى تحويل اللقاء الإنساني إلى حدث سياسي.

قبل حين، عندما سافر الرئيس مبارك إلى ألمانيا والتقى هناك المستشارة السيدة ميركل، نشرت صحفنا خبر اللقاء وصوره. وخرجت علينا صحيفتنا «الكبرى» بمقالة على صفحتها الأولى، تحدث فيها كاتبها الهمام عن اللقاء المهم بين ميركل كقمة أوروبية والرئيس مبارك كقمة عربية. وأفاض في تحليل واستعراض خلفية الروابط بين البلدين والمصالح المتبادلة بينهما.
لكننا اكتشفنا في اليوم التالي أن الرئيس توجّه إلى ألمانيا لا لبحث علاقات البلدين، ولا لعقد القمة، ولكن لكي يدخل إلى المستشفى المتخصص الذي أجرى له الجراحة الدقيقة، وكل الذي حدث أنه قام بزيارة مجاملة للمستشارة الألمانية قبل دخول المستشفى. وبعد أن سربت إحدى الصحف الألمانية خبر الجراحة، لم يكن هناك مفر من إصدار بيان رسمي مصري متضمنا الخبر ومعلنا الحقيقة.
وهو ما اعتبرناه في حينها «شفافية» محمودة.

إذا تجاوزنا عن الحرج الذي وقعت فيه الصحيفة «الكبرى» جراء ذلك، فالشاهد أن ذلك التصرف كان جريا على التقليد الذي يصرّ على النفخ في تحركات الرئيس، بحيث تصبح كلها أحداثا سياسية مهمة، لا مكان فيها للنوازل الإنسانية العادية.

وفيما سمعت من أحد المطلعين، فإن ديبلوماسيي بعض الدول الغربية التي اعتاد الرئيس زيارتها في غير المهام الرسمية (فرنسا مثلا التي زارها الرئيس أكثر من خمسين مرة) يتناقلون هذه الملاحظة فيما بينهم. إذ عبروا عن عدم ارتياحهم إزاء إصرار السفارة المصرية على إضفاء الصفة الرسمية على زياراته من خلال ترتيب لقاءات مع كبار المسؤولين في إطارها، لكي تبدو كأنها رحلات عمل، في حين أن المهمة الحقيقية لم تكن تستدعي ذلك.

لا يقلل من شأن الرئيس ولا يغيره بأي حال، أن تنشر الصحف أن القادة العرب جاءوا لزيارته وتهنئته بعد أن منّ الله عليه بالشفاء، ليس فقط لأن تلك هي الحقيقة التي تمليها الأمانة المهنية، وليس فقط لأن ذلك مما تقتضيه الرصانة والاحتشام، ولكن أيضا حتى لا يحمل المشهد بأكثر مما يحتمل.. ورغم أنني لا أشك في أن أمثال تلك اللقاءات لم تخل من تطرق إلى بعض القضايا العامة، فإن السياق ومختلف الشواهد تدل على أن ذلك لم يكن موضوع الزيارة ولا الهدف الأساسي منها.

إن بعض الكتاب وعناصر الحاشية لا يريدون أن يقدم الرئيس بحسبانه بشرا يمشي على الأرض كغيره من الناس، ويصرّون على استخدام لغة الكهنة في العصور السحيقة في إشارتهم إلى «الفرعون الإله». وتلك لغة موحية بأن الرئيس في حقيقة الأمر ليس اختيار الناس، ولكنه قدر مكتوب تكفلت به العناية الإلهية التي بعثت به مخلّصا وصانعا للتاريخ.

وهؤلاء لا يخدعون الناس فحسب، وإنما يخدعون أنفسهم أيضا، لأن التاريخ لا تصنعه مقالات الصحف وأغاني التلفزيون، وإنما تشهد به وتدل عليه الحقائق الماثلة على أرض الواقع.
.........................

24 أبريل، 2010

ملعوب أمريكي جديد

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 11 جمادى الأولى 1431 – 25 أبريل 2010
ملعوب أمريكي جديد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_1887.html


لا أستطيع أن أفترض البراءة في الدعوة الأميركية إلى عقد مؤتمر «ريادة الأعمال في العالم الإسلامي» في واشنطون غدا وبعد غد «26 و27 أبريل».
ولدي شكوك قوية في أن الهدف الرئيسي منه هو «تشبيك» المصالح بين رجال الأعمال العرب والإسرائيليين، قفزا فوق الشرخ العميق القائم الذي يزداد اتساعا بين الجانبين.

لقد نشرت جريدة «الشروق» (في 19أبريل الجاري» تقريرا عن المؤتمر. فهمنا منه أن منتدى رجال الأعمال المصري الأميركي أجرى مفاوضات حول الموضوع مع مسؤولي برنامج رعاية الأعمال الذي ترعاه الخارجية الأميركية بهدف تشجيع مشروعات ريادة الأعمال ونشر ثقافة العمل الحر.
إلى هنا والبراءة ظاهرة في العملية. لكن هناك أسبابا كثيرة للشك في مقاصدها، أحد هذه الشكوك أن المؤتمر بدا كأنه من أصداء الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما من القاهرة إلى العالم الإسلامي في العام الماضي، حتى وصفه التقرير المنشور بأنه مؤتمر «أوباما لرعاية الأعمال في العالم الإسلامي»، ورغم أن هذا عنوانه، إلا أننا فوجئنا بأن إسرائيل مدعوة إليه، ضمن 17دولة أخرى غير مسلمة (مجموع الدول المشاركة 95 دولة يفترض أن يمثلها 250 شخصا).
ورغم أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، إلا أننا لم نمانع في ذلك فيما بدا، فالرئيس أوباما حين جاء إلى القاهرة في العام الماضي لكي يخاطب العالم الإسلامي نظم له لقاء مع سبعة صحافيين يفترض أنهم يمثلون ذلك العالم، وكانت المفاجأة أن بينهم صحافيا إسرائيليا.
وكما هو معلوم فإنني انسحبت من اللقاء احتجاجا على هذا التوريط الذي تفوح منه رائحة الاستعباط.
هذه المرة تكرر الأمر حين رتب مؤتمر لرعاية الأعمال في العالم الإسلامي، وأقحمت فيه أو فرضت عليه إسرائيل، ولا أستبعد أن يكون إدراج بقية الدول غير الإسلامية الست عشرة قد تم خصيصا لتبرير وتغطية إقحام إسرائيلي بين الحضور.

من تلك الشكوك أيضا أن عملية التحضير للمؤتمر بدأت باتصالات جرت مع مصر وإندونيسيا، والأولى أكبر دولة عربية والثانية أكبر دولة إسلامية، لأن ضمان حضور هاتين الدولتين يقوي من صورة المؤتمر ويعزز مكانته. وفي الوقت الذي دعيت فيه البرازيل والنرويج وفنلندا وباراجواي، واستبعدت إيران والسودان. بما يعني أن السياسة حاضرة وأن الاختيار كان انتقائيا، وليس صحيحا أن المؤتمر كان خالصا لا لريادة الأعمال ولا لنشر ثقافة العمل الحر.

من الشكوك أيضا أن الرئيس أوباما لم يستطع أن ينجز شيئا مما وعد به فيما خص العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكان التعنت والاستكبار الذي مارسته إسرائيل سببا رئيسيا في إفشال جهود التسوية السياسية، فما كان من إدارته إلا أن التفت حول الفشل وسعت إلى تحقيق التواصل على الصعيد الاقتصادي، في حيلة جديدة لمد الجسور بين الإسرائيليين والعرب.

أضف إلى ما سبق أن فكرة مد جسور التعاون الاقتصادي قفزا فوق جوهر المشكلة ليس نهجا جديدا.
فهي كامنة في مشروع بيريز لإقامة ما سماه بالشرق الأوسط الجديد،
وكامنة وراء مشروع إدارة الرئيس بوش حول الشرق الأوسط الكبير،
وكامنة بدرجة أو أخرى في سياسة نتنياهو التي دعت إلى إقامة ما سماه بالسلام الاقتصادي مع الفلسطينيين مع تجاهل الشق السياسي.
وهو النموذج الذي تم تطبيقه في رام الله التي شجع الإسرائيليون النشاط الاقتصادي فيها، في الوقت الذي مارسوا فيه الاعتقالات والتصفيات وتهويد القدس وحصار قطاع غزة، لإقناع الفلسطينيين بأن الاستسلام لإسرائيل هو طريق التقدم والرخاء.

في التقرير المنشور أن 16 من رجال الأعمال المصريين سيشاركون في مؤتمر ريادة الأعمال. وأغلب الظن أن السفارة الأميركية التي اختارتهم لمست فيهم استعدادا وعدم «ممانعة» في بلع الطعم والتجاوب مع الإسرائيليين في الاقتصاد،
ولا أعرف ما إذا كان هؤلاء المشاركون وأمثالهم يدركون أن احتلال فلسطين لا يزال مستمرا ويزداد شراسة ووقاحة أم لا، لكن الذي أعرفه جيدا أن الذين يتجاهلون هذه الحقيقة يسجلون أسماءهم في قوائم الخزي السوداء، التي إذا سوغها البعض أو باركوها في هذا الزمان فلن يغفرها لهم التاريخ.
...................

أبناء الطوارئ

صحيفة الشرق القطريه السبت 10 جمادى الأولى 1431 – 24 أبريل 2010
أبناء الطوارئ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_24.html


لست أشك في أنهم أعضاء مخلصون لمبادئ الحزب الوطني، أولئك النفر من أعضاء مجلس الشعب الذين دعوا إلى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين واتهموهم بأنهم عملاء وخونة، ودعوا إلى تمديد الطوارئ إلى مائة سنة مقبلة.
وما يؤخذ عليهم أنهم كانوا صريحين أكثر من اللازم. ومن ثم فمن وجهة نظر الحزب فإن الخطأ "التنظيمي" الذي ارتكبوه ليس أنهم قالوا هذا الكلام، ولكن أنهم أفشوا أسرار الحزب وأعلنوها أمام الملأ.

لا يخطر على بالي أن تكون هناك تعليمات مكتوبة بهذا المعنى، لكنني لا أشك أيضا في أن ثمة توافقا مزمنا عليها، يشهد بذلك سلوك الحزب ذاته، الذي يتعامل بازدراء شديد مع المعارضين الحقيقيين، ولا يتردد في إقصائهم واستئصالهم.

في مرحلة سابقة كان التوافق مستقرا على أن المؤسسات المدنية للدولة تحقق المهمة الأولى. أما الأجهزة الأمنية فهي تقوم بالثانية.
وتقليديا فإن دور الأجهزة الأمنية في الاستئصال كان يتم طول الوقت محتميا بقانون الطوارئ، ومؤيدا بالمحاكم العسكرية.
ولم تكن جهود الإقصاء تتم بعيدا عنها. وإنما بتعاون وإرشاد من جانبها، بمعنى أن عملية الإقصاء كانت تتم بناء على معلومات تقدمها الأجهزة الأمنية، في ضوئها تقوم المؤسسات المدنية بـ"الواجب" إزاءها.
كان الهدف واحدا والأساليب متباينة، وهو "تطهير" أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع من المعارضين، لكي يصبح البلد خالصا لصالح الحزب الوطني.

في السنوات الأخيرة حدث تطور مهم يتلخص في أن المؤسسات المدنية نشطت بصورة ملحوظة في عملية التطهير، وأن بعض مسؤوليها بدأوا يتحدثون صراحة عن أنه لا مكان ولا مستقبل في خرائط وإصدارات البلد لغير أعضاء الحزب الوطني.

لقد احتفلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بمرور 50 عاما على تأسيسها، وكرمت رموز الكلية الذين برزوا خلال تلك الفترة. لكن أصابع التطهير استبعدت اثنين من أهم الأساتذة الذين تخرجوا فيها لأنهم من المعارضين السياسيين.
وفي واقعة أخرى، تم استبعاد أحد الأساتذة المستقلين والمعارضين الذين حل عليهم الدور لإدارة أحد المراكز البحثية بالجامعة، وحين ذهب إلى مديرها يسأله تفسيرا لما حدث معه، كان المدير صريحا وأفهمه أنه استبعد لأنه ليس من أعضاء الحزب الوطني.
وحين يحدث ذلك في مؤسسة أكاديمية لها تقاليدها العريقة في الاستقلال عن الأهواء السياسية، فلك أن تتصور الحاصل في مؤسسات الدولة الأخرى، سواء المستقلة شكلا عن السلطة التنفيذية أو تلك التابعة بها.

إن طول العهد بتطبيق قانون الطوارئ أقنع أجيالا من العاملين في الأجهزة الأمنية بأنهم فوق القانون العادي، وأن أيديهم مطلقة في التعامل مع الناس، خصوصا المعارضين السياسيين. ولدى تلك الأجيال اقتناع بأن مجرد وجود أولئك المعارضين خطأ يتعين علاجه بكل السبل.

وهذه الحالة استشرت بمضي الوقت، في ظل التلاحم المتزايد بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية والحزب الوطني، ومن ثم فإن ثقافة الطوارئ الإقصائية والاستئصالية أفرزت لنا أجيالا أخرى من الموظفين الرسميين يمكن أن نسميهم «أبناء الطوارئ» الذين يعتبرون أن الوطن ملك لهم وأنهم في غنى عن غيرهم. الذين يعتبرونهم مصدر إزعاج مستمر لهم، خصوصا حين بدأ بعضهم في الخروج إلى الشارع والتعبير عن معاناتهم وسخطهم. ولأنهم يريدون أن يواصلوا نهب البلد والاستمتاع بخيراته في هدوء، فقد أصبحوا يضيقون ذرعا بأصواتهم فضلا عن وجودهم.
ولم يجد بعضهم مفرا من أن يفصح عن مكنون نفسه وحقيقة موقفه، فأعلنوا خلال مناقشة حامية أن هؤلاء الساخطين ليسوا سوى خونة وعملاء، وأن إطلاق الرصاص عليهم حل يحقق الاستئصال المنشود، بعدما لم تنجح الوسائل الأخرى في تحقيق المراد وإراحتهم من إزعاجات تلك الشرذمة من العباد.
....................

21 أبريل، 2010

حرية التعبير وحرية النباح

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 8جماد أول 1431 – 22 أبريل 2010
حرية التعبير وحرية النباح – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_21.html


بعض القراء من حسني النية يحسنون الظن أكثر من اللازم بما تنشره الصحف، حتى يتصوروا أن نشر أي قضية على صفحاتها يعني أنها ستؤخذ على محمل الجد، فيحل ما فيها من عقد ويقوم ما يشوبها من عوج،

أحد هؤلاء جامعي محترم هو الدكتور سالم الديب، الأستاذ بكلية طب الزقازيق الذي كان قد بعث إليّ برسالة تضمنت قائمة من التجاوزات والمخالفات الجسيمة التي وقع عليها حين كلف بالإشراف على ترتيب الامتحانات بالكلية.
فلم يكن أمامه سوى أمرين لجأ إليهما،
أحدهما أنه تنحى عن المهمة التي كلف بها، حتى لا تتلوث يده وسمعته بما رآه،
والثاني أنه قرر أن يقوم بواجبه في إنكار المنكر بالقول، فكتب إليّ بما يكشف تلك الوقائع ويفضحها، معتبرا أن شيوع التلاعب من شأنه أن يخرج جيلا من الأطباء لا يؤتمنون على صحة الناس،
خصوصا أن الأمر تعلق في جانب منه بحالتين جرى التلاعب في أوراقهما،
إحداهما تتعلق بابن عميد الكلية،
والثانية تخص ابنة رئيس الجامعة،
ولأن الوقائع كانت محددة والاتهام كان صريحا ولا لبس فيه، فإن الرجل تصور أن نشر الرسالة سيحسم الأمر ويحق الحق. من جانبي أبرأت ذمتي بنشر خطابه في هذه الزاوية بتاريخ 16 /2 تحت عنوان «
فضيحة في الجامعة».

بعد مضي شهرين من النشر تلقيت من الدكتور سالم الديب خطابا آخر قال فيه
«كما توقعت لم يحدث أي إجراء تصحيحي أو رد فعل إيجابي من أي مسؤول بخصوص الموضوع، رغم تأكدي من وصول المقال إلى كل الجهات المعنية بالأمر. لكن ما هو أغرب من ذلك أنني عوملت معاملة عادية للغاية، فلم يسألني أحد ولم تحاسبني أي جهة. وكأنني لم أقل شيئا ولا فضحت تجاوزات لا تمر في أي مصلحة حكومية وليس فقط في مهنة مقدسة وجامعة لها تقاليدها وموقعها المتميز في الإدراك العام.

أضاف الدكتور الديب قائلا: توقعت بعد نشر الكلام أن أحول إلى التحقيق لكي أسأل فيما أوردته من وقائع. ودققت في الكلام جيدا لتحديد النقاط التي سوف أسأل عنها.
وبعد أن رصدت تلك النقاط تحولت إلى إعداد دفاعي عن موقفي. فرجعت إلى الدستور لكي أستخلص منه ما يدعم حقي في نشر المعلومات وممارسة ما يوصف بأنه نقد بناء. ودرست جيدا قانون تنظيم الجامعات، الأمر الذي ساعدني على تجميع دفوعي التي سأستند إليها في التحقيق. وبعدما أنفقت هذا الجهد صرت أترقب اتصالا من جهة التحقيق التي سأمثل أمامها، ومر أسبوع واثنان وشهر واثنان دون أن يخاطبني أحد، صحيح أن الموضوع أثير في مجلس القسم، إلا أنه انقطع حين سأل أحد الأساتذة عما إذا كان بوسع أي مسؤول في الكلية أو في الجامعة أن يكذب الكلام المنشور، لكن هذا السؤال لم يجب عنه أحد، واعتبر الصمت إزاءه حسما للمناقشة وإغلاقا لملف الموضوع.

في ختام رسالته أثار الدكتور سالم الديب نقطتين.
فقد أعرب عن دهشته إزاء سكوت عناصر النخبة على ما جرى وانصرافهم عن القضايا الحيوية في المجتمع وثيقة الصلة بالأمن القومي للبلاد.
كما أنه عبر عن تشاؤمه بعد أن قرأ تعليقات القراء والطلاب خاصة على المقال بعدما تناقلته مواقع الإنترنت، لأن نسبة غير قليلة من تلك التعليقات استهانت بالأمر واعتبرت الفضائح المنشورة تجاوزات عادية، أصبحت شائعة ومألوفة فى الجامعات!


لم أفاجأ بردود الأفعال السابقة كما ذكرت، لكن عندي كلمتان للدكتور سالم الديب وأمثاله،
الأولى أنه لا ينبغى أن يكف كل صاحب ضمير عن إنكار مثل هذه المنكرات. لأننا تعلمنا أنه إذا لم يكن بمقدورنا أن نغير المنكر، فلابد أن نفضحه.
الثانية أنه يجب ألا يبالغ في إحسان الظن بتأثير الصحف على السلطة التي تحولت عندها حرية التعبير إلى حرية للنباح فقط.
الأمر الذي أقنعنا بأننا لا نكتب لكي نقوِّم المعوج أو نحسن القبيح، ولكننا نكتب فقط لكي ينام الواحد منا مستريح الضمير.
..................

20 أبريل، 2010

كم تبلغ ميزانية الرئاسة؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 7جماد أول 1431 – 21 أبريل 2010
كم تبلغ ميزانية الرئاسة؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_20.html


تتحدث وسائل الإعلام البريطانية عن أزمة مالية متصاعدة تواجه الملكة إليزابيث الثانية، التي تطالب الحكومة بزيادة مخصصاتها لتغطية تكاليف صيانة قصورها المتداعية، والسماح لأفراد العائلة الملكية الثانويين والحاشية الملكية بالعيش في سكن مجاني.

صحيفة «إندبندنت» فصلت في الموضوع بعدما قام بعض الوزراء بتزويدها بوثائق عن مراسلات سرية بين قصر باكنغهام (المقر الرسمي للملكة) وبين الحكومة البريطانية. وأظهرت تلك الوثائق أن المسؤول عن أموال العائلة المالكة، اسمه ألن ريد، تمكن في عام 2004 من إقناع وزارة الثقافة والإعلام والرياضة بزيادة مخصصات العائلة المالكة بمعدل 15 مليون جنيه استرليني سنويا.
وبينت الرسائل أيضا أنه بحلول عام 2005 مارست لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم (البرلمان) ضغوطا قوية على مساعدي الملكة، لكشف تفاصيل المزايا التي يتمتع بها أفراد العائلة الملكية، وأظهرت أن بعضهم يقيمون بالمجان في اثنين من القصور الملكية.

أضافت «الإندبندنت» أن المراسلات السرية التي تجاوز عددها 100 أظهرت أيضا كيف خطط قصر باكنغهام لمواصلة تجديد واستئجار شقة الأميرة ديانا في قصر كنزنغتون، بعدما ظل شاغرا منذ وفاتها، لكن الحكومة البريطانية أقلقها رد فعل الرأي العام، الذي قد يستهجن إعادة استخدام شقة ديانا. وتبين لاحقا أن قصر باكنغهام استأجر الشقة للجمعيات الخيرية التي يشرف عليها ولي العهد الأمير تشارلز.

على صعيد آخر، بثت هيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي» خلاصة تقرير أصدره قصر باكنغهام عن الأوضاع المالية للعائلة الملكية ذكر أن كل دافع ضرائب في بريطانيا تحمّل 69 بنسا «1.11 دولار» لمصلحة العائلة في العام الماضي، من ثم فإنها حصلت من دافعي الضرائب على أكثر من 41 مليون جنيه إسترليني (65 مليون دولار).

أضافت الإذاعة البريطانية أن تكاليف العائلة عن السنة المالية 2008 ـ 2009 وصلت إلى 41.5 مليون جنيه، بزيادة 1.5 مليون جنيه عن السنة المالية السابقة، وقد اضطرت الملكة إليزابيث إلى استخدام اعتماد مالي احتياطي لسحب 6 ملايين جنيه إسترليني في العام الماضي، لتغطية نفقات وصيانة قصورها، ومن ضمنها رواتب الموظفين، وبلغ حجم مخصصات الملكة إليزابيث 13.9 مليون جنيه للسنة المالية 2007 ـ 2008، من بينها 7.9 ملايين جنيه من صندوق الحكومة البريطانية،
وذكرت التقارير أن طلب الملكة زيادة مخصصاتها التي رفضتها الحكومة، سيدفع نواب مجلس العموم إلى استخدامه كورقة ضغط لانتزاع تنازلات جديدة من القصر، من بينها تفاصيل أكثر عن إنفاقها، وفرض قيود على بذخ بعض أفرادها.

هذا الكلام يبدو غريبا على أسماعنا. لأننا لم نعرف ولا يتوقع أن نعرف في الأجل المنظور شيئا عن موارد أو إنفاق حكامنا، كما لا يخطر على بالنا أن يحاسبوا على إنفاقهم.

وفي بعض الدول العربية تعتبر كل موارد الدولة من مخصصات الأسرة الحاكمة، وفي مصر لا يسمح لأحد بأن يعرف ميزانية الرئاسة أو نفقات الرئيس وأسرته، وتكاليف رحلاته وعلاجه وقصوره وطائراته.

سألت أحد المختصين عن ميزانية الرئاسة، فقال إنها غير معلومة، حتى بالنسبة لأعضاء لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، لأن هذه الميزانية تدخل ضمن ما يسمى بالخدمات الرئاسية، التي تشمل جهات عدة، منها الحكومة ومجلسي الشعب والشورى وجهاز المحاسبات.. إلخ.

إضافة إلى أن هناك عناوين أخرى فضفاضة لبنود غامضة، مثل بند تطوير قناة السويس وأمور مجهولة تحت عنوان مصروفات أخرى خصص لها في الموازنة الجديدة 31 مليار جنيه،
لم أجد غرابة في الغموض الذي يحيط بميزانية الرئاسة، لأن فرض الضرائب ومراقبة إنفاق كل مسؤول مهما كبر مقامه، من إفرازات التطبيق الديموقراطي الذي تمثل المساءلة إحدى ركائزه، ومادام الأصل المتمثل في الديموقراطية غاب فلا محل للسؤال عن الفرع،
ولأن الأمر كذلك، فإنه سيظل بمقدورنا أن نتابع كيف تنفق أموال دافعي الضرائب في المجتمعات الديموقراطية، في حين تظل على جهل تام بما يفعله حكامنا بتلك الأموال.
...................

19 أبريل، 2010

نهر النيل بين الاستراتيجية و«الفهلوة» – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 6جماد أول 1431 – 20 أبريل 2010
نهر النيل بين الاستراتيجية و«الفهلوة» - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_19.html


- الوثائق الإسرائيلية تجمع على أن استراتيجية الدولة العبرية منذ أواخر الخمسينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي من الخلف
- الزيارات التي تمت مؤخراً كانت محاولات لابأس بها لكنها جاءت متأخرة كثيرا
فشل المفاوضات مع دول حوض النيل درس جديد لمصر، يذكرها بأنها يجب أن تأخذ متطلبات أمنها القومي على محمل الجد، وأن «الفهلوة» لا يمكن أن تكون بديلا عن الاستراتيجية.

(1)

الأمر ليس هينا ولا يحتمل التراخي أو الهزل، فموضوعه مياه النيل التي تعتمد عليها مصر بنسبة %95 وحين يكون الأمر كذلك، فهو يعني أننا نتحدث عن مصدر الحياة في هذا البلد منذ دبت فيه الحياة. وقد جسدت الآثار المصرية هذه الحقيقة في لوحة صورت مركبا ضم الفرعون متحدا مع رمز النيل «حابى» مع رمز العدالة «ماعت»، واعتبر الباحثون أن هذه اللوحة تمثل خريطة مصر منذ فجر التاريخ، التي تقوم على الأضلاع الثلاثة الحاكم الفرعون وحابي النيل وماعت العدل.
هذا الذي وعاه الفراعنة منذ آلاف السنين صرنا نناضل من أجل تثبيته والحفاظ عليه في القرن الواحد والعشرين. إذ في حين ظننا أن أمر الفرعون وقضية ماعت (العدل) يحتلان رأس شواغلنا الوطنية،فإننا فوجئنا بأن ضلع «حابي» في خطر، صحيح أن الخطر ليس حالا ولا داهما، ولكن مقدماته لا تخطئها عين.
ذلك أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل المستقرة منذ عام 1929 وبالاتفاق مع السودان عام 1950 (55 مليار متر مكعب) تتعرض الآن إلى النقد والمراجعة، وفي الوقت الذي أدركت فيه مصر أنها بحاجة لأن تضيف إلى حصتها 11 مليارا أخرى بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومعدلات الاستهلاك، إذا بها تفاجأ بأن عليها أن تخوض معركة طويلة لكي تحافظ على حصتها الأصلية.
الموقف بدأ في التغير ابتداء من عام 1995، حين ارتفعت الأصوات في دول المنبع داعية إلى إعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل استنادا إلى ثلاثة عوامل هى:
أن دول المنبع اعتبرت أن تلك المياه ملك لها، ومن ثم فلها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود ولكن أيضا في بيعها إلى مصر والسودان،
العامل الثاني أن بعض تلك الدول، (كينيا وتنزانيا مثلا)، ذكرت أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصا في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة.
العامل الثالث أن تلك الدول احتجت بأن اتفاقية عام 1929 وقعتها مصر مع سلطة الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات «مستعمراتها»، وبعدما نالت تلك المستعمرات استقلالها فإن الأمر اختلف، بما يسوغ إعادة النظر في الاتفاقات التي عقدها البريطانيون.
هذه الحجج لم تكن بريئة تماما، فالدعوة إلى إعادة توزيع الحصص بصورة «أكثر عدالة» تثير الانتباه. إذ في حين تعتمد مصر في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة %95، فإن نسبة اعتماد إثيوبيا التي تقود الحملة حوالي %1، وكينيا %2 وتنزانيا %3 والكونغو %1 وبوروندي %5 والسودان %15. ذلك أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها.
الأمر الآخر المهم أن اتفاقات المرحلة الاستعمارية التي يراد إعادة النظر فيها، بما فيها اتفاق توزيع حصص المياه، هي ذاتها التي أنشأت تلك الدول، وإعادة النظر فيها من شأنها أن تطلق عنان الفوضى ليس في دول حوض النيل فحسب، وإنما في افريقيا كلها.
يضاف إلى ما سبق أن ثمة قواعد عامة لإدارة مياه الأنهار العابرة للدول تنص على إقرار مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في الموارد المائية، وتعتبر أن مياه الأنهار مورد طبيعي مشترك لا يخضع لسيادة دولة بذاتها. وهذه القواعد أقرها معهد القانون الدولي في عام 1961.

(2)

في الجولة التفاوضية الأخيرة التي عقدت في شرم الشيخ وانتهت يوم الأربعاء الماضي (4/14) كان واضحا أن دول حوض النيل السبع (المنبع) تكتلت ضد مصر والسودان (دولتا المصب). إذ رفضت المقترحات المصرية السودانية لاتفاقية التعاون فيما بينهما. خصوصا ثلاثة بنود أصر عليها البلدان تقضي بما يلي:
ضرورة قيام دول منابع النيل بإخطار الدولتين مسبقا قبل تنفيذ مشروعات على أعالي النهر قد تؤثر في حصصهما في المياه
- استمرار العمل بالاتفاقيات السابقة التي توزع حصص المياه باعتبارها حقوقا تاريخية
- في حالة إنشاء مفوضية لدول حوض النيل، فإن التصويت فيها إما أن يتم بالإجماع وإما بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة دولتي المصب.
مؤتمر شرم الشيخ كان بمنزلة الجولة الثالثة للمناقشات مع دول حوض النيل، الأولى كانت في كينشاسا بالكونغو (مايو 2009) والثانية كانت في الإسكندرية (يوليو 2009) - وحسب البيان الذي أصدرته دول الحوض السبع منفردة فإن لقاء الإسكندرية هو آخر اجتماع لبحث الموضوع، وإذا سارت الأمور على النحو الذي حدده البيان ولم يتدخل الرؤساء لتغيير موقف الوزراء، فإن تلك الدول ستوقع الاتفاقية خلال عام، دون أن تشارك فيها مصر أو السودان، وهذه الخطوة إذا تمت فإنها ستكون بمنزلة أول شقاق علني بين دول حوض النيل؛ منبعه ومصبه، والمرة الأولى التي تتحدى فيها تلك الدول مصر وتتصرف على نحو يفتح الباب لاحتمال المساس مستقبلا بحصتها في المياه، ومن ثم الإضرار بأمنها القومي، كما أن هذا الشقاق سوف يكرس المواجهة بين الدول العربية في القارة والدول الأفريقية غير العربية.

(3)

مصر تدفع الآن ثمن غيابها عن افريقيا. هذه المقولة لم يختلف عليها أحد من الخبراء الذين حدثتهم في الموضوع. ذلك أن افريقيا حين كانت إحدى دوائر الانتماء في المرحلة الناصرية، كان لها شأن مختلف تماما، فقد كان هناك مكتب يعني بأمرها في رئاسة الجمهورية، تولى المسؤولية عنه السيد محمد فايق، إلى جانب المكاتب الأخرى التي خصصت لمتابعة الشؤون العربية والآسيوية والأوروبية، وكانت القاهرة مفتوحة الذراعين لحركات التحرر في مختلف الدول الأفريقية.
في حين كانت شركة النصر للتصدير والاستيراد هي غطاء أنشطة المخابرات المصرية في دول القارة إلى جانب أنشطتها الأخرى. كما كانت مدينة البعوث الإسلامية والجامعات المصرية تستقبل باستمرار أعدادا كبيرة من أبناء تلك الدول.
وفي التركيز على دول منابع النيل فإن الرئيس عبدالناصر أقام علاقة خاصة مع الإمبراطور هيلاسلاسي وكان يحضر اجتماعاتهما في القاهرة الأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس، الذي كانت تتبعه كنيسة الحبشة.
لكن هذه الصفحة طويت بمضي الوقت بعد رحيل عبدالناصر، وجرى تفكيك كل الجسور التي تم بناؤها مع مختلف دول القارة. حتى الكنيسة الإثيوبية انفصلت عن الكنيسة المصرية. وتعزز وتعمق التباعد حين جرت محاولة اغتيال الرئيس مبارك أثناء توجهه للمشاركة في القمة الأفريقية بأديس أبابا عام 1995. وهو العام الذي لم تنتكس فيه علاقة مصر بالدول الأفريقية فحسب، ولكن بدا أيضا أن التراجع تحول إلى ما يشبه الخصومة التي سقطت بمقتضاها افريقيا من أولويات أجندة السياسة الخارجية المصرية.

(4)

حين كانت مصر تخرج بصورة تدريجية من افريقيا، كانت إسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من الدول صاحبة المصلحة تزحف على القارة وتثبت أقدامها في أرجائها. ومن المفارقات ذات الدلالة أن مطالبة دون المنبع بإعادة النظر في حصص مياه النيل بدأت في عام 1995، كما سبقت الإشارة. وهو ذات العام الذي وقعت فيه محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك، وأحدثت ما يشبه القطيعة في العلاقات المصرية الأفريقية، وهو ما تجلى في غياب مصر عن مؤتمرات القمة الأفريقية، الأمر الذي هيأ الفرصة المواتية للآخرين ليس فقط لكي يتمددوا ويتمكنوا، ولكن أيضا لكي يكيدوا لمصر ويسمموا العلاقات معها.
من الملاحظات المهمة في هذا السياق أن الدول التي تزعمت تلك الدعوة، هي أكثر دول القارة ارتباطا بإسرائيل وانفتاحا عليها (إثيوبيا وكينيا وأوغندا)، وهو ما يعزز الشكوك في دوافع إطلاق ما سمي بالاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض وادي النيل.
هذه الخلفية عبر عنها الدكتور محمود أبوزيد وزير الري والموارد المائية السابق، حين صرح في شهر فبراير من العام الماضي بأن ثمة مخططا إسرائيليا أمريكيا للضغط على مصر، لإمداد تل أبيب بالمياه من خلال إثارة موضوع «تدويل الأنهار».
هذا الكلام صحيح مائة في المائة، كما أنه ليست فيه أية مفاجأة. فالوثائق الإسرائيلية المنشورة تجمع على أن استراتيجية الدولة العبرية منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي والانقضاض عليه من الخلف، من خلال ما أطلق عليه بن جوريون رئيس الوزراء آنذاك سياسة «شد الأطراف»، التي ركزت على اختراق ثلاث من دول الجوار هي إثيوبيا وتركيا وإيران.
وكان الدخول إلى القارة الأفريقية والتركيز على دول حوض نهر النيل، وعلى رأسها إثيوبيا للضغط على مصر جزءا من تلك الاستراتيجية، وقد فصلت في هذه القصة دراسة عميد الموساد المتقاعد موشيه فرجي «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» التي قدمت إلى مركز ديان للأبحاث في تل أبيب، (نشرت في عام 2003
وسبق أن استشهدت بمضمونها المثير).
لا مفاجأة فيما حدث إذن، ذلك أن الوجود الإسرائيلي المدعوم بالسياسة الأمريكية تم تحت أعين الجميع ولم يكن فيه سر. ودراسة العميد فرجي تحدثت عن انتشار خمسة آلاف خبير إسرائيلي في دول القارة في ذلك الوقت المبكر. وهؤلاء نشطوا في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية من تدريب للجيوش والشرطة إلى إقامة المزارع وتصدير الزهور، وما كانت تقوم به شركة النصر للتصدير والاستيراد المصرية في الستينيات والسبعينيات تصدت له وضاعفت من مجالاته الدولة العبرية بهمة لم تعرف الفتور أو الانقطاع.
إزاء ذلك، فبوسعنا أن نقول إن الإسرائيليين زرعوا وحصدوا، أما نحن فقد زرعنا حقا ولكننا إما تركنا الزرع بلا رعاية فجف ومات، وإما أننا اقتلعناه بالإهمال واللامبالاة. صحيح أننا حاولنا أن نعوض الغياب بأشكال مختلفة من الحضور خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك كان من قبيل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوقت الإضافي أو بدل الضائع.
لقد قام بعض المسؤولين المصريين - في مقدمتهم الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء بزيارات لإثيوبيا وبعض دول الحوض، كما بذلت مصر بعض الجهود التي استهدفت تحقيق التعاون الذي يقنع تلك الدول بأن لها مصلحة في التوافق مع مصر، ودُعي رجال الأعمال المصريون للإسهام في تلك الجهود. وتلك محاولات لا بأس بها لكنها جاءت متأخرة كثيرا، ثم إنها كانت دون ما تحتاجه حقا تلك الدول. وأهم من ذلك أنها لم تكن تعبيرا عن استراتيجية وإنما كانت من قبيل الفهلوة المصرية التي تعول على الصدف السعيدة بأكثر ما تراهن على التخطيط بعيد المدى.
لقد قرأت تصريحا لوزير الري المصري تحدث فيه عن مضاعفة اعتماد بند التعاون مع دول حوض النيل في ميزانية العام الجديد لكي تصبح 150 مليون جنيه (حوالي 27 مليون دولار)،
وقرأت في اليوم التالي أن النرويج قدمت معونة بقيمة 414.2 مليون دولار إلى إثيوبيا لكي تقيم سدا جديدا عند منابع النيل.
ووجدت أن المقارنة تجسد المفارقة، لأنني لاحظت أن ما قدم إلى دولة واحدة يعادل 15 مرة ما تعتزم مصر تقديمه إلى دول حوض النيل كلها في الميزانية الجديدة.
لو أننا وجهنا ميزانية التلفزيون التي يخصصها كل عام لمسلسلات رمضان وفوازيره لكي تمول مساعدات مصر ومشروعاتها في دول حوض النيل لتجنبنا المأزق الذي نواجهه الآن، ولخففنا الكثير من أحزان «حابي» وقلقه على المستقبل.
........................

18 أبريل، 2010

فرقعة لا فرحة!

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 4 جماد أول 1431 – 18 أبريل 2010
فرقعة لا فرحة ! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_18.html


كثرة الحديث فى الصحف القومية هذه الأيام عن انحياز الرئيس وابنه وحكومتهما للفقراء تبعث على القلق بأكثر مما تبعث على الثقة والاطمئنان. ثم إن التعبير عن ذلك الانحياز بتوزيع الفلوس على الناس يعزز ذلك القلق ويعمقه.
وحين يتم ذلك من خلال قرار يصدره الرئيس فى أثناء اجتماعه مع بعض الوزراء فى فترة نقاهته بشرم الشيخ، فإنه يضيف الحيرة إلى القلق ويثير أكثر من سؤال حول أسلوب اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية فى مصر.
لقد خرجت علينا صحف الجمعة (16/4) بعناوين تصدرت صفحاتها الأولى، قالت فيها إن الرئيس أمر برفع نسبة العلاوة الاجتماعية للعاملين فى الدولة ــ التى تصرف فى يوليو المقبل ــ إلى 10٪.
وكانت النسبة المقترحة فى الموازنة العامة 7٪ فقط. وحرصت جميع الصحف القومية وهى تبرز الخبر على أن تشير إلى أن الرئيس اتخذ قراره هذا انطلاقا من انحيازه للفقراء. وهو خبر سار بطبيعة الحال، لأن «العلاوة» موضوعه.
وهو مصطلح مبهج للذين ذاقوا طعم انتظار الراتب فى أول كل شهر، وعلقوا بعض أحلامهم على قدوم موعد العلاوة أو توزيع الأرباح.
لقد تعلمنا أن عنوان الانحياز إلى الفقراء لا يطلق لوجه الله، خصوصا فى ظل حكومة رجال الأعمال. لذلك فإننا لا نعرف ما إذا كانت الزيادة فى العلاوة «هدية» إلى العاملين بمناسبة تعافى الرئيس وعودته إلى عمله أو أنها محاولة لامتصاص غضب الساخطين أو أن لها علاقة بترطيب الأجواء والخواطر بمناسبة الجولات الانتخابية المقبلة، أو أن القرار صد لهذه الاعتبارات مجتمعة. إلا أننى أزعم أن فرحة الناس بالعلاوة لن تطول.
وأخشى أن أقول إن الضرر فى هذه الخطوة قد يكون أكبر من النفع والمصلحة. لن أتحدث عن الأسلوب الذى اتخذ فى إصدار القرار. وما إذا كانت الاعتبارات السياسية هى التى حكمته أم أن الدراسات الاقتصادية أوصت به. لكن ما يهمنى هو تحرير جدوى هذه الخطوة وأثرها على الناس، وهل ستؤدى العلاوة إلى زيادة دخولهم فعلا. وبأى نسبة؟
سأذهب فى البراءة إلى حد تصديق التصريحات الرسمية وأفتراض أن الرئيس أراد بقراره أن يحسن من دخول العاملين من خلال رفع نسبة العلاوة. وسأحاول أن أختبر هذا الهدف فى حالة موظف يتقاضى 500 جنيه شهريا، وهو فى الحكومة موظف محترم. صاحبنا هذا كانت علاوته فى ظل زيادة 7٪ ستصل إلى 35 جنيها. ولكن قرار الرئيس حين رفع العلاوة إلى عشرة فى المائة، فإنه أضاف إلى دخله 15 جنيها أخرى.
وهى تقل عن الزيادة التى طرأت على سعر كيلو اللحمة خلال الأشهر الأخيرة. وإذا أضفت إلى ذلك الزيادات التى انضافت إلى أسعار السلع الأساسية خلال العام المالى الأخير، فستجد أن العلاوة كلها (50 جنيها) لم تحدث أثرا فى تحسين دخل الموظف.
ولست أشك فى أن أى موظف سيكون أكثر اطمئنانا وتفاؤلا لو أنه لمس أى نجاح للحكومة فى كبح جماح جنون الأسعار، وستكون فرحته فى هذه الحالة أهم وأعمق من حصوله على العلاوة سريعة التبخر، التى يمثل توزيعها زيادة فى التضخم ودفعة جديدة إلى مؤشرات ارتفاع الأسعار.
بكلام آخر، فإن أى تحسين للدخل لا جدوى منه ما لم يستصحب زيادة فى الإنتاج وترشيد للاستهلاك. وما لم يحدث ذلك فإن صرف العلاوات أو زيادتها سيتم من خلال الاقتراض، الذى وصل فى ظل الحكومة الحالية إلى معدلات غير مسبوقة. وللعلم فإن عجز الميزان التجارى فى مصر خلال الربع الأول من السنة الحالية يصل إلى سبعة مليارات و200 مليون جنيه. وهو معدل قياسى لم تعرفه مصر خلال المائة سنة الأخيرة، كما يقول الخبراء.
إن حكومتنا الراهنة تستسهل تدبير الموارد المالية من خلال التفتيش فى جيوب الناس وتوسيع نطاق الجباية منهم والاقتراض من أى جهة، لكننا لا نكاد نسمع شيئا عن الحث على زيادة الإنتاج واستثمار الطاقات المتاحة، وابتكار الحلول التى تساعد على تلبية الاحتياجات من خلال الاعتماد على الذات.
كما أنها لا تدعو ولا تضرب المثل فى ترشيد الاستهلاك والحد من السفه والبذخ. وتلك كلها مقدمات تمهد الطريق أمام حدوث كارثة اقتصادية من العيار الثقيل تلوح إرهاصاتها فى الأفق. لكنهم يغمضون أعينهم عنها ويصمون آذانهم كى لا يسمعوا دويها المكتوم. ويكتفون بالحلول المسطحة والسهلة، وبإطلاق الشعارات التى تحذر ولا تحفز.
......................

17 أبريل، 2010

(تسونامي) الفاتيكان

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 3 جماد أول 1431 – 17 أبريل 2010
(تسونامي) الفاتيكان – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_6874.html

فضيحة الفاتيكان كبرت حتى طالت البابا شخصيا، الذى تحدث البعض عن احتمال إلقاء القبض عليه حين يزور بريطانيا فى شهر سبتمبر المقبل. والتهمة المنسوبة إليه أنه تستر على جرائم الاستغلال الجنسى للأطفال من جانب بعض الكهنة والرهبان، حين كان رئيسا لأساقفة ميونيخ بألمانيا فى بداية الثمانينيات. وذكرت صحيفة التايمز اللندنية فى 14 مارس الماضى أن تستره يجعله متورطا بشكل مباشر فيما حدث. خصوصا أن شقيقه «جورج» كان أحد المتهمين فى الجرائم التى وقعت آنذاك.
منذ بداية العام الحالى والقضية تتفاعل وتكبر، حتى أصبح يطلق عليها مصطلح «تسونامى» الفاتيكان، ذلك أن وسائل الإعلام البريطانية تحدثت عن ثلاثة تحقيقات تمت فى أيرلندا التى يتبع أغلب سكانها المذهب الكاثوليكى. وكان المتهمون فيها بعض الشخصيات البارزة فى الكنيسة (ثلاثة من الأساقفة).
وقالت الصحف إن التحقيقات حول موضوع الاعتداءات الوحشية بحق الأطفال الذين يترددون على الكنيسة استمرت خلال السنوات الخمس الأخيرة بصورة غير معلنة. وكان أحد الثلاثة (الأسقف جون ماجى) سكرتيرا خاصا لثلاثة باباوات، هم بولس السادس ويوحنا بولس الأول ويوحنا بولس الثانى.
قدم الثلاثة استقالاتهم. وأصدر البابا بنديكتوس بيانا هو الأول من نوعه عبر فيه عن مشاعر «العار والندم» للاعتداءات الجنسية التى تعرض لها الأطفال الأيرلنديون. وأكد أن الأساقفة الثلاثة ارتكبوا أخطاء جسيمة يجب أن يحاكموا عليها.
لكن بيانه لم يرض أهالى الضحايا أو المنظمات المعنية بالموضوع. فقد طالب هؤلاء باعتذار صريح من البابا عما حدث، والاعتراف بأن الكنيسة الكاثوليكية أساءت استخدام سلطاتها وتسترت عمدا على أفعال كهنة اعتدوا على أطفال رغم علمها بممارساتهم.
فى التعليق على ما حدث والدفاع عن موقف البابا كتب ماركو بوليتى المحلل الخبير فى شئون الفاتيكان فى الصحيفة الإيطالية اليسارية «ايل فاتو كوتيديانو» أنه لعدة عقود كانت الكنيسة تخفى الأمر حفاظا على سمعتها، لكن البابا بنديكتوس اختار أن يتصدى للمشكلة، وكان أول حبر أعظم فى المجتمع المعاصر يصدر وثيقة رسمية بخصوص الاعتداء الجنسى على الأطفال.
فى ذات الاتجاه كتب آخر، هو جون الين من «ناشونال كاثوليك ريبورتر» قائلا إن فضائح الكهنة المتورطين بدأت فى الظهور فى نهاية رئاسة البابا الراحل يوحنا بولس الثانى المتوفى سنة 2005. لكن البابا بنديكتوس هو «بابا الأزمة» الذى قرر أن يتعامل مع الملف بمنتهى الحزم.
المشكلة لم تقف عند هذا الحد. لأنه ما أن فتح الملف حتى توالت الشكاوى المماثلة التى قدمها مئات الضحايا وأسرهم فى كل من ألمانيا والنمسا وهولندا وسويسرا. وتبين أن الظاهرة على محدوديتها لها وجودها فى نحو 23 دولة بينها الولايات المتحدة وأستراليا والبرازيل. وكان نصيب الولايات المتحدة من المعلومات التى تسربت كبيرا، لأننا عرفنا مما نشر حول الموضوع أنه منذ عام 2002 استقال أو فصل 250 قسا أمريكيا على الأقل أدينوا فى الاعتداء على الأطفال، وأن الكنيسة اضطرت إلى دفع تعويضات بقيمة 436 مليون دولار إلى ضحايا تلك الانتهاكات فى عام 2008.
ثمة جهود تبذل الآن من جانب الفاتيكان لتتبع المشكلة واحتوائها خصوصا أن التقارير تحدثت عن اعتداءات مماثلة وقعت بحق أعداد من الراهبات. لكن نفرا من الباحثين وعلماء اللاهوت حاولوا أن يتحروا جذور القضية،
ومن هؤلاء من كتب داعيا إلى فتح الأبواب لزواج الكهنة، لحل مشكلة الكبت الذى يعانون منه (هانز كونج ــ لاهوتى سويسرى)،
ومنهم من نفى ذلك وذكر أنه ليست هناك دراسة علمية تؤيد أن العزوبة هى المشكلة (ستيفان جولان كاهن نشر مقالا فى لوموند بهذا المعنى).
ومنهم من طالب بانفتاح الكنيسة على المجتمع واعتبر أن انغلاقها هو سبب العلل الأول (البير روويه رئيس أساقفة مدينة بواتييه بفرنسا ـ لوموند).
لكن يبدو أن الرأى العام أصبح أكثر حماسا لفكرة تزويج الرهبان. حماية لأبنائهم فقد ذكرت وكالة أنباء «اكى» الإيطالية فى تقرير بثته فى 25 يناير الماضى أن 73٪ من الكاثوليك أصبحوا يؤيدون الفكرة، وكانت النسبة فى السابق 66٪ ــ ولايزال الجدل مستمرا، ولم يتفق على حل للمشكلة.
.....................

السور الفولاذي أولًا

صحيفة الشرق القطريه السبت 3 جماد أول 1431 – 17 أبريل 2010
السور الفولاذي أولًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_17.html


لا وجه للمقارنة بين الإنجاز الذي تم في عملية إقامة السور الفولاذي بين سيناء وقطاع غزة، وبين الجهد الذي بذل لإزالة آثار السيول التي ضربت سيناء في شهر يناير الماضي.

هذه المقارنة اضطررت إليها حين وجدت الصحف المصرية تنشر بين الحين والآخر أخبارا عن زيارات تفقدية يقوم بها العاملون في المكتب العسكري الأمريكي بالقاهرة لمتابعة خطوات إقامة السور الذي يحكم الحصار حول القطاع ويلغي تماما دور الأنفاق التي كانت توصل احتياجات المحاصرين.

وأحدث تلك الأخبار نشر في الأسبوع الماضي، وكان عن قيام الملحق العسكري الأمريكي بتفقد المرحلة الأخيرة من إقامة السور. وأثار انتباهي في هذا الصدد أن الصحف المصرية تجاهلت تماما ذكر أي خبر عن الموقف من ضحايا السيول في سيناء.
ولم يكن ذلك التجاهل متعمدا بطبيعة الحال، ولكن صحفنا لم تتحدث عن أي أخبار بخصوص الموضوع، لسبب جوهري هوأنه لا توجد أخبار أصلا!

لقد شاءت المقادير أن يتسرب خبر البدء في إقامة السور في ذات الشهر الذي اجتاحت فيه السيول أماكن مختلفة في وسط سيناء وشمالها، الأمر الذي أدى إلى تشريد عدة مئات من البشر، وهدم بيوتهم المبنية من الطين، واجتياح خيام الشعر التي يحتمي بها آخرون من البدو في فصل الشتاء.
وفي حدود علمي فإن المحافظة حصرت نحو600 أسرة فقدت مساكنها وباتت تحتاج إلى بيوت بديلة. كما أن بعض الطرق العمومية تم تخريبها جراء اندفاع السيول.

وبعد مضي نحوثلاثة أشهر على انطلاقة البناء في السور الفولاذي ووقوع كارثة السيول، يحق لنا أن نسأل عما حققه «الإنجاز» في كل منهما. لقد استبقت وأجبت على السؤال، الأمر الذي يسوغ لي أن أقول بأن الإنجاز فيما خص السور يمكن أن يعطى علامة 9 من عشرة لأنه في مرحلته الأخيرة ولم يكتمل بناؤه
أما «الإنجاز» على صعيد إغاثة متضرري السيول فإنه لا يستحق علامة تتجاوز 3 من عشرة، إذا تحدثنا عما قدم إلى الناس من مساعدات وتعويضات (أغلبها من الجيش والأهالي). وصفر من عشرة إذا ما تحدثنا عن إقامة مساكن بديلة تؤوي الأسر البدوية الستمائة التي تضررت، أو عن الطرق التي خربت ولم يتم إعادة رصفها خلال الأشهر الثلاثة.

وسوف نلاحظ عند المقارنة أن شركة «المقاولون العرب» ألقت بثقلها وراء مشروع إقامة السور الفولاذي، في حين لم نجد لها حضورا يذكر لا هي ولا أي شركة مقاولات مصرية أخرى في عملية توفير المساكن للذين دمرت السيول بيوتهم أو اجتاحت مضاربهم.

لقد تم التعامل مع مشروع السور بمنتهى الجدية والهمة العالية، في حين عومل المتضررون من السيول بمنتهى الإهمال واللامبالاة لماذا؟
الإجابة تتلخص في أن موضوع السور يتعلق بأمن إسرائيل، ويقف وراءه بصراحة ووضوح الأمريكيون والإسرائيليون، وهم بممارساتهم على الأرض كذبوا ما رددته أبواق الأفاكين والمنافقين في مصر من أنه مجرد إنشاءات اقتضتها ضرورة حماية الأمن القومي للبلاد.. من ثم فهو مشروع أخذ على محمل الجد من البداية، ولا علاقة له بالإدارة أوالبيروقراطية المحلية، ووجود بعض شركات المقاولات المصرية فيه تم من خلال عقود تشغيل تجارية، أبرمت في إطار الاستعانة بالإمكانيات المحلية لتوفير النفقات..

أما موضوع إعمار ما تم تدميره أوتخريبه في سيناء فهومهمة لم تلق ما تستحقه من حماس من جهاز الإدارة، لأنها في نهاية المطاف متعلقة بمصالح المواطنين المصريين، التي لا تحتل أولوية في ترتيب أجندة الأجهزة البيروقراطية أوالحزب المهيمن.

كانت النتيجة أن الحماس والتعبئة الإعلامية في مصر وجها صوب الدفاع عن السور الذي أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما حين تعلق الأمر بإعمار ما ضربته السيول في سيناء فإن هذا الحماس تبدد وسكتت الأبواق الإعلامية التي لم تر في تلك المفارقة المشينة ما يستحق التنويه فضلا عن المساءلة والحساب.
المدهش أن الشق الذي تجاهله هؤلاء بسكوتهم عن مساندة أهالي سيناء هوالذي يضر حقا بأمن مصر، الذي تقدم عليه أمن إسرائيل في المشهد الذي نحن بصدده.

إننا بإزاء حالة صارخة تجسد مدى الضعف أمام الضغوط الخارجية، والاستهتار واللامبالاة بمصالح المواطنين ومصائرهم. بل إنها تفضح أيضا موقف شهود الزور الذين تنافسوا على الدفاع عن أمن إسرائيل، وخرست ألسنتهم حين تعلق الأمر بأمن مصر، في حين ظلوا يعطوننا دروسا في الوطنية والانتماء.
..............................

15 أبريل، 2010

قلق مصر البالغ

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 1 جماد أول 1431 – 15 أبريل 2010
قلق مصر البالغ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_15.html


لا أعرف لمن وجه المتحدث باسم وزارة الخارجية كلامه حين أعلن أمس الأول أن مصر أعربت عن «قلقها البالغ»، إزاء قرار إسرائيل ترحيل 70 ألف فلسطيني من الضفة الغربية،
ولا أعرف ما الصدى الذي توقعه المتحدث حين أطلق تصريحه، هل خطر بباله مثلا أن تسارع الحكومة الإسرائيلية إلى عقد اجتماع لبحث ما ينطوي عليه ذلك «القلق البالغ»، من تهديد ومناقشة الإجراءات الواجب اتخاذها للتعامل مع تجليات ذلك القلق وخياراته المختلفة؟
وهل تصور أن ينزعج اللوبي الإسرائيلي في أميركا، ويسارع إلى التوجه بالرجاء إلى مصر لكي تهدئ من قلقها «البالغ»، أو أن تتحرك الخارجية الأميركية بسرعة لاحتواء الموقف، حفاظا على إدامة السلام في الشرق الأوسط؟
وهل تصور أن الرباعية الدولية سوف تدعو الى اجتماع توفد على أثره مبعوثا إلى مصر لكي يناشدها ألا تذهب بعيدا في التعبير عن ذلك القلق؟
وهل خشي أي سياسي في الكرة الأرضية من أن «تتهور» مصر وتدعو إلى قمة عربية لاتخاذ موقف حازم من الجريمة الجديدة، التي أضافت بها إسرائيل فصلا جديدا في سجل جرائمها التي لم تتوقف بحق الشعب الفلسطيني؟


هذه الأسئلة ليست من قبيل الاستفهام، وأحسب أن كل قارئ يدرك ذلك جيدا - كما أنني لا أشك في أن أي طفل في العالم العربي على الأقل أصبح قادرا على أن يجيب عنها جميعا بالنفي، بعدما أصبح الوهن والعجز (هل أقول التخاذل؟) من السمات الأساسية لردود أفعالنا إزاء الجرائم الإسرائىلية. حتى أصبح غاية ما نملكه إما أن نعبر عن الأسف والقلق. وإما أن نناشد المجتمع الدولي بأن يتدخل ويتحمل مسؤوليته القانونية والإنسانية إزاء ما تفعله إسرائيل.

بكلام آخر فإن جهدنا أصبح مقصورا على مصمصة الشفاه والتعبير عن الأسف والتلويح بالإدانة، ثم مطالبة الآخرين بأن يقوموا بالواجب الذي تخلينا عن استحقاقاته.

إن ما قاله السفير حسام زكي المتحدث باسم الخارجية المصرية يتوقع من بلد مثل كوستاريكا أو بوركينا فاسو أو جزر القمر. لكنه يصبح صادما ومفجعا حين يصدر عن مصر. التي لم يبق لها من أوراق إلا الورقة الفلسطينية. حتى إن وزير خارجيتها لم يعد بمقدوره أن يستأسد على أحد في الكرة الأرضية بمثل استئساده على الفلسطينيين، الذين هدد بكسر رجل أي واحد منهم يعبر الحدود المصرية. ولم يستطع أن يتفوه بهذه العبارة بالنسبة للإسرائيليين.

سيقول واحد من المرتعشين، هل تريد من مصر أن تعلن الحرب على إسرائيل؟ وإجابتي عن السؤال أن ما أدعو إليه لا يتضمن أي إشارة أو إيحاء يستدعي خيار الحرب (الذي لم تتخل عنه إسرائيل وتستخدمه كل حين) وإنما الذي أتحدث عنه أمر أكثر تواضعا، ولا يتجاوز حدود التعبير عن موقف شريف يتسم بالنزاهة والمسؤولية، يوجه تحذيرا جادا إلى إسرائيل ولا يبعث إليها بما يثبت العجز والوهن، ويشجعها على المضي فيما عزمت عليه.

إن مصر بكل وزنها حين تكتفي بالتعبير عن «القلق البالغ» إزاء طرد 70 ألف فلسطيني من الضفة، وهي جريمة بشعة بكل المقاييس، فكأنها تقول للإسرائىليين توكلوا على الله. وخلصونا من المشكلة بسرعة، حتى لا تحرجونا مع العرب الغاضبين والفلسطينيين الثائرين.
ورغم أن ما قاله المتحدث باسم الخارجية المصرية كان معبرا في حقيقة الأمر عن موقف أغلب الحكومات العربية. التي لم تعد القضية الفلسطينية ضمن أولوياتها، إلا أننا نخص مصر بالحديث باعتبارها الدولة العربية الأكبر. التي مازال مسؤولوها يتحدثون عن قيادة الأمة وريادتها. علما بأن الوهن لم يسر في جسد الأمة إلا بعدما انكسرت مصر والتحقت بالمعسكر الآخر (الذي وصف بالاعتدال رفعا للحرج) منذ وقعت اتفاقيتها المشؤومة مع إسرائىل عام 1979.

تستطيع مصر إذا أرادت أن تحذر إسرائيل حقا وترد على قرارها أن تكسر الحصار على غزة بفتح معبر رفح. وأن تعلق بعض الاتفاقيات المعقودة معها، وأن تستدعي سفيرها في تل أبيب، وأن تدعو إلى قمة عربية جامعة أو تطالب من خلال مجلس الجامعة العربية بوقف إجراءات الطرد والتهويد والاستيطان خلال فترة زمنية محددة، وإلا تم تفعيل المقاطعة وأوقف التطبيع أو سحبت المبادرة العربية.

ولابد أن تكون هناك خيارات أخرى أمام الخبراء، يمكنهم طرحها على الطاولة فى الرد على العربدة الإسرائيلية التي تجاوزت كل الحدود. أما أن نسكت عن اتخاذ أي موقف حازم ونكتفي بالإعراب عن القلق البالغ. فذلك يغدو هزلا في موقف الجد ونكتة سخيفة لا تليق بقائلها.
............................

14 أبريل، 2010

مصر الرائدة «سابقًا»

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 29 ربيع ثان 1431 – 14 أبريل 2010
مصر الرائدة «سابقًا» - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_14.html


خلال الأسابيع القليلة الماضية تعددت زيارات المسؤولين العراقيين للرياض لمناقشة أوضاع ما بعد الانتخابات التشريعية.
قبل الانتخابات زارها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوى. وبعدها قام الرئيس العراقى جلال طالبانى بزيارتها. وما كاد يغادر حتى كان مسعود البرزاني رئيس حكومة إقليم كردستان ضيفا على العاهل السعودي. وقبله كان وفد من التيار الصدري قد قام بزيارته.
وخلال تلك الزيارات التقى المسؤولون العراقيون مع كبار المسؤولين السعوديين، ما بين الملك عبدالله ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، الذي اكتفى بتصريح قال فيه إن المملكة ليس منحازة إلى أحد في العراق لكنها تحتفظ بمسافة واحدة مع كل الأطراف.

هذا الحضور السعودي في المشهد الانتخابي العراقي يقابله حضور إيراني قوي، الأمر الذي يعني أن البلدين أصبحا لاعبين أساسيين في الساحة العراقية، بعد الولايات المتحدة بطبيعة الحال.
وهذا التنافس السعودي الإيراني تكرر في لبنان. في الانتخابات التشريعية والبلدية. علما بأن الدور السوري لايزال على قوته هناك، وقد ازداد في الآونة الأخيرة، خصوصا بعد الزيارة التي قام بها وليد جنبلاط إلى دمشق، بعد طول قطيعة وخصام. وثمة تحضير الآن لزيارة لا تقل أهمية سيقوم بها رئيس الوزراء سعد الحريري للعاصمة السورية.

حين يجول المرء ببصره في أرجاء العالم العربي، سوف يلاحظ أن قطر كان لها دورها النشط على أكثر من جبهة، في المصالحة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، وبين الفرقاء اللبنانيين بعضهم البعض، وبين متمردي دارفور والحكومة السودانية وفي دعم المحاصرين في غزة.
وسيجد أن لندن رعت واستقبلت مؤتمرا لبحث الأزمة اليمنية. وأن كينيا كانت لاعبا رئيسيا في تحديد مستقبل جنوب السودان بشماله من خلال اتفاقيتي ماشاكوس ونيفاشا، كما أن ليبيا كان لها دورها في المصالحة بين تشاد والسودان.
ورغم أن دولتين عربيتين لهما علاقاتهما الديبلوماسية مع إسرائيل، هما مصر والأردن، فإن الذي قام بالوساطة بين سورية وإسرائيل كانت تركيا.

لا يكاد المرء يجد ذكرا لمصر في هذه العناوين، الأمر الذي يثير الانتباه والدهشة أيضا. وهذا الغياب من دلائل حالة الانكفاء على الداخل، كما أنه شهادة على تراجع الدور المصري في العالم العربي.
وليس الأمر مقصورا على الساحة السياسية لأننا فوجئنا خلال السنوات الأخيرة بأن الجامعات المصرية، التي كانت بدورها رائدة يوميا ما، خرجت من تصنيف الجامعات المحترمة في العالم، وأن جامعات بعض الدول الأفريقية الناشئة تقدمت عليها وأثبتت حضورا مشهودا في القائمة، وسبقت هذه وتلك بعض الجامعات الإسرائيلية.
وحين قرأت أن شركة مقاولات تركية فازت بعقد تجهيز المنشآت اللازمة لعقد القمة العربية في مدينة سرت الليبية، وأنجزت خلال تسعة أشهر كل القصور والفيلات المطلوبة ومعها حي سكني كامل، كان السؤال الذي شغلني هو:
لماذا لم يعد هناك ذكر لـ«المقاولون العرب» في العالم العربي؟

ذلك حاصل بدرجة أو أخرى في المجال الإعلامي، حيث ألغت قناة «الجزيرة» مثلا أي تأثير للتليفزيون المصري، وتقدمت المسلسلات التركية والسورية على المسلسلات المصرية. بل إن المطربين اللبنانيين غزوا القاهرة وأصبحوا منافسين أقوياء لنظرائهم المصريين، بحيث أصبح أملنا في التفوق وإثبات الحضور معقودا تقريبا على المنتخب القومي لكرة القدم!

حتى نكون أكثر دقة، لا يفوتنا أن نسجل أن مصر أثبتت حضورا في مجالات أخرى لا تشرفها كثيرا، فهي لاتزال بين الرواد في احتكار السلطة وتطبيق قوانين الطوارئ والتعذيب والاعتقالات، وفي مؤشرات الفساد وتزوير الانتخابات.

هذه الصور تفرض نفسها على الذاكرة كلما تجدد الحديث عن ريادة مصر التي هي حقيقة بأمر الجغرافيا والتاريخ، لكن الأمانة تقتضي أن نعترف بأن مصر الرائدة ليست مصر الراهنة. أعني أن مصر كانت رائدة حين كانت فاعلة ومستوفية لشروط الريادة واستحقاقاتها باعتبار أن الريادة وظيفة وليست لقبا.
أما حين خرجت مصر من الصف العربي بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، فإنها انكفأت على ذاتها واستقالت عمليا من موقع الريادة، وأصبحت سياستها الخارجية محصورة في الالتحاق بمعكسر «الاعتدال» وتنفيذ السياسة الأميركية في المنطقة.
من ثم فإن الكلام عن ريادتها يكاد يفقد معناه، ويصبح داعيا إلى الحسرة والحزن بأكثر منه للثقة والاعتزاز. لهذا تمنيت على وزير الخارجية المصري السيد أحمد أبوالغيط حين يتطرق إلى هذه النقطة أن يكون أكثر تواضعا وحذرا، لأن مصر الكبيرة التي يلوح بها في أحاديثه الحماسية غير تلك التي يشير إليها الآن.
............................

13 أبريل، 2010

إرهاصات صيف ملتهب في تركيا – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 28 ربيع ثان 1431 – 13 أبريل 2010
إرهاصات صيف ملتهب في تركيا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_13.html

-بعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف تغيرت في غير صالحهم
- كان لبعض عناصر منظمة «أرجنكون» السرية صلات بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة
تركيا تتوقع صيفا ملتهبا هذا العام، تحسم فيه قضية الصراع حول المستقبل، الذي تخوض بسببه الأصولية العلمانية معركتها الأخيرة.

(1)
يوم وصولي إلى استانبول ــ في الثالث من شهر أبريل الحالي ــ كانت عناوين الصحف تتحدث عن قرار أصدرته إحدى المحاكم بإطلاق صراح 19 من العسكريين المعتقلين على ذمة قضية محاولة انقلاب عسكري انكشف أمره.

وفي مقدمة الذين أطلق صراحهم المتهم الأول في القضية، القائد السابق للجيش الأول، الجنرال متقاعد شتين دوغان والقائد السابق للقوات الخاصة الجنرال انجين آلان.
في اليوم التالي مباشرة أبرزت عناوين الصحف قرارا أصدرته محكمة استانبول أمر بإعادة اعتقال العسكريين الذين أفرج عنهم.
في اليوم الثالث كانت صور العسكريين وهم يسلمون أنفسهم تتصدر الصفحات الأولى للصحف.
في اليوم الرابع تحدثت عناوين الصحف عن تطور آخر مثير في القضية، خلاصته أن الشرطة نفذت عملية كبيرة للقبض على نحو 90 ضابطا في الجيش على صلة بمحاولة الانقلاب، إلا أن كبير ممثلي الادعاء في استانبول أوقف العملية. كما أنه أقال اثنين من المحققين كانا قد أمرا بشن حملة الاعتقالات التي شملت 14 إقليما تركيا.
لم يكن ذلك التتابع استثناء، وإنما اعتاد عليه الأتراك، الذين أصبحت مثل تلك الأخبار التي تعكس الصراع الحاصل تطل عليهم كل صباح بين الأطراف الثلاثة:
حكومة حزب العدالة والتنمية التي انتخبت ممثلة للسلطة التنفيذية،
والجيش الذي نصب نفسه حارسا للعلمانية الكمالية واعتاد أن يمارس سلطة فاقت سلطة الحكومة.
والقضاء الذي منح سلطات استثنائية منذ انقلاب عام 1980 بعدما سلمت مقاليده للأصولية العلمانية، لكي يصبح رقيبا ثانيا على أي حكومة منتخبة،
ان شئت فقل إن الجيش مثل طول الوقت عضلات تلك الأصولية في حين أن القضاء كان بمثابة محامي المشروع وعقله القانوني. أما الحكومة فقد ظلت تقليديا أداة في يد الاثنين.
وطوال السنوات التي خلت كانت مهمة الجيش والقضاء سهلة بصورة نسبية.
أولا لأن الطبقة السياسية التقليدية كانت جزءا من المشروع العلماني الأصولي،
وثانيا لأن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة كانت تشكل حكومات ائتلافية بسبب الشيخوخة التي اصابتها، الأمر الذي لم يمكنها من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان، وهو ما كان يضعف من موقفها، ويعرضها للسقوط بعد سنتين أو ثلاث من تشكيل ائتلاف الحكم.
لكن هذا الموقف اختلف بصورة جذرية حين تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، إثر فوزه بأغلبية كبيرة في البرلمان (له 330 مقعدا من 550). وهذه الأغلبية مكنت الحزب من تشكيل حكومة قوية، مازالت ثابتة القدم في السلطة منذ أكثر من سبع سنوات.

(2)

لأن الجيش كان صاحب اليد العليا في تركيا منذ أسس كمال أتاتورك الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، فان قادته اعتبروا صعود حزب العدالة وبلوغه سدة الحكم بتأييد الأغلبية الشعبية تحديا كبيرا لهم.
وجاء ذلك التحدى على مستويين،
أحدهما تعلق بالسلطان والنفوذ
والثاني تمثل في التعامل مع العلمانية التي ارادها العسكر مخاصمة للدين كما في فرنسا، وارادها حزب العدالة متصالحة معه كما في إنجلترا.

ولاشك أن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى ساعدت حكومة الحزب الصاعد على الثبات في مواجهة ضغوط العسكر، من خلال تقليص الدور الذي يقومون به في الحياة السياسية. وكان ذلك التقليص أحد بنود حزمة الإصلاحات التي دعا إليها الاتحاد لتذليل العقبات التي تحول دون انضمام تركيا إليه.
وقد ترتب على ذلك مثلا أن فقد العسكر أغلبيتهم في عضوية مجلس الأمن القومي، وتساووا مع المدنيين في العدد. أهم من ذلك ان الطريق لم يعد مفتوحا أمامهم لتغيير الحكومة بانقلاب عسكري، وهي اللعبة التي استساغها قادة الجيش ومارسوها أربع مرات منذ ستينيات القرن الماضي. حيث كانوا يطيحون بالنظام باسم درء الخطر الذي يهدد العلمانية ويعينهم القضاء على ذلك بحظر الأحزاب المناوئة وغير المرضي عنها، وربما سجن قادتها.
مع مطلع القرن الجديد، وبعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف الداخلية والخارجية تغيرت في غير صالحهم، مما دعا رئيس الأركان الجنرال الكرباشبوغ إلى التصريح بأن عهد الانقلابات العسكرية انتهى، وأن الجيش ملتزم بقواعد الممارسة الديموقراطية وخيار الشعب.

(3)
هذا الإعلان كان اعترافا بأن قيادة الجيش تراجعت خطوة إلى الوراء عن دورها التقليدي، وهو ما خيب آمال أركان الأصولية العلمانية من العسكريين والمدنيين (حزب الشعب الجمهورى بوجه أخص). هنا برز دور الأصوليين في المحكمة الدستورية والادعاء العام، الذين أصبحوا في صدارة المواجهة مع الحكومة. فتم استنفار رجاله الذين حكموا بسجن رئيس الوزراء الحالي طيب أردوغان في الماضي، وسعوا إلى حل حزب العدالة والحيلولة دون ترشح عبدالله جول لرئاسة الجمهورية قبل سنتين.
والوقائع التي اشرت إليها في مستهل النص من نماذج ذلك الاستنفار الذي كشف عن التجاذب داخل معسكر القضاة والمدعين، الذين أمر بعضهم باطلاق سراح ضباط الجيش المتهمين وأمر آخرون بإلقاء القبض عليهم.
المواجهة برزت إلى السطح قبل سنتين، حين فتحت الحكومة ملف منظمة «ارجنكون» السرية، التي ظلت توصف خلال العقود الأربعة الماضية بأنها الحكومة الخفية في تركيا.
وكنت أحد الذين سمعوا بها قبل ربع قرن، حينما حدثني أحد الخبراء عن أنها تضم خليطا من غلاة العسكريين والسياسيين ورجال الأعمال والقضاة والمدعين والإعلاميين، وان هؤلاء كانوا نافذين في أجهزة الدولة. ولأن تنظيمهم انطلق من الدفاع عن المشروع العلمانى كما بدأه أتاتورك، فان مختلف القرائن دلت على أنهم كانوا على صلة بالانقلابات التي تمت في السابق، وببعض الاغتيالات التي تمت سواء لإثارة الرأي العام أو لتصفية الحسابات السياسية أو القومية (ضد الإسلاميين والأكراد والعلويين مثلا)، بل كان لبعض عناصره صلاتهم بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة، كما بينت التحقيقات.
وقد تصدت الحكومة لذلك الملف الشائك، بعدما تم ضبط مخازن أسلحة في بيوت بعض الضباط المتقاعدين. وتبين أن الذخيرة التي ضبطت مع تلك الأسلحة استخدمت في عمليات اغتيال عدد من النشطاء والشخصيات العامة.
والتحقيق الكبير مستمر في ملف ارجنكون حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ في العشرين من شهر يناير الماضي استيقظت تركيا على وقع قنبلة صحفية وسياسية أحدثت دويا لايزال يتردد صداه إلى الآن، إذ نشرت صحيفة «طرف» التي يقال إنها قريبة من رئيس الحكومة تقريرا مدعوما بالوثائق تحدث عن مخطط انقلاب عسكري كان سيقوده القائد السابق للجيش الأول (مقره استانبول) الجنرال شتين دوغان.
وذكر التقرير أنه بعد وصول حزب العدالة إلى السلطة (عام 2002) تم اعداد ذلك المخطط الذي حمل اسم «المطرقة». ولتهيئة الأجواء لتدخل القوات المسلحة فإن المخطط تحدث عن خطوات لتأزيم الأوضاع في البلاد بما يوحي بانها مهددة بالفوضى والخطر،
في تلك الخطوات تم استهداف اثنين من أهم مساجد تركيا، هما جامع بايزيد وجامع السلطان أحمد بالقنابل أثناء صلاة الجمعة. ثم افتعال أزمة مع اليونان عبر التحرش بها حتى إذا اقتضى ذلك اسقاط طائرة حربية تركية في بحر إيجه، واتهام اليونان بذلك ــ وهو ما يفترض أن يحرج الحكومة ويرفع من وتيرة الشعور بالخطر، الأمر الذي يسوغ القيام بانقلاب عسكري.
ذكرت صحيفة «طرف» أن لديها ما يثبت ويؤيد تقريرها متمثلا في 5 آلاف صفحة من الأوراق، وأصوات مسجلة وأفلام فيديو على أقراص مدمجة (سي. دي) وصور ومخططات وخرائط أولية، كما ان لديها قائمة باسماء 137 كاتبا وصحفيا سيكونون على علاقة وطيدة بالانقلاب، وأسماء 36 كاتبا وصحفيا سيعتقلهم الانقلابيون، أغلبهم محسوبون على التيار الليبرالي اليساري الديموقراطى ومنهم إسلاميون مقربون من أردوغان وحزبه وقد نشرت الصحيفة تلك الأسماء.
وفي اليوم التالي نشرت أسماء أعضاء الحكومة التي كان سيشكلها الانقلابيون والحقائب المسندة إليهم.

(4)
المجموعة التي ألقى القبض عليها في عملية المطرقة ضمت بعض المدنيين إلى جوار العسكر، وجميعهم لم يكونوا بعيدين عن منظمة ارجنكون التي اخترقت خلايا مراكز القوة في المجتمع التركي منذ أربعين عاما. ولذلك فان معركة الحكومة الحالية معها ليست هينة. ونتائج تلك المعركة هي التي ستحدد مصير جمهورية العسكر الأصولية العلمانية، وكسب المعركة وحده الذي سيفتح الباب لتأسيس الجمهورية الثانية، الديموقراطية التي تكون السيادة فيها للشعب وليس للعسكر.
بعد سبع سنوات من المناورات السياسية والتجاذب على مختلف المستويات، أدركت حكومة حزب العدالة والتنمية أنه لا مفر من تعديل الدستور الذي «فصله» العسكر بعد انقلاب عام 1980 (صدر في عام 1982) لمعاندة التاريخ من خلال بسط هيمنتهم وادامة التمكين للأصولية العلمانية.
فقد وجدت الحكومة انها ليست قادرة على تنفيذ بعض الإصلاحات التي وعدت بها بسبب القيود التي فرضها ذلك الدستور. فثمة مقاومة لمحاكمة العسكريين أمام المحاكم العادية وانهاء تدخلهم في الشؤون السياسية،
وثمة رفض لاعادة هيكلة القضاء والحد من تسييسه بحيث لا تطلق يده في تعيين المدعين أو حل الأحزاب. وكانت الهيئة العليا للقضاة قد حاولت تنحية القضاة والمدعين العامين المسؤولين عن التحقيق في قضية ارجنكون، لتمكين بعض المتهمين من الافلات من العقاب.

كما ان المحاكم الإدارية رفضت قرارات مجلس التعليم العالي الخاصة بالسماح للمحجبات بالالتحاق بالجامعات، وتمكين خريجي المعاهد الدينية من دخول الكليات العلمية والفنية.
ولهذه النقطة الأخيرة قصة تستحق أن تروى. ذلك أن جميع الراغبين في دخول الجامعات يمتحنون قبل توجيههم إلى الكليات المختلفة. ولكن خريجي المعاهد الدينية وحدهم يخضعون لنظام خاص في احتساب الدرجات، فرضه مجلس التعليم العالي حين كان تحت السيطرة العلمانية، بمقتضاه يخصم منهم %15 من مجموع درجات الناجحين منهم، الأمر الذي يغلق الأبواب في وجوههم للالتحاق بكليات القمة. وذلك ظلم بيّن اشتكى منه الطلاب قبل وصول حزب العدالة للحكم، ولكن المحكمة الإدارية المختصة رفضت آنذاك مساواتهم بزملائهم وقالت انها غير مختصة بالموضوع.
وحين تغيرت الحكومة، وعين رئيس جديد لمجلس التعليم، صدر قرار بإلغاء ذلك التميز ومساواة خريجي المدارس الدينية بزملائهم، وعندئذ تحركت الآلة الأصولية وطعنت في القرار أمام المحكمة الإدارية، فقضت بإبطاله وعودة التميز إلى سابق عهده. وهي ذاتها التي اعتبرت الأمر خارجا عن اختصاصها في السابق!

(5)
قدمت حكومة أردوغان 26 تعديلا على الدستور إلى البرلمان تجري مناقشة حامية حولها الآن. وليست هناك ثقة في تمرير التعديل، لأنه يحتاج إلى تصويت ثلثي الأعضاء، أي 367 صوتا من 550، في حين أن لحزب العدالة والتنمية 330 صوتا فقط. وإذا لم يمر التصويت، وحسب القانون، فان التعديل سيعرض على الاستفتاء العام خلال 60 يوما، في شهر يوليو المقبل،
ويتوقع المراقبون أن تلجأ المحكمة الدستورية التي يهيمن عليها غلاة العلمانية إلى إصدار حكم بإبطال الاستفتاء. وحينئذ لن يكون أمام الحكومة سوى المطالبة بإجراء انتخابات جديدة يحتكم فيها إلى الشعب في تشكيل برلمان جديد، يطمح الحزب إلى أن يمثل مقعد الثلثين فيه، من خلال أعضائه أو تحالفاته، لكي يمرر التعديلات التي يريدها، وذلك كله يفترض أن يتم خلال أشهر الصيف المقبل، التي يتوقع الجميع أن ترتفع الحرارة فيه إلى درجة الغليان قبل أن تسفر المواجهة الشرسة إما إلى ميلاد الجمهورية التركية الثانية أو إلى اجهاض هذا الأمل.
.......................

11 أبريل، 2010

وجه الكويت الذى خُدش

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 27 ربيع ثان 1431 – 12 أبريل 2010
وجه الكويت الذى خُدش – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_3633.html


ذلك آخر ما يتوقعه المرء من الكويت. فالذين يعرفون ذلك البلد لا يخطر ببالهم أن يضيق صدره ببعض المصريين الذين يعيشون على أرضه حين يعقدون اجتماعا في مكان عام (منطقة السالمية) يلتقون فيه على تأييد د.محمد البرادعي، ويناقشون إمكانية إقامة فرع للجمعية الوطنية للتغيير بالكويت، التي توجد بها جالية مصرية كبيرة، تقدر بنحو نصف مليون شخص.

لكن ذلك ما حدث بالفعل، حيث تم القبض على المجموعة التي رتّبت اللقاء، وجرى إبعادهم إلى القاهرة، واحتل الخبر موقعه على الصفحات الأولى من الصحف التي صدرت أمس، مذيلا بتعليقات وأصداء عدة، تحدثت عن مظاهرة أمام السفارة الكويتية بالقاهرة وعن إمكانية اللجوء إلى إحدى المنظمات الحقوقية الدولية للطعن في قرار الترحيل والمطالبة بالحفاظ على حقوق المُرحَّلين.

لا أعرف ظروف الذين تم ترحيلهم، لكن لا أشك في أنهم بدورهم فوجئوا بالقرار ولم يتوقعوه. كما أنني لا أشك في أن ذلك سبَّب لهم أضرارا جسيمة على المستوى الإنساني والوظيفي، لكني مع ذلك أزعم أن الضرر الذي أصاب صورة وسمعة الكويت أفدح من ذلك الذي أصاب المجموعة التي تم ترحيلها.

أقول ذلك لأنني أعرف الكويت وأتابع أجواءها التي لا توحي بأن صدرها يمكن أن يضيق عن احتمال ما فعلته المجموعة المصرية التي تضامنت مع البرادعي.
صحيح أن خبرتي الحقيقية بالكويت ترجع إلى نحو ثلاثة عقود مضت، وأدرك أن الدنيا تغيّرت في العالم العربي والعالم أجمع خلال تلك الفترة، لكنني لا أظن أن انقلابا حدث هناك على كل تقاليد البلد وأعرافها السياسية. إذ لاتزال أجواء الحرية النسبية متوافرة في الكويت، تعبّر عنها صحافة قوية وحراك سياسي مشهود. كما أنها لاتزال تشهد انتخابات ديموقراطية، تمثل نموذجا نادرا، ليس في منطقة الخليج فحسب، وإنما أيضا في العالم العربي كله، بل أزعم أن المناقشات والاستجوابات التي تحدث في مجلس الأمة أصبحت تتسم بجرأة عما كانت عليه من قبل، حتى طالت أعضاء الأسرة الحاكمة ذاتها.

لئن قيل إن حركة التغيير التي «اتُّهم» المرحلون بالانخراط فيها لا شرعية لها في مصر، الأمر الذي قد يسبب حرجا للكويت، فإن هذه الحجة مردود عليها بأن الإخوان المسلمين كان لهم طوال نصف القرن الماضي حضورهم هناك، وكان لهم تنظيمهم الذي يقوده مصريون، ومع ذلك احتملهم النظام الكويتي ولم يتعرض لهم حتى هذه اللحظة.

إنني لا أستبعد أن يكون ما تم جاء استجابة لضغط مارسته السفارة المصرية هناك، لكي يثبت المسؤولون الأمنيون فيها لقياداتهم في القاهرة أنهم مفتوحو الأعين، ويقومون بـ«الواجب» على النحو المطلوب، وإذا صح ذلك، فقد كان بوسع السلطات المعنية في الكويت أن توجّه رسالة هادئة إلى المجموعة المصرية تطلب من عناصرها عدم ممارسة أنشطة سياسية تسبب لها حرجا مع السلطات المصرية، دون أن تلجأ إلى أسلوب الطرد وقطع الأرزاق.

إنني أرجو أن تثبت التجربة خطأ التحليل الذي ذهبت إليه، وأتمنى أن تراجع السلطة الكويتية قرارها بشأن إبعاد الناشطين المصريين، لتبقى صورة الكويت التي نعرفها حاضرة في الأذهان، بغير ظلال أو خدوش، حيث أزعم أن «الأصل» في الكويت أفضل بكثير من الصورة التي ظهرت لها في الصحف المصرية أمس.
......................

ضرب هناك.. وكذب هنا

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 26 ربيع ثان 1431 – 11 أبريل 2010
ضرب هناك.. وكذب هنا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_11.html


هذه قضية وقعت أحداثها في مدينة منوف في قلب الدلتا، إذ في حين كانت جامعة عين شمس تستقبل المطرب محمد حماقي، في حفل غنائي أقيم لإلهاء الطلاب وصرفهم عن التضامن مع مظاهرة 6 أبريل، وانتهى بحفل من نوع آخر للتحرش الجنسي،
فإن نفرا من طلاب كلية الهندسة الإلكترونية في منوف كانوا يعدون لحفل افتتاح «مهرجان الفن الإسلامي الرابع عشر لمناصرة المسجد الأقصى»، وفي أثناء الإعداد لافتتاح الحفل فوجئ الطلاب بإغلاق البوابة الرئيسية من قبل رجال الأمن، وتطويق الكلية بأكثر من 8 عربات للأمن المركزي، واحتجاز الطلاب خارج البوابة، مع التضييق الشديد على الدخول والخروج.

وهم في هذا الوضع ظهر عميد الكلية ووكيلها لشؤون الطلاب في الثانية عشرة ظهرا، وطلبا من منظمي الحفل تعطيل مكبرات الصوت مقابل السماح لهم بإتمام الحفل، وإطلاق سراح أربعة من زملائهم كان قد ألقي القبض عليهم في أثناء دخولهم إلى الكلية للمشاركة في المناسبة، وافق الطلاب على ذلك احتراما لرغبة العميد والوكيل، فأوقفوا مكبرات الصوت وواصلوا احتفالهم في هدوء.

(بعد قليل فوجئ الطلاب بدخول مجموعة من حرس أمن الكلية وموظفي رعاية الشباب الذين قاموا بتمزيق اللوحات والملصقات التي قام الطلاب بتعليقها للمناسبة، في محاولة للتحرش بهم واستفزازهم، لكن الطلاب الذين أدركوا مقاصد «الغارة» التزموا الهدوء وواصلوا الاحتفال،
وأخيرا قرروا أن يخرجوا في الساعة الرابعة بعد الظهر، لكنهم فوجئوا بأن الباب الرئيسي للكلية مغلق، وعندما أبدوا رغبتهم في الخروج لقائد القوة التي حاصرت الكلية ـ وهو ضابط برتبة لواء ـ كان رده أنه سيسمح لهم بالمغادرة بأمان إذا ما خرجوا فرادى من باب آخر صغير، وحين فعلوا ذلك فوجئوا بمخبري أمن الدولة وجنود الأمن المركزي ينهالون عليهم بالهراوات والجنازير ويرجمونهم بالطوب، وبعضهم اعتدى على الطالبات بالعصي والسب والقذف،

وتكفل ضابط أمن الدولة (أ.ص) بتوجيه أقذع الشتائم وأكثرها بذاءة للطلاب والطالبات، وفي أثناء ذلك تم اعتقال 50 منهم، وتم نقلهم إلى قسم شرطة منوف، حيث احتجز 11 منهم (لدي قائمة بأسمائهم) وأطلق سراح الباقين بعد القيام بـ«اللازم» نحوهم. وتم تحرير محضر للمحتجزين برقم 2237 لسنة 2010، وتقرر حبسهم لمدة 15 يوما، وترحيلهم إلى سجن وادي النطرون.

لقد سلطت الأضواء على ما جرى في القاهرة يوم 6 أبريل، سواء في ميدان التحرير أو في الحفل الغنائي الذي استضاف محمد حماقي،ّ ولكن القمع الذي يتعرض له الناشطون خارج العاصمة لم ينتبه إليه أحد، وربما لأن بقية المدن بعيدة نسبيا عن المراسلين الصحافيين والتلفزيونيين والديبلوماسيين الأجانب، فإن رجال الشرطة يأخذون راحتهم في التعامل مع أي تحرك شبابي أو شعبي يتم خارج نطاق الحزب الوطني.

في مساء اليوم الذى تلقيت فيه رسالة طلاب هندسة منوف شاهدت برنامجا تلفزيونيا استضاف كاتبا من المتحدثين باسم الحكومة، تكلم باعتباره رجلا ليبراليا. وتطرق الحوار إلى ما تعرّض له شباب 6 أبريل في ميدان التحرير، فقال بمنتهى الثقة والهدوء:
إن من حق الناس أن يتظاهروا، لكن ليس من حقهم أن يشلوا الحركة ويعطلوا مصالح الناس في العاصمة. وأضاف أن المتظاهرين ما كان لهم أن يخالفوا تعليمات الأمن الذي منعهم من التظاهر، وخلص بهذا المنطق «الليبرالي» إلى أن المتظاهرين هم الذين أخطأوا، في حين أن الشرطة قامت بواجبها في تنفيذ القانون والحفاظ على مصالح الناس.

الطريف أن السيد الليبرالي قال في سياق كلامه إن المتظاهرين كان عددهم 70 شخصا فقط، وهو رقم متواضع يقارب عدد الجالسين على أي مقهى على أحد أرصفة الميدان، ومع ذلك اعتبر أنهم هددوا الحركة في قلب العاصمة بالشلل، متجاهلا أن جنود الشرطة هم الذين أغلقوا الميدان، لأن عددهم تجاوز خمسة أضعاف المتظاهرين.

حين سمعت هذا الكلام قلت إنه إذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يكون اللواء الذي أوقع طلاب هندسة منوف في كمين الضرب، وكذلك ضابط أمن الدولة الذي أشرف على الضرب وتولى القذف والسب من فصيلة أولئك الليبراليين الجدد، لأن الذين يقمعون لا يختلفون عن الذين ينافقون ويكذبون.
....................

10 أبريل، 2010

على الهواء مع أردوغان

صحيفة الشرق القطريه السبت 25 ربيع ثان 1431 – 10 أبريل 2010
على الهواء مع أردوغان – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_10.html

في افتتاح قناة «التركية» الناطقة باللغة العربية مساء الأحد الماضي 4/4، كان أول حوار صحفي بثته المحطة مع رئيس الوزراء طيب أردوغان. أما المحاورون فقد كانوا ثلاثة بينهم اثنان من العالم العربي أحدهما الأستاذ جهاد الخازن وكنت الثاني، ثالثنا كان مدير القناة سفر توران، الذي يجيد العربية بحكم دراسته السابقة في القاهرة.

كان حفل الافتتاح والحوار الذي جرى مع أردوغان حافلين بالإشارات الصريحة والضمنية التي تحدثت عن الموقع المتقدم الذي باتت تحتله العلاقات مع العالم العربي في الإستراتيجية التركية.
وكان ذلك الدفء في الكلام معبرا عن مسار جديد انتهجته تركيا منذ تولي السلطة فيها حزب العدالة والتنمية في عام 2002. حيث تضاعف حجم التبادل التجاري مع العالم العربي أكثر من خمس مرات منذ ذلك الحين وحتى الآن
(قفز الرقم من 5 مليارات إلى 27 مليارا، وبنفس المعدل ارتفع حجم التبادل التجاري مع دول العالم الإسلامي من 11 إلى 60 مليار دولار)،
وألغيت تأشيرات الدخول مع 4 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن وليبيا، وعقدت تركيا اتفاقية للتعاون الإستراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي. وحين ذاع نبأ إقامة خط للسكة الحديد داخل دولة الإمارات، فإن الأتراك سارعوا إلى طرح فكرة إيصال الخط إلى بلادهم مرورا ببلاد الشام والمملكة العربية السعودية.

وإلى جانب النشاط الاقتصادي الذي يتطور بسرعة. فالحضور السياسي التركي يكتسب أهمية متزايدة في العالم العربي. فقد ضمت كعضو مراقب بالجامعة العربية، وصارت طرفا في العديد من القضايا والملفات المتداولة في المنطقة، من القضية الفلسطينية والمفاوضات بين سوريا وإسرائيل مرورا بالوضع في العراق ووصولا لمشكلتي دارفور والحوثيين في اليمن.

وبعدما اخترقت المسلسلات التركية فضاءنا وجذبت إليها المشاهد العربي، جاءت القناة العربية لكي تخاطب المواطن العربي، مفتتحة صفحة جديدة في سجل العلاقات التي توثقت طوال أربعة قرون، ثم انقطعت بعيد إسقاط الخلافة وإقامة الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي وقع فيها «الطلاق» بين الأتراك والعرب، وفي ظلها ألغي الحرف العربي ومن ثم بترت صلة الأتراك بمراجعهم الثقافية، حتى لاحظ دارسو تلك المرحلة أن اسم العالم العربي لم يذكر في الخطاب السياسي التركي طوال العشرين عاما اللاحقة (من العشرينيات إلى الأربعينيات).

ما سمعناه في افتتاح قناة التركية يجسد انقلابا شاملا على هذه الخلفية الأخيرة. ولم يكن ذلك مفاجئا بطبيعة الحال، لأن مواقف السيد أردوغان وحكومته عبرت عن تلك النقلة في مناسبات مختلفة طوال السنوات الثماني الأخيرة، ولكن الجرعة كانت مكثفة في حفل الافتتاح.

كان أردوغان قد قال في مؤتمر قمة سرت:
إن مصير استانبول مرتبط بمصير القدس، ومصير تركيا مرتبط بمصير العالم العربي،
وهو كلام لم يقله أحد من الزعماء العرب، لكنه في حوار يوم الافتتاح ذكرنا بالمثل العربي القائل بأن الجار قبل الدار، وشدد على أن علاقة بلاده بالعالم العربي مثل علاقة الظفر بالجلد والجسم. وكان ذلك ردا على سؤال لي حول الربط بين مصير تركيا بالعرب في الوقت الذي تتطلع فيه تركيا للالتحاق بالاتحاد الأوروبي.
مضيفا أن علاقة تركيا بمحيطها العربي والإسلامي هو الأصل، وأنه لا تعارض بين انتماءات تركيا التي تحتمل التعدد الذي لا يخل بالأولويات التي تحددها السياسة التركية.

حين ذكر جهاد الخازن موقفه المشرف في دافوس، قال أردوغان:
إن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها على غزة استفزت الشعب التركي، وكانت بمثابة نقطة تحول في موقفه من إسرائيل، حينئذ
قلت له: إن تركيا غضبت حين أهين سفيرها لدى تل أبيب، واضطرت الخارجية الإسرائيلية إلى الاعتذار، ثم سألته ما الذي ستفعله أنقرة إزاء إهانة المسجد الأقصى؟
في رده قال: إن حكومته لن تسكت ولكنها ستتخذ موقفا حازما لا محل لإعلانه الآن، لأن لكل مقام مقالا.

كنت قد
نقلت في وقت سابق تعليقا للشاعر مريد البرغوثي وصف فيه أردوغان حين تحدث في مؤتمر سرت بأنه العربي الوحيد في القمة.
وقد عبر جهاد الخازن عن مشاعر مماثلة إزاءه حتى أنه سأله مازحا: هل فكرت في أن ترشح نفسك في أي بلد عربي؟
فرد الرجل بما يجب أن يقال وقد أسعدني ما سمعته منه، ليس فقط لأنه قال كلاما جيدا، ولكن لأنه لم يكن يعلم أن النتائج ستزور لغير صالحه.
..........................

08 أبريل، 2010

(لباقة) عقلية المطرقة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 23 ربيع ثان 1431 – 8 أبريل 2010
(لباقة) عقلية المطرقة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_08.html

الذين تابعوا الفضائيات ونشرات الأخبار مساء أمس (الأربعاء 6/4) لاحظوا أن أحداث القاهرة كانت خبرا رئيسيا جرى بثه مصحوبا بصور لا تشرف البلد أو نظامه، أو حتى الجهاز الأمنى فيه. إذ لم ير القاصى والدانى فى تلك الصور إلا حشود الأمن المركزى وميليشيات الشرطة المدنية والبلطجية، وهى تنقض على الشبان والفتيات الذين خرجوا فى مظاهرة سلمية بمناسبة حلول السادس من شهر أبريل.
وكانت جريمة أولئك الشبان أنهم طالبوا بـ«الحرية والتغيير.. وتعديل بعض مواد الدستور ووضع حد أقصى لفترة الرئاسة. كما طالبوا بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية الذى يتحكم فى العملية الانتخابية وإلغاء قانون الطوارئ ومشاركة المصريين الموجودين بالخارج فى التصويت...الخ».. وهذه الفقرة الأخيرة نقلتها نصا من عدد جريدة الأهرام الصادر أمس (7/4)، الذى وصف المتظاهرين بأنهم من «مثيرى الشغب».
هذه القائمة من الطلبات التى نشرها الأهرام على الصفحة الأولى، بحسبانها «جرائم» استوجبت قمع المتظاهرين وسحلهم وكسر أعضاء بعضهم وملاحقتهم بالعصى المكهربة، لا يختلف عليها أحد من الوطنيين والشرفاء فى مصر. وهى مطالب عادية للغاية، ولكن أمن «الفكر الجديد» لم يحتملها، وقرر أن يتصدى للمطالبين بها بذلك الأسلوب الوحشى الذى جرى تعميمه على أنحاء الكرة الأرضية أمس الأول، وتحول إلى فضيحة سياسية وإعلامية من الطراز الأول.
المدهش فى الأمر أن الصحف القومية حرصت على إبراز محدودية المظاهرات التى خرجت، وغياب قوى المعارضة عنها، وفشلها فى اجتذاب المواطنين سواء فى القاهرة أو فى بقية المحافظات.
وذهب الأهرام فى تخفيف الصورة إلى القول بأن القيادات الأمنية فى العاصمة تواجدت منذ وقت مبكر فى ميدان التحرير، وأن التعليمات التى وجهت إلى الضباط الذين تم حشدهم دعتهم إلى التعامل مع المتظاهرين بـ«لباقة».
وهى خلفية تثير سؤالين،
أولهما هو: إذا كانت المظاهرات محدودة وغابت عنها قوى المعارضة الفاعلة، فما الذى أزعج أجهزة الأمن إذن، وإذا كانت قد فشلت فى جذب المواطنين، فلماذا لم تترك لحالها طالما أن المعارضة رفضتها والجماهير قاطعتها؟
السؤال الثانى هو: إذا صح أن التعليمات صدرت للضباط باستخدام «اللباقة» مع المتظاهرين، الأمر الذى أدى إلى ضربهم بالعصى المكهربة وسحلهم وتمزيق ثيابهم وكسر ذراع واحدة منهم، فما الذى كان يمكن أن يحدث لو أن التعليمات دعتهم إلى استخدام الشدة والحزم معهم؟
وهل ما جرى هو مفهوم اللباقة لدى أمن الفكر الجديد؟
لقد كان مفهوما أن التعليمات صريحة فى حظر أى خروج احتجاجى إلى الشارع خصوصا فى الظروف الراهنة، سواء بسبب تصاعد الغضب الجماهيرى الذى تلقف دعوة الدكتور البرادعى إلى التغيير، أو بسبب التحضير للانتخابات التى ستجرى خلال المرحلة المقبلة (التجديد النصفى لأعضاء مجلس الشورى ثم انتخابات مجلس الشعب وبعدها الانتخابات الرئاسية)..
ولا أستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية قد أرادت أن توصل رسالة إلى الجميع مفادها أن «تسامحها» النسبى مع مجموعة الدكتور البرادعى لا يعنى سماحها بالخروج إلى الشارع. ذلك أن للرجل وضعه الدولى الخاص الذى يضع تلك الأجهزة فى موقف حرج، لا يسمح لها بأن تتعامل معه بنفس الدرجة من «اللباقة» سابقة الذكر. علما بأنها لم تغمض أعينها عن تحركاته ولم تتوقف عن التضييق على رجاله.
وهو ما بدا واضحا فى الاحتياطات التى فرضت أثناء زيارته للمنصورة وتعقيد دخول مرافقية إلى مركز الدكتور محمد غنيم إضافة إلى المضايقات التى تعرض لها مؤيدوه من بين أساتذة الجامعات.
لم يتغير شىء فى «
عقلية المطرقة» التى لا تجيد سوى استخدام الهراوات والبلطجية، وهذه الموجة مرشحة للتصاعد خلال الأشهر المقبلة، بعدما تبين أن جعبة رجال «الفكر الجديد» لا تعرف كيف تواجه زيادة الحراك الشعبى إلا من خلال الهراوات والعصى المكهربة والبلطجية.
ليس هذا أغرب ما فى الأمر، لأن الأغرب هو ادعاء بعض الذين نصَّبوا أنفسهم متحدثين باسم النظام أن مصر بالخطوات التى تتخذها تتجه لأن تصبح دولة معاصرة «وطبيعية».
وهو ما لا ينبغى أن نستغربه بعد الذى شاهدناه أمس الأول على شاشات التليفزيون وقدم لنا بحسبانه ضربا من «اللباقة»!.
.......................

Delete this element to display blogger navbar