Subscribe:

Ads 468x60px

31 مارس، 2010

الأتراك قادمون

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 15 ربيع ثان 1431 – 31 مارس 2010
الأتراك قادمون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_31.html

رؤساء الوفود العربية الذين شاركوا في قمة «سرت» لاحظوا أنه كان في استقبالهم بمقر إقامتهم سرب من الفتيات الجميلات ممشوقات القوام، اللاتي كن يرددن عبارات الترحيب بعربية مكسرة، أو بإنجليزية أفضل حالا، كانت مهمتهن مقصورة على الحفاوة بالضيوف وتوزيع الابتسامات عليهم، ثم اصطحابهم إلى حيث يريدون، سواء أكانت أجنحة الإقامة أم قاعات الطعام، حيث كان يتسلمهم هناك فريق آخر من الشبان ذوي القامات الطويلة والبشرة البيضاء والعيون الزرقاء، الذين كانوا يرددون نفس عبارات الترحيب بالعربية المكسرة، في حين أن إنجليزية بعضهم أفضل بصورة نسبية.

لم يمض وقت قصير حتى اكتشف أحد الضيوف أنهم يتبادلون الحديث فيما بينهم باللغة التركية، وجاءه من يؤكد المعلومة، مشيرا إلى أن شركة تركية فازت بمناقصة تقديم الخدمات لجميع المشاركين فى مؤتمر القمة (مقابل عشرة ملايين دولار). وشملت هذه الخدمات تقديم وجبات الطعام. ولذلك فإن الشركة جلبت من تركيا 90 ٪ من المواد الأولية المطلوبة لإطعام الوفود. وكان مما أحضروه زيت الزيتون والمخللات والألبان والعصائر والخضراوات والأسماك واللحوم. وهي الخامات التي استخدمها طهاة أتراك في تقديم الأكلات التركية التي أبدعوا وتفوقوا فيها.

من المعلومات التي ذكرت في هذا الصدد أن الشركة التركية استقدمت ألف شاب وفتاة لتقديم الخدمات للضيوف، وكان من بين هؤلاء 64 شابا كانت مهمتهم تنظيف الملابس وكيها.

نشرت صحيفة «الحياة» تقريرا فى 27/3 حول مظاهر الحضور التركي الأخرى في المؤتمر، قالت فيه إنها لم تقتصر على الخدمات والإجراءات، ولكنها شملت أيضا البنية التحتية، التي فازت بها شركة «ناليتكو» ووقعت عقدا بهذا الخصوص قيمته نحو 150 مليون دولار. وبمقتضاه قامت الشركة ببناء القصور وأماكن الضيافة والفنادق في مدينتي سرت وطرابلس. وهي المهمة التي تم إنجازها خلال تسعة أشهر. إذ بنت فندق ركسوس الذي ضم نحو 150 غرفة إضافة إلى 22 فيلا في طرابلس، ومجمع سكني ضم نحو مائة فيلا إضافة إلى 450 شقة في سرت.

وكان القرار السياسي الليبي قد استقر على عقد القمة في سرت مسقط رأس العقيد القذافي ومعقل قبيلته، بدلا من طرابلس العاصمة، بعدما تبين أن الترتيبات الأمنية والتنظيمية أفضل في الأولى، إضافة إلى وجود 24 جناحا رئاسيا قرب قاعة «واغة دوغو» التي استضافت أعمال القمة.

خلال الأشهر التسعة سابقة الذكر أقيمت بنايات شاهقة وقصور فخمة، والفارق كبير بين القصور التي أقامت فيها الوفود الرسمية والشقق التي خصصت للمراقبين والصحافيين. لكن القاسم المشترك بين هذه وتلك تمثل في «الجسر التركي»، ذلك أن الطعام والأثاث والأدوات الصحية والملاعق والسكاكين والشوك والصحون والثلاجات والنوافد والأبواب، جاءت كلها من بلاد الأناضول.

أضاف تقرير الحياة أن تلك هي المرة الخامسة التي فازت فيها الشركة التركية بعطاءات تنظيم وتقديم قمة أو حدث كبير في ليبيا خلال السنوات الأخيرة. أسهم في ذلك لا ريب أن البلدين ألغيا تأشيرات الدخول فيما بينهما قبل أشهر قليلة، الأمر الذي فتح الأبواب لتدفق انتقال الأشخاص والبضائع ووسع من نطاق تبادل المصالح بينهما.
وهناك خطة لرفع قيمة التبادل التجاري مع ليبيا إلى عشرة بلايين دولار في السنوات الخمس المقبلة، بعدما وصل إلى 1.6 بليون العام الماضي. علما بأن حجم التجارة بين البلدين كان في حدود 225 مليونا فقط في سنة 2003، ولعلمك كانت تركيا قد ألغت في العام الماضي تأشيرات الدخول مع دول عربية أخرى مثل سورية ولبنان والأردن.
وقد زار وفد ديبلوماسي تركي القاهرة قبل أكثر من أسبوع لترتيب العلاقة بين أنقرة والجامعة العربية، تمهيدا لعقد مؤتمر كبير بإسطنبول في شهر يونيو المقبل، يشترك فيه وزراء الخارجية ورجال الأعمال.

إذا أضفت إلى ما سبق التحركات السياسية النشطة التي تقوم بها تركيا في العالم العربي، فسوف تجد أنها تتقدم بخطى حثيثة في فراغنا المخيم، وإن دول المنطقة وفي المقدمة منها مصر، ستتحول إلى «كومبارس» في نهاية المطاف، لأسباب عدة أهمها أنها رسبت في اختبارات الحضور.
........................

30 مارس، 2010

اختبار الأمة في امتحان القمة – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 14 ربيع ثان 1431 – 30 مارس 2010
اختبار الأمة في امتحان القمة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_30.html

- نجاح إسرائيل في تهويد القدس يطلق يدها في المنطقة بأسرها باعتبارها رأس حربة لمشروع الهيمنة الغربية
- ثمة إصرار من الإسرائيليين والأمريكيين على استثمار الانبطاح العربي الراهن في تصفية القضية بتوقيع فلسطيني
عندما قال رئيس الوزراء التركي أمام القمة العربية إن مصير استانبول مرتبط بمصير القدس، وإن مصير تركيا مرتبط بمصير العالم العربي، فإنه بدا وكأنه يغرد خارج السرب، لأن أغلب سامعيه من القادة العرب يبدو وكأن لهم رأيا آخر في المسألة.
- 1 -
فاجأنا السيد رجب طيب أردوغان وذكرنا بحقيقة استراتيجية نسيها كثيرون وتجاهلها الباقون، وهي أن نجاح إسرائيل في تهويد القدس واقتلاع الفلسطينيين منها يعد تتويجا لانتصارها وتمكينا يطلق يدها في المنطقة بأسرها، ليس فقط باعتبارها مشروعا توسعيا واستيطانيا، ولكن أيضا بحسبانها رأس حربة لمشروع الهيمنة الغربية، الراعي الحقيقي للدولة العبرية.
وأمام ذلك التمكين فإن أحدا لن يكون بمنأى عن الخطر، ليس في العالم العربي وحده، وإنما أيضا في تركيا وإيران تحديدا، ذلك أن القدس من هذه الزاوية ليست مدينة فلسطينية عادية يتم تهويدها وابتلاعها، ولكنها رمز للعالم الإسلامي كله.
لقد وصف أردوغان ما تفعله إسرائيل في القدس بأنه ضرب من الجنون.
وتلك قراءة صحيحة من المنظور الاستراتيجي. لذلك فإن الاستمرار في ممارسة ذلك الجنون، ومن ثم تحويل اللامعقول إلى معقول وترجمة العربدة الهوجاء إلى واقع يفرض نفسه بالقوة على الآخرين، يطرح معادلة جديدة تماما في المنطقة، تقلب موازينها وتهدد مستقبلها وتفتح شهية «المجانين» للإقدام على مزيد من التغول والاستقواء.
هذا الذي أدركه رئيس الوزراء التركي، استحق ان يصفه الشاعر مريد البرغوثي بأنه «العربي الوحيد» في القمة، لكن الملاحظ ان العواصم العربية تتعامل معه بقدر مدهش من التراخي واللامبالاة، يختزل رد الفعل في بيانات للتنديد فقدت معناها وجدواها، وقرارات حذرة ليست في مستوى التحدي أو الخطر، تراوحت بين إنشاء مفوضية للقدس، وإعانة أهلها بخمسمائة مليون دولار، والاستغاثة بمحكمة العدل الدولية، التي سبق لها أن أدانت إقامة الجدار، ولكن إسرائيل قابلت قرارها بازدراء واستهتار مشهودين، ونفذت مخططها كاملا، بمباركة ورعاية من جانب أركان الهيمنة الغربية، ممثلة في الولايات المتحدة والرباعية الدولية.
- 2 -
حين انعقدت القمة في «سرت» كان التحدي صارخا ومحرجا للقادة العرب. فالسيد نتنياهو أعلن صراحة في واشنطن - في عقر دار الراعي الأمريكي - أن القدس خارج المناقشة، وأن عملية تهويدها واقتلاع الفلسطينيين منها لن تتوقف. ولم يكذب رئيس بلدية المدينة خبرا، فلم يتوقف لحظة عن عملية الهدم والبناء سواء في الأحياء العربية أو بجوار المسجد الأقصى وتحته. حتى أصبح انهياره مسألة وقت لا أكثر. وهو جهد توازى مع استمرار محاولات اقتحام المسجد الأقصى من جانب مستوطنين وبرعاية الشرطة. في الوقت ذاته فإن حملة بناء الوحدات الاستيطانية تشهد اندفاعة قوية في الضفة الغربية وغور الأردن والجولان.
بل ذهبت إسرائيل في تحديها وتوحشها إلى حد الاستيلاء على المساجد القديمة، وتحويلها إلى آثار يهودية. كما حدث مع المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم.
لقد نجح نتنياهو في إجهاض الوعود التي أطلقها الرئيس باراك اوباما في بداية العام بخصوص القضية الفلسطينية، التي كان وقف الاستيطان (مؤقتا بطبيعة الحال) مدخلا لإطلاق مفاوضات تمهد لإقامة الدولة الفلسطينية، بل إنه تحدى نائب الرئيس الأمريكي، حين أعلن عن بناء 1600 وحدة استيطانية جديدة أثناء زيارة نائب الرئيس الامريكي جو بايدن لإسرائيل (9 مارس). وهو ما سبب للرجل حرجا قيل إنه أحدث أزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة، من ذلك النوع الذي يحدث داخل أي أسرة.
حكومة نتنياهو فعلت ذلك كله قبل انعقاد القمة العربية، ومن الواضح أنها لم تكن قلقة من أي رد فعل عربي، ومطمئنة إلى أن القمة عاجزة عن أي فعل، بل عاجزة عن اتخاذ أي قرار سياسي جريء (سحب المبادرة العربية مثلا أو قطع العلاقات واستخدام ورقة المصالح التجارية).
في حين أن إسرائيل لم تكترث بالقمة وحولت انعقادها في ليبيا إلى مادة للسخرية عبر عنها بعض المعلقين في صحفها، فإن قلقها كان أكبر من ردود الأفعال الغربية على تزوير بعض جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل محمود المبحوح قيادي حركة حماس في دبي، ذلك أن قرار بريطانيا طرد أحد رجال الموساد في السفارة الإسرائيلية بلندن بسبب اتهامه بالتواطؤ في العملية آثار القلق في تل أبيب من احتمال أن تحذو كل من أيرلندا واستراليا وفرنسا وألمانيا حذوها، بعدما ثبت أن جوازات سفر مواطنيها استخدمت أيضا في العملية.
المشهد من هذه الزاوية مسكون بمفارقة مخزية فإسرائيل لم تبد أي قلق من جانب العالم العربي وهي تفتك بالقدس وتطلق مشروعاتها الاستيطانية الوحشية في الضفة، لكنها عبرت عن قلقها من ردود الأفعال الأوروبية على تزوير جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل المبحوح.
- 3 -
قراءة إسرائيل للموقف العربي لم تكن خاطئة، فقد ذكرت التقارير الصحفية التي خرجت من اجتماعات سرت أن مصر والأردن اعترضتا على استخدام القمة كورقة ضغط على إسرائيل. وهو ما تم أثناء اجتماعات وزراء الخارجية أعضاء لجنة مبادرة السلام. إذ عارض وزيرا خارجية البلدين اتخاذ أي قرارات تتعلق بإلغاء أو تجميد المبادرة العربية، بحجة أنها تشكل أساسا «لتسويق» الموقف العربي. ومما له دلالته الرمزية في هذا السياق أن المندوب السوري اقترح أن يطلق على اجتماع القادة قمة «التحدي»، ولكن وزير الخارجية المصري استثقل الكلمة باعتبار أنها ليست واردة في قاموس «الاعتدال»، فاقترح تسميتها قمة القدس وهو عنوان أكثر حيادا أخذ به.
لم يكن مفاجئا الإبقاء على المبادرة العربية، التي كان العاهل السعودي قد أعلن في قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت أوائل العام الماضي أنها لن تبقى طويلا على الطاولة. ورغم مضي ثماني سنوات على إطلاقها فإنها مازالت فوق الطاولة، ولم يملك القادة العرب شجاعة سحبها أو حتى تجميدها - ولأنها لم تحقق شيئا حتى الآن سوى مساندة الادعاء بإبراء الذمة العربية، فإنه بات يحق لنا أن نعتبرها حيلة للتسويف وليست ورقة للتسويق. أما الطاولة فلم تعد كذلك، ولكنها تحولت إلى مشجب علق عليه القادة المبادرة ثم انصرفوا.
أي متابع لمؤشرات العلاقات العربية - الإسرائيلية لا يفاجأ بحدود السقف الذي حكم موقف القمة وأداءها. ذلك أنه قبل عقد المؤتمر بأيام قليلة «في 3/24» نشرت صحيفة «الشروق» المصرية أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (ايباك) وجه التحية إلى مصر، لقيامها ببناء السور الفولاذي العازل بين سيناء وغزة. في هذا الصدد تحدث روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ممتدحا موقف مصر الذي اعتبره «ناضجا وشجاعا»، «لأنها أوشكت على الانتهاء من آخر مراحل الحاجز «السور» الذي يضيق الخناق على حماس، الأمر الذي يشكل خطوة مهمة نحو إحداث تغيير داخل غزة». وقد استقبلت كلمته بتصفيق شديد من جانب الحضور، كما ذكر مراسل الجريدة في واشنطن.
قبل ذلك بأيام قليلة «في 3/19» نشرت صحيفة «المصري اليوم» أن وفدا عسكريا أمريكيا قام بزيارة منطقة الحدود المصرية مع القطاع لتفقد المرحلة الأخيرة من الجدار الفولاذي والاطمئنان إلى حسن سير العمل في المشروع.
في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإسرائيلية عن مخططات التوسع الاستيطاني واستمرار عمليات تهويد القدس، نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 3/23) تقريرا عن تقدم خطوات التطبيع بين إسرائيل والمغرب (التي ترأس لجنة القدس!)، تمثلت في عقد سلسلة من المؤتمرات منها ندوة عن تاريخ هجرات اليهود من منطقة المغرب العربي عقدت بمدينة الصويرة، وقبلها عقد الملتقى الدولي الثاني لليهود المغاربة في مراكش، وشاركت فيه 17 شخصية من إسرائيل، وفي الرباط عقدت ندوة عن المحرقة التي تعرض لها اليهود. وقبل هذا كله شهدت تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة أحد المنتديات السياسية التي عقدت في مدينة طنجة.
الحاصل في المغرب يتكرر بصورة أكثر حذرا في منطقة الخليج، التي استقبلت أحد الوزراء الإسرائيليين بحجة مشاركته في أحد المؤتمرات الدولية، وقام أحد الوزراء الخليجيين أكثر من مرة بزيارة رام الله بتأشيرة إسرائيلية، كما عقد بعض المسؤولين الأمنيين اجتماعات تنسيقية اشترك فيها نظراء لهم من مصر والأردن، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولأول مرة هذا العام وجهت إدارة مهرجان الجنادرية في المملكة السعودية دعوات المشاركة لعدد من دعاة التطبيع العلني مع إسرائيل، الذين ترددوا عليها أكثر من مرة.
أما في الضفة الغربية فإن الأجهزة الأمنية تحكم قمع الجماهير وتكبلها لكي تتجنب احتمال انفجار الغضب الفلسطيني واندلاع شرارة انتفاضة ثالثة. وهو ما أعلنه حاتم عبدالقادر وزير شئون القدس في حكومة سلام فياض السابقة، إذ نشرت له صحيفة «الشرق الأوسط» في 3/17 حوارا قال فيه إن حكومة فياض الراهنة تمنع إطلاق يد الفلسطينيين في الضفة الغربية للقيام بأي أعمال من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال، وأضاف أن ما تقوم به الحكومة بمثابة إجراءات غير مسبوقة لم يعهدها الفلسطينيون أدت إلى كبت الشارع وعدم السماح له بالتعبير عن غضبه وسخطه إزاء الجرائم الإسرائيلية المتلاحقة.
- 4 -

في كل مرة ينتقد الاستسلام العربي المهين أمام إسرائيل يتم إسكات الأصوات الناقدة بدعوى أن الخيار الآخر هو الحرب، ورغم أن إسرائيل لم تستبعد ذلك الخيار، ولاتزال تخوض تلك الحرب بين الحين والآخر، إلا أن الطموح في العالم العربي أصبح أكثر تواضعا. إذ لم يعد أحد يتطلع في الوقت الراهن إلى تحرير فلسطين، وإنما أصبح الرجاء ألا يتم تضييع فلسطين.
وأزعم في هذا الصدد أن عمليات المقاومة التي تمت إلى الآن لم يفكر قادتها في أنها ستؤدي إلى تحقيق التحرير، بقدر ما أرادوا بها إشعار الإسرائيليين بأن الاحتلال له تكلفته، وإنهم لن يظلوا في أمان وهم محتلون للأرض، وهذه التكلفة العالية هي التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من غزة والخلاص من «همها». ورغم أن أحدا لا يستطيع أن يدعى بأن حكومة حماس هناك أنجزت شيئا على صعيد التحرير المنشود، إلا أن أحدا لا يشك في أن وجودها عطل مسيرة بيع فلسطين والتفريط في ثوابتها.
من ثم فتصوير الانقسام الحاصل بحسبانه صراعا على السلطة بين فتح وحماس هو تبسيط لا يخلو من تدليس، لأنه في جوهره خلاف حول أسلوب التعامل مع الملف، وهل الممانعة والمقاومة هما الحل، أم أن الحل في التسليم والدوران في دوامة المفاوضات التي لم تثمر شيئا طوال التسعة عشر عاما الماضية؟
قبل أيام قليلة (في 3/25) نشرت صحيفة الحياة اللندنية حوارا مع السيد رمضان شلح الامين العام لحركة الجهاد الإسلامي، سئل فيه عن بدائل العرب وخياراتهم في التعامل مع إسرائيل،
فكان رده أنه ليس مطلوبا من الدول العربية في الوقت الراهن أن تستسلم أو تخوض حربا، وإنما غاية المراد منها أن تلتزم بحدود اللاحرب واللاسلم، وأن تترك الفلسطينيين بعد ذلك يتدبرون أمورهم مع الإسرائيليين.
حتى هذا المطلب صار عسيرا لأن القرار العربي لم يعد مستقلا، ولأن ثمة اصرارا من الاسرائيليين والامريكيين على استثمار الانبطاح العربي الراهن في اغلاق الملف وتصفية القضية بتوقيع فلسطيني واجماع عربي!
..........................

29 مارس، 2010

المحكة الدستوريه أخطأت

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 13 ربيع ثان 1431 – 29 مارس 2010
المحكة الدستوريه أخطأت – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_29.html

ما كان للمحكمة الدستورية العليا في مصر أن تنظر في طلب وزير العدل بحث موضوع تعيين المرأة قاضية، وما كان لها أن تتدخل في الشؤون الداخلية لمجلس الدولة، الأمر الذي يُعد سابقة خطيرة، من شأنها أن تقوض النظام القضائي.

هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه ورد في رسالة تلقيتها من د.ثروت بدوي، أستاذ أساتذة القانون الدستوري بجامعة القاهرة، تعليقا على المقال الذي نشرته حول الموضوع يوم الثلاثاء الماضي تحت عنوان «
دفعنا الثمن من استقلال القضاء»، هذا هو نص الرسالة:

«لي ثلاث ملاحظات على موضوع المقال» هي:
أولا: ما كان يجوز للمحكمة الدستورية النظر في طلب وزير العدل الخاص بتفسير النص على ضرورة أن يكون المعيَّن بمجلس الدولة مصريا، (وهل هذا يسري على الرجل والمرأة؟)،
وكان قرار المحكمة سليما حين قررت عدم قبول الطلب، لأن النص لم يثر خلافا في التطبيق، باعتبار أن المساواة بين الجنسين مقررة من حيث المبدأ، ولكن المحكمة أخطأت حين اعتبرت أن خلافا وقع بين المجلس الخاص للشؤون الإدارية بمجلس الدولة وبين الجمعية العمومية للمجلس، لأن ما ثار من خلاف ـ على فرض وقوعه، وهو ما لم يقع ـ كان مقصورا على ملاءمة تعيين المرأة وليس على حق المرأة في التعيين، ذلك أن أحكام مجلس الدولة استقرت منذ الحكم الصادر في عام 1952 في القضية التي رفعتها د.عائشة راتب على أن قصر الوظائف في مجلس الدولة أو النيابة أو القضاء على الرجال دون النساء وزنا لملاءمات التعيين في تلك الوظائف، تراعي فيه الإدارة بمقتضى سلطتها التقديرية شتى الاعتبارات، من أحوال الوظيفة وملابساتها وظروف البيئة وأوضاع العرف والتقاليد، وليس في ذلك حط من قيمة المرأة، ولا نيل من كرامتها أو انتقاص من مستواها الإداري أو الثقافي،
وهي ذات العبارات التي استقرت في أحكام مجلس الدولة، وقتها الحكم الذي أصدره د.عبدالرزاق السنهوري في عام 1953، والأحكام التي دأبت على إصدارها المحكمة الإدارية العليا.

هكذا، فالشواهد المختلطة تدل على أنه لم يكن هناك خلاف حول تفسير نص القانون، وإنما اقتصر الخلاف داخل المجلس الخاص وداخل الجمعية العمومية على تقدير الملاءمة، فجاءت أغلبية أعضاء المجلس على عدم ملاءمة تعيين المرأة في الظروف الراهنة، وهو ما حدث بالنسبة للجمعية العمومية للمجلس.

ما تقدم يوحي بأن قضاة المحكمة الدستورية العليا قد فاتهم التمييز بين عنصر الملاءمة وعنصر القانون، كما أنه قد فاتهم أيضا الفارق الضخم بين الخلاف في التقدير داخل الجبهة المختصة، وهو أمر طبيعي في جميع القرارات، بل إنه يحدث في أحكام القضاء، والخلاف بين جهتين مختلفتين.

وفضلا عن ذلك كله، يجب ألا ننس أن المجلس الخاص للشؤون الإدارية والجمعية العمومية في مجلس الدولة هما معا جهازان مترابطان داخل مجلس الدولة، ومن ثم فإن اختلافهما في تقدير الملاءمة لا يجيز التدخل فيه من جهة خارجية، أيا كانت تلك الجهة، وإلا انفرط عقد المجلس.

ثانيا: إن تدخل المحكمة الدستورية في شؤون مجلس الدولة الداخلية يشكّل سابقة خطيرة، قد تؤدي إلى انهيار نظامنا القضائي بأكمله حينما تفكر الحكومة في طلب تفسير القانون الذي قد تختلف في تفسيره المحكمة الإدارية العليا مع محكمة القضاء الإداري أو القانون الذي قد تختلف في تفسيره محكمة النقض مع محكمة الاستئناف، وقد يتراءى للحكومة أن تلجأ إلى المحكمة الدستورية في كل مرة يصدر فيها حكم في غير مصلحتها وعلى خلاف حكم آخر صدر من محكمة أقل درجة!

ثالثا: أعتقد أن قرار المحكمة الدستورية لم يكن محل اتفاق بين أعضاء المحكمة، وأن بعض الأعضاء كانوا يميلون إلى عدم قبول طلب الحكومة بالنسبة للمادتين، وليس بالنسبة لمادة واحدة ودليلي على ذلك تأجيل إصدار القرار عدة مرات»،
انتهت رسالة د.ثروت بدوي.
..........................

28 مارس، 2010

هل كانوا في كامل وعيهم؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 12 ربيع ثان 1431 – 28 مارس 2010
هل كانوا في كامل وعيهم؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_28.html


صرنا نقرأ هذه الأيام عن تسويات أجرتها الحكومة مع رجال الأعمال الذين هربوا من مصر بعدما عجزوا عن سداد مديونياتهم لسبب أو آخر.
وكانت تلك التسويات مقدمة لعودتهم واستئنافهم لحياتهم الطبيعية، وهو ما رحبت به وسائل الإعلام، و
تحفظت عليه في حينه، حيث دعوت إلى التحقق من استعادتهم لاعتبارهم أولا، لأنه من غير المستساغ أو المفهوم أن يهرب الواحد منهم بفلوس البلد أو يهدر الحقوق المعلقة في عنقه، ثم يعود إلينا بعد عدة سنوات، وقد أجرى تسوية لا نعرف مضمونها، ويطالبنا بأن ننسى الذي فات، واعتباره كأن لم يكن.

وأعترف بأنني حين قلت هذا
الكلام، كنت أحسن الظن بالتسويات التي عقدت ولم يخطر على بالي أن يتم استغفال الحكومة فيها، وهي التي باتت تعصر المواطنين لكي تسترد حقوقها، وتبتدع كل حين حيلة جديدة لكي تفتش في جيوبهم لتنتزع منها ما تريد،
لكنني اكتشفت لاحقا أن إحسان الظن كان تعبيرا عن جهل بحقيقة ما يدور وراء الكواليس وفي ثنايا الأوراق، وأن الحكومة التي تتفنن في الاحتيال علينا واستعراض شطارتها في التعامل معنا، تخرج من تلك التسويات مضحوكا عليها ممن هم أشطر وأخبر منها بفنون الاحتيال.
هذا الانطباع خرجت به حين أتيح لي أن أطلع على نص عقدين للتسوية أبرما مع أحد رجال الأعمال الذين عادوا إلى مصر أخيرا، ولم أصدق عينيّ حين وقعت على بنود التسوية، حتى إنني لم أستوعب ذلك المضمون إلا بعد القراءة الثانية،
ومع ذلك فمازلت غير مصدق أن ممثلي الحكومة المصرية يمكن أن يوقّعوا على تلك التسوية في ظروف عادية، ولا أخفي أنني من فرط الدهشة لم أعد مشغولا بما في التسوية من استهبال واستغفال، بقدر انشغالي بطبيعة الظروف التي وقّع فيها ممثلو الحكومة على العقدين.

خلاصة القصة أن رجل الأعمال العائد كان مدينا لأربعة بنوك في مصر بمبلغ 2 مليار و860 مليون جنيه، إلا أنه في بداية المساومة تم إسقاط 600 مليون جنيه عنه مرة واحدة، ومن ثم بدأ الكلام في التسوية عن مبلغ مليارين و260 مليون جنيه، وبعد الأخذ والعطاء أعفي صاحبنا من مبلغ مليار و285 مليون جنيه.

أما المبلغ الذي تبقى بعد ذلك (950 مليون جنيه)، فقد اتفق في العقدين على سداده على مدد تتراوح بين ست وعشر سنوات، وتم احتساب الفائدة على أساس 7 ٪، في حين أن أقل سعر للاقتراض هو 12 ٪، أي إن البنوك بمقتضى الاتفاق خسرت 5 ٪ من استحقاقها سنويا.

بعملية حسابية بسيطة نجد أن ممثلي الحكومة المصرية وافقوا على إسقاط وإعفاء رجل الأعمال المذكور من مبلغ مليار و885 مليون جنيه،
وإذا أضفت فرق سعر الفائدة للسداد المؤجل الذي يعادل 300 مليون جنيه، فسنجد أن رجل الأعمال المحظوظ أعفته حكومتنا السنية من مبلغ مليارين ومئة وخمسة وثمانين مليون جنيه.

ولكي تدرك المدى الذي ذهبت إليه في «التسامح» مع رجل الأعمال الهارب، فربما يفيدك أن تعلم بأن المذكور لن يؤدي المبلغ المتبقي عليه نقدا، ولكنه سيسدده من خلال عقارات مغالى في قيمتها، وموجودة تحت يد البنوك فعلا، وبيعها لم يتم!

«المسخرة» تبدو أكثر وضوحا في اتفاق التسوية الذي تم مع أحد البنوك في إطار الصفقة التي نحن بصددها،
إذ اتفق على اعتبار الرصيد المدين مليارا و540 مليون جنيه، وهذا المبلغ أسقطت منه فوائد عن أكثر من خمس سنوات تقدر بمبلغ 700 مليون جنيه على الأقل، فضلا عن نص الاتفاق على أنه في حالة التزام صاحبنا بالتسوية، فإنه يعفى من مبلغ إضافي قدره 800 مليون جنيه، أي إن الرجل أعفي عمليا من مليار ونصف المليار جنيه. أما ما تبقى من المديونية (733 مليون جنيه)، فتسدد كالتالي: 138 مليونا تسدد خلال ثلاثة أشهر من حصيلة عقارات مرهونة للبنك ـ الباقي (595 مليون جنيه) بسدد على أقساط خلال فترة تتراوح بين 8 و10 سنوات.

ألا يحق لنا أن نتساءل بعد ذلك، عما إذا كان ممثلو الحكومة المصرية في كامل وعيهم حين وقّعوا على هذه التسوية، وعن نوع «المياه الصفراء» التي قُدِّمت إليهم قبل التوقيع،

وإذا صح أن ممثلي الحكومة كانوا في وعيهم حين «وقعوا»، فإن ذلك يستدعي سؤالين هما:
هل تتعامل الحكومة بنفس الكرم والأريحية مع جميع المتعثرين؟
ثم، لماذا تتسامح إلى حد التفريط في الحقوق مع الذين نهبوا أموال الشعب، في حين تستقوي ولا تستخدم إلا لغة السحق والقمع مع معارضي النظام وخصوم السلطة؟!
...................

27 مارس، 2010

الشرطة في خدمة المعارضة

صحيفة الشرق القطريه السبت11 ربيع ثان 1431 – 27 مارس 2010
الشرطة في خدمة المعارضة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_27.html


ضاق صدر الحكومة في مصر بحيث لم تعد تحتمل حتى الانتقادات والمشاغبات الصورية. آية ذلك أنها فقدت أعصابها إزاء محاكمة صورية للحزب الوطني أقيمت في أحد النوادي النهرية، فقررت أن تقمع المشاركين فيها بقسوة مثيرة للدهشة والضحك أيضا.

حدث ذلك يوم الخميس الماضى (25/3) حين توجه بعض أعضاء نقابة المحامين ومعهم عدد من الشخصيات العامة إلى مقر النادي النهري للمحامين في منطقة المعادي، لعقد الجلسة الثانية للمحاكمة الشعبية للحزب الوطني،
كانت الجلسة الأولى قد عقدت في المكان ذاته يوم 11 مارس الحالي، وترأس المحكمة المستشار محمود الخضيري النائب السابق لرئيس محكمة النقض،
أما الادعاء فقد تصدى له أربعة محامين، وجهوا إلى الحكومة 19 تهمة تركزت حول تزوير الانتخابات وانتهاك حقوق الإنسان وبيع القطاع العام وتصدير الغاز لإسرائيل وتدهور خدمات التعليم والصحة والإسكان والمرافق العامة.. إلى آخر القائمة التي لا تكف الصحف المستقلة والمعارضة عن التنديد بها.

في تلك الجلسة استمعت المحكمة إلى شهادات اثنين من الخبراء الناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان والدفاع عن القطاع العام. كما حضر الجلسة بعض أعضاء الحزب الوطني. الذىن تولوا إيضاح وجهة نظر الحكومة في التهم المختلفة التي نسبت إليها.
يوم الخميس الماضي كان موعد الجلسة الثانية للمحاكمة. وحين بدأ المحامون في التوافد على مقر ناديهم النهري، فوجئوا بأن أبوابه مغلقة، ولاحظوا وجود مجموعة من رجال الشرطة تقف على الرصيف المقابل، بعضهم يرتدون الثياب المدنية ويدل مظهرهم على أنهم ينتمون إلى فرق «الكاراتيه» المجهزة للتصدي للمتظاهرين وفض الإضرابات والاعتصامات. وعلى رأس المجموعة عدد من كبار ضباط الشرطة.
ازداد عدد المحامين الواقفين أمام باب النادي المغلق، ووجدوا أن بمقدورهم فتح الباب عنوة وعقد الجلسة في الداخل كما حدث في المرة الماضية. وحين تم ذلك، فوجئوا بأنه تم إغراق أرضية النادي ومقاعده وطاولاته بالمياه، كما فوجئوا بأن «لنشات» الشرطة النهرية تراقبهم من ناحية النيل.

وإزاء استحالة عقد اللقاء في الداخل، قرر المحامون حمل المقاعد والطاولات وتجفيفها ونقلها إلى الخارج لعقد الجلسة المقررة على الرصيف، في منطقة الظل تحت أحد الجسور المجاورة.
وحين تم لهم ذلك وبدأوا جلستهم لاحظوا أن قوات الشرطة تزحف نحوهم تدريجيا، حتى حاصرتهم تماما. وبعد ذلك تقدمت عناصر «الكاراتيه» وحملت طاولات ومقاعد الصف الأول، ثم ألقت بها بعيدا. وحينئذ حدث هرج، أدى إلى وقف الجلسة ولجوء المحامين إلى النادي للاحتماء به، فما كان من رجال الشرطة الذين لا حقوهم إلى أن أغلقوا عليهم الباب ومنعوهم من الخروج،
وفي أثناء ذلك قامت الشرطة بإبعاد الصحفيين واحتجاز بعضهم ومصادرة آلات التصوير التي كانت مع الطواقم التليفزيونية.
بعد أخذ ورد، سمحت لهم الشرطة بالخروج، شريطة ألا يخرجوا دفعة واحدة، ولكن أن يخرج منهم اثنان وبعدهما اثنان آخران.. وهكذا،
من النادي النهري ذهب وفد من المحامين إلى مكتب النائب العام لتقديم بلاغ بما حدث، وحولت الشكوى إلى النيابة المختصة للتحقيق فيها، إلا أن مفاجأة كانت تنتظرهم حين ذهبوا إلى النائب العام، حيث وجدوا أن نقيب المحامين سارع إلى تقديم بلاغ ضدهم اتهمهم فيه بكسر باب النادي وسرقة مولدين كهربائيين منه!
ضيق صدر السلطة بالمحاكمة مفهوم، رغم أنها كانت شكلية ولن تقدم أوتؤخر، فضلا عن أن الشهادات التي قدمت في الجلسة الأولى لم تضف كثيرا إلى ما يقرؤه الناس كل صباح في الصحف المستقلة والمعارضة
من ثم فلو أن المحاكمة تركت وشأنها واستكملت جلساتها لما انتبه إليها أوشعر بها الرأي العام في مصر، ولكن الأسلوب القمعي الذي اتبع مع المحامين المجتمعين هوالذي لفت الأنظار إلى المحاكمة وسلط عليها الأضواء، وجعلها خبرا تناقلته الفضائيات في مساء اليوم ذاته.
من هذه الزاوية فربما جاز لنا أن نتوجه بالشكر إلى أجهزة الشرطة لأنها أتاحت لنا أن نطلع على ما لم نكن نعرفه، ونحاول قدر الإمكان متابعة ما جرى في المحاكمة، وانتظار ما سيحدث في الجلسة الثالثة التي تقرر عقدها يوم 22 أبريل، ذلك أنها دون أن تقصد روجت للمعارضة، وأثبتت رغما عنها أنها في خدمة الشعب.
........................

24 مارس، 2010

همَّتنا في سيناء

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 9 ربيع ثان 1431 – 25 مارس 2010
همَّتنا في سيناء – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_24.html


السلطات المحلية والأجهزة الأمنية نائمة في العسل،
استولى أحد الأجانب على 800 كيلومتر في سيناء بالتزوير.
كما تملك الأجانب ألف وحدة سكنية في قرية كورال بشرم الشيخ عن طريق التزوير أيضا.
وذلك كله تم من خلال شركة مصرية تبين أنها واجهة لشركة أخرى ألمانية، استخدمت 11 محاميا لتزوير 450 حكما قضائيا، تم بمقتضاها شراء العقارات وتسجيلها وسداد قيمتها خارج البلاد.

وليس هذا أسوأ ما في الأمر، لأن الأسوأ أن ذلك كله تم لحساب مشترين وشركات إسرائىلية. وحين يكون الأمر كذلك فإنه يتجاوز بكثير حدود السياحة والاستثمار الأجنبي، ويصبح مخططا له أبعاده السياسية التي لا تخفى على أحد.
وهو هاجس لا يخلو من مفارقة، لأن وسائل إعلامنا دأبت منذ اجتياز نفر من أهل غزة المحاصرين لبوابة رفح على التحذير من زحف الفلسطينيين على سيناء واستيطانهم فيها. وفي حين ظل إعلامنا يروج لهذه الفكرة، فإن الإسرائىليين كانوا يتحركون في الخفاء لوضع أيديهم على كل ما يستطيعون الحصول عليه من عقارات وأراضٍ في سيناء.

ليست هذه هي الحالة الأولى، لأن شبهات مماثلة أحاطت بصفقة شركة «سياج» التي اشترت 6500 متر مربع من الأراضي على حدود طابا، وتبين لاحقا أن أحد الممولين في الصفقة هو شركة «لومير» الإسرائىلية. كما تبين أن أحد المشاركين في اللعبة جنرال إسرائىلي سابق اسمه «أبرشة»، كان قد نشر مقالين في الصحف الأميركية سنتي 2000 و2002 قال فيهما إن الحكم الذي صدر لصالح مصر في قضية طابا لا يحقق الأمن القومي لإسرائيل، وأنه ينبغي أن يعاد النظر في الأمر لعلاج هذه «الثغرة»، وكان مما لفت الانتباه في تسويق مشروع سياج، الذي قدم بحسبانه استثمارا سياحيا، ادعاء أصحابه أن من مميزاته قربه من مستشفى إيلات (الإسرائيلي) الذي تتوافر له إمكانات وخدمات أفضل مما لدى مستشفى شرم الشيخ.

ذلك كله تم دون علم السلطات المصرية، التي لم تكتشف عمليات التزوير أو محاولات الالتفاف والتحايل لمصلحة التمدد الإسرائيلي إلا بعد فوات الأوان. وهي السلطات التي ما برحت تخوفنا وهي تصيح في وجوهنا قائلة إن أعينها مفتوحة عن آخرها -خصوصا عينها الحمراء- وإنها ترصد دبيب النمل وتسمعه في أرجاء بر مصر.

شاءت المقادير أن ينشر تقرير تسلل الإسرائيليين واحتيالهم لشراء الأراضي في سيناء في وقت متزامن مع خبر آخر نشرته الصحف المصرية في 19/3 الجاري تحدث عن زيارة وفد عسكري أميركي برئاسة مدير مكتب التعاون العسكري بالسفارة الأميركية بالقاهرة لشريط الحدود القائم بين مصر وقطاع غزة.
وكان الهدف من الزيارة هو تفقد المرحلة الأخيرة من الأعمال التي ينفذها الجانب المصري لإنشاء الجدار الفولاذي. أضاف الخبر أن الوفد العسكري الأميركي كان مصحوبا بعدد من المسؤولين المصريين، وأن ما قاموا به يعد حلقة في سلسلة الزيارات التي تتم لتفقد الإجراءات المصرية التي تتم في المنطقة لمنع التهريب عبر الأنفاق.
وفي ذيل نفس الخبر الذي نشرته صحيفة «المصري اليوم» إشارة إلى أن قوات الأمن المصرية ضبطت نفقين بمنطقة صلاح الدين بداخلهما 150 كيس فحم كانت في طريقها إلى قطاع غزة.

المشهدان يغريان بالمقارنة، إذ ظلت السلطات المصرية غافلة عن عمليات بيع الأراضي والوحدات السكنية للإسرائيليين في سيناء، رغم ما يمثله ذلك من تهديد حقيقي للأمن الوطني المصري.
في الوقت ذاته فإنها شمرت عن سواعدها واستنفرت لتنفيذ الخطة الإسرائيلية الأميركية الخاصة بإقامة الجدار الفولاذي لإحكام الحصار على قطاع غزة. وتولى الأميركيون تمويل الجدار ومتابعة مراحل إقامته من خلال مكتب التعاون العسكري بالسفارة الأميركية بالقاهرة. وهي الفضيحة التي تسترت عليها الأبواق السياسية والإعلامية المصرية حين زعمت أن الهدف من الجدار هو صد التهديدات الفلسطينية الموجهة ضد أمن مصر.
ازاء ذلك فلابد أن نحمد الله على أن يقظة قوات الأمن نجحت في صد بعض تلك التهديدات، حين أحبطت محاولة تهريب 150 كيس فحم إلى المحاصرين بقطاع غزة، في عز الشتاء (!!).
..................

23 مارس، 2010

مشيخة الحزب الوطني

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 8 ربيع ثان 1431 – 24 مارس 2010
مشيخة الحزب الوطني – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_1367.html

لا نريد للأزهر أن يصبح مشيخة الحزب ـ فلدينا حكومة الحزب وبرلمان الحزب وأحزاب الحزب ونقابات الحزب وبلد الحزب. ولا أظن أنه بحاجة لأن يتضخم أكثر من ذلك، ويضم إليه مشيخة الأزهر، إن شئت الدقة فإن الحزب لن يكبر بضم مشيخة الأزهر إلى مملكته، لكن المشيخة ستصغر إذا ألحقت نفسها بالحزب.

كان ذلك تعليقي على ما قاله د.أحمد الطيب في أول مؤتمر صحافي عقده بعد تعيينه شيخا للأزهر، حين سُئل عن موقفه من عضويته للمكتب السياسي للحزب الوطني، وهل سيحتفظ بها أم سيتخلى عنها؟.
وكان رده أنه لا تعارض بين الاثنين، وليس مطلوبا من شيخ الأزهر أن يكون معارضا، وأنه في كل الأحوال سيظل ملتزما بما يمليه عليه ضميره، ولن يلتزم بما عدا ذلك.

أصدّقه في الجزء الأخير من كلامه، فالرجل مشهود له بالاستقامة والنزاهة، ثم إنه «صعيدي» قح، لا يستطيع أحد أن يملي عليه ما ليس مقتنعا به. علما بأنه زاهد في المناصب أصلا، خصوصا في المناصب الدينية التي تسبب له حرجا بسبب دقة الموازنة أحيانا بين الحلال والحرام،
وهذا الحرج دفعه لأن يطلب إعفاءه من منصب المفتي، وحين تمت الاستجابة لمطلبه وعُيِّن رئيسا لجامعة الأزهر، فإنه أبدى ارتياحا عبّر عنه بقوله إنه انتقل من موقع الموازنة بين الحلال والحرام، إلى موقع المفاضلة بين الصواب والخطأ.

من هذه الزاوية أعتقد أن الشيخ لن يتأثر بكونه عضوا في المكتب السياسي للحزب الوطني، ولكن مقام المشيخة هو الذي سيتأثر بذلك الجمع غير الحميد.
صحيح أنه يعرف ـ تماما كما نعرف ـ أن عضوية المكتب السياسي فيها من الوجاهة أكثر مما فيها من الفاعلية، وإن المكتب المذكور والحزب كله لا قيمة لهما في الخرائط السياسية الراهنة. ولا يذكران إلا في المناسبات الانتخابية أو في مواسم التعيين والاستبعاد، إلا أننا حفاظا على هيبة المشيخة واستقلالها الشكلي، يجب أن نقطع الطريق على أي شك في أن الإمام الأكبر في مقام من يخاطب العالم الإسلامي وليس الذي ينفذ سياسات الحزب الوطني،
كما أننا ينبغي ألا ندع مجالا للشك في أن الرجل يهتدي في خطاه بكتاب الله وسنة رسوله، وليس بتوجيهات السيد أحمد عز أمين التنظيم في الحزب.

ثم، من قال إن د.الطيب إذا ترك المكتب السياسي للحزب سيصبح بالضرورة معارضا، وهو ما لم يخطر على بال أحد من الذين طالبوه بأن يخلع «قبعة» الحزب مكتفيا بعمامة المشيخة، ذلك أن غاية ما تمنيناه للرجل أن يكون مستقلا فقط، وأن يقدم انتماءه إلى الأمة على التحاقه بالحزب أو امتثاله لرغبات ضباط أمن الدولة.

في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن الأزهر في عهد سلفه الراحل خسر كثيرا من مكانته ورصيده، رغم أن د.طنطاوي لم يكن ضمن قيادة الحزب، ولكنه كان أقرب إليه ولأجهزة الدولة من د.أحمد الطيب نفسه.
ولكي يستعيد الأزهر مكانته، فإن شيخه الجديد مطالب بأشياء كثيرة، أحدها أن يفك ارتباطه مع السلطة والحزب. وإذا تعذّر ذلك من الناحية الموضوعية، فالحد الأدنى وأضعف الإيمان أن يتم ذلك من الناحية الشكلية،
والشكل هنا ينبغي ألا يُستهان به، إذ كما أن د.الطيب وجد أنه من غير اللائق أن يستمر في ارتداء «البدلة» وهو شيخ للأزهر، فينبغي أن يدرك أنه من غير اللائق أيضا أن يكون الإمام الأكبر عضوا قياديا في الحزب الحاكم أو أي حزب آخر.

وأحسب أن الوعي بجلال منصب شيخ الأزهر وارتفاعه فوق أي منصب آخر هو الذي دفع الشيخ مصطفى عبدالرازق وزير الأوقاف الأسبق إلى التخلي عن لقب الباشاوية الذي منحه له الملك فاروق سنة 1941 حين عُيِّن بعد ذلك شيخا للأزهر (سنة 1945)، فتخلى عن اللقب في واقعة نادرة في تاريخ مصر (لاحقا صار البعض يعتز بلقب دكتور ويقدمه على شيخ الأزهر).

لا أعرف مدى حرص قيادة الحزب الوطني على الاحتفاظ بعضوية شيخ الأزهر للمكتب السياسي، ولكني لا أستبعد أن يكون الحزب بعد أن أتم استئثاره بالوظائف القيادية المدنية، قد حرص على أن يمد سلطانه إلى الوظائف الدينية، لكي يُحكم قبضته على الدنيا والدين.

لقد قلت أكثر من مرة إن مشكلتنا ليست في تدخّل الدين في السياسة، ولكنها في تدخّل السياسة في الدين، وهذا الذي حدث في الأزهر «شاهد ملك» على صحة ذلك.
.............................

دفعنا الثمن من استقلال القضاء – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 7 ربيع ثان 1431 – 23 مارس 2010
دفعنا الثمن من استقلال القضاء - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_23.html


إذا قرأنا قرار تعيين المرأة قاضية من وجهة النظر النسوية فقد يبدو أننا كسبنا نقطة.
أما إذا نظرنا إليه من زاوية المصلحة الوطنية التي يشكل استقلال القضاء ركيزة أساسية لها، فسوف نكتشف أننا خسرنا أكثر من نقطة.
1 —
لقد التزمت الصمت إزاء الموضوع طوال الأسابيع الخمسة التي استغرقها هبوب العاصفة. وآثرت الانتظار حتى تقول المحكمة الدستورية كلمتها التي كان من اليسير على أي متابع لاتجاه الريح ومدرك للضغوط التي مورست، أن يتنبأ بما يمكن أن تخلص إليه. وهوأمر مؤسف لا ريب، يتعين إدراجه ضمن سلبيات ما جرى.
وكان دافعي إلى العزوف عن الاشتراك في اللغط والصخب الذي ثار اقتناعي بأن القضية لم توضع في إطارها الصحيح، بحيث انزلقت في مدارج الغلط كل ما بني على الخطأ في الطرح.
كما أنني لا أخفي شعوراً بالدهشة إزاء الخلل الذي أصاب أولوياتنا ونحن نتعارك ونتراشق بسبب جلوس المرأة على منصة القضاء، في حين تتعلق أبصار العرب والمسلمين بما يجري في الأرض المحتلة.
آية ذلك أنه في اليوم الذي احتل فيه قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن الانتصار للمرأة القاضية العنوان الرئيسي لصحيفة «الأهرام» (يوم 3/15) كان الخبر التالي في الأهمية هوالاشتباكات الحاصلة في القدس، التي سجلتها صورة للشبان الفلسطينيين وهم يرشقون بالحجارة الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يردون عليهم بخزات الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع.
أيا كان الأمر، فالثابت أن ملف المرأة القاضية احتل حجماً أكبر مما ينبغي، التبس في ظله الأمر على كثيرين، كما أنه أغرى بعض المتحمسين بتحويله إلى ساحة جديدة للإثارة والمزايدة. كما أتاح لآخرين من الناقدين والناقمين فرصة قمع معارضيهم في الرأي وتلويث سمعتهم.
أما الذين حولوا المسألة إلى اشتباك مع تعاليم الاسلام وتجريح لها فحدث عنهم ولا حرج، لان بعض مثقفينا اصبحوا ينتهزون كل فرصة لتجديد ذلك الاشتباك وتصعيده، مرة باسم الدفاع عن الدولة المدنية، ومرة باسم التصدي للأصولية والسلفية، ومرات باسم ما اعتبروه خلاصا من تأثير الخرافات والغيبيات وغير ذلك من مخلفات «عصور التخلف والانحطاط».
2 —
نصيب مجلس الدولة من هذه السهام كان وفيرا، فقد صور بحسبانه منحازاً ضد المرأة، وكان إطلاق هذه الشائعة كفيلا بفتح باب التسابق على وضعه في قفص الاتهام، وإطلاق دعاوى محاكمته بتهم السلفية والأصولية. وكان ذلك أمرا مثيرا للدهشة حقاً، ليس فقط لأنه يعبر عن إصرار على مصادرة وجهة نظره في الموضوع، ولكن أيضا لأن سجل المجلس يحفل بالمواقف التي تشرفه وتبيض صفحته وتجعله أبعد ما يكون عن تلك الشبهات. ذلك أن الذين أطلقوا تلك الاتهامات تجاهلوا أن المجلس هوالذي أجاز قانون الخُلع، وأبطل قرار وزير الداخلية الذي كان يشترط ألا تسافر المرأة بغير إذن زوجها. وهوالذي قضى بألا تسجل في بطاقة هوية أي شخص ديانة غير ديانته الحقيقية.
كما أن مجلس الدولة هوالمؤسسة المدنية الوحيدة التي اختارت رئيسا قبطياً مرتين (هما المستشاران حنا ناشد ونبيل ميرهم.) ولا ينسى أيضا أن مجلس الدولة هوالذي ألغى قرار تصدير الغاز إلى إسرائيل، وهوالذي قضى بعدم شرعية وجود «الحرس» في الجامعة.
الذي لا يقل أهمية عن كل ذلك أن القضاة ومجلس الدولة لم يتبنوا موقفا ضد تعيين المرأة قاضية. وإنما هناك اتفاق بين الأغلبية الساحقة على أن حق المرأة في ولاية القضاء تجيزه الشريعة الإسلامية، ولا يتعارض مع الدستور والقانون. وأن مبرر البت في الأمر ليس المرجعية الفقهية أوالقانونية، وإنما هوالظروف الاجتماعية والبيئية بالدرجة الأولى.
لقد ارتأى أعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة تأجيل البت في الموضوع وعدم التسرع في إقراره، ليس لأنهم يعترضون على المبدأ، ولكن لأنهم يرون أن الأمر يحتاج إلى ترتيب يوفر ظروفاً مواتية لإنجاح دخول المرأة في هذا المجال. ذلك أن الذين ينتمون إلى الهيئة القضائية محكومون مثلا بقواعد في أداء عملهم، بعضها يتعلق بسنوات أداء خدمتهم في المحافظات المصرية المختلفة، الأمر الذي يثير أكثر من سؤال حول وضع النساء في هذه الحالة، وهل سيخضعن لهذا النظام أم سيقتضي الأمر استثناءهن منه، وتسكينهن مع أسرهن.
وإذا خضعن لترتيبات التنقل بين المحافظات المختلفة، فهل سيتطلب ذلك تخصيص استراحات خاصة لهن كما هوالحاصل مع أعضاء الهيئة القضائية من الرجال. وإلى جانب ذلك فهناك الملاءمات المتعلقة باستقبال المتقاضين والمجتمع لهذه النقلة المفترضة. إلى غير ذلك من التفاصيل يرى القضاة أنها تحتاج إلى روية وعدم التسرع في اتخاذ القرار.
القصة قديمة فيما يبدو لأن ثمة قضية شهيرة أثير فيها هذا الموضوع قبل نصف قرن (في عام 1952)، حين رفعت إحدى أوائل خريجات حقوق القاهرة (عائشة راتب — الدكتورة والأستاذة والوزيرة لاحقاً) قضية أمام مجلس الدولة مطالبة بحقها في التعيين في النيابة العامة، ولكن المجلس برئاسة المستشار السيد علي السيد، قضى بأن الظروف الاجتماعية والبيئية لا تسمح بذلك، وقرر أنه لا يستند في ذلك إلى الشريعة أوالدستور، وإنما إلى حق الجهة الإدارية في مراعاة الظروف والملاءمات التي يعمل في ظلها الموظف.
3 —
يرى المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض أن ملف إشراك النساء في الهيئة القضائية تداخلت فيه عوامل عدة خارجية وداخلية شكلت عنصر ضغط في الموضوع. وقد سمعت منه أن الموضوع أثير في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، وأن وفدا من نادي القضاة أجرى حوارا حول الفكرة مع وزير العدل آنذاك المستشار فاروق سيف النصر رحمه الله، وقد سمع منهم الوزير ملاحظاتهم حول الموضوع، لكنه أفهمهم أن ثمة ضغوطا دولية استدعت ذلك، مورست في إطار ما سمي آنذاك بالحرب على الإرهاب.
والملاحظ أنه بعد هذا اللقاء تم تعيين السيدة تهاني الجبالي عضواً في المحكمة الدستورية العليا بمصر، كما تتابع تعيين الوزيرات في العديد من الدول العربية، والخليجية منها بوجه أخص.
ما حدث أيضا في الآونة الأخيرة تفوح منه رائحة الضغوط الداخلية، التي تمارس من قبل جهات عدة في مقدمتها المجلس القومي للمرأة. ذلك أن المجلس الخاص في مجلس الدولة الذي يضم أقدم ستة مستشارين إضافة إلى أن الرئيس كان قد ناقش موضوع قبول طلبات تعيين النساء في اجتماع عقده يوم 18 يناير الماضي. وفي الاجتماع تم الاتفاق على عرض الموضوع على الجمعية العمومية للمجلس التي كان موعد اجتماعها العادي في 15 فبراير للنظر في ترشيح النواب ووكلاء المجلس.
في هذا الاجتماع الذي حضره 380 مستشارا فما فوق، ارتأى 87 ٪ من الأعضاء تأجيل البث في الموضوع. ولكن وزير العدل سارع في اليوم التالي مباشرة (2/16) إلى إرسال خطاب إلى رئيس الوزراء أحمد نظيف أبلغه فيه بأن خلافاً وقع بين المجلس الخاص وبين الجمعية العمومية لمجلس الدولة حول تعيين النساء. ولم يكن خلافاً في حقيقة الأمر لأن المجلس الخاص هوالذي قرر الرجوع إلى الجمعية العمومية.
يوم 2/17 طلب الدكتور نظيف من وزير العدل الاحتكام إلى المحكمة الدستورية العليا في حسم الأمر. وفي نفس اليوم (لاحظ السرعة) وجه الوزير رسالة إلى رئيس المحكمة الدستورية بالمعنى المطلوب.
يوم 2/18 عُرض على هيئة المفوضين تقرير حول ما قيل إنه «خلاف» بين المجلس الخاص والجمعية العمومية لمجلس الدولة.
في 2/22 انعقد المجلس الخاص لمجلس الدولة وصوت 4 من أعضائه مع الإرجاء، وصوت 3 لصالح الاستمرار في قبول طلبات التعيين. ولكن ضغوطا مورست بعد ذلك أدت إلى تغيير المواقف، بحيث أصبح أربعة يؤيدون تعيين النساء وثلاثة صوتوا لصالح الإرجاء.
استشعر مستشارومجلس الدولة أن هناك اتجاهاً لتحدي إرادتهم، فتداعوا إلى جمعية عمومية في 3/10 حضرها 319 مستشارا صوت 317 منهم لصالح الإرجاء، ورفضه اثنان فقط، إحدهما زوج ابنة رئيس مجلس الدولة.
وفي مساء اليوم ذاته (3/10) دعا نادي القضاة إلى جمعية عمومية حضرها 944 قاضياً، صوت 934 منهم لصالح الإرجاء. ولكن المحكمة الدستورية أصدرت قرارها في 3/14، الذي تبنى موقفاً مناقضاً للرأي الذي أجمع عليه القضاة، وقرر الاستمرار في تلقي طلبات تعيين النساء، بناء على موافقة المجلس الخاص بمجلس الدولة.
4 —
الوقائع المتتالية أكدت أن هناك رغبة عليا لإقرار التعيين، رغم تحفظات القاعدة العريضة من القضاة، وذلك ما يفسر مسارعة وزير العدل إلى إبلاغ رئيس الحكومة بخلاف لم يكن صحيحاً بين المجلس الخاص والجمعية العمومية. ومسارعة رئيس الحكومة بالرد، والركض بعد ذلك نحوالمحكمة الدستورية للاستجابة للرغبة العليا. بموازاة ذلك تلاحقت فصول الحملة الأهلية للاحتجاج على الجمعية العمومية لمجلس الدولة، التي قادتها وزيرة القوى العاملة من ناحية، وأمينات المرأة في الحزب الوطني في القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى من ناحية ثانية.

وكانت تلك بادرة طريفة لأنها المرة الأولى التي تحرك فيها الحكومة والحزب الوطني حملة احتجاج! بالتوازي مع ذلك أطلقت الأقلام والأبواق الإعلامية في حملة تشهير بمجلس الدولة والقضاة واتهمتهم بالرجعية والظلامية.
وكانت النتيجة أن العملية مثلت عدوانا صارخاً على استقلال القضاة وحقهم في تنظيم أوضاع مرفق العدالة، شارك فيه وزير العدل ورئيس الحكومة، الذي استغرب القضاة تدخله المباشر في الموضوع. وكان واضحاً أن السلطة التنفيذية اتخذت موقف التحدي لإرادة القضاة. كما أسفر المشهد عن الإيقاع بين المحكمة الدستورية وبين جماهير القضاة، ناهيك عن الأضرار الأدبية التي ترتبت على حملة التجريح والتشويه الإعلامية التي أهانت القضاة وحطت من قدرهم.
ليس لدي أي تحفظ على تعيين المرأة في القضاء، ولكن اعتراضي الأساسي ينصب على الأسلوب الذي اتبع والثمن الذي دفع لقاء ذلك. ذلك أنني تمنيت أن يعتمد ذلك الأسلوب على الحوار وليس الإملاء. ولا أعرف لماذا لم يسأل القضاة مثلا:
إذا كنتم تعتبرون أن الظروف غير مواتية لتعيين النساء في الهيئة القضائية، فكيف يمكن التغلب على تلك الظروف، وما هوالأجل الذي يستغرقه ذلك؟
ورغم أننا اعتدنا مكرهين على الإملاء في مجالات عدة، إلا أنه حين يؤدي إلى العدوان على استقلال السلطة القضائية، فإنه يصبح خطراً ينبغي درؤه، لأنه يفتح الباب للتلاعب بالحقوق وبالعدالة التي هي صمام الأمان في تحقيق السلم الأهلي. وهي المعركة التي يخوضها القضاة منذ عقدين على الأقل، مؤيدين في ذلك بالجماعة الوطنية في مصر. إذ شئت فقل إنها كارثة أن يتم الضغط والعدوان على استقلال القضاء من جانب أي سلطة أوطرف في الداخل.
أما أم الكوارث حقا فهي أن يكون العدوان استجابة لضغط خارجي.
إن الغيرة على استقلال القضاء والقلق على التدخل في شؤونه سحبا بعضاً من رصيد الحفاوة بتقرير حق المرأة في اعتلاء منصة القضاء، الأمر الذي يعيد إلى أذهاننا الخبر المأثور عن نجاح العملية، ووفاة المريض.
....................

22 مارس، 2010

رائحة كريهة في فضائنا

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 6 ربيع ثان 1431 – 22 مارس 2010
رائحة كريهة في فضائنا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_22.html


أشم رائحة كريهة وغير زكية فى الفضاء الإعلامى العربى. مصدرها ضيف جديد قدم إلى الساحة هو روبرت ميردوخ، اللاعب الكبير والخطير فى حلبة الإعلام العالمى بمختلف فنونه.
فقبل أيام أعلن الرجل أنه اختار أبوظبى لكى تكون مقرا لنشاط امبراطوريته الإعلامية فى الشرق الأوسط. وأنه سينقل إليها بعض قنواته الفضائية التى تتمركز فى هونج كونج.
وقد صدر عنه ذلك الإعلان بعد أن أبرم عقدا مع الأمير الوليد بن طلال، استحوذ بمقتضاه على نحو 10٪ من رأسمال شركة روتانا الإعلامية، التى تعد واحدة من أهم ممولي ومنتجي الأعمال الفنية فى العالم العربى. (تملك ست قنوات تليفزيونية ولديها فرع لإنتاج الأفلام)، وقد دفع مقابل ذلك 70 مليون دولار، مع حقه فى مضاعفة حصته خلال السنة ونصف السنة المقبلة.
ميردوخ (79 عاما) بدأ مسيرته فى الصحف المحلية والتليفزيونات التى تصدر فى بلده الأصلى (أستراليا). ثم ما لبث أن تمدد إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث بسط سيطرته على صناعة الأفلام والإعلام الفضائى وحتى شبكات الإنترنت،
يكفى أن تعلم أنه يسيطر الآن على 40٪ من الصحف البريطانية، فى مقدمتها صحيفتا «التايمز» و«الصن»، إلى جانب سيطرته شبه الكاملة على التجارة التليفزيونية البريطانية.
وقد تمددت مجموعته الكبرى «نيوز كوربوريشن» فى الولايات المتحدة، حيث سيطرت على عدة صحف فى مقدمتها «نيويورك بوست»، إضافة إلى قنوات التليفزيون التى على رأسها «فوكس نيوز» التى تعد أبرز أبواق المحافظين الجدد، والأقوى مناصرة لإسرائيل والأشد تأييدا لمخططات الهيمنة الأمريكية فى المنطقة ومعروف دورها فى تأليب الرأي العام العالمي ضد العراق، وتوفير أرضية شعبية متعاطفة مع غزوه وإسقاط نظامه.
يوم 23 فبراير الماضي أصدرت «روتانا» بيانا أعلنت فيه الاتفاق الذى تم مع ميردوخ ومجموعته العالمية «نيوز كورب»، وعقد الأمير الوليد بن طلال مؤتمرا صحفيا فى الرياض قال فيه إن الاتفاق لا يعد نقلة نوعية لروتانا وحدها وإنما للعالم العربى كله. وذكر أنه يأمل فى أن تساعد العلاقة بين «روتانا» و«نيوز جروب» فى تعديل صورة مجموعة ميردوخ التى تعد معادية للعرب.
واعتبر أن قناة فوكس ليست المحطة الأمريكية الوحيدة المعادية للعرب، لأن ذلك العداء يعد حالة عامة فى الولايات المتحدة، ثم أضاف قائلا «سنقوم بما فى وسعنا بغية تصحيح لهجتها»(!).
نقل ميردوخ لبعض أنشطته إلى أبوظبى، ودخوله شريكا فى روتانا ليس بريئا تماما. صحيح أن العالم العربى يشكل سوقا جيدة للأفلام والمسلسلات والمنوعات التى تستهوى الشباب وتقوم مجموعة نيوز جروب بإنتاجها أو توزيعها، إلا اننا ينبغى ألا نتجاهل أنه واجه ضغوطا وقيودا فى هونج كونج من قبل الجهات التشريعية الصينية التى دأبت على انتقاد ما تبثه قنواته من مواد هناك، الأمر الذى اضطره إلى الرضوخ فى بعض الأحيان. ودفعه بعد ذلك إلى الاتجاه إلى العالم العربي الذى وجده مفتوحا وأكثر «تسامحا» من الصين.
من الأنباء التى تسلط الضوء على أنشطة السيد ميردوخ أنه اشترى مؤخرا محطة تليفزيونية خاصة فى تركيا (تى. جى. آر. تى)، ويسعى الآن إلى شراء صحيفة «تركيا» ووكالة «اخلاص» للأنباء التى يملكها رجل الأعمال التركى أنور أوران.

وهو يهدف من وراء ذلك إلى محاولة التصدى للشعور المعادي لإسرائيل الذى يتنامى فى تركيا. يوضح صورته أكثر ان إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى المنطقة التى استثمر فيها الرجل بعض ماله من خلال إحدى شركات التكنولوجيا الرقمية والاتصالات.
يكمل الصورة ملاحظة ان أقرب أصدقائه هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما ذكرت صحيفة «لوموند» فى 26/2. وهى خلفية تدعونا إلى إثارة العديد من الأسئلة حول دوره مع «روتانا» فى المرحلة المقبلة، كما أنها توضح لنا مصدر الرائحة الكريهة التى لاحت فى الفضاء العربى.
................

21 مارس، 2010

السياسة صفقة كبرى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 5 ربيع ثان 1431 – 21 مارس 2010
السياسة صفقة كبرى - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_21.html

يدور فى مصر الآن جدل لا يخلو من طرافة حول صفقات الحكومة مع أحزاب المعارضة.
كانت بدايته تقرير نشرته «صحيفة المصرى اليوم» حول صفقة انتخابية تمت بين الحزب الوطنى وبين حزب الوفد بشأن المقاعد التى «سيفوز» بها الحزب فى الانتخابات المقبلة.
ولأن الخبر نشر أثناء انعقاد مؤتمر لأربعة من أحزاب المعارضة، فقد اعتبر ذلك طعنة للوفد ومؤامرة لإفشال المؤتمر، فى حين نفى رئيس حزب الوفد وجود الصفقة، وتوعد كاتب التقرير بمقاضاته وتقديم بلاغ ضده إلى النيابة العامة.
عدت إلى القاموس لكى أطمئن إلى دقة المصطلح. فوجدت فى «محيط المحيط» أن الصفقة هى ضرب اليد على اليد فى البيع والبيعة. وكانت صفقة البيع عند العرب تتم بأن يضرب المشترى بيده على يد البائع إعلانا عن رضاه وموافقته.
وحين انتقل المصطلح إلى عالم السياسة فإنه بات يعنى الاتفاق بين طرفين مختلفين على أمر ما، فيه مصلحة لكل منهما.
مع ذلك فقد اختلفت صفقات السياسة عن صفقات التجارة من أكثر من وجه،
فهى فى السياسة قد تكون علنية أو سرية، وقد تكون هى صريحة أو ضمنية، ومؤقتة أو دائمة. وإذا كانت الصفقات فى التجارة تتم بالتراضى فإن صفقات السياسة تنعقد أحيانا بالإكراه والإذعان،
وهى تتم فى الأولى بمقابل مالى إلا أن الأمر ليس كذلك بالضرورة فى الثانية، حيث قد يكون المقابل وجاهة ونفوذا، يترجمان فى الأغلب إلى عائد مالى فى المستقبل.
إذا احتفظت بهذه الخلفية ورجعت إلى الوراء مدققا فى الأسلوب الذى تشكل به الأحزاب فى مصر، فسوف تكتشف أن كل الأحزاب التى تمت إجازتها رسميا فى مصر لم تكتسب هذه «الشرعية»، إلا فى ضوء «صفقة» تمت، وأن الذين لم يجازوا أو الذين جمدوا بعد اجازتهم لقوا ذلك المصير لأن الصفقة إما فشلت أو لم يرد لها أن تتم من الأساس.
وهو تحليل يقودنا إلى وجه الطرافة فى الموضوع، الذى يتمثل فى أن الأحزاب التى قامت بناء على صفقة وكتبت لها شهادة الميلاد بناء على ذلك. هى ذاتها التى باتت تعبر عن الغضب والاستياء حين قيل إنها أبرمت صفقة مع الحكومة فى أمر ما.
إن لجنة الأحزاب التى يرأسها الأمين العام للحزب الحاكم هى المنوط بها إجازة الأحزاب فى مصر، الأمر الذى يعنى أن الحزب الحاكم هو الذى يعطى شهادة الميلاد لمنافسيه أو معارضيه. وذلك وجه آخر للطرافة فى الموضوع.
صحيح أن هناك عدة اشتراطات قانونية تتعلق بعدد المؤسسين وتميز البرنامج لا يكفى استيفاؤها فى تحقيق الإجازة. وإنما يحسم الأمر عاملان آخران لا ينص عليهما القانون،
الأول هو الملاءمة السياسية
والثانى هو التقييم الأمنى.
وعادة ما يكون العنصر الأمنى هو الأساس الذى تنبنى عليه الملاءمة السياسية.
بكلام آخر فإن أى حزب لا يستطيع أن يقوم فى مصر إلا إذا حاز «الرضى» من جانب السلطة، وهذا أمر مفهوم، ذلك أنه فى النظم الديمقراطية يكتفى فى إقامة الحزب بإخطار السلطة فقط بتلك الرغبة، ثم يترك الأمر بعد ذلك للمجتمع من خلال التصويت الحر أن يقرر مدى نجاح برنامج الحزب أو فشله.
لكن الأمر يختلف فى النظم غير الديمقراطية، حيث لا قيمة فيها للمجتمع الذى لا شأن له بنتائج الانتخابات. ذلك أن السلطة ــ الأمن تحديدا ــ هى التى تحدد من يدخل إلى السباق، وهى التى تدير اللعبة وتقرر حظوظ كل حزب من النجاح أو الفشل، خصوصا ان الأحزاب التى تولد من رحم السلطة تعانى من الإعاقة الطبيعية، وتحتاج دائما إلى عون السلطة ورعايتها.
رضى السلطة هو التعبير المهذب عن الصفقة، وذلك الرضى لا يتحقق إلا من خلال اطمئنان الأجهزة الأمنية واقتناعها بأن مؤسسى الحزب يتمتعون باللياقة و«المرونة» التى تسمح لهم بالانضمام إلى الفريق اللاعب. هذا الرضى لم يكتمل فى حالة حزب «الوسط» الذى طلب رخصة الإجازة منذ 14 عاما ولا فى حالة حزب «الكرامة» الذى طلبها منذ عشر سنوات، ولأن الرضى رفع عن حزب «العمل» حين أراد أن يلعب مستقلا، الأمر الذى اعتبر إخلالا بشروط الصفقة، فإنه جمد منذ 11 عاما. ولأن الإخوان لم يشملهم الرضى فقد اقتنعوا بأن اجازتهم لا تقل استعصاء عن أمل إبليس فى الجنة.
إن السياسة فى مصر ليست سوى صفقة كبرى، لذلك أعتقد أن غضب قيادة الوفد ليس راجعا إلى مبدأ عقد صفقة الانتخابات، وإنما إلى إعلانها على الملأ.
....................

20 مارس، 2010

عاصفة على (إسلام أون لاين)

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 4ربيع ثان 1431 – 20 مارس 2010
عاصفة على (إسلام أون لاين) – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_20.html


مازلت عاجزا عن فهم الذى جرى لموقع «إسلام أون لاين». ومازلت غير مصدق أن أناسا أيا كانت مداركهم أو هوياتهم يمكن أن يهدموا الجهد الكبير والمتميز الذى بذل فى بناء ذلك الموقع. ومازلت غير مصدق أيضا أن يتم الهدم بذلك الأسلوب المباغت الذى شهدناه فى الأسبوع الماضى.
خلاصة القصة التى عرضتها وسائل الإعلام المختلفة، العربية والأجنبية، أن مسئولى الجمعية القطرية، التى تتولى التمويل قرروا هدم الموقع الذى استقرت إدارته فى مصر منذ عشر سنوات، فأطاحوا بالمسئولين عنه. وهددوا مستقبل العاملين فيه، الذين يقارب عددهم 300 شخص.
لأننى كنت أحد الذين شهدوا ميلاد الموقع فى مؤتمر موسع عقد بالدوحة قبل عشر سنوات، وأحد الذين كانوا يسألون فى تطويره وبرامجه المستقبلية، فقد أدهشنى المصير الذى آل إليه، واستهجنه بعض المثقفين المصريين، وكان من أسباب دهشتى أننى قبل أسابيع كنت قد تلقيت نسخة من خطة عمله المقترحة للسنوات الثلاث المقبلة.
التى فهمت أنها أرسلت إلى ثلاثين شخصا من المثقفين المعنيين بالأمر، لكى يبدوا عليها ملاحظاتهم.
ما حيرنى حقا أن الموقع قدم خلال سنوات عمره العشر نموذجا للاستنارة والحرفية، وأصبح بمضى الوقت محل حفاوة من جانب الذين تمنوا أن يجدوا منبرا إسلاميا يجسد الوسطية وسعة الصدر، ويختلف عن غيره من النماذج الشائهة التى راجت فى زماننا.
من ثم فإنه نجح فى أن يجمع بين الالتزام بهموم الأمة وأولوياتها وبين الالتزام بقيم الأمة وثوابتها. بل ونجح فى أن يكون ساحة اجتماع للمسلمين من ناحية، وجسرا للتواصل مع الآخرين فى ذات الوقت.
(الموقع يبث باللغة الإنجليزية أيضا وتقرأ منه نصف مليون صفحة يوميا).
أول سؤال خطر لى حين بلغنى النبأ كان لماذا؟..
كان رد من سألتهم فى القاهرة أن أحدا لم يواجههم بأى إيضاح أو نقد أو حتى اتهام. من ثم فلا توجد معلومات، ولكن هناك فقط استنتاجات.
طلبت إيضاحا فقيلت لى أسباب متعددة،
منها أن هناك رغبة فى «تقطير» الوظائف، بمعنى تسليم الموقع إلى قطريين يديرونه، وهو ما لم أقتنع به، لأن «التقطير» بهذه الصورة ليس حاصلا فى قطر ذاتها، بمعنى أنهم لا يلجأون إلى إقصاء كل العاملين غير القطريين فى أى مرفق.

سمعت أيضا من قال إن قرار هدم الموقع له صلة بالتوترات التى تشوب العلاقات القطرية المصرية. ولم أجد ذلك مقنعا، ليس فقط لأن العلاقات تمر بفترة هدوء الآن، وحين مرت العلاقات بظروف أسوأ فى السابق، لم تؤد إلى مثل هذه النتائج، وإنما أيضا لأن القطريين من أكثر أهل الخليج ودا وسماحة، وليس من شيمهم ذلك البطش الذى تم ولا الفظاظة التى اتبعت.
فشلت فى الوصول إلى من أعرف من أعضاء مجلس الإدارة الجديد فى الدوحة، وقيل لى إنهم منذ وقعت الواقعة يرفضون استقبال المكالمات الآتية من القاهرة.
ونجحت فى الاتصال بمن ظننت أنه قريب من الصورة، فقال لى إنه بدوره لم يفهم، ولكنه سمع أن الذين قادوا «الانقلاب» لهم رؤية أخرى للموقع. فهم يريدونه «حضاريا» وليس حركيا، بمعنى أن يظل ثقافيا ولا علاقة له بالتفاعلات الحاصلة على أرض الواقع.
ولم أجد ذلك السبب مقنعا أيضا، ليس فقط لأن من اتخذوا القرار كانوا يستطيعون أن يعرضوا رؤيتهم الجديدة على المسئولين فى الموقع، ولهم أن يخيروهم بين الالتزام بها أو إخلاء مواقعهم لمن يقبل بها،
ولكن أيضا لأننى لم أفهم كيف يكون هناك موقع إسلامى ولا يهتم بشئون المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم.

أخيرا وصلت إلى الدكتور يوسف القرضاوى رئيس مجلس إدارة الجمعية الممولة فى قطر، فقال لى إنه بدوره فوجئ بما حدث فى غيابه، لأنه كان تحت العلاج فى أحد المستشفيات السعودية، وأنه يبذل منذ عودته جهدا لاحتواء الموقع والحفاظ على الموقع والعاملين فيه. وهى مهمة قد تحسم هذا الأسبوع. أدعو له بالتوفيق.
..................

18 مارس، 2010

مرفوع عنهم التكليف

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 2 ربيع ثان 1431 – 18 مارس 2010
مرفوع عنهم التكليف – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_18.html

بوسعنا أن نستخدم الروابط التجارية الوثيقة مع إسرائيل، لحثها على استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين،
هذه العبارة لم يقلها سياسى متطرف، لا يجيد التعامل مع معطيات الواقع، ولم تصدر عن مسئول فى دول الممانعة العربية، أو عن شخص معادٍ لاتفاقيات السلام أو عن أحد دعاة العودة إلى شعارات التحدى التى برزت فى الستينيات،
لكن الكلمات وردت على لسان وزيرة الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبى كاترين آشتون (بريطانية الأصل).
كان ذلك يوم السبت الماضى 13/3، حين عقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى اجتماعا لهم فى مدينة سارسيكا شمالى فنلندا، وتصادف أن عقد الاجتماع فى أعقاب اللغط، الذى أثاره قرار حكومة إسرائيل بإقامة 1600 وحدة استيطانية جديدة فى القدس، الذى كانت له أصداؤه السلبية فى أغلب عواصم الغرب،
بعد الاجتماع لاحق الصحفيون الوزراء الأوروبيين بالأسئلة، التى انصب بعضها على قرار الحكومة الإسرائيلية، وكان الكلام الذى أوردته توا بعض ما قالته السيدة آشتون، التى أضافت أن
«إسرائيل ترغب فى تعزيز علاقاتها التجارية معنا، فى حين يمثل الاتحاد الأوروبى مصدرا مهما للمساعدات والتنمية فى المنطقة، وهذه الخلفية تمكننا من حث الحكومة الإسرائيلية على استئناف محادثات السلام مع «الفلسطينيين»، لأن هناك حاجة لأن يحدث ذلك بسرعة»،
وهو كلام يحمل رسالة مفادها أن الاتحاد الأوروبى قد يلجأ إلى استخدام العلاقات التجارية كورقة ضغط على إسرائيل لحملها على تبنى موقف إيجابى يستجيب لمطالبات وقف الاستيطان (مؤقتا طبعا).
أدرى أن الاتحاد الأوروبى منحاز أصلا إلى إسرائيل، كما أننى ممن يشكون فى جدوى اللهاث وراء المفاوضات واستئناف محادثات السلام، ويعتبرون أنها ستكون إحدى حلقات اللاجدوى التى يدور فيها الفلسطينيون منذ محادثات واشنطن فى عام 1991.
لكن ما يهمنى فى الكلام أن السيدة آشتون طرحت إمكانية استخدام ورقة المصالح التجارية فى الضغط على إسرائيل. وهى الفكرة التى لم يطرحها أحد من المسئولين العرب، الذين اعتبروا أن التكليف مرفوع عنهم بخصوص الموضوع، من ثم فإنهم اكتفوا طوال الأسابيع الأخيرة بالتنديد بالممارسات الإسرائيلية، ومطالبة العالم الخارجى بالقيام «بالواجب!».
لا مبالغة فى هذا التوصيف، لأن شواهد الواقع تشهد بذلك، إذ فى الوقت الذى تواصل إسرائيل فيه جرائمها بالضفة والقدس وتستمر فى حصار قطاع غزة، وتلاحق رموز المقاومة الفلسطينية، فإن العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية لم تتأثر، بل وربما ازدادت دفئا وحيوية، إذ فضلا عن الاستمرار فى تنشيط التبادل التجارى بين إسرائيل وبين كل من مصر والأردن والمغرب، فإن النشاط الإسرائيلى فى دول الخليج يطرد حينا بعد حين، فلم يعد مقتصرا على اختراق السلع الإسرائيلية للأسواق الخليجية، وإنما قرأنا مؤخرا أن خبراء إسرائيليين يشرفون على تدريب عناصر الأجهزة الأمنية فى بعض الدولة الخليجية، كما قرأنا عن مشاركة بعض المسئولين الإسرائيلين فى الفعاليات، التى تقام هناك التى تقيمها المنظمات الدولية،
ومن المفارقات أنه فى حين كان الإسرائيليون يستمرون فى محاولة اقتحام المسجد الأقصى، فإن مصر كانت ماضية فى ترميم كنيس بن ميمون، الذى شهد افتتاحه بعد الترميم وفد من حاخامات اليهود.
إن أنظمة العالم العربى التى تحتفظ بعلاقات دبلوماسية أو تجارية مع إسرائيل ما زالت تقف متفرجة على ما يجرى فى فلسطين، ولم يخطر لها أن تستخدم ورقة المصالح فى الرد على ما ترتكبه من جرائم كل يوم، فلا سفير استدعى أو سحب، ولا اتفاقات اقتصادية علقت، ولا بعثات أوقفت ولا مشروعات جمدت، إلى أن جاء تصريح وزيرة الاتحاد الأوروبي لكي يفضح تقاعسها ويذكرها بما يتعين عليها أن تفعله، حفظا لماء الوجه، وليس من باب النخوة أو المروءة.
لقد زارت السيدة آشتون القاهرة قبل يومين، وتمنيت أن تكون قد أقنعت وزير الخارجية السيد أحمد أبو الغيط بفكرتها الداعية إلى استخدام مصر لورقة المصالح للضغط على إسرائيل،
لكنى خشيت أن يكون هو قد أقنعها بأن ما قالته بهذا الخصوص يعد تصعيدا لا لزوم له قد يغضب إسرائيل!
....................

17 مارس، 2010

إنها مصر الأخرى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 1 ربيع ثان 1431 – 17 مارس 2010
إنها مصر الأخرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_17.html


قلَّب علينا الشيخ سلطان القاسمى المواجع حين تحدث عن مصر التى عرفها قبل نصف قرن.
كان حاكم إمارة الشارقة يتحدث فى الحفل الذى أقامته دار «الشروق» أمس الأول (١٥/٣) بمناسبة إصدار كتابه «سرد الذات»، الذى تحدث فيه عن رحلة حياته، التى قضى شطرا منها فى مصر، حين التحق طالبا بكلية الزراعة فى جامعة القاهرة،

أثار الشيخ دهشتنا حين تطرق إلى الأماكن، التى تردد عليها وقتذاك، لكى يتعرف على ناس مصر، ولاحظنا أنه لا يزال يتذكر أسماء بسطاء الناس، الذين اعتبروه واحدا منهم، كما لا يزال يتذكر أسماء الأحياء والشورارع والحوارى والمقاهى والأسواق وخطوط الترام وأرقام حافلات الركاب، كأنما خريطة قاهرة الخمسينيات ما زالت حية فى ذاكرته بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.
من أهم ما ذكره أنه حين درس بالمجان فى جامعة القاهرة، لم ينس أنه أخذ مكان طالب مصرى آخر كان يمكن أن يمنح تلك الفرصة،
كما روى أنه أثناء دراسته بمصر كانت فى إمارة الشارقة بعثة تعليمية مصرية تقوم بالتدريس بمدارسها، وكان هؤلاء يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة من خزينة الدولة المصرية، التى كانت تعانى وقتذاك من شح النقد الأجنبى،
واعتبر الشيخ سلطان أن فى رقبته دينا لا ينساه للدولة المصرية، ولكلية الزراعة التى تعلم فيه، وأنه مهما أسهم أو قدم لن يوفى ذلك الدين حقه.
هذا الذى قاله الشيخ سلطان يسمعه أى زائر مصرى من أبناء جيله فى مختلف الأقطار العربية، حيث لم تكن إمارة الشارقة استثناء، بل لم تكن قد وجدت لها مكانا على الخريطة العربية وقتذاك، وقد حدثنى بعض الأصدقاء اليمنيين عن الدهشة، التى انتابتهم حين كانوا يصادفون المدرسين المصرين فى قراهم الصغيرة المنتشرة فوق قمم جبالهم الشاهقة. إذا كانوا يستغربون وجودهم فى مدارس تلك القرى، كما كانوا يستغربون قدرتهم على الاستمرار هناك واحتمال الحياة الصعبة والقاسية التى يعيش فى ظلها الناس.
هنا الصورة تكررت فى العديد من الأقطار العربية، لكنها انمحت ليس فقط من ذاكرة الأجيال الجديدة فى تلك الأقطار، وإنما أيضا من ذاكرة المصريين الجدد أنفسهم، أولئك الذين نسوا أن مصر كبرت فى ذلك الزمن ليس بسبب الخطب الرنانة ولا لأنها فازت بكأس فى مسابقات كرة القدم، لكنها كبرت بسبب تلك الممارسات، التى تصرفت مصر من خلالها باعتبارها شقيقة كبرى وبلدا رائدا ليس فقط فى مجالات المعرفة والثقافة والفنون، لكنها كانت رائدا أيضا فى التعبير فى العزة والكرامة وفى السعى إلى انتزاع الاستقلال والخلاص من الاستعمار.
قبل حين التقيت أحد المناضلين التونسيين الذى ما أن رأنى حتى راح يستعيد ذكرياته فى مصر، وانطباعاته عن المدرسين المصريين، الذين تعلم على أيديهم، وقال إن التونسيين كانوا يظنون أن كل المصريين مسلمون، وبسبب الاحتلال الفرنسى لبلادهم فإنهم اعتبروا أن استعمار بلادهم جزء من الحروب الصليبية، ومن ثم شاع بينهم شعور بالكراهية لأولئك الصليبيين الغزاة، وامتد ذلك الشعور ليشمل كل «النصارى».
وقد اندهش التونسيون حين وجدوا بين المعلمين المصريين واحدا مسيحيا، وعاملوه معاملة سيئة، ليس فقط لأنه كذلك، ولكن لأنهم ظنوا أنه كان مسلما كسائر المصريين ثم ارتد دينه، ولم يغفروا له ذلك إلا حين أقنعهم بقية أعضاء البعثة التعليمية المصرية بأن المسلمين والمسيحيين يعيشون جنبا إلى جنب فى مصر، وأن الرجل من أسرة قبطية أصيلة فى مصر.
بعدما روى صاحبنا القصة ضاحكا، سكت لحظة ثم قال:
هل يعقل أن تكون مصر التى أرسلت إلينا المعلمين والأساتذة يوما ما، لم تعد ترسل إلينا الآن سوى ضباط مباحث أمن الدولة، الذين يشتركون فى التحقيقات التى تجرى مع ناشطى الجماعات الإسلامية،
فاجأتنى الملاحظة، التى كنت قد سمعتها من بعض مثقفى إحدى الدول الخليجية، فتمتمت قائلا بصوت كسير:
للأسف تلك مصر أخرى غير التى عاصرها جيلنا.
.................

16 مارس، 2010

فى أسبوع الفضائح المدوية – المقال الاسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 30 ربيع أول 1431 – 16 مارس 2010
فى أسبوع الفضائح المدوية - فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_16.html


لو سألتنى عن عنوان للأسبوع الفائت لقلت على الفور إنه أسبوع الفضائح المدوية، الذى سقطت فيه أوراق التوت عن عورات العرب، فظهروا أمام الملأ فى وضع مخل تداخل فيه الخزى مع الخذلان.
ــ1ــ

وسط أجواء الحديث عن العودة إلى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين أعلن عن ضم مسجدين كبيرين فى الخليل وبيت لحم إلى الآثار اليهودية،
وفوجئنا بصورة نشرتها صحيفة هاآرتس لمجموعة كبيرة من المجندات الإسرائيليات وقد دخلن بأحذيتهن إلى الحرم الإبراهيمى ــ أحد المسجدين ــ وجلسن فى باحة المسجد يستمعن إلى تعليمات تلقى عليهن.
لم تكن تلك هى الصدمة الوحيدة التى كانت تعبيرا عن إشهار التحدى والازدراء بالعرب والمسلمين، لأن الصدمة الأكبر تمثلت فى الصمت العربى إزاء ما حدث، والتعامل معه باعتباره أمرا عاديا لا يستحق استنفارا أو غضبا.
قبل ذلك بأيام اقتحمت جماعات من اليهود المسجد الأقصى، واستولى آخرون منهم على بيوت الفلسطينيين فى حى الشيخ جراح بالقدس، وتم اعتقال عشرات من الفتية الفلسطينيين من بيوتهم فى حى سلوان تحت جنح الظلام، بعدما اتهموا برشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة،
وفى الوقت ذاته، كان الإسرائيليون يبنون كنيسا جديدا بجوار المسجد الأقصى إيذانا بانطلاق مشروعهم لإعادة بناء هيكل سليمان، تحقيقا لنبوءة أحد الحاخامات الذين يقولون إنه فى القرن الثامن عشر، حدد اليوم السادس عشر من شهر مارس فى عام 2010 (اليوم) للبدء فى عملية البناء.
فى هذا الجو المسكون بالتحدى والعربدة الإسرائيلية، الذى تواصلت فى ظله جهود اقتلاع الفلسطينيين وتدمير حياتهم، عرضت على الأمة العربية تمثيلية المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو ــ ليبرمان.
ولأن المفاوضات كانت متوقفة من الناحية الرسمية وأعلن أنها لن تستأنف إلا بعد وقف الاستيطان، فقد أراد لها المخرج الأمريكى أن تتم بغطاء عربى لإنقاذ ماء وجه السلطة الفلسطينية وللإيحاء بنجاح الوساطة الأمريكية، تحقق المراد على النحو المعروف،
ووافقت لجنة المبادرة العربية (غير المختصة بالموضوع!) على المفاوضات غير المباشرة، وحين بدأ المبعوثون الأمريكيون فى التحضير للقاء المرتقب توالت المفاجآت.
جاء السيد جورج ميتشيل مبعوث الرئيس أوباما إلى المنطقة فأعلنت إسرائيل عن البدء فى بناء 112 وحدة استيطانية جديدة.
وبعده جاء نائب الرئيس جوبايدن، فأعلنت إسرائيل عن الشروع فى بناء 1600 وحدة استيطانية أخرى
ــ ماذا كان رد الفعل الفلسطينى والعربى على ذلك؟
الرد كان مفجعا وصادما.
فمن ناحية توالت التصريحات فى رام الله والقاهرة وعمان التى ذكرت فى المرة الأولى أن الهدف من القرار هو إفساد مهمة السيد ميتشيل، وفى المرة الثانية قيل إن القرار صفعة لنائب الرئيس الأمريكى كأن العرب كانوا حريصين على مهمة ميتشيل وعلى كرامة بايدن بأكثر من حرصهم على حقوقهم وكرامتهم.
لم يتحدث أحد عن أن الصفعة الحقيقية (البصقة إن شئت الدقة) هى من نصيب الجانب العربى الذى وافق صاغرا على العودة إلى المفاوضات. وقبل أن يدور فى الحلقة المفرغة، التى لم يجن منها شيئا منذ توقيع اتفاقية أوسلو فى عام 1993.
ــ2ــ
رد الفعل العربى إزاء الممارسات الإسرائيلية لم يتجاوز أمرين،
أولهما الإعراب عن «الاستياء»،
وثانيهما التلويح بفكرة الامتناع عن العودة إلى المفاوضات غير المباشرة،
الاستياء ظل تصريحا صحفيا ولم يترجم إلى غضب ملموس،
أما مقاطعة المفاوضات المفترضة فإن أحدا لم يأخذها على محمل الجد. واعتبرها الآخرون مجرد فرقعة فى الهواء، إذ استقبلت فى الولايات المتحدة وإسرائيل بحسبانها تهديدا لا يملك الفلسطينيون ولا يحتمل العرب المضى فيها إلى النهاية،
فالمسئولون فى واشنطن قالوا إنهم لم يتلقوا معلومات رسمية بهذا الخصوص. أما بنيامين نتنياهو فقد تحدث بلغة الواثق والمطمئن، وقال إن المفاوضات ستبدأ فى موعدها فى الأسبوع القادم.
أثبت نتنياهو أن نهجه أكثر جدوى فى التعامل مع العرب من غيره من السياسيين الإسرائيليين، هكذا كتب شالوم يروشالمى فى صحيفة «معاريف» «عدد 5/3/2010». وكان صاحبنا هذا من الناقدين لرئيس الوزراء الإسرائيلى، لكنه غير موقفه، شأن آخرين ممن لاحظوا التخاذل العربى أمام قرارات نتنياهو وممارساته، الأمر الذى أقنعهم بأن الرجل له قراءته للواقع العربى المدرك لما فيه من عجز ووهن، من ثم فإنهم إما توقفوا عن انتقاده أو شرعوا فى كيل المديح له.
وفى الوقت الذى تزايدت فيه جبهة التأييد لنتنياهو فى الإعلام الإسرائيلى، فإن التعليقات التى تناولت ردود الأفعال العربية والفلسطينية ضمنا بالسخرية والتهوين لم تتوقف.
فقد سخرت هاآرتس من فكرة المفاوضات غير المباشرة. فنشرت «فى 6/3» مقالا كتبه افى سيخاروف مراسلها للشئون الفلسطينية تساءل فيه قائلا:
هل توقفت حقا الاتصالات بين ممثلى السلطة والمسئولين الإسرائيليين. حتى يحتاج نتنياهو وعباس إلى مفاوضات غير مباشرة؟،
وأضاف أن التنسيق الأمنى بين الطرفين مستمر بشكل غير مسبوق، حيث يتبادل مسئولو الأجهزة الأمنية فى كل جانب الأدوار والمعلومات فى تعقب حركات المقاومة وإجهاض عملياتها.
وأشاد الكاتب بقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين أصبحوا يتنافسون فى التعامل مع نشطاء المقاومة لتحسين صورتهم لدى إسرائيل.
لم يسلم وزراء الخارجية العرب من سخرية المعلقين الإسرائيليين، الذين استخفوا بما ورد فى بيانهم الذى أبدوا فيه العودة إلى المفاوضات غير المباشرة لإعطاء الفرصة لإسرائيل لإثبات «حسن نواياها»، وحددوا سقفا زمنيا مدته أربعة أشهر لتلك العملية،
وكان تسفى بارئيل محرر الشئون العربية فى هاآرتس أحد الذين سخروا من البيان، وكتب فى 6/3 مقالا ذكر فيه أن حكومة اليمين فى إسرائيل ملتزمة بمواصلة الاستيطان فى القدس والضفة الغربية أكثر من التزامها بأى شىء آخر الآن أو بعد أربعة أشهر.
ومن المعلقين الإسرائيليين من ذكر الوزراء العرب بأنه بعد أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة ستكون مهلة تجميد الاستيطان المؤقت موشكة على الانتهاء. علما بأن نتنياهو وكبار وزرائه وعدوا بأن الحكومة تستعد لطفرة فى المشاريع الاستيطانية بمختلف أنحاء الضفة الغربية. على رأسها بناء مدينة استيطانية تستوعب 14 ألف مستوطن (لاحقا ــ فى 11/3 ــ نشرت هاآرتس أن ثمة مشروعا قيد الدراسة الآن لبناء 50 ألف وحدة سكنية فى أحياء القدس الشرقية).
ــ3ــ
لا تقف عند حد عملية الإذلال التى يتعرض لها الفلسطينيون والعرب الذين باركوا المفاوضات غير المباشرة وحددوا لها سقفا زمنيا، وهى المفاوضات التى كانت اقتراحا أمريكيا تم إخراجه إلى حيز التنفيذ وتمريره عربيا بالتعاون بين السلطة الفلسطينية ومصر والأردن، فقد أبلغت الإدارة الأمريكية السلطة الفلسطينية بأنها ترى أن حكومة نتنياهو غير ملزمة بالتفاهمات التى تم التوصل إليها مع رئيس الحكومة السابق إيهود باراك (هاآرتس ــ 7/3)، وهو ما يعنى أن المفاوضات المرتقبة سوف تبدأ من الصفر، استجابة لموقف نتنياهو الذى أعلن فيه أنه مستعد للمفاوضات دون أى شروط مسبقة. وهو ما تحلل به من أى التزامات أو اتفاقات سابقة، ليس ذلك فحسب، وإنما اعتبرت الإدارة الأمريكية أن عمليات بناء الوحدات الاستيطانية التى تتم فى نطاق القدس خارجة عن نطاق التجميد الظاهرى الذى أعلنه نتنياهو.
خلاصة الأمر أن الفلسطينيين سيذهبون إلى المفاوضات غير المباشرة وهم فى أضعف أحوالهم. ليس هذا فحسب، وإنما هم واثقون أيضا من عدة أمور،
أولها أن الإدارة الأمريكية منحازة بالكامل لإسرائيل، وليس لديها أى استعداد لممارسة أى ضغط عليها، ليس فقط لقوة «اللوبى» الصهيونى فى واشنطن، ولكن أيضا لأن الجميع يعلمون أن الإدارة الأمريكية تتحسب للانتخابات التشريعية التى سوف تجرى هناك فى نوفمبر القادم، الأمر الذى يجعلها بحاجة إلى إرضاء إسرائيل وكسب تأييد قادتها.
الأمر الثانى أنهم يعرفون جيدا أن الموقف العربى الرسمى مرتبط بالإرادة الأمريكية ولا يستطيع أن ينفصل عنها.
الأمر الثالث أنهم يدركون أن المفاوضات لن تحقق لهم شيئا فى ظل موازين القوى الحالية. وخبرتهم منذ مفاوضات واشنطن عام 1991 وحتى مؤتمر أنا بوليس عام 2007 مرورا بأوسلو ولقاء كامب ديفيد، أقنعتهم بأن إسرائيل مستعدة لأن تأخذ فقط ولا تريد أن تعطى.
هذا الانطباع عبر عنه الكاتب والمحلل السياسى الفلسطينى بلال الحسن فى مقالة أخيرة له قال فيها إن إسرائيل لا تريد البحث فى القضية الفلسطينية الأصل، ولا تريد البحث فى حق العودة للاجئين ولا تريد البحث فى انسحاب إسرائيلى كامل من أراض احتلت عام 1967، ولا تريد إزالة المستوطنات، ولا تريد الموافقة على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة فى حدود أراضى 1967،
وبات معروفا وشائعا فى المقابل أن إسرائيل تريد نصف الضفة الغربية، وتريد مياه الضفة الغربية، وتريد سماء الضفة الغربية، وتريد المياه الإقليمية لقطاع غزة، وتريد التمركز العسكرى على امتداد نهر الأردن،
كل هذا تريده إسرائيل وكل هذا تعرف أمريكا أن إسرائيل تريده، ومع ذلك فهى تأتى إلى المنطقة بكل هيبتها لتقول لنا إنها ستدير مفاوضات غير مباشرة وتتعهد لنا أنها ستنتهى فى حدود عامين، وتريد منا أن نصدق هذه الكذبة الكبرى (الشرق الأوسط 14/3) .
ــ4ــ
المأزق الذى تعانى منه القضية يرجع إلى عوامل عدة فى المقدمة منها عاملان جوهريان هما:
1ــ تحييد مصر وخروجها من معادلة الصراع مع إسرائيل، بتوقيعها معاهدة السلام المنفرد فى عام 1979، وبهذا الخروج فقد العرب أهم عناصر قوتهم فى مواجهة إسرائيل، الأمر الذى أدى إلى انكشاف العرب وتفتت قدراتهم وانغلاق خيالاتهم. فلا حرب تحرز، ولا تسوية تسترجع البقايا. هذه الفقرة اقتبسها من بحث حول المأزق للدكتور على الجرباوى أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة بيرزيت والوزير فى الحكومة الحالية. وكانت النتيجة ــ والكلام له ــ أن العرب منذ ذلك الحين لم يستعيدوا زمام المبادرة مطلقا فى مواجهة إسرائيل. الأمر الذى أدى إلى إلحاق الهزيمة السياسية بهم فى كل مراحل المفاوضات التى استمرت منذ عام 1991 وحتى هذه اللحظة.
2ــ انعدام الخيارات لدى الطرف الفلسطينى والعربى، ذلك أن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة فى أى عملية تفاوض تتأثر إيجابا وسلبا بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها عند تلك الأطراف، ومن ثم فقوة الطرف المفاوض تزداد بمدى ما يتوافر له من خيارات أخرى، بمقدوره أن يلجأ إليها إذا ما لم يحقق التفاوض الهدف المنشود منه.
أما إذا أعلن أحد الأطراف أن التفاوض هو خياره الوحيد، فإنه يخسر قضيته منذ اللحظة الأولى. وهى الفكرة التى سجلها باستفاضة الدكتور الجرباوى فى بحثه، وأكد فيها على أنه من الأفضل للطرف الذى لا يملك خيارات أخرى غير التفاوض ألا يتفاوض من الأساس، لأنه فى هذه الحالة سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى العودة للمفاوضات مرة أخرى وإلى تقديم التنازلات لخصمه الأقوى فى أى قضية خلافية.
أما ما هى الخيارات الأخرى فقد تكون المقاومة أو الانتفاضة.
وقد تكون مجرد رفض التفاوض والتنازل،
لكن الحاصل عندنا أننا منذ أعلنا عن أن السلام هو خيارنا الاستراتيجى وأن التفاوض هو سبيلنا الوحيد، حشرنا أنفسنا فى الزاوية وكتب علينا أن نحترف إدارة الخد الأيمن كلما تلقينا صفعة على الخد الأيسر، ولم نعد نملك إلا أن نفعل العكس بمجرد أن نتلقى الصفعة التالية.
الأمر الذى أغرى الإسرائيليين بالذهاب إلى أبعد من الصفعات فى تعاملهم معنا، وهذا هو الحاصل الآن للأسف البالغ.
....................

13 مارس، 2010

رد الاعتبار أولاً

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 28 ربيع أول 1431 – 14مارس 2010

رد الاعتبار أولاً – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_8874.html


لا أرى وجهاً للحفاوة بعودة المصريين الذين هربوا إلى الخارج بعدما نهبوا أموال البلد، أو ضحكوا على الحكومة في سداد المديونيات أو الضرائب، أو أولئك الذين ارتكبوا جرائم أخرى في حق المجتمع،

صحيح أن هؤلاء ما كان لهم أن يعودوا إلا بعد التوصل إلى تسوية ما مع الحكومة، وهو ما يمكن أن يحل مشكلاتهم القانونية، ويؤدى إلى تصفية القضايا المرفوعة ضدهم،
لكنه من ناحية ثانية لا يرد إليهم اعتبارهم من وجهة نظر المجتمع الذي اهتزت ثقته فيهم.

لدينا أخيراً حالة من هذا القبيل استقبل فيها المصري العائد بعد سنوات الهروب، على نحو ذكرنا بالاستقبال الشعبي، الذي نظم للدكتور محمد البرادعي في مطار القاهرة الشهر الماضي،
ولم يكن الاستقبال المرتب جماهيرياً فحسب، لكنه كان إعلامياً، أيضاً، حيث قرأنا لصاحبنا تصريحات تحدث فيها عن خططه المستقبلية في عالم الاقتصاد، وتطلعه إلى الترشح لمجلس الشعب في الانتخابات التشريعية المقبلة.

هناك حالات أخرى مماثلة، تم التصالح بشأنها مع الحكومة، وهناك حالات يجري التحقيق فيها، أو دراسة أوضاعها، لتسوية المتعلقات وغفران ما فات،
وبعض هؤلاء الهاربين لم ينهبوا أموال البلد ويضيعوا حقوق الحكومة فحسب، ولكن منهم من ارتكب جرائم في حق الشعب يتعذر اغتفارها، كما هو الشأن بالنسبة لمن أهدر ثروة البلد العقارية، أو لمالك عبّارة الموت، الذى هرب إلى لندن في ظروف لا تزال الشكوك محيطة بها،

وقد أفهم المنطق في فكرة التسوية التي تسترد الحكومة بمقتضاها بعض استحقاقاتها، وتتنازل عن البعض الآخر، باعتبار أن نصف العمى يظل أفضل من العمى الكامل،
وأن تأخذ بعض حقك أحسن من أن تكابر وتصر على كامل الحق، ثم لا تحصل منه على شيء،
أفهم، أيضاً، أن تسعى الحكومة إلى تليين موقفها مع بعض رجال الأعمال الهاربين، تشجيعاً لهم على العودة باستثماراتهم لتوظيفها داخل البلد، بدلاً من الإبقاء عليها في الخارج،

لكن هناك قيمة مجتمعية يجب أن توضع في الاعتبار، أيضاً، لأن الذي يهرب بأمواله أو بالأموال التي اقترضها من البنوك، ويتسلل إلى خارج البلاد بحيلة أو أخرى، يظل موصوماً اجتماعياً وسياسياً ما لم يسترد اعتباره أمام المجتمع،

وفكرة رد الاعتبار هذه موجودة في القانون الجنائي، حيث لا يكفي في بعض الجرائم المخلة بالشرف أن يقضي المتهم مدة العقوبة، ثم يخرج من السجن لكي يمارس حياته العادية، وكأن شيئاً لم يكن، وإنما يتعين عليه بعد إطلاق سراحه، إما أن يقضي مدة معينة محروماً من بعض حقوقه المدنية، أو أن يطلب هو من المحكمة أن ترد إليه اعتباره.

قد لا تكون الأفعال التي نسبت إلى الهاربين مخلة بالشرف، لكنها، يقينا، تخل بنزاهتهم، وتجرح صورتهم كمواطنين صالحين.
ذلك أنه لا ينبغي أن تفتح الأبواب على مصارعها في مواقع المسؤولية، ومجالات العمل العام للذين لم يرتفعوا بسلوكهم فوق مستوى الشبهات،

وكنت قد ذكرت من قبل أن وزيراً للعدل في مصر طلب من أحد القضاة يوماً ما أن يقدم استقالته، لأنه رفض رشوة عرضت عليه، وكان رأى الوزير رحمه الله تبارك وتعالى أنه لولا أن الراشي وجد في سلوك القاضى «مغمزاً» (شبهة أو ثغرة) دفعته إلى الظن بأنه يمكن أن يقبل الرشوة، لما فعلها، ولشدة حرصه على نزاهة القضاة وإحسان الظن بهم فإنه طلب من القاضي المذكور أن يترك منصبه.

كذلك أذكر أن أحد أبطال الملاكمة الأميركيين كان قد حكم عليه بالسجن في قضية اغتصاب أو تعاطي مخدرات «لست متأكداً بالضبط»، وحين أمضى مدة العقوبة، وأراد أن يعود إلى حلبة الملاكمة، فإن إحدى الصحف الرياضية اعترضت على ذلك، وقالت إنه لا ينبغي أن يعود ليصفق له الناس في حلبة الملاكمة، إلا بعد أن يستعيد اعتباره وثقة الجمهور فيه،
وهو ما جرى، أيضاً، مع أحد الوزراء الأميركيين، الذين لم يكن سلوكهم محل ثقة أثناء تقلدهم الوزارة، وحين ترك منصبه وأراد أن يعود إلى مكانه في الجامعة، فإن طلبه رفض، لأن سمعته كانت قد خدشت، ما أثر على رصيده وسمعته فى المجتمع.

السؤال الذي يحيرني هو
كم واحداً يبقى في منصبه لو أننا طبقنا شرط سلامة الاعتبار في الشخصيات العامة بمصر؟
.........................

دعوة مريبة ومباراة مشينة

صحيفة الشرق القطريه السبت 27 ربيع أول 1431 – 13 مارس 2010
دعوة مريبة ومباراة مشينة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_13.html

ما زلت غير مصدق أن المنتخب المصري سوف يذهب إلى القدس لكي يشترك في مباراة ودية مع المنتخب الوطني الفلسطيني.
ولم أفهم حتى الآن سر استدراج المنتخب المصري إلى ذلك الفخ الفضائحي. الذي قد يمثل صفحة مشينة وسوداء في تاريخ الرياضة المصرية.
ولا أعرف كيف انطلت ذريعة مساندة الشعب الفلسطيني بهذه المباراة على المسؤولين في الاتحاد المصري لكرة القدم، الذين لابد أنهم يقرأون الصحف التي تنقل إلينا كل صباح أخبار الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في القدس والضفة الغربية وغزة.

ذلك أن إسرائيل حين تستمر في طرد الفلسطينيين من بيوتهم لتهويد القدس، وفي توسيع المستوطنات واقتحام المسجد الأقصى، وسرقة الآثار الإسلامية،
وحين تستمر في احتجاز 11 ألف سجين فلسطيني، وفي محاصرة قطاع غزة.
وفي ذات الوقت تواصل تجريف أراضي الفلسطينيين واعتقال شبابهم وتصفية القيادات الفلسطينية.

حين تقدم إسرائيل على ذلك كله، فإن زيارة المنتخب المصري لكرة القدم تصبح أكبر دعم لسياستها. وأكبر دعاية لصالحها أمام العالم الخارجي، الذي لن يرى في هذه الحالة جرائمها، ولكنه سيرى نجوم المنتخب المصري الذين حازوا شهرة عالمية مقدرة بعد فوزهم بكأس أفريقيا للمرة الثالثة، وهم يلعبون على أرضها، تحت حراسة الجنود الإسرائيليين ووسط ترحيب وحفاوة الفلسطينيين.
لا أتصور أن يساق نجوم المنتخب المصري لكي يدخلوا من البوابة الإسرائيلية وتحمل جوازات سفرهم أختاما إسرائيلية ثم يقيموا في ذات المدينة التي يمحى فيها كل أثر للعرب والمسلمين،
في حين يستعد المتطرفون المهيمنون لبناء ما يسمونه هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.
وكيف تستريح ضمائرهم وهم يشاهدون في بعض شوارعها العائلات الفلسطينية التي طردت من بيوتها، فشردت مجددا، ولم تجد سوى الأرصفة مأوى لها.
ثم يقال: إن زيارة المنتخب بمثابة مساندة معلنة للشعب الفلسطيني.
إن نجم الكرة المصري محمد أبو تريكة حين أبرز لافتة «الحرية لغزة» في إحدى المباريات، فإنه اختار تعبيرا نبيلا عن مساندة الفلسطينيين المحاصرين،
وإذا ما أعلن نجوم المنتخب الآن أنهم يرفضون الذهاب إلى إسرائيل الغاصبة، وأنهم لن يدخلوا إلى القدس إلا حين يستعيد الفلسطينيون حريتهم، ولن يصلوا في المسجد الأقصى وهو لا يزال تحت الأسر، فإن ذلك من جانبهم يعد أكبر دعم للشعب الفلسطيني.

أما ذهابهم إلى القدس في الظروف الراهنة بالذات فإنه يعد طعنة للشعب الفلسطيني، بل جريمة أخلاقية وسياسية بحق ذلك الشعب.
لقد علمت من الدكتور باسم نعيم وزير الشباب والرياضة في قطاع غزة أن أكثر من دعوة وجهت إلى اتحاد كرة القدم المصري لملاقاة الفرق الرياضية الفلسطينية، بما يمكن أن يعد دعما حقيقيا للفلسطينيين الذين يحاصرهم الاحتلال.
ولأن هؤلاء كانوا سيذهبون من خلال المعبر المصري الفلسطيني دون الحاجة إلى تأشيرات الاحتلال، فإن ذلك كان سيجنب الفريق وصمة الختم الإسرائيلي على جوازات سفر اللاعبين.
ولكن هذه الدعوات كانت تقابل بالاعتذار من الجانب المصري بحجة الانقسام الفلسطيني وعدم الرغبة في دعم فريق ضد آخر.
وهي حجة قبلوها على مضض. إلا أن فكرة المباراة بين الفريقين المصري والفلسطيني في القدس تمثل انحيازا حقيقيا أفدح وأخطر، لأنها في هذه الحالة تقام لصالح الإسرائيليين ضد الفلسطينيين.
إننا إذا أخرجنا من المعادلة ذريعة دعوة المنتخب المصري لمساندة الشعب الفلسطيني، فقد نجد مصالح أخرى أصغر تبرز في الأفق.
منها ما يتردد عن حرص بعض المسؤولين في اتحاد كرة القدم المصري على كسب ثقة مسؤولي الاتحاد الدولي الذين يهمهم الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها.
منها أيضا أن في الطرف الفلسطيني عناصر متحمسة للتطبيع، وقد قام أحدهم قبل حين بترتيب مباراة في إسبانيا بين فريق من الشبيبة الفلسطينية وبين فريق آخر إسرائيلي لكرة القدم.

أيا كان الأمر. فالدعوة مريبة والهدف منها ليس بريئا بأي حال، وأخشى ما أخشاه أن تكون الضحية في نهاية المطاف هي سمعة ورصيد الاحترام الذي يحظى به المنتخب القومي المصري
ــ لذا لزم التنويه.
............................

10 مارس، 2010

نريده وطناً لا حظيرة!

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 25 ربيع أول 1431 – 11 مارس 2010
نريده وطناً لا حظيرة! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_10.html

دخلنا طور المراوغة ومحاولة التشويش على فكرة التغيير، باستدراجنا إلى مناقشات عقيمة حول تغيير اللون والواجهات، في حين أن المطلوب تغيير أساسات «العمارة» ذاتها،
إذ وجدنا أن البعض يحاول إقحامنا في جدل حول معدلات النمو ونسب الفقر ونصيب الفرد من الناتج المحلي. وصولا إلى سياسة دعم السلع وأزمة البوتاجاز ورسوم النظافة، وغير ذلك من العناوين، التي قد يكون بعضها مهما حقا، لكنها تغير مجرى الحديث في الموضوع الأساسي.

هي حيلة ليست جديدة، لأنني أذكر أنه حين أثير موضوع «التعددية» عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات، فإن أحد خطباء الجمعة في دولة خليجية قال إننا سبقنا الجميع في تلك التعددية، التي يتشدقون بها، ذلك أن الشريعة أباحت تعدد الزوجات قبل أربعة عشر قرنا، من ثم فإنهم لم يسبقونا في شيء ولم يقدموا لنا جديدا.

كما أن صاحبنا هذا أراد أن يختزل التعددية في تعدد الزوجات، فإن بعض أصحابنا يفعلون نفس الشيء، حين يحاولون اختزال التغيير في تغير سياسة الدعم وقوانين الاستثمار،

لقد استهول أحدهم، وأبدى دهشة بالغة لأن د.محمد البرادعي أمضى ست ساعات في حوارات تلفزيونية، دون أن يوجَّه إليه سؤال واحد حول سياسة الدعم،
وذكر في مقالة احتلت صفحة كاملة أن الدهشة لم تفارقه حين وجد أن الرجل رد على السؤال قائلا إنه يتعيَّن الحفاظ على دعم رغيف الخبز، ولكن يمكن التفكير في تغيير دعم الطاقة.
وكان تعليق الكاتب أنها ذات الإجابة التي قدمها د.أحمد نظيف رئيس الوزراء على أسئلة مماثلة. وكأنه يحاول أن يوصل إلى القارئ رسالة تقول إن البرادعي لم يأت بجديد وإنه ليس لديه ما يضيفه إلى السياسة المطبّقة في ظل الوضع الراهن.
وفي هذه الحالة، فإن الذي تعرفه خير ممن لم تسبق لك معرفة به.

من جانبي دُهشت أيضا لسببين آخرين،
أحدهما أن يستسلم د.البرادعي لهذا الاستدراج ويحدد موقفا إزاء سياسة الدعم، حتى تمنيت في هذه الحالة لو أنه رد قائلا:
إن تلك مسألة يحددها أهل الاختصاص، وهي فرع عن السياسة الاقتصادية التي من المبكر الخوض في تفاصيلها الآن،

السبب الثاني للدهشة يتمثل في مبدأ طرح السؤال، ومحاولة اختزال الدعوة إلى التغيير في مسألة دعم السلع وسياسة دعم الاستثمارات الخارجية.

أفهم أن أوضاعا كثيرة تحتاج إلى تغيير، لكننا لا نستطيع أن نساوي فيما بينها، وإنما يتعيّن أن يكون لها ترتيب وأولويات.

وإذا اعتبرنا أن ثمة هرما لعناوين التغيير والإصلاح، فإن قضية الحرية والديموقراطية في الداخل واستقلال القرار السياسي في الخارج، ينبغي أن تحتل رأس ذلك الهرم،
لا يقلل ذلك من شأن التنمية والإصلاح الاقتصادي، لكن ذلك مما يأتي في مرتبة تالية بعد الحرية والديموقراطية، التي أكرر أن لها أركانا ثلاثة هي حق المجتمع في المشاركة والمساءلة وتداول السلطة.

وأزعم في هذا الصدد أن إطلاق الحريات بالمفهوم السابق يمثل الفارق الأساسي بين المجتمع الإنساني وحظيرة الحيوانات،
وهذا التشبيه ليس من عندي، لأنني سمعته ذات مرة من أستاذة للعلوم السياسية في إحدى الجامعات الخليجية، كانت تتحدث عن مظاهر الرفاهية والراحة، التي تتوافر للمواطن الخليجي،
وذكرت أن أمثال أولئك المواطنين إذا لم يشاركوا في صياغة حاضرهم ومستقبلهم فإن وضعهم لن يختلف كثيرا عن حالة أي قطيع في مزرعة عصرية، يتوافر للماشية فيها الغذاء الجيد والرعاية الصحية الممتازة وتكييف الهواء اللازم ومجال الحركة المعتبر.

إن الذين يحاولون إقناعنا بأن الأمور الاقتصادية تسير إلى أحسن، ويستدلون في ذلك بمؤشرات عدة، حقيقية أو وهمية، في حين يتجاهلون الأساس المتمثل في غياب الحرية والديموقراطية في مصر، يريدون أن يقولوا لنا إن الحظيرة بخير، ومن ثم فلا داعي للقلق أو التغيير.

وذلك هو الحاصل في تونس مثلا، التي تتحدث التقارير الدولية بإيجابية عن معدلات نموها الاقتصادي، لكن قيمة ذلك الإنجاز تتراجع حين نطالع في تقارير المنظمات الحقوقية صورة السجن الكبير هناك، التي تعيد إلى الأذهان فكرة الحظيرة الجيدة التجهيز.

إن الجماعة الوطنية المصرية حين تعلقت بأمل التغيير كانت ولاتزال تتطلع إلى بناء مجتمع حر، ولم تحلم يوما ما بأن تعيش في حظيرة مكيفة الهواء!
...............................

09 مارس، 2010

مكلمة الأسبوع

صحيفة الرؤية الكويتيه الاربعاء 24 ربيع أول 1431 – 10 مارس 2010
مكلمة الأسبوع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_09.html


مكلمة الأسبوع أقامها مجلسا الشعب والشورى في مصر بمناسبة الاعتداءات، التي مارستها إسرائيل على المقدسات الإسلامية في الضفة الغربية والقدس.

صحيح أن المجلسين تحدثا في الموضوع الأسبوع الماضي، لكن يبدو أن جرعة الاحتجاج لم تكن كافية، ولم تبرزها وسائل الإعلام، فعاد المجلسان للاجتماع مرة ثانية يوم الأحد الماضي (7 مارس الجاري) ـ مصادفة طبعا! ـ لكي يتحدثا في نفس الموضوع، بعد رفع سقف الكلام وتصعيد لغة الإدانة والشجب.

في جلسة مجلس الشعب قال د.فتحي سرور رئيس المجلس إن ما أقدمت عليه إسرائيل يمثل اعتداء على المقدسات الإسلامية، وإن ممارستها يجب أن تواجَه بكل حسم.
وقال د.مفيد شهاب وزير الدولة لشؤون المجالس النيابية إن الحكومة ترفض القرارات الإسرائيلية، وطالب المجتمع الدولي بجميع مؤسساته وهيئاته، الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي والأورومتوسطي القيام بمسؤولياتهم تجاه السياسات الإسرائيلية وعواقبها المدمرة على المنطقة،
حيث يتعين على تلك الجهات أن تتحرك بصورة عاجلة لوقف تلك الإجراءات،
وفي كلمته زف د.شهاب إلى مجلس الشعب الخبر التالي:
إنه نتيجة للتحرك المصري والعربي، أعربت المديرة العامة لليونسكو إيرنا بوكوفا عن «قلقها» إزاء التوتر الذي يمكن أن يحدثه القرار الإسرائيلي في المنطقة.

في الجلسة ذاتها وقف ممثل الأغلبية د.عبدالأحد جمال الدين وحمّل المنظمات الدولية المسؤولية عن استمرار تلك الانتهاكات، وطالب الاتحادات البرلمانية الدولية باتخاذ موقف واضح إزاءها.

أما رئيس لجنة العلاقات الخارجية د.مصطفى الفقي، فقد عبر عن غضبه ـ هكذا قالت صحيفة الأهرام ـ وطالب لجنة الحريات بالكونغرس الأميركي بالقيام بدورها في حماية الحقوق العربية المشروعة.

على ذات المنوال تحدث رئيس لجنة الشؤون الدينية، الذي طالب الأمة الإسلامية بالتحرك، ورئيس لجنة الشؤون العربية، الذي طالب بتحرك عربي وبإتمام المصالحة الفلسطينية.

أما رئيس مجلس الشورى السيد صفوت الشريف، فقد ألقى خطبة عصماء استنكر فيها «بقوة» الإجراءات الإسرائيلية،
فقال إن من شأنها أن تؤدي إلى إفشال مهمة المبعوث الأميركي وإجهاض المفاوضات المزمع إجراؤها بين الفلسطينيين والإسرائيليين،
ولم يفته أن يشير إلى أن مصر تبذل كل جهد ممكن للتخفيف من حدة الصراع.

وقرأ في الجلسة بيان لجنة الشؤون العربية والخارجية للأمن القومي، الذي أيد الموقف المصري في القرار الإسرائيلي
«الذي يمثل رسالة مصرية واضحة وقاطعة لإسرائيل وللقوى الدولية المعنية بأن القرار الإسرائيلي يتعارض مع كونها قوة احتلال».

وطالب البيان مجلس الأمن الدولي بأن يتحمّل مسؤولياته طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
كما طالب الإدارة الأميركية بأن تضع تعهدات الرئيس أوباما، التي أعلنها في جامعة القاهرة موضع التنفيذ.
وطالب أيضا منظمة اليونسكو المعنية بالحفاظ على التراث الإنساني العالمي بالقيام بدورها في الحفاظ والدفاع عن التراث الديني الذي سرقته إسرائيل.

ما قيل في المجلسين لم يتجاوز التعبير عن الغضب لمجرد رفع العتب، ذلك أننا لو قمنا بتصفية الكلام «وغربلته»، فسنجد أنه تراوح بين الهجاء والرجاء.
هجاء إسرائيل وسياستها إزاء المقدسات والأراضي المحتلة،
والرجاء من الآخرين أن يفعلوا شيئا. والآخرون في هذه الحالة هم الولايات المتحدة، والرباعية، والمؤسسات الدولية، والاتحادات البرلمانية، واليونسكو، والأمة الإسلامية،
أما الذين يتعين علينا نحن أن نفعله، سواء في مصر أو في العالم العربي، فقد تجاهله الجميع ولم يتطرقوا إليه لأسباب يخجل المرء من ذكرها.

هذه الثرثرة التي حدثت في المجلسين «الموقرين» تمثل ضوءا خطرا لإسرائيل يبعث إليها برسالة تقول:
لا تقلقوا. فلن نفعل شيئا من جانبنا يمس علاقاتنا معكم أو مصالحكم معنا، لكننا نعول على أريحية الآخرين،
واعذرونا في ذلك، لأنه كان علينا أن نبرئ ذمتنا فلجأنا إلى الاستغاثة بهم، ونحن نعرف أنهم أصدقاؤكم.

مع ذلك، ولكي لا نبخس أحدا حقه، فينبغي أن نسجل التقدير للجهد الكبير، الذي بذلته مصر لكي تجعل مديرة اليونسكو تعبر عن «قلقها» إزاء الممارسات الإسرائيلية.
وهو جهد إذا أضفته إلى ما أصاب حناجر أعضاء المجلسين النيابيين من إرهاق وكَبَد، بذلوه في الهجاء والرجاء، فستدرك مدى العناء الذي صرنا نتحمّله لأجل القضية!
......................

08 مارس، 2010

المريب والعجيب في صفقة الغاز – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 23 ربيع أول 1431 – 9 مارس 2010
المريب والعجيب في صفقة الغاز – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_1228.html

هذه العملية لو تكشف أمرها في أي بلد لأحدث زلزالاً يهز أركان الحكومة والنظام
- إن لوبي التصدير لإسرائيل في مصر أكبر وأقوى مما نتصور
كل الذي جرى في مسلسل بيع الغاز المصري لإسرائيل يظل مثيرا للشك وغير قابل للتصديق. ورغم أن المحكمة الإدارية العليا أجازت المبدأ وأدانت إجراءات تنفيذه، إلا أن محكمة التاريخ لن ترحم أحدا من الضالعين في الاثنين، سواء ظهروا في الصورة أو غابوا عنها.
- 1 -
الصحف التي صدرت صبيحة يوم الأحد 28 فبراير أبرزت على صدر صفحاتها الأولى قرار محكمة مجلس الدولة بإباحة تصدير الغاز لإسرائيل، معتبرة أن إقامة علاقات تجارية معها بعد معاهدة السلام من أعمال السيادة الخارجية التي لا تخضع لولاية القضاء.

وكان واضحا أن الصحف «القومية» رأت في الحكم انتصارا لسياسة الحكومة في التعاقد على بيع الغاز، إلا ان قراءة الحكم بهذه الصورة يعد سيرا على درب الذين وقفوا في قراءة الآية القرآنية عند عبارة لا تقربوا الصلاة.
ذلك أن الحكم شكك بعد ذلك في موقف الحكومة إزاء عملية التنفيذ. ودعا إلى وقف تنفيذ قراري مجلس الوزراء ووزير البترول لأنهما لم يتضمنا آلية للمراجعة الدورية لكمية الغاز المصدر وأسعاره خلال مدة التعاقد حماية للصالح العام المصري.

كما دعت المحكمة إلى إلغاء الشرط الذي يضع سقفا لأسعار البيع لإسرائيل، لكي يتماشى مع تطور أسعار الغاز والبترول في السوق العالمية.
حيثيات الحكم لم تذع بعد، لكن صحيفة «الشروق» نشرت في يوم 3/3 جانبا منها نسب إلى الحكومة ارتكاب ثلاث مخالفات في تصديرها للغاز،
الأولى أنها وافقت على تحديد كمية الغاز الطبيعي المصدرة لإسرائيل بسبعة بلايين متر مكعب سنويا «تزداد في حالة وجود فائض». مما يشكل إجحافا بحق المواطن المصرى.
المخالفة الثانية انها وافقت على تحديد سعر التصدير بحد أدنى 75 سنتا أمريكيا للمليون وحدة حرارية، وحد أقصى دولار ونصف الدولار في حالة وصول متوسط سعر خام البترول إلى 35 دولارا للبرميل، وهو ما يعني أنه لا مجال لزيادة سعر التصدير، حتى إذا ما تجاوز ذلك الحد، كما هو الحاصل حاليا.
المخالفة الثالثة ان الاتفاق تم على سريان العقد لمدة 15 عاما، على نحو غير قابل للمراجعة في ظل أي تطورات جذرية يمكن أن تحدث خلال تلك الفترة. وهو ما يتناقض مع التشريعات الحاكمة لاستغلال هذه السلعة الاستراتيجية.
مما ذكرته صحيفة «الشروق» أيضا نقلا عن الحيثيات، أن المحكمة أكدت أن الأوراق المقدمة من الحكومة لم تثبت حدوث تغيير في أسعار وكميات الغاز منذ صدور قرار وزير البترول في هذا الشأن عام 2004، كما أنها لم تفسر امتناعها عن إعادة عرض الأمر على مجلس الوزراء رغم مضي عشر سنوات على صدور قرار التصدير، لإعادة النظر في احتياجات السوق المصرية.
- 2 -
هذا الحكم يعد نهائيا وغير قابل للطعن فيه، لكنه يثير عديدا من الملاحظات والأسئلة الحائرة. .

من الملاحظات أن المستشار محمد الحسيني رئيس مجلس الدولة الذي رأس المحكمة كان قد وجه رسالة حين عين في منصبه في العام الماضي أعلن فيها أن المجلس لن ينظر في القضايا السياسية، نظرا للظروف الخاصة والملاءمات التي تحيط بها، لكنه لم يستطع أن يفي بذلك، ووجد قلب السياسة حين نظر القضية التي نحن بصددها الآن.
من تلك الملاحظات أيضا أن بيع الغاز إلى إسرائيل يعتبر قرارا سياديا يبدو غير مسوغ وغير مفهوم، ذلك أن فقهاء القانون يعتبرون أن القرار السيادي هو الذي تصدره القيادة في ضوء خياراتها السياسية وليس بصفتها سلطة إدارة، وهو ما ينطبق على تشكيل الوزارة وإعلان الطوارئ أو الدخول في حرب أو الاتفاق على هدنة.
أما الاتفاق على بيع سلعة استراتيجية مثل الغاز أو بيع سلعة استهلاكية مثل البصل والبطاطس، فلا يمكن أن يعد قرارا سياديا.
أما الأسئلة التي تثيرها القضية فهي كثيرة، منها على سبيل المثال:
* لماذا أحيطت العملية بالسرية الشديدة منذ بدئها في شهر أبريل من عام 2000، بحيث لم يعلم بها أحد إلا حين نشرت الصحف الإسرائيلية صورة توقيع الاتفاق التي ظهر فيها وزير البترول المصري مع وزير البنية التحتية الإسرائيلي «اليه سويسا» وهما يتصافحان ويتبادلان الابتسامات بعد التوقيع؟
(هل تذكر قصة السور الفولاذي الذي تقررت إقامته بصورة سرية بين سيناء وقطاع غزة، ولم يعلم به المصريون إلا بعدما نشرت الخبر إحدى الصحف الإسرائيلية).
* لماذا لم يعرض هذا الاتفاق الذي وقع في 13 أبريل سنة 2000 على مجلس الشعب المصري، شأن غيره من الثروات الطبيعية والسلع الاستراتيجية التي ينبغي أن يعرض أمر التصرف فيها على المجلس؟
* لماذا امتنعت الحكومة طوال العامين اللذين نظرت فيهما قضية وقف تصدير الغاز أمام القضاء عن تقديم أي بيان أو مستند إلى مجلس الدولة يبين نص العقود الموقعة أو الأسعار التي اتفق عليها أو أي تعديلات ادعت الحكومة أنها أجرتها على بنود الاتفاق؟ وهو ما اضطر الدفاع إلى الاعتماد في معلومات الاتفاق على المصادر الأجنبية.
* لماذا امتنعت وزارة البترول عن إعادة النظر في الكميات المصدرة طوال السنوات العشر الأخيرة، رغم علمها بتزايد معدلات الاستهلاك في داخل مصر، بما لا يسمح بتصدير أي «فائض» إلى أي دولة أجنبية؟
* مَنْ المسؤول عن المأزق الذي أصبحت مصر تواجهه الآن، حيث أصبحت تشتري الغاز من الشريك الأجنبي لكي تبيعه إلى إسرائيل بدولار ونصف الدولار، الأمر الذي يحمل الخزانة المصرية كل صباح مبلغ 12 مليون دولار، تدفعها مصر إلى الشريك الأجنبي لكي تفي بالتزامها إزاء إسرائيل
(المعلومة الأخيرة وردت في مذكرة الدفاع التي قدمتها الحكومة إلى المحكمة).
* ما الحجم الحقيقي لمخزون الغاز في مصر، الذي تبالغ فيه وزارة البترول بحيث ترفعه إلى 77 تريليون قدم مكعبة، في حين يذهب رأى الأغلبية الساحقة من الخبراء إلى أن المخزون في مصر يمثل نصف هذه الكمية؟
* هل يُعقل أن تشتري إسرائيل الغاز من مصر بسعر الوحدة يتراوح بين 75 سنتا ودولار وثلاثين سنتا، حين بدأ يصل إليها في أول مايو 2008، في حين أن سعر السوق في ذلك الوقت كان 13 دولارا، الأمر الذي يعني أننا نخسر في كل وحدة ما يقارب 11 دولارا
(للعلم إسرائيل تحصل من مصر يوميا على 665 مليون وحدة والسعر الآن 15 دولارا لكل وحدة).
- 3 -
في العام الماضي أصدرت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار محمد أحمد عطية حكمها بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل، الذي تم الطعن عليه أمام المحكمة العليا.
وكان الحكم قد اعتبر قرار وزير البترول ببيع الغاز معدوما لمخالفته لأحكام الدستور والقانون. أما الحيثيات التي وردت في الحكم فإنها أثارت نقاطا عدة من بينها ما يلي:
* ثبت من أوراق الدعوى أن الغاز الطبيعي المصري يباع بسعر لا يتناسب البتة مع السعر العالمي السائد.. ومن شأن ذلك إهدار جزء من ثروات مصر وعوائدها، التي كان يمكن لو أحسن التصرف فيها أن تعود على المجتمع بخير وفير.
* إن هذا التصرف من جانب السلطة يهدر يوميا على خزينة الدولة ملايين الدولارات، الأمر الذي يفقدها جزءا كبيرا من ثروتها وموردا مهما من مواردها، وهو ما يتعارض مع اعتبارات الصالح العام الذي ينبغي أن تسعى إليه جميع أجهزة الدولة، كما أنه لا يستقيم مع ما تقضي به نصوص الدستور من حرمة الملكية العامة وإلزام كل مواطن بواجب حمايتها.
* إن جهة الإدارة بإصدارها القرار المطعون فيه (القاضي بتصدير الغاز)، الذي لا يمت للمصلحة العامة وللمجتمع، ويهدر جزءا مهما من ثروة البلاد الطبيعية التي وهبها الله للشعب، تكون قد انحرفت بسلطتها وأساءت بشدة استعمالها.
* إن إجراءات تنفيذ الصفقة شابتها ملابسات تبعث على الشك والحيرة، فقد ثبت أن ثمة سرعة متناهية وتعاصرا مريبا في إنشاء شركة الغازات الطبيعية التابعة للقطاع العام، ثم إنشاء شركة مصرية تابعة للقطاع الخاص «باسم شركة البحر المتوسط» وتعديل نشاط الشركة الأخيرة والغرض منها، ثم منحها فور ذلك ودون غيرها عقد امتياز واحتكار شراء الغاز المصري المصدر لإسرائيل،
وهي ملابسات تثير التساؤل عن أسباب ذلك التزامن العجيب وعن السرية والتكتم الشديد الذي فرضته جهة الإدارة حول الصفقة.
كما تثير تساؤلا حول دوافع حجب تفاصيل الصفقة عن الشعب ونوابه، وهو ما يتعارض مع الشفافية المفترضة في ديموقراطيات العالم المتحضر. كما أنه يخل بالثقة الواجب توافرها في تعاملات جهة الإدارة.
- 4 -
إشارات محكمة القضاء الإداري لامست الحقائق المذهلة في مسلسل الصفقة، التي كشفت عن أن الأمر أبعد وأعمق مما بدا على السطح، بقدر ما نبهت إلى أن هناك جزءا غاطسا في المشهد لم يتعرف عليه أحد، ولم يظهر أبطاله في الصورة.
إذ لابد أن يستغرب المرء مثلا قيام وزير البترول فجأة بدعوة الهيئة العامة للبترول إلى اجتماع عاجل في 12 أبريل عام 2000، لبحث موضوع واحد هو تنفيذ تعليمات تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل عبر الأنابيب وفق الاشتراطات الإسرائيلية،
ثم في اليوم التالي مباشرة «13 أبريل» يوقع وزير البترول اتفاقية تصدير الغاز مع وزير البنى التحتية الإسرائيلية، دون تفويض من وزير الخارجية أو رئيس الجمهورية، ودون عرضها على مجلس الشعب «وفقا لأحكام الدستور».
وفي وقت لاحق «في 24 مايو» يوجه رئيس الهيئة العامة للبترول كتابا سريا إلى رئيس شركة القطاع الخاص يخطره فيه بأن شركته ستكون البائع الوحيد المحتكر والمخول ببيع الغاز الطبيعي إلى إسرائيل.
ويؤكد ضمان الهيئة العامة للبترول توفير الكميات المتعاقد عليها من حصتها أو من حصة الشريك الأجنبي.
أي أن تشتري مصر غازها الذي تملكه من حصة الشريك الأجنبي بسعر يقارب 3 دولارت لتبيعه لإسرائيل بـ 75 سنتا.

ثم في 18 مارس 2001، وبناء على الاتفاقية الباطلة بين الوزيرين المصري والإسرائيلي يصدر رئيس الوزراء قرارا غير معلن يخول وزارة البترول من خلال مؤسساتها حق بيع كمية قدرها 7 مليارات متر مكعب من الغاز المصري إلى شركة القطاع الخاص،
وفي اليوم التالي مباشرة «19 مارس» وفي إجراء غير معهود يوجه رئيس الوزراء خطابا إلى رئيس شركة القطاع الخاص يبلغه فيه أنه من دواعي سروره أن يبلغه بأن مجلس الوزراء وافق على أن تتولى شركته تنفيذ الصفقة مع الجانب الإسرائيلي.
هذا نذر يسير من خلفيات العملية التي لو تكشف أمرها في أي بلد محترم لأحدث زلزالا يهز أركان الحكومة والنظام، لكنه في مصر لم يحرك شيئا في المؤسسات الشرعية التي تم تجاوزها والازدراء بها في كل ما تم من خطوات.

أما الذين حركتهم الغيرة واستفزهم الحدث فقد كانوا بعض الوطنيين الغيورين، الذين رفضوا الاستسلام أو السكوت عن ذلك الإهدار المعيب لثروة المجتمع وذلك الاحتقار المستغرب للدستور والقانون، وذلك التخاذل المدهش أمام الإسرائيليين.
إن كتيبة القانونيين الذين يخوضون معركة الدفاع عن ثروة المجتمع وكرامته في ساحة القضاء تضم نفرا من الشرفاء سيتقدمهم السفير السابق والمحامي القدير إبراهيم يسرى، الذي قال لي قبل أيام إن قلم الكتاب بالمحكمة العليا رفض أن يسلم مندوبا عنه الصيغة التنفيذية للحكم الأخير لتنفيذ شقه المتعلق بوقف قرار بيع الغاز لحين وضع آلية لمراجعة كمية وسعر الغاز المبيع وإلغاء الشرط الذي يضع سقفا لسعر البيع.
إن لوبي تصدير الغاز لإسرائيل في مصر أكبر وأقوى مما نتصور.
...............................

Delete this element to display blogger navbar