Subscribe:

Ads 468x60px

28 فبراير، 2010

لا عادي ولا ديموقراطي

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 15 ربيع أول 1431 – 1 مارس 2010
لا عادي ولا ديموقراطي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_5416.html

لا يستطيع المرء أن يكتم شعوره بالغيظ، حين يقصده مذيع إحدى القنوات وسط الحراك المثير الذي تشهده مصر الآن، ويسأله:
ما الذي يمنع من أن يترشح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية، شأنه في ذلك شأن أي مواطن عادي،
ولماذا يحرم من ذلك لمجرد أنه ابن رئيس الجمهورية؟
وما الضرر في أن يشارك في أي انتخابات ديموقراطية مقبلة؟

ألقيت علي هذه الأسئلة، فذكرتني بما كدنا ننساه،

لكنني نظرت مليا إلى السائل لكي أتعرف على ما إذا كان يتخابث ويستعبط أم أنه رجل عبيط من أصله.

كنت أعرف أن أحد المنافقين فعلها في اجتماع خاص برئاسة الرئيس مبارك، حين انبرى، مشيدا بمواهب وفضائل جمال الابن، ثم تهدج صوته بعد ذلك. وأسبل عينيه ثم توجه إلى الرئيس برجاء حار متمنيا عليه ألا يظلم جمال ويحرم البلد من مواهبه وقدراته لأنه ابنه!
(فهمت من راوي القصة أنه كان يقصد إسناد منصب تنفيذي كبير إليه).

إذا نحيت وصلة النفاق المكشوفة في الفقرة السابقة، وعدت إلى أسئلة البداية ستجد لأول وهلة أن الكلام لا يخلو من منطق.
لكنك إذا دققت فيه جيدا ستكتشف أن الفرضيات، التي انبنت عليها الأسئلة مغلوطة ومغشوشة،
خصوصا الادعاء بأن جمال مبارك مواطن عادي من حقه أن يتنافس مع غيره على منصب الرئاسة،
كذلك القول إنه هو وغيره سيحتكمون إلى صناديق الانتخابات في ظل ممارسة ديموقراطية حرة ونزيهة.

دعك من الفرضية الأساسية التي تسلم بأنه سيرشح نفسه للانتخابات ضمن آخرين، لأن كثيرين يرجحون أن ذلك لن يحدث، وأن الرئيس مبارك سيرشح نفسه للمرة السادسة، وأن الزيارات والجولات التي يقوم بها في الآونة الأخيرة تمهد لذلك.

كان ردي ولا يزال أن جمال مبارك إنسان عادي ومواطن غير عادي. هو إنسان عادي شأنه شأن ملايين الشباب في مصر، ولابد أن تكون له فضائله على المستوى الإنساني، التي يشاركه فيها الملايين أيضا،
لكنه أيضا مواطن غير عادي لسبب جوهري هو أنه ابن للرئيس الذي يمسك بكل خيوط البلد في يده، الأمر الذي أتاح له أن يتصدر المشهد السياسي، ويصبح شريكا في القرار السياسي،
إذا تحرك فهو يصطحب معه فريقا من الوزراء ويتقدم عليهم بطبيعة الحال.
وإذا تكلم فإنه يتحدث باعتباره صانعا للسياسة (أليس أمينا للجنة السياسات كلها، وليس السياسة في مجال معين؟).
ناهيك عن أنه يتنقل في موكب تتقدمه سيارات الأمن، وحركته تستصحب احتياطات من نوع خاص، بعضها على الأرض وبعضها في الجو.
وأي مكان يقصده لابد أن يكون مؤمنا تماما، ولابد أن تكون القيادات التنفيذية والشعبية على الباب، في انتظاره ورهن إشارته،

أما سفرياته خارج مصر، فلها ترتيبات أخرى سياسية وأمنية ومالية، لا تعرف حدودها، إلى غير ذلك من الأوضاع الاستثنائية شديدة الخصوصية التي تحيط به،
الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل عن المعيار، الذي يحتكم إليه في وصفه بأنه مواطن عادي، وعن المشترك بين هذه الترتيبات التي تحيط به أينما حل، وبين أي مواطن عادي آخر في بر مصر.

لا يقف الاستعباط والاستهبال عند هذا الحد
(لاحظ أنني لم أطرح احتمال العبط لأن أي عبيط يستطيع أن يكذب الادعاء بأنه مواطن عادي، بالنظر إلى موكبه وليس بالعقل).

لكنه يشمل أيضا القول إنه وأقرانه من المرشحين سيحتكمون إلى الصناديق في انتخابات ديموقراطية، حرة ونزيهة. ليس فقط لأن مصر منذ قامت ثورة يوليو عام 52 لم تعرف انتخابات ديموقراطية حقيقية. أدت إلى تداول السلطة ناهيك عن حق الشعب في المشاركة والمساءلة.
ورغم أن هناك من يقول إن البلاد شهدت انتخابات حرة نسبيا في الستينيات. حين كان السيد شعراوى جمعة وزيرا للداخلية.
لكن حتى هذه كانت مجرد لقطة ديموقراطية وليست حالة ديموقراطية. ثم إنها ظلت الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويثبتها.

من ناحية أخرى، فإن احتكار الحزب الوطني للسلطة طوال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل. أحدث نوعا من الذوبان للحزب في الأجهزة التنفيذية، بحيث أصبح يعتمد بالكامل على مساندة تلك الأجهزة وليس على التأييد أو المساعدة الشعبية.
وذلك يشكل حائلا يحول دون إجراء أي انتخابات نزيهة،
الأمر الذي يجعل فكرة الاحتكام إلى الصناديق مجرد فذلكة لغوية وفرقعة إعلامية، لا علاقة لها بما يجري على الأرض،

حتى الكذب خبنا فيه ولم نعد نتقنه.
.......................

صلاة لا تجوز

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 14 ربيع أول 1431 – 28 فبراير 2010
صلاة لا تجوز – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_28.html

ليس مفهوما إلحاح رموز السلطة الفلسطينية على دعوة الشخصيات المصرية إلى رام الله، والدخول إليها عبر البوابة الإسرائيلية، للمشاركة فى بعض الأنشطة الثقافية والدينية والرياضية.
قبل حين دعى نفر من الفنانين واستجاب بعضهم للأسف،
ومنذ أيام قليلة قال وزير الأوقاف الفلسطينى محمود الهباش إن شيخ الأزهر سوف يزور الضفة ويصلى فى المسجد الأقصى بمناسبة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج (7 يوليو المقبل)،
وأضاف أن الإمام الأكبر ومفتى مصر أقرا بأن زيارة المسجد الأقصى فى الظروف الراهنة مقدمة على زيارة المسجد الحرام، فى غير موسم الحج.
وفى وقت لاحق نشرت الصحف خبرا غريبا عن تكريم المنتخب المصرى بالقدس فى أواخر شهر مارس الحالى، بدعوة من رئيس الاتحاد الفلسطينى جبريل الرجوب.
وطبقا للخبر الذى نشرته الأهرام يوم أمس (السبت 27/2) فإن أعضاء المنتخب المصرى سيؤدون الصلاة فى المسجد الأقصى، وسيشتركون فى مباراة مع المنتخب الفلسطينى بالملعب الرئيسى بالقدس.
«وهى المباراة التى ستقوم بتغطيتها كل وكالات الأنباء والفضائيات المختلفة من جميع أنحاء العالم، باعتبارها حدثا فريدا لم يحدث من قبل» ــ والنص منقول عن خبر الأهرام.
بعض هذه المعلومات يحتاج إلى تصحيح..
ذلك أننى سألت المفتى الدكتور على جمعة عن صحة المعلومات التى وردت على لسان وزير الأوقاف الفلسطينى، فنفى أن شيخ الأزهر قبل زيارة القدس فى الموعد الذى حدده السيد الهباش،
كما نفى ما نقله على لسانه من أنه أفتى بتقديم زيارة المسجد الأقصى على المسجد الحرام فى غير موسم الحج.
وقال المفتى إنه كان حاضرا اللقاء الذى تم بين شيخ الأزهر وبين الوزير الفلسطينى، وإن الأخير وجه إليه الدعوة فعلا لزيارة المسجد الأقصى فى 7 يوليو المقبل، لكن شيخ الأزهر لم يوافق على الزيارة وقال إن الأمر يحتاج إلى دراسة.
وليته رد عليه بالعبارة الحاسمة التى نشرتها صحيفة «الشروق» أمس على لسان البابا شنودة، وقال فيها:
«إننى لن أذهب إلى القدس إلا وهى محررة، ولن أعطى جواز سفرى للسفارة الإسرائيلية كى أحصل على تأشيرة الدخول.
إننى سأفترض حسن نية الداعين، كما أننى أتفهم حجتهم فى أن زيارة القدس والضفة الغربية قد يكون لها تأثيرها الإيجابي على فلسطينيي الداخل،
لكننى أزعم أن المصلحة فى التواصل التى يمكن أن تترتب على الزيارة لا تكاد تقارن بالمفسدة الكبرى التى سوف تترتب على إتمامها.
وأذهب إلى أن مثل هذه الزيارات تشكل ضررا بالغا بالقضية الفلسطينية، وتمثل احتيالا على التطبيع، كما إنها تقدم هدية لإسرائيل تحسن صورتها فتنسى الناس جرائمها، وتطمس معالم القمع والقبح فى سياساتها.
المدهش أن هذه الدعوات تطلق فى حين تستمر إسرائيل فى ارتكاب جرائمها بحق الفلسطينيين، من حصار غزة إلى قتل المبحوح فى دبى إلى سرقة الحرم الإبراهيمى ومسجد بلال بن رباح وضمها إلى الآثار الإسرائيلية.
ذلك طبعا غير التوسع فى الاستيطان وتهجير الفلسطينيين وهدم بيوتهم فى القدس، والاستمرار فى اعتقال وارتهان 11 ألف فلسطينى والمساومة على إطلاق سراحهم.
من ثم فبدلا من تذكير العالم بتلك الجرائم التى سجل بعضها تقرير القاضى الدولى جولدستون، فإننا ندعو العالم إلى متابعة مباراة المنتخب الكروى المصرى فى القدس!
على صعيد آخر، فان حجة التواصل مع الفلسطينيين فى الداخل لا تخلو من تهافت، لأنه فى ظل ثورة الاتصال الراهنة، فإن التواصل مع الآخرين فى أى مكان بالكرة الأرضية أصبح له ألف باب وباب. وصار بمقدور كل أحد يرغب فى ذلك.
إن أسوأ ما فى تلك الدعوات أنها تهدم الحاجز النفسى بين المصريين والعرب جميعا وبين إسرائيل، وهو الحلم الذى تتطلع إليه إسرائيل منذ إنشائها لتصبح دولة طبيعية فى المنطقة، ينسى العرب جرائمها ويصافحون أيديها المخضبة بالدماء. وهو ما لا يجوز أن يغفره لها الوطنيون والشرفاء فى كل مكان.
لذلك ينبغى أن تظل المقاطعة هى الأصل الذى ينبغى أن يستمر ولو لألف سنة مقبلة. وهذا الأصل لا تستثنى منه إلا حالة الضرورة التى يجب أن تقدر بقدرها.
وفيما عدا ذلك فكل تطبيع هو نجاسة سياسية يتعين أن يتنزه عنها أهل المروءة والشرف.
وفى ظل تلك «النجاسة» فان صلاة العرب فى المسجد الأقصى لا تجاز،
فى حين تظل صلاة الفلسطينيين فيه واجبة، لأن صلاتهم تلك تعد نوعا من التمسك به لتحريره من قبضة العدو،
فى حين أن صلاة غيرهم من العرب تعد تطبيعا مع العدو يدان فاعله فى الدنيا والآخرة ــ
والله أعلم.
...................

27 فبراير، 2010

أعزة هنا وأذلة هناك

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 13 ربيع أول 1431 – 27 فبراير 2010
أعزة هنا وأذلة هناك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_27.html

بعدما سرقوا الأرض فإنهم لم يترددوا في سرقة التاريخ، شجعهم على ذلك أنهم وجدوا الطريق مفتوحا والريح مواتية.
فحين قررت إسرائيل إدراج الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح في الضفة الغربية ضمن لائحة مواقعها الأثرية، فإن أصواتا عدة فلسطينية وأخرى عربية دعت المجتمع الدولى إلى التدخل لوقف الجريمة.
وهو ما أعطى انطباعا بأن القيادات الفلسطينية والعواصم العربية باتت بلا حول أو قوة، ولم تعد تملك سوى أن ترفع صوتها بالجؤار والشكوى، وتقديم العرائض والالتماسات إلى من يهمه الأمر في واشنطن وربما في الرباعية الدولية.
الحرم الإبراهيمي الذي يقع في مدينة الخليل رهن الاعتقال منذ عام 1994، حين قام أحد المستوطنين بإطلاق النار على الجموع التي قدمت لصلاة الفجر فقتل 29 فلسطينيا فى داخله،
وانتهى الأمر بسيطرة الجيش الإسرائيلي على الحرم ومحيطه، ثم تقسيمه لاحقا بين المسلمين واليهود. استجابة لضغوط المتطرفين الذين يعتبرون الحرم خاصا بهم، بدعوى أن النبي سليمان بناه بمساعدة الجن، فوق مغارة سيدنا إبراهيم، التي دفن فيها مع زوجته سارة وأبنائه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم.
ورغم أن المظاهر الإسلامية طاغية عليه، من المحراب إلى المنابر وغير ذلك، ولا أثر يهودي فيه، إلا أن قرار الحكومة الإسرائيلية لم يأبه لذلك،
تماما كما فعل مع مسجد الصحابي بلال بن رباح في بيت لحم، الذي يقولون إنه بنى فى موقع قبر «راحيل»، الزوجة الثانية لنبى الله يعقوب ووالدة النبى يوسف عليه السلام.
القرار الإسرائيلي صدر بعد أيام قليلة من اغتيال الموساد للقيادي الفلسطيني محمود المبحوح فى دبي، ووسط الحديث عن الاستعداد لاستئناف المفاوضات بصورة غير مباشرة بين الطرفين الإسرائيلى والفلسطينى خلال ثلاثة أسابيع، التى يتصور المتفائلون أنها يمكن أن تفضي إلى فتح ملفات الحل النهائي، التى تنتهى بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وهو الحديث الذى تنشغل به بعض عواصم العرب وتتعلق بأهدابه وأوهامه، فى حين تواصل حكومة إسرائيل مخططات القمع والاعتقال والتوسع الاستيطانى والتهويد وتجريف الأراضى أمام تقدم السور الوحشى.. إلخ،
كأننا بصدد ملعب كبير يسيطر عليه فريق إسرائيلى ما برح يمطر مرمى «الخصم» بالأهداف،
أما الفريق الآخر الفلسطينى والعربى فإنه يجلس عاجزا فى مقاعد المتفرجين، لا يقدر على فعل شىء سوى الصراخ والنحيب، وهو يشاهد الكرات تلقى فى مرماه بين الحين والآخر،
وهى لعبة عرف الإسرائيليون قواعدها جيدا ــ فظلوا يواصلون تسديد الأهداف، غير عابئين بصراخ الفريق «الخصم» واحتجاجاته ــ ومطمئنين إلى أن ذلك الصراخ هو آخر ما عندهم، وأنه قد يسمع الآخرين خارج الملعب، لكنه لن يحرك فيهم شيئا.
ولا غرابة فى ذلك، لأن أصحاب القضية إذا ارتضوا الهوان واستسلموا للعجز، فينبغى ألا يتوقعوا أن يدافع غيرهم عن حقهم وكرامتهم.
أخطر ما فى المشهد الراهن هو رسوخ اقتناع الإسرائيليين بأن الفلسطينيين والعرب ليسوا فقط عاجزين عن الفعل، ولكنهم أيضا غير راغبين فيه.
إذ لم يكن تواطؤا مع الإسرائيليين وتفويتا لهم جانب البعض، فاسترضاء للأمريكيين ومراعاة لخاطرهم من جانب آخر،
وهى الأجواء التى وقرت لإسرائيل وضعا استراتيجيا متميزا، أطلق يدها ليس فى فلسطين وحدها ولكن فى المنطقة بأسرها.
هذا الذى حدث فى الضفة الغربية تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية فى رام الله، يتزامن مع الجهد الذى يبذل إعدادا لبناء هيكل سليمان فوق أرض المسجد الأقصى.
وسيكون اتمام تشييد معبد «حوربا» بجوار حائط البراق الذى يمثل الجزء الغربى للمسجد، يوم 15 مارس المقبل إشارة البدء لإطلاق حملة بناء الهيكل الأسطورى على حساب المسجد الأقصى
(أحد حاخامات اليهود فى القرن الثامن عشر ــ اسمه جاؤون فلينا ــ كان قد حدد موعد بناء الهيكل الثالث يوم 16 مارس عام 2010).
إن إسرائيل تتقدم كل يوم على طريق ابتلاع فلسطين وطمس هويتها العربية والإسلامية، والمأساة الحقيقية أنه وهى تفعل ذلك، فإن العالم العربى يبدو إما مستغرقا فى خلافاته وتناقضاته، أو معبئا ومستنفرا ضد ما يسمى بالخطر الإيرانى،

يوما ما توعد وزير خارجيتنا الهمام بكسر رجل كل من يعبر الحدود المصرية من الفلسطينيين، لكننا لم نلمس منه جرأة أو غيرة مماثلة إزاء رسائل الاستعلاء والازدراء التى تبعث بها إسرائيل كل يوم إلى العرب أجمعين، ومصر فى المقدمة منهم،

لقد قلبنا الآية، وصرنا أعِزَّة على الأشقاء وأذلة على الغاصبين والمفترين.
........................

25 فبراير، 2010

من يلعق حذاء مصر؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 11 ربيع أول 1431 – 25 فبراير 2010
من يلعق حذاء مصر؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_25.html

أذاع السيد صفوت الشريف سرا ما خطر لأحد منا على بال، وقد انتبهت بعض الصحف المصرية إلى أهميته فأبرزته،
فى حين أدركت صحف أخرى خطورته فتكتمت عليه، تجنبا لما قد يثيره من تساؤلات تترتب على إفشائه.
ذلك أن مجلس الشورى كان قد عقد جلسة يوم الأحد الماضى (21/2) لمناقشة أمور عدة، كان من بينها النظام الانتخابى، الذى انتقده أحد الأعضاء، ممدوح قناوى رئيس الحزب الدستورى،
ولكن السيد الشريف رئيس المجلس انبرى له قائلا:
إن مصر تعيش ديمقراطية حقيقية وليست مزيفة، وإنها شهدت بفضل ذلك النظام أول انتخابات رئاسية نزيهة بين أكثر من مرشح، كان من بينهم السيد قناوى نفسه، الذى تلقى من الحكومة نصف مليون جنيه لصالح حملته الانتخابية، ولم يسأله أحد عن أوجه إنفاقها ــ (لاحظ الغمزة).
وتلك أخبار جديدة انضافت إلى معلوماتنا، سواء ما تعلق منها بالديمقراطية الحقيقية أو نزاهة الانتخابات، أو ما تعلق بالسيد قناوى نفسه.
لكن هذه لم تكن المفاجأة الوحيدة أو الأهم. ذلك أن جو القاعة تكهرب حين انبرى أحد نواب الحزب الوطنى قائلا إنه شاهد وسمع السيد قناوى وهو يقول على شاشة قناة «الجزيرة» إن النظام المصرى منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد أصبح منبطحا يلعق الحذاء الأمريكى، الأمر الذى أثار ثائرة النواب، الذين اتهموه بالتخريب وطالبوه بالاعتذار عما صدر عنه.
ووسط الضجة المثارة حسم السيد الشريف الأمر وأطلق مفاجأته التى قال فيها
إن مصر لا تخضع أبدا، وهى لا تلعق حذاء أحد، وإنما يلعق حذاؤها ويستجدى بها فى المنطقة.
وهى العبارة التى وضعتها صحيفة «روز اليوسف» عنوانا على الصفحة الأولى، ثم كررتها على رأس الصفحة الخامسة من عدد الاثنين 22/2.
حدث ما كان متوقعا، فقد طلب رئيس مجلس الشورى إحالة ممدوح قناوى إلى لجنة القيم للبت فى أمره بسبب ما صدر عنه، لكن صاحبنا طلب الكلمة وقال إنه لم يقصد الإساءة إلى الرئيس، وإن ما جاء على لسانه كان تقييما لكبوة العرب منذ عام 1967،
ونفى قوله أن مصر تلعق حذاء أمريكا، مشيرا إلى أن هذا الكلام مرفوض منه، تماما كما رفضه أعضاء المجلس.
وطلب العفو عنه، فأجيب طلبه والغى قرار إحالته إلى لجنة القيم، كما شطب الموضوع كله من المضبطة.
دعك من اللغة الهابطة التى استخدمت فى الكلام، لأنها أصبحت من سمات «الحوار» فى مجلسى الشعب والشورى،
لأن الأهم من ذلك هو دلالة العبارة التى صدرت عن السيد الشريف. التى أعلن فيها أن مصر هى التى يُلعق حذاؤها ويُستجدى بها فى المنطقة.

ذلك أننى منذ وقعت على هذا الشق وأنا أتساءل عما إذا كانت هذه معلومات أم انفعالات؟
ولأن السيد الشريف رجل سياسة متمرس، فإننى استبعدت أن يكون الذى صدر عنه مجرد زلة لسان وافترضت أنه كرجل مسئول يتحدث استنادا إلى معلومات،
وهو ما دفعنى إلى التساؤل عن طبيعة وهوية تلك الأطراف التى تلعق الآن حذاء مصر وتستجدى بها،
وهل هى دول أم منظمات وهيئات؟.

شجعنى على ذلك أن جريدة الأهرام تكتمت على هذا الشق من الكلام ولم تذكره، ربما لكيلا ينفضح أمر «اللاعقين».
فشلت فى أن أجد دولة يمكن أن تنطبق عليها الأوصاف التى أطلقها رئيس مجلس الشورى، حتى قلت إن انفعالات الرجل الذى جاوز السبعين من العمر ربما طغت على معلوماته،
وإن كلامه لا يختلف كثيرا عن هتافاتنا فى إضرابات المدرسة الثانوية، التى كانت تقول:
«مصر والسودان لنا وإنجلترا إن أمكنا».

وحين وليت وجهى شطر الهيئات والحركات التى يمكن أن تنسحب عليها تلك الأوصاف، وجدت أن مصر تنتقد من جانب منظمات حقوق الإنسان.
كما أنها نفضت يدها من حركات التحرير جميعها، باستثناء الفصائل الفلسطينية،
ولما كانت مشتبكة مع منظمات المقاومة، ولم يعد لها خطوط مفتوحة إلا مع جماعة فتح المهيمنين على السلطة فى رام الله، فإن ذلك يستدعى السؤال التالى:
هل كان يقصدها السيد صفوت الشريف بكلامه؟..
حيرنى السؤال ووجدت أنه وحده الذى يمكن أن يجيب عنه، إلا إذا أراد أن يحتفظ بالسر لنفسه!
......................

23 فبراير، 2010

خيارات السلامة والندامة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 10 ربيع أول 1431 – 24 فبراير 2010
خيارات السلامة والندامة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_23.html

لا أعرف ما الرسالة التي تلقاها أهل القرار في مصر، الذين لا أشك في أنهم تابعوا أصداء عودة الدكتور البرادعي إلى القاهرة.
كما أنني لا أعرف كيف يفكرون في التعامل مع هذه الأصداء.
ولا أشك في أن الأجهزة المعنية حرصت على التهوين من شأنها، حتى لا تسبب قلقا أو إزعاجا للمقامات العليا، ومن ثم تطمئنها إلى أن «كله تمام» وأن الموقف تحت السيطرة.
وهذا الشق الأخير ليس افتراضيا، لأن من تقاليد جهاز الإدارة في مصر أن يتجنب إحداث صدمة لصاحب القرار، ولذلك فإن المسؤولين عن هذا الجهاز عادة ما يخففون من أي صورة كئيبة ينقلونها أو يعرضونها بالتقسيط.

وفيما سمعت من بعض الوزراء السابقين الذين أعرفهم، فإنهم كان يطلب منهم قبل لقاء المسؤول الأكبر أن يذكروا الأخبار الجيدة، ويستبعدوا من أحاديثهم أي أخبار سيئة تبعث على الكدر ولا تسر الخاطر.

ليس بمقدورنا في الحاضر ولا في المستقبل القريب، أن نقيس كم نسبة الغاضبين والساخطين على الوضع القائم في مصر، والداعين إلى تغييره.
ذلك أنه بمقدورنا أن نعرف كل أسبوع أو أسبوعين مدى شعبية الرئيس ساركوزي في فرنسا أو جورج براون رئيس الوزراء في بريطانيا أو غيرهما من قادة الدول الديموقراطية، لكننا نعجز عن أن نتابع مؤشرات شعبية الرئيس مبارك على مدى 29 عاما،
ليس ذلك فحسب، وإنما هناك شك كبير في أي تقديرات يمكن أن تطلق في هذا الصدد، ذلك أن الذين يزورون الانتخابات ويصطنعون أغلبية كاسحة للحزب الحاكم في المجالس المحلية والنيابية المنتخبة، لن يترددوا في تزوير الحقيقة فيما يخص شعبية النظام وشرعيته.

أيا كان الأمر، فالذي لا يختلف عليه اثنان أن ثمة سخطا شائعا بين فئات المجتمع المصري لا ينبغي تجاهله أو التهوين من شأنه. والقول بغير ذلك يظل نوعا من دفن الرؤوس في الرمال، من شأنه كتمان الغضب وتراكمه، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه في أي وقت، قريبا كان أو بعيدا.

إذا سلمنا بوجود السخط والغضب، فإن السؤال التالي هو:
كيف سيتم التعامل معه؟

ـ في الرد على السؤال، هناك ثلاثة احتمالات،
أحدها تجاهل ما يجري،
والثاني استنفار الأمن للتعامل معه،
أما الثالث فهو التفاعل السياسي معه.

إذ لا أستبعد أن يتم تهوين الموقف بحيث يعتبر النظام أن تلك الأصداء مجرد عاصفة لن تلبث أن تهدأ، وحماس سيفتر ويتبدد بمضي الوقت. ومن ثم يقف منها موقف الحياد واللامبالاة. وهذا هو الخيار الأسوأ الذي يفتح الباب لاحتمالات الفوضى والانفجار الذي لا يُعرف له شكل أو حدود أو موعد.

الاحتمال الثاني هو الخيار الأمني، الذي يحيل الملف بكامله إلى أجهزة وزارة الداخلية للتعامل مع جميع مفرداته وعناوينه، من ثم تتحرك الآلة التي نعرفها، للرصد والمراقبة والملاحقة والاعتقال وتلفيق القضايا، وإعادة إنتاج التقارير والادعاءات التي تتحدث عن التجمهر غير المشروع وبث الشائعات المغرضة، والتخابر والعمل لمصلحة جهات أجنبية، والتآمر لقلب نظام الحكم، إلى غير ذلك من الاتهامات التي كدنا نحفظها لكثرة استخدامها في وسائل الإعلام الحكومية،
وهذا هو الحل القمعي الذي يستسهل النظام اللجوء إليه، وهو خيار لا يقل سوءا عن سابقه سواء في أدواته أو في مآلاته.

الخيار الثالث يمثل مدخلا سياسيا يصغي إلى أصوات الساخطين، ويتحرى مطالبهم، ويحاول أن يتفاعل معها، بإيضاح ما التبس، وتصحيح ما اعوج أو انحرف، والتراجع عما ثبت فشله أو ضرره.
ولكي ينجح ذلك الخيار، فينبغي أن ترفع عنه يد فئتين هما
المنتفعون والمنافقون من ناحية،
والأجهزة الأمنية من ناحية ثانية،
لأن دخول الطرفين من الباب سيعني مباشرة تغييب الحقيقة من باب آخر.

للأسف، فإن نظامنا انحاز دائما إلى الحل الأمني، وفضّل استخدام هراوة الشرطة على الاستماع إلى صوت المجتمع، لذلك فالناس معذورون إذا هم انصرفوا عنه إلى من يتصوّرون أنه يمكن أن يصغي إليهم، وأن يعتبروا أي بديل عنه يمكن أن يكون أفضل منه،
وهذه رسالة ينبغي أن يتسلّمها أركان النظام، بعدما أرسلتها إليهم الجماهير التي خرجت إلى مطار القاهرة يوم الجمعة الماضي.
......................

22 فبراير، 2010

انكشفت أزمة السياسة في مصر – المقال الاسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 9 ربيع أول 1431 – 23 فبراير 2010
انكشفت أزمة السياسة في مصر – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_22.html

اذا جاز لنا ان نصف المشهد السياسي في مصر الآن فقد نلخصه في نقطتين،
الأولى ان قطاعات لا يستهان بها من النخب ومن الأجيال الجديدة يئست من المراهنة على امكانية الاصلاح في ظل الوضع القائم،
والثانية انها باتت تتلهف على رؤية «المخلص» الذي يرد لها الأمل والثقة في المستقبل.
-1-

هذه اللهفة بدت واضحة في خطاب أغلب الصحف المستقلة وقنوات التليفزيون الخاصة في مصر، الذي عبر عن حفاوة غير عادية بوصول الدكتور محمد البرادعي يوم الجمعة «19/2»،
الأمر الذي يكاد يعيد الى الأذهان الأصداء التي شهدتها مصر حين عاد اليها زعيم الأمة سعد باشا زغلول من باريس في عام 1921. حين كتب الأستاذ العقاد ان سعد »ملك ناصية الموقف من ساعة وصوله (بالباخرة) الى شاطئ الاسكندرية، وثبت في عالم العيان لمن كان في شك من الأمر ان هذا الرجل أقوى قوة في سياسة مصر القومية».

وسأل الدكتور محمد حسين هيكل قائلا: »أقدر للاسكندر الأكبر أو لتيمور لنك أو لخالد بن الوليد أو لنابليون بونابرت ان يرى مشهدا أجل وأروع من هذا المشهد؟».

وهي الفكرة ذاتها التي سجلها شفيق باشا في «حولياته» حين قال:
»لقد روى لنا التاريخ كثيرا من روايات القواد والملوك الذين يعودون الى بلادهم ظافرين، فيحتفل القوم احتفالا باهرا باستقبالهم. ولكن لم يرو لنا التاريخ ان أمة بأسرها تحتفل برجل منها احتفالا جمع بين العظمة غير المحدودة والجلال المتناهي لم يفترق فيه كبير عن صغير، احتفالا لا تقوى على اقامته بهذا النظام أكبر قوى الأرض، لولا ان الأمة المصرية أرادت ان تأتي العالم بمعجزة لم يعرف لها التاريخ مثيلا».
صحيح ان كتابات الحفاوة التي صدرت هذه الأيام لم تذهب الى هذا المدى في الترحيب بالدكتور البرادعي والاشادة به، الا انها اختلفت عنها في الدرجة وليس في النوع.
وهو ما يغرينا بالمقارنة بين الحدثين لان ثمة تباينا بينهما من أكثر من وجه.
ذلك ان سعد باشا كان زعيما حقيقيا انتخبته الأمة وأجمعت عليه ووكلته عنها في تمثيلها في مقاومة سلطة الاحتلال البريطاني والتفاوض معها.
وكان الرجل على مستوى الأمل الذي انعقد عليه، حيث لم يهدأ في نضاله ضد الانجليز وتحديه لهم، الأمر الذي أدى الى تفجير الثورة ضدهم عام 1919، مما دفعهم الى القاء القبض عليه ونفيه مع عدد من رفاقه الى مالطة،
بما يعني ان سعد زغلول كان قد اختير وأثبت جدارته بسجله النضالي الذي أثبته على الأرض، كما كان قد دفع ثمن مواقفه، لذلك فان حيثيات الاجماع عليه كان مسلّما بها من جانب القوى السياسية المختلفة في مصر.
الوضع في حالة الدكتور محمد البرادعي اختلف. فهو مرشح افتراضي لرئاسة الجمهورية من جانب أغلب نخب الجماعة الوطنية المصرية، غير المنخرطة في الأحزاب المعتمدة،
وهي النخب التي ضاقت بممارسات النظام ولم تعلق أملا على الأحزاب التي صنعها النظام على يديه وأجازها.
أما الدكتور البرادعي ذاته فانه يتمتع بخلفية وظيفية مشرفة ومرموقة، ومستقبله السياسي في مصر أمامه،
بخلاف سعد زغلول الذي كان في قلب السياسة، واحتل موقعه استنادا الى خلفيته النضالية.
في الوقت ذاته، لا وجه للمقارنة بين قوة السياسة في زمن سعد زغلول، وبين موتها في زماننا، وان ظل الرفض قاسما مشتركا في الحالتين،
أعني رفض الاحتلال البريطاني آنذاك، ورفض نظام الطوارئ المحتكر للسلطة في هذا الزمان.

-2 –

السؤال الذي يستحق ان نفكر فيه هو:
لماذا تلك الحفاوة الشديدة باستقبال وترشيح رجل مثل الدكتور البرادعي على الرغم من زعامته المفترضة وليست الحقيقية، وخلفيته الوظيفية المقدرة وليست النضالية؟
أرجو ألا يخطر على بال أي أحد انني استكثر على الرجل ان يحتفى به في بلده
. وأسجل في الوقت ذاته شعوري بالنفور والقرف ازاء حملة التجريح المسف التي استهدفته وقادتها بعض الأبواق المحسوبة على النظام في مصر.
واذ أقر بأن الحفاوة به واجبة، الا ان تساؤلاً منصباً على دلالة المبالغة في تلك الحفاوة، الى الحد الذي يكاد يضع الرجل في مقام «المخلِّص» المنتظر للوطن،

في تفسير ذلك هناك عدة احتمالات،
أحدها ان البعض انحاز اليه وتعلق به لا لانه البرادعي ولكن لانه ليس مبارك الأب أو الابن. تماما كما ان كثيرين أعطوا أصواتهم لباراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ليس اعجابا بالشخصية ولكن لانه ليس جورج بوش.

هناك احتمال آخر ان يكون بعض مؤيديه، ليست لديهم تحفظات على النظام القائم ولكنهم أدركوا انه لم يعد لديه ما يعطيه بعد مضي نحو 30 سنة على استمراره، ومن ثم فانهم أصبحوا يتوقون الى تغييره بأي بديل آخر، وجدوه في البرادعي من حيث انه شخصية دولية مرموقة.

ثم انني لا أشك في ان هناك فريقا من الناس استشعروا مهانة حين وجدوا ان فكرة توريث الحكم في بلد بحجم وقيمة مصر أصبحت متداولة بغير حرج، ولذلك فانهم ما ان وجدوا بديلا محترما مطروحا في الأفق، حتى تعلقوا به وخرجوا يهتفون باسمه.
من تلك الاحتمالات كذلك ان يكون البعض قد وجد ان النظام القائم في مصر حرص على التلويح طول الوقت بانه لا بديل عنه، وان البديل الذي يمكن ان يحل محله هو الاخوان المسلمون، الذين أصبح اسمهم بمثابة «فزاعة» تخيف فئات عدة في الداخل والخارج،
وحين وجد هؤلاء ان هناك رمزا لا هو من الحزب الوطني ولا من الاخوان، سارعوا الى الاصطفاف وراءه ومبايعته.
من الاحتمالات كذلك ان يكون آخرون قد أدركوا ان ثمة فراغا سياسيا في مصر، وان النظام القائم حريص على الابقاء على ذلك الفراغ عن طريق مصادرة أو «حرق» أي بدائل متاحة، لكي يصبح الحزب الوطني ومرشحه هو الخيار الوحيد الباقي
. وازاء حصار البدائل الممكنة واستمرار اجهاض الحياة السياسية، فان هؤلاء ما ان وجدوا ان رمزا مصريا أتيح له ان يبرز في خارج البلد ويتمتع بقامة ومكانة رفيعتين بعيدا عن نفوذ النظام وتأثيراته، حتى اعتبروه فرصة لا تعوض، ومرشحا مناسبا لقيادة السفينة الموشكة على الغرق.
ولا أستبعد ان يكون حماس البعض للدكتور البرادعي راجعا الى اقتناعهم بان طول اقامته في الخارج أكسبه تمثلا لقيم الليبرالية المفتقدة عندنا، الأمر الذي يجعله مرشحا مقبولا في العواصم الغربية، فضلا عن ان وجوده بالخارج جنبه مزالق التصنيف ضمن مراكز القوى وشبكات المصالح الموجودة في مصر، وهو بذلك يجمع بين »الحسنيين؛ رضا الخارج عليه وثقة الداخل فيه، بمعنى التطهر من مثالب النخبة الحاكمة في البلد.
-3-

اذا كانت المقارنة بين رصيد الدكتور البرادعي، وبين أرصدة الذين يديرون البلد في الوقت الراهن، فان كفة الأول ستكون أرجح لا ريب، ولكن النتيجة قد تختلف اذا ما حولنا البصر عن السلطة ومددناها نحو المجتمع،
اذ سنجد في هذه الحالة نظائر أخرى له، ربما كان لبعضها رؤى أعمق وأكثر ثراء في قراءة الواقع المصري وتحليل مشكلاته، وهو ما خلصت اليه حين جمعت الحوارات والتصريحات التي صدرت عن الدكتور البرادعي وقارنت مضمونها بتحليلات بعض المثقفين المصريين من أمثال
المستشار طارق البشري في كتابه «مصر بين التفكك والعصيان»،
والدكتور جلال أمين في كتابه »ما الذي جرى للمصريين»،
والدكتور ابراهيم شحاتة في مؤلفه «وصيتي لبلادي»
وتلك مجرد أمثلة فقط، لانني لا أشك في ان هناك آخرين لهم اسهاماتهم المقدرة في ذات المضمار، واذا جاز لي ان استطرد في هذه النقطة، فلعلي أضيف ان ما سمعناه أيضا من الدكتور أحمد زويل عن العلم والتعليم لم يضف شيئا الى ما دعا اليه العلماء المصريون طوال السنوات التي خلت،
أذكر منهم على سبيل المثال فقط الدكتور محمد غنيم والدكتور ابراهيم بدران والدكتور مصطفى طلبة والدكتور محمد القصاص والدكتور حامد عمار وغيرهم وغيرهم.
لا أريد ان أقلل من شأن الرجلين. فكل منهما له مقامه الرفيع في اختصاصه، وحين حصلا على جائزة «نوبل» فتلك شهادة حفظت لهما ذلك المقام وحصنته، لكن هناك فرقا بين تقدير النموذج واحاطته بما يستحق من احترام، وبين تحويله الى «مخلِّص» تعلق عليه آمال اخراج البلاد من الظلمات الى النور.
في ذات الوقت فلا استبعد ان تكون تلك القيمة المقدرة لكل منهما قد انضافت اليها هالة خاصة اتسمت بالابهار في نظر كثيرين، حين احتل كل واحد مكانته المرموقة خارج مصر، وهو أمر قد يفهم عند أهل الاختصاص. لكن تقييمه يمكن ان يختلف حين يتعلق الأمر بالعمل العام الوثيق الصلة بمصير الوطن وحلمه.
فيما خص الدكتور البرادعي فانني مع الحفاوة به وأرحب بشدة بانضمامه الى الصف الأول في كتيبة دعاة التغيير والاصلاح في مصر، رغم انني أشك في جدوى مطالبته بأولوية تعديل الدستور في ظل الأوضاع الراهنة، فتجربتنا أثبتت ان كلا من المناخ السائد والأيدي التي تتولى التعديل لا يبعثان على الثقة أو الاطمئنان في تحقيق الاصلاح المنشود من ذلك الباب.
-4 –

لا مفر من الاعتراف بان حملة تأييد وترشيح الدكتور البرادعي جاءت كاشفة لأزمة النظام في مصر ومدى الخواء السياسي الذي انتجته،
ذلك انه بعد مضي نحو ثلاثين عاما في سدة الحكم، وفي وجود 24 حزبا شرعيا، على هامشها نحو عشر مجموعات للناشطين تشكلت للدفاع عن الديموقراطية والحقوق السياسية، اضافة الى العشرات من منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان.
رغم توافر هذه الكيانات كلها في بلد يضم 83 مليون نسمة، فان المناخ المخيم لم يسمح بافراز قيادة سياسية من الداخل يمكن ان تكون محل اجماع من الجماعة الوطنية المصرية فتعلق نفر منهم بأول مخلص لاح في الفضاء.
في الولايات المتحدة يقولون انه اذا تكرر رسوب التلاميذ في أحد الفصول المدرسية، فان المعلم هو من ينبغي محاسبته، لان ذلك يعني انه فشل في ان يستخلص من التلاميذ أفضل ما فيهم.
ذلك ينطبق أيضا على عالم السياسة لان الجدب الظاهر الذي نعاني منه الآن في مصر، يعد شهادة على فشل ادارة المجتمع ودليلا على اصرار تلك الادارة على تعمد اخصائه واصابته بالعقم لحرق البدائل وتسويغ احتكار السلطة.
من هذه الزاوية فان استدعاء شخصية مصرية نزيهة ومحترمة من خارج المعترك السياسي لايبدو مخرجا من المأزق الذي نحن بصدده، واذ لا أشك في ان الرجل أفضل من الموجود،
لكنه يظل في وضعه الراهن دون المرجو والمنشود الا اذا خاض المعترك وقطع أشواطا على دربه.
اذا سألتني ما العمل اذن؟..
فردي انه لا بديل عن احتشاد للجماعة الوطنية يقيم حوارا حقيقيا حول تشخيص الأزمة الراهنة، وأولويات التعامل مع عناوينها، وهل تحتل الأولوية مسألة تعديل الدستور أم قضية اطلاق الحريات العامة والغاء الطوارئ، التي توفر مناخا مواتيا لتعديل الدستور بحيث يصبح ركيزة حقيقية للديموقراطية، وليس قناعا لممارسة التسلط والديكتاتورية.
ان علاج التشوهات وعمليات التفكيك والاعاقة التي تعرض لها المجتمع المصري خلال العقود التي خلت مما لا يحتمل التبسيط أو حرق المراحل.
ذلك ان الأمل في التغيير يمثل رحلة طويلة وشاقة، علما بان المتمترسين وراء الأوضاع الراهنة يعتبرون استمرارها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم.
لذا لذم التنويه، ووجب التريث والتحذير.
.........................

21 فبراير، 2010

مفاجآت قضية حزب الله

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 8 ربيع أول 1431 – 22 فبراير 2010
مفاجآت قضية حزب الله – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_9717.html

المرافعة التي قدّمها الدفاع في قضية خلية حزب الله أمس الأول (السبت 20 فبراير الجاري) تعد وثيقة مهمة كشفت الستار عن الكيفية، التي يستخدم فيها القضاء والقانون لتحقيق المآرب وتصفية الحسابات السياسية،
ويبدو أن طول مدة المرافعة وثراءها (90 صفحة عُرضت في ثلاث ساعات) لم يمكنا مندوبي الصحف من استيعاب مضمونها، لكني حين أتيح لي أن أطلع على نصها وجدت أن فيها إشارات مهمة لم تذكرها صحف اليوم التالي.

من ذلك أن النيابة العامة قدّمت في البداية مرافعة سياسية لكي تكون مدخلا للتعامل مع قضية جنائية. فتحدثت عن دولة أجنبية لم تُسمِّها، وعن زعماء للأحقاد والفتن في المنطقة، وعن تحريض للجماهير في الشارع. كما تحدثت عن دور مصر وكيف أنها لم ولن تتخلى عن مسؤولياتها.. إلى غير ذلك من العبارات والإحالات التي مكانها منابر الخطابة وليس منصات القضاء.

من ذلك أيضا أن ملف القضية الذي وقع في 3500 صفحة لم يتضمن دليلا واحدا على قيام المتهمين بأعمال إرهابية في مصر، وكل ما تضمنه أقوال واعترافات من جانب المتهمين لم تتجاوز حدود الأعمال التحضيرية، التي استهدفت تعزيز مقاومة العدو الصهيوني، وأكدت في الوقت ذاته رفضا صريحا من جانب القيادات المعنية في حزب الله للقيام بأي أعمال ضد الإسرائيليين في داخل مصر.

كانت المرافعة عن المتهم الثاني سامي شهاب، وقدّمها الدكتور محمد سليم العوا، باسم فريق الدفاع الذي ضم إلى جانبه محاميين آخرين، هما النائب اللبناني إميل رحمة والأستاذ عصام سلطان، وقد ركزت على أمور ثلاثة، هي:
أن مجموعة حزب الله قدمت إلى مصر لهدف محدد، هو ترتيب كيفية مساندة المقاومة الفلسطينية في غزة ـ
وأن هذا النهج كانت مصر سباقة إليه حين ساندت حركات التحرر الوطني في شمال أفريقيا وفي عمق دول القارة
ـ كما أنه معترف به من جانب مبادئ القانون الدولي العام وقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة.
وأجمعت عليه آراء الفقهاء والقضاء الدولي، التي سلمت جميعها بمشروعية المقاومة ضد الاحتلال، وحقها في اللجوء إلى القوة المسلحة لتحقيق مرادها.

من المفاجآت التي فجّرها الدفاع أن اثنين من المتهمين الذين ألقي القبض عليهم (الرابع والعشرون والخامس والعشرون) ذكرا في أقوالهما أنهما ينتميان إلى كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وقالا في اعترافاتهما إن اثنين من قيادات «فتح» (أحدهما باسم أبوصهيب والثاني كنيته أبوعلاء) كلفاهما بالتوجّه إلى سيناء عبر الأنفاق لتلقي تدريبات معينة، تمكنهما من القيام بعمليات فدائية ضد العدو الإسرائيلي، وهي معلومة لم تُذكر في التسريبات التي نشرتها الصحف خلال الأشهر الماضية، وقد استند إليها الدفاع في التأكيد على أن المجموعة لم تخطط للقيام بأي أعمال ضد مصر كما ذكرت النيابة في بيانها.

ذلك أنه ليس معقولا أن تكون حركة فتح على وفاق تام ورعاية خاصة مع مصر، وفي الوقت ذاته تنتدب بعضا من أعضائها للقيام بعمليات إرهابية تستهدف مصالحها.

من المفاجآت التي قدّمها الدفاع أيضا في الرد على ادعاء النيابة أن الأنفاق استُخدمت لتهريب السلاح والإخلال بالنظام العام في مصر، نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس حسني مبارك في عيد الشرطة للعام الماضي «4 فبراير 2009»، وتبنى فيه موقفا تبريريا ودفاعيا عن الأنفاق، التي اعتبرها في الخطاب نتيجة للحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة.

وصفت المرافعة تحريات مباحث أمن الدولة التي قامت عليها القضية، بأنها غير مقبولة عقلا ولا منطقا، وليس فيها أي قدر من الجدية، من ذلك مثلا أن أحد ضباط أمن الدولة شهد بأنه منذ نحو ستة أشهر سابقة على شهر نوفمبر 2008 «الذي اعتقل فيه سامي شهاب وزملاؤه» وردت معلومات تفيد بأن حزب الله يخطط للقيام بأعمال إرهابية تستهدف السائحين والسفن الإسرائيلية في قناة السويس، إضافة إلى أهداف أخرى.

وفي الرد على ذلك تساءل الدفاع: إذا كانت تلك التحريات جدية وصادقة، فلماذا سكت عنها جهاز أمن الدولة، طوال ستة أشهر قبل أن يلقي القبض على المتهمين،
وهل كان الجهاز ينتظر كل هذه المدة حتى يقوموا بما قيل إنهم خططوا له، ثم يقبض عليهم؟

لا أعرف ما إذا كان السؤال على سبيل الاستفهام أم الاستنكار، لأن الرد عليه معروف، وهو أن السياسة أرادت للسيناريو أن يكون كذلك.
..........................

تزوير فى مسميات عمومية

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 7 ربيع أول 1431 – 21 فبراير 2010
تزوير فى مسميات عمومية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_21.html

لا تخلو من دلالة ــ ومن طرافة أيضا ــ المقارنة بين مواقف الصحف المصرية فى معالجتها لحدث وصول الدكتور محمد البرادعى إلى القاهرة بعد ظهر يوم الجمعة الماضى «(19/2).
ذلك أن الخبر احتل عناوين الصفحة الأولى للصحف المستقلة، التى صدرت صباح أمس السبت، التى تنافست فى تغطية الحدث وفى نشر صور الجماهير التى خرجت لاستقباله.
فصحيفة «الشروق» أبرزت خبر العودة وانتظار المئات له الذين لم يتح لهم أن يقابلوه. كما خصصت صفحة داخلية لما سمته «المشهد الأول للبرادعى».
أما صحيفة «المصرى اليوم» فقد ركزت فى العنوان الرئيسى للصفحة الأولى على استقبال البرادعى بنشيد «بلادى بلادى»،، وبهتاف ردده ألف مواطن قائلين «يا برادعى قولها قوية، مصر عايزة ديمقراطية».
وتحت العنوان نشرت صورة لشخص محمول على الأعناق يقود الهتاف، وقد أحاطت به مجموعة رفعت صور البرادعى أيدت ترشيحه للرئاسة، كما خصصت صفحة داخلية لتغطية الحدث ومتابعة أصدائه.

عنوان صحيفة «الدستور» كان كالتالى: بهدوء أمنى وبنجاح ساحق.. الآلاف استقبلوا البرادعى،
وتحت العنوان الذى ظهر بالحبر الأحمر نشرت صورتين، إحداهما لجماهير المستقبلين، والثانية للدكتور البرادعى محاطا بنفر من رجال الأمن والمستقبلين.
وإذ خصصت الصفحة الثالثة لمتابعة التغطية ونشر بقية صور الاستقبال، فإنها أبرزت عنوانا يقول:
البرادعى رفض الخروج من قاعة كبار الزوار. وخرج من القاعة (3) لتحية أنصاره ولكن الأمن منعه.
فى مقابل هذه التغطية الواسعة التى قدمتها الصحف المستقلة الثلاث (بالمناسبة جميع الفضائيات المصرية والعربية كانت فى المطار، باستثناء التليفزيون المصرى!) فإن معالجة الصحف القومية الثلاث اختلفت تماما.

فالعنوان الرئيسى لصفحة الأهرام الأولى كان عن «إجراءات وقائية لمواجهة إنفلونزا الخنازير مع استئناف الدراسة اليوم».
أما وصول البرادعى فقد نشر فى خبر صغير وضع فى النصف الأسفل تحدث عن عودته بعد انتهاء عمله فى الوكالة الذى استمر 12 عاما.
وذكر الخبر أنه كان فى استقباله «مندوب عن وزارة الخارجية وعدد من الشخصيات الثقافية والعامة. وأنه جرى استقباله فى قاعة كبار الزوار».
صحيفة «أخبار اليوم» أبرزت على رأس صفحتها الأولى عنوانين أحدهما عن تعديلات الضريبة العقارية والثانى حول إنصاف المدرسين وتطبيق كادر التعليم على الإداريين.
وفى خبر صغير بقلب الصفحة نشرت العنوان التالى:
تنفيذا لتوجيهات الرئيس مبارك.. استقبال البرادعى بصالة كبار الزوار.
وذكر النص المنشور تحت العنوان أنه: تنفيذا لتوجيهات الرئيس مبارك تم فتح صالة كبار الزوار لاستقبال الدكتور محمد البرادعى.. كما تم تخصيص وفد من مكتب وزارة الخارجية بالمطار لإنهاء إجراءات وصوله مع زوجته،.
وعلى الصفحة الثامنة تفاصيل أخرى تحت نفس العناوين التى كررت أنه تنفيذا لتوجيهات الرئيس مبارك فتح صالة كبار الزوار للبرادعى ووفد من الخارجية لاستقباله..
من «التفاصيل» الأخرى التى نشرتها الصحيفة أن العشرات كانوا قد توجهوا لاستقباله «وسط حماية من رجال الأمن الذين لم يتدخلوا لمنعهم وتركوهم بكل حرية. وعندما علم المستقبلون بتأخر الطائرة بدأوا فى الانصراف إلا أن جورج إسحق وحمدى قنديل حاولا إثناءهم عن الانصراف، إلا أن بعضهم انصرف»!
العنوان الرئيسى للصفحة الأولى فى جريدة «الجمهورية» كان عن «كوبون البوتاجاز حق لكل أسرة».
أما خبر وصول البرادعى فقد نشر تحت عنوانين أحدهما:
«مبارك يصدر تعليمات بحسن استقبال البرادعى».. «تأخرت الطائرة فانصرف المستقبلون قبل وصوله».
أما التفاصيل فهى ذاتها التى نشرتها أخبار اليوم، مما يعنى أن المصدر واحد فى الحالتين، أغلب الظن أنه وكالة أنباء الشرق الأوسط.
إذا كنت قد لاحظت مثلى أن الصحف المستقلة ركزت على الاستقبال الشعبى للرجل، وأن الصحف «القومية» هونت من الأمر واعتبرت أن الخبر هو توجيهات الرئيس بخصوصه وانصراف الناس عن استقباله، فلك أن تستخلص دلالة هذا التفاوت ومغزاه، علما بأن هذا التفاوت يكشف عن مفارقة أخرى تتمثل فى أن الصحف المستقلة كانت فى متابعة الحدث هى القومية حقا، فى حين أن الصحف التى توصف بأنها قومية كانت حكومية صرفا وصدقا؟
.........................

20 فبراير، 2010

الرقابة حين (تقدمت)

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 6 ربيع أول 1431 – 20 فبراير 2010
الرقابة حين (تقدمت) - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_20.html

تحدثت صحفنا المستقلة التى صدرت يوم الخميس الماضى (18/2) عن استعدادات بعض أطراف الجماعة الوطنية المصرية لاستقبال الدكتور محمد البرادعى.
وكان أهم ما أبرزته فى هذا الصدد خبر اعتقال اثنين من قيادات حركة شباب 6 أبريل أثناء قيامهما بتوزيع ملصقات فى حى العجوزة بالقاهرة دعت الجماهير إلى الخروج لاستقبال الرجل فى المطار، وتضمنت تأييد ترشيحه لرئاسة الجمهورية فى الانتخابات الرئاسية القادمة.
وفى حين أبرزت تلك الصحف الخبر على صفحاتها الأولى فإن جريدة الأهرام عالجته بطريقة مثيرة للانتباه، إذ نشرته فى ذيل صفحة الحوادث الداخلية (ص28)، وكان نص الخبر المنشور كما يلى:
ألقت أجهزة الأمن بالجيزة القبض على شابين أثناء قيامهما بتعليق بعض اللافتات ولصق بعض الملصقات.. المناهضة للحكم، وعليها بعض العبارات التى تطلب تعديل الدستور، وإجراء توكيلات لإحدى المحاميات لترشيح عمرو موسى والدكتور محمد البرادعى والمستشار هشام البسطويسى، وقد حضر أيمن نور رئيس حزب الغد السابق، وحاول التدخل للإفراج عنهما مع مجموعة من أنصاره. وتجمعوا بأعداد كبيرة، وعطلوا حركة المرور، إلا أن أجهزة الأمن قامت بصرفهم وتمت إحالة المتهمين إلى النيابة.
يثير الانتباه فى صياغة الخبر أنها لم تشر إلى المناسبة ولا إلى هوية الشابين، واعتبرت ملصقاتهما مناهضة للحكم وداعية إلى تعديل الدستور، ومؤيدة لترشيح ثلاث شخصيات، متجنبه التنويه إلى أن المقصود هو الانتخابات الرئاسية.
وفى حين نشرت صحيفة «المصرى اليوم» صورة لعدد من الناشطين فى حركة 6 أبريل الذين تجمعوا أمام مقر النيابة بعد القبض على زميلهم،
فإن خبر «الأهرام» اكتفى بالإشارة إلى أنهم مجموعة من أنصار أيمن نور، وأنهم «عطلوا حركة المرور»!
هذه الصياغة المبتسرة والغامضة للحدث لم تختلف كثيرا عن الأسلوب الذى اتبعته الأهرام فى تغطية أول مناسبة تحدث فيها سعد باشا زغلول علانية عن أزمة مصر مع الاحتلال البريطانى، وهو الخطاب الذى كان بداية لتعبئة الرأى العام والتمهيد لثورة 1919،
ذلك أن حمد باشا الباسل كان قد دعا عناصر النخبة المصرية فى ذلك الزمان للالتقاء فى منزله (يوم 13 يناير 1919) والاستماع إلى سعد زغلول بصفته رئيسا منتخبا للوفد المصرى الذى قاد المفاوضات مع سلطة الاحتلال البريطانى فى ذلك الحين،
وفى خطابه ذاك دافع سعد زغلول عن حق مصر فى الاستقلال وحدد خمس خطوات تعتزم القوى الوطنية اتخاذها فى المستقبل صيانة لذلك الحق.
واقترح فى ختام كلمته إرسال برقية إلى مؤتمر الصلح فى باريس تضمنت تحية للرئيس الأمريكى وودرو ويلسون الذى كان آنذاك من دعاة الديمقراطية والاستقلال.
هذا الاجتماع التاريخى المميز، نشرت عنه صحيفة الأهرام فى عدد 14 يناير 1919، الخبر التالى:
«دعا بالأمس حمد باشا الباسل العضو فى الجمعية التشريعية جماعة كبيرة من أعيان العاصمة والأقاليم إلى تناول الشاى فى منزله بشارع الداخلية، فلبى دعوته نحو 150 ذاتا ووجيها وأديبا.
وضرب فى حديقة داره الواسعة سرادقا جميلا نسقت فيه الكراسى والمقاعد والأحونة على أجمل طراز. ثم قدمت الحلوى وأطايب المآكل على الحاضرين مع الشاى والقهوة فقضوا جميعا من الساعة الرابعة إلى السادسة بأطيب الأحاديث ثم انصرفوا رويدا رويدا وجماعات جماعات وهم يتحدثون بفخامة هذا الاجتماع بفضل الداعى وكرمه،
وكان سعادته وشقيقه وآله يقابلون المدعوين بما فطروا عليه من اللطف والكرم العربى يمتعون أسماعهم مع أصدقائهم وصحبهم بما يشنفها، تمنى الكل أو كثر مثل هذا الاجتماع الكبير».
فى ظل الرقابة التى فرضتها سلطة الاحتلال آنذاك لم يشر الخبر إلى وجود زعيم الأمة سعد زغلول، ولا إلى خطابه الذى أعلن فيه لأول مرة مطالب مصر وآمالها التى عقدتها على مؤتمر الصلح،
واكتفت الأهرام بالإشارة إلى جمال السرادق الذى أقيم فيه حفل الشاى وإلى أطايب المآكل ولطف وكرم الراعين الذين أمتعوا أسماع ضيوفهم بما يشنفها!
المقارنة بين النصين تسلط الضوء على المدى الذى يلغى تطور فنون الرقابة وأساليبها، حتى أصبحت الرقابة الذاتية أكثر فعالية و«تقدما» من رقابة سلطة الاحتلال.
..................

17 فبراير، 2010

أطفال الضحايا للبيع

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 4 ربيع أول 1431 – 18 فبراير 2010
أطفال الضحايا للبيع – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_17.html

أثار انتباه شرطة هايتي الحدودية قدوم عربة أقلّت 33 طفلا كانوا بصحبة عشرة من المبشرين الأميركان، الذين قالوا إن هؤلاء الأطفال من الأيتام الذين خلفهم الزلزال الذي ضرب الجزيرة، وقد تم تبنيهم بواسطة جمعية «الحياة الجديدة» الخيرية التي ينتمون إليها.

وحين طلب من المبشرين تقديم الأوراق التي تثبت أنهم أنهوا إجراءات التبني، أو أن أولئك الأطفال أيتام حقا، فإنهم عجزوا عن إثبات شيء مما ادعوه.

كان الأطفال خليطا من الصبيان والبنات، وأعمارهم تراوحت بين شهرين واثني عشر عاما، والواقعة حدثت في بلدة «مالباسي»، التي تمثل المعبر الرئيسي بين هايتي وجمهورية الدومينيكان المجاورة.

وكان ذلك المعبر قد شهد نشاطا مكثفا في أعقاب الزلزال الذي ضرب الجزيرة في 12 يناير الماضي، وأسفر عن مقتل نحو 150 ألفا وإصابة 250 ألفا آخرين وتشريد قرابة مليون ونصف المليون،
ورغم أن العربات كانت تعبر من المكان على مدار الساعة، إلا أن حالة حافلة الركاب هذه أثارت شكوك شرطة الحدود، فاحتجزوا ركابها وأبلغوا السلطات المختصة بأمرهم.
وحين تمت التحريات بسرعة، تبين أن بعض الأطفال المزمع نقلهم إلى خارج البلاد لهم آباء لايزالون على قيد الحياة، وأن سلطات تاهيتي تسعى إلى لمّ شملهم على عائلاتهم.

وعلى الفور اتخذ التحقيق مسارا آخر، وبدا الحديث عن عملية تهريب للأطفال تحت ستار العمل الخيري وبواسطة مبشرين ينتمون إلى جمعيات مشبوهة.
لم تكن هذه حالة فريدة في بابها، لأن التقارير الصحافية ذكرت أن سلطات الحدود أوقفت حالات أخرى مماثلة، لكن ما أثار الانتباه هذه المرة هو عدد الأطفال الذين جرت محاولة تهريبهم وكون عملية التهريب باشرتها جمعية تبشيرية كاثوليكية ـ

وكانت منظمة اليونيسيف المعنية بشؤون الأطفال قد حذرت من جماعات الاتجار بالبشر، التي ينتشر أفرادها في البلدان التي تتعرض لكوارث طبيعية، ويسارعون إلى خطف أكبر عدد ممكن من الأطفال بدعوى أنهم يتامى، ويقومون ببيعهم في أسواق أوروبا والولايات المتحدة.
وفي حين تحاول السلطات المعنية في كل بلد أن تجمع شتات الأسر من ضحايا هذه الكوارث، فإن تلك الجمعيات أو المنظمات التي تختطف الأطفال تعمل على تكريس تفريقها إلى الأبد.

قبل سنتين ضبطت واقعة مماثلة، حين حاولت مجموعة مماثلة تنتمي إلى منظمة فرنسية باسم «انقذوا الأطفال» تهريب بعض أطفال «دارفور» عبر تشاد المجاورة.
وتمت محاكمة الخاطفين وسجنهم هناك، ولكن الرئيس الفرنسي تدخل لمصلحتهم حتى تم إطلاق سراحهم وعودتهم إلى بلادهم، بدون الأطفال بطبيعة الحال.

لا نستطيع أن نعمم، فلا كل المنظمات الإغاثية كذلك، ولا كل البعثات التبشيرية ترتكب مثل هذه الجرائم، لكن الذي لاشك فيه أن بعضها تتستر تحت لافتات وأقنعة الإغاثة والتبشير لممارسة تجارة البشر، التي تعد دول العالم الثالث مصدرها الأوفر، وأن دول العالم الأول هي «المستورد الأول» إذا جاز التعبير.

هذه الخلفية تستدعي أكثر من سؤال حول حقيقة الأنشطة التي تقوم بها تلك المنظمات في دول أفريقيا وآسيا، خصوصا في مجتمعاتها الإسلامية، ونسبة غير قليلة منها بلاد ابتليت بالمجاعات والكوارث، حتى أصبحت المصدر الأول للاجئين في العالم.

في الوقت ذاته، فإن ذلك ينبهنا إلى مدى الضرر الذي لحق بهذه المجتمعات جراء حرمان المنظمات الإغاثية الإسلامية من العمل فيها، ومنع تلك المنظمات من مباشرة أي أنشطة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في إطار ما سمي بالحرب ضد الإرهاب، وهو ما أحدث فراغا كبيرا في وسط آسيا وفي أنحاء أفريقيا، الأمر الذي ترتب عليه اندفاع المنظمات الإغاثية والتبشيرية الغربية لملئه بكل ما أوتيت من قوة وقدرة.

وهو ما وضعنا إزاء مفارقة غريبة، إذ لم تؤتمن المنظمات الإغاثية والخيرية الإسلامية على العمل في أوساط المجتمعات المسلمة، في حين فتحت أبواب تلك المجتمعات على مصارعها للمنظمات الغربية باختلاف مشاربها، لممارسة الإغاثة والتبشير وتهريب الأطفال!
..................

16 فبراير، 2010

فضيحة في الجامعة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 3 ربيع أول 1431 – 17 فبراير 2010
فضيحة في الجامعة - فهمي هويدي

هذه فضيحة جامعية احترت في أمرها.
إذا عرضت وقائعها فسيكون ذلك من قبل «نشر» غسيلنا القذر وتشويه صورة الجامعات المصرية في كل مكان،
وإذا صرفت النظر عنها فسيكون ذلك من باب التستر على كارثة من العيار الثقيل.
ورغم أنني لست واثقا من أن خيار النشر يمكن أن يوقف الجريمة أو يؤدي إلى محاسبة المسؤولين عنها، فإنني رجّحته، التزاما بمبدأ سرت عليه منذ زمن، هو أنك إذا لم تستطع أن تصلح وضعا معوجّا، فقد يفيد أن تسلط عليه الضوء لتفضحه.

لقد تلقيت رسالة من د.سالم الديب الأستاذ بكلية الطب بجامعة الزقازيق،
قال فيها إنه قبل امتحان البكالوريوس الأخير شُكلت لجنة ثلاثية لمتابعة أعمال الامتحان، كان هو أحد أعضائها،
وبعد مضي ثلاثة أيام من مباشرتها لعملها أدركت أن ثمة تجاوزات جسيمة تعصف بمصداقية الامتحان، وتحول دون تمكين اللجنة من أداء مهمتها على النحو المطلوب،
فاعتذرت اللجنة عن القيام بما كلفت به، وقدم أعضاؤها تقريرا إلى عميد الكلية سجلت فيه تلك التجاوزات، التي كان منها ما يلي:
تعمّد توجيه ممتحنين معينين لامتحان طلاب محددين على نحو يكشف عن رغبة صريحة في المجاملة
ـ الموافقة على أن يغير الممتحنون اللجان، التي تحددت لهم سلفا، ليباشروا مهمتهم في لجان أخرى، ولا يفسر ذلك إلا بتعمّد إشرافهم على امتحان طلاب بذواتهم ليكيلوا لهم درجات لا يستحقونها
ـ إجراء الامتحان لطلاب قبل الموعد المحدد لهم، لكي يقفوا أمام ممتحنين معينين للسبب ذاته
ـ إجراء قرعة صورية لتوجيه طلاب معينين إلى من يمنحهم الدرجات النهائية، في حين طبقت القرعة الحقيقية على آخرين من الطلاب، الأمر الذي يعمّق من عدم تكافؤ الفرص مع زملائهم الموصى عليهم
ـ في حالة محددة اختار الأستاذ المشرف على الامتحان عددا محدودا من الطلاب «المحاسيب» لكي يمتحنهم بنفسه، بما يضمن حصولهم على الدرجات النهائية
ـ في واقعة أخرى شكلت لجنة بها ممتحنون مختارون لامتحان لجنة محظوظة ضمت طالبات من بنات ذوي الحيثية
ـ إن أحد الممتحنين قدّم مساعدة مباشرة لطالب كان مطلوبا منه كتابة تشخيص لصور طبية تظهر على شاشة العرض، هكذا بمنتهى الفجاجة والجرأة.

ما أفزعني في هذه التفاصيل ليس حدوثها في الحرم الجامعي فحسب، ولكن أن يحدث ذلك مع طلاب السنة النهائية، الذين يُفترض أن يتخرّجوا هذا العام وأن يُؤتمنوا على صحة المواطنين، ومنهم من سيحصل على درجات التفوق التي تؤهلهم للانخراط في هيئة التدريس بالجامعة.

وقد تحول الفزع إلى ذهول حين رجعت إلى من أعرف من أساتذة الطب، الذين قالوا لي إن هذه الوقائع وأكثر منها معلومة لدى إدارة الجامعة، ولذلك فليس فيها ما يفاجئهم أو يصدمهم.

الذين تحدثت إليهم قالوا إن كلية طب الزقازيق شهدت فضيحة أخرى تسرب طرف منها ثم تم التكتم عليها،
خلاصتها أن أحد أساتذة الأمراض الباطنة اكتشف اختفاء ورقتي إجابة تخصان طالبين من «الكونترول»، فسارع إلى إبلاغ النيابة بذلك،
وحين انتقلت النيابة لجرد الأوراق وإثبات الحالة، فوجئت بأن الورقتين أعيدتا إلى مكانهما الأصلي في هدوء،
وتبين أن الورقتين كانت إحداهما تخص ابنة رئيس الجامعة، والثانية تخص ابن عميد الكلية،
ولم يستبعد أحد أن تكون الورقتان قد أعيدت كتابتهما من جديد للحصول على الدرجات النهائية،
المهم أن الموضوع تم احتواؤه، وأعلنت نتيجة البكالوريوس وكان «المحروسان» من العشرة الأوائل على الدفعة!

ثمة قصة وفضائح أخرى ترسم صورة الكارثة في طب الزقازيق، التي يروعني ألا يكون الأمر مقتصرا عليها، إحدى تلك الفضائح أن هذا الذي حدث مسكوت عنه من الجميع،
في حين أنه كفيل بالإطاحة بأكبر الرءوس في التعليم وفي الحكومة بأسرها، هذا إذا وقع في أي بلد يحترم العلم أو يحترم مواطنيه، الذين سيكونون الضحايا في نهاية المطاف.

إن جامعاتنا مشغولة بمنع المنتقبات من دخول الامتحانات، ولا يستوقف مسؤولوها وقوع جرائم من هذا القبيل، وهو ما يوفر لنا إجابة عن سؤالين مهمين، هما:
لماذا تعيد بعض الدول الخليجية امتحان حملة الدكتوراه من الطب في الجامعات المصرية؟
ولماذا خرجت الجامعات المصرية من تصنيف الجامعات المحترمة في العالم؟
..........................

15 فبراير، 2010

شهادة مبارك فى مسألة الأنفاق – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 2 ربيع اول 1431- 16 فبراير 2010
شهادة مبارك فى مسألة الأنفاق – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_15.html

يبدو أن كل معلومات الموقف المصري ازاء قطاع غزة تحتاج الى مراجعة وتصويب، تشهد بذلك المقارنة بين خطابي الرئيس مبارك في مناسبة عيد الشرطة هذا العام والعام الذي سبقه.
(1)
أدري أن القصة كلها لم ترو ولم تتكشف حقائقها بعد، يسري ذلك على فصل الحسم العسكري الذي وصف بأنه «انقلاب» في غزة.
كما يسري على فصل الحصار الذي أسهم فيه الأشقاء مع الأعداء.
ولا يختلف الأمر مع فصل العدوان الاسرائيلي على القطاع.

لكن فصلا آخر في القصة يعنيني في اللحظة الراهنة ــ لأسباب ستعرفها بعد قليل ــ يتعلق بالحدود والأنفاق التي اخترقتها، واصلة بين القطاع وسيناء،
وهو الفصل الذي أثار لغطا واسعا في وسائل الاعلام المصرية طوال الأشهر الأخيرة.

ولأن ذلك اللغط لا يزال مستمرا، فان الصورة النمطية التي استقرت في الأذهان عن الأنفاق أنها مصدر لتهريب السلاح وتصدير الارهاب الى مصر، وأنها تمثل عدوانا على السيادة المصرية، بما يعد تهديدا للأمن القومي للبلد، وحول هذه المحاور نسجت تفاصيل كثيرة تحدثت عن متفجرات وأحزمة ناسفة، وتسلل عناصر قامت بعمليات ارهابية في سيناء. وصلات بين شبكات التهريب في غزة وبين شبكات دولية ممتدة عبر البحر الأحمر واصلة الى اليمن والصومال.. الى غير ذلك من الادعاءات التي استنفرت الرأي العام، وملأته بمشاعر القلق والسخط.
هذه التعبئة علت نبرتها بشكل ملحوظ في أعقاب النبأ الذي سربته صحيفة هاآرتس عن اقامة جدار فولاذي في بطن الأرض على الحدود بين قطاع غزة وسيناء، وذكر التقرير معلومتين مهمتين،
الأولى أن الهدف من اقامة ذلك الجدار الذي يفترض أن يدفن في الأرض بعمق 18 مترا (تعادل ستة طوابق) هو قطع الطريق على الأنفاق والقضاء عليها تماما.
أما الثانية فهي أن ألواح الصلب التي سيشكل منها الجدار تصنع في الولايات المتحدة بواسطة احدى الشركات المتخصصة التي أقامت جدارا مماثلا على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.
المفاجأة أبرزتها صحيفة «الشروق» في 12/13 الماضي حين نشرت الخبر تحت عنوان رئيسي تحدث عن: «جدار رفح العظيم تحت الأرض»، وهو ما أحدث قدرا غير قليل من الحيرة والبلبلة. وفي مواجهة هذه الحالة أعيد انتاج الكلام عن خطورة الأنفاق ورياح الارهاب التي تهب على مصر من خلالها، وضرورة تأمين الحدود لحماية الأمن القومي.
(2)
في خضم التعبئة الاعلامية الضاغطة، لم ينتبه كثيرون الى أن مسألة تهريب السلاح لم تكن شكوى مصرية يوما ما، ولكنها ظلت هاجسا اسرائيليا ملحا، وهي التي لم تكف عن اثارة الموضوع في كل مناسبة، سواء مع مصر أو مع أصدقائها وحلفائها في أوروبا والولايات المتحدة.
حدث تطور مهم في 16 يناير عام 2009، قبل أيام قليلة من مغادرة الرئيس بوش للبيت الأبيض،
اذ وقعت الولايات المتحدة واسرائيل اتفاقية لوقف تهريب السلاح الى غزة، كان طرفاها كل من كوندوليزا رايس وتسيبي ليفني وزيرتي خارجية البلدين،

نص الاتفاقية موجود على شبكة الانترنت، وقد ذكرت في ديباجتها أن محاربة امداد غزة بالسلاح والمتفجرات ليس أولوية لدى الولايات المتحدة واسرائيل فحسب، ولكنها مهمة يجب أن تقوم بها القوى الاقليمية والعالمية أيضا،
وأوردت بعد ذلك ستة قرارات تم الاتفاق عليها، بينها أن يعمل الشريكان مع الدول المجاورة (مصر هي الدولة العربية الوحيدة المجاورة للقطاع وليس المقصود اسرائيل بطبيعة الحال)، وبشكل متواز مع المجتمع الدولي لمنع امداد السلاح للمنظمات «الارهابية» التي تهدد أيا من الشريكين،

نصت القرارات أيضا على أن تعمل الولايات المتحدة مع شركائها الاقليميين وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لمواجهة مشكلة تهريب السلاح ونقله وشحنه لحماس. كما نصت على تعهد الولايات المتحدة بالعمل مع شركائها الاقليميين «مصر» على تأمين وظائف وأموال لأولئك الذين كانوا يعملون في تهريب السلاح لحماس!
الاتفاقية أغضبت مصر التي اعتبرتها تدخلا في سيادتها على سيناء، وعبرت عن ذلك مختلف وسائل الاعلام. من ذلك أن «الأهرام» نشرت على صفحتها الأولى يوم 2009/1/19 تقريرا اخباريا كان من عناوينه أن:
الاتفاق الأمني الأمريكي الاسرائيلي يخالف أحكام معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية ــ وأن: مصر ترفض محاولات التشكيك في سيطرتها الكاملة على سيناء.
وفي التقرير أن الاتفاق «أثار غضب مصر لأسباب عدة على رأسها أنه يبعث برسالة خبيثة تحاول بعض الأطراف الاقليمية في مقدمتها اسرائيل ترويجها، وهي أن مصر ليست لها سيادة كاملة على أرض سيناء، ومياهها الاقليمية ومجالها الجوي، مما يسهل تهريب السلاح الى حماس».
(3)
طغى العدوان على غزة «12/27 الى 1/19» على أصداء الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي. وبمضي الوقت هدأ الغضب المصري ازاءه، حتى لم يعد يذكر الاتفاق بعد ذلك، في حين أن خطا تنفيذه كانت مستمرة على الأرض دون ابطاء،
وحين أقيم الاحتفال بعيد الشرطة في يوم 4 فبراير 2009 ألقى الرئيس حسني مبارك كلمة تبدو الآن مثيرة وبالغة الأهمية لأنها تعرضت لموضوع الأنفاق على نحو يتناقض تماما مع الانطباع السائد عنها الآن،
كما انتقدت الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي. نص الكلمة نشرتها كل الصحف القومية في اليوم التالي (2/5)، كما أنه موجود حتى هذه اللحظة على موقع مصلحة الاستعلامات الالكتروني. في تلك الكلمة قال الرئيس مبارك ما نصه:
«لقد روجت اسرائيل خلال العامين الماضيين لموضوع التهريب والأنفاق. وعاودت التركيز على هذا الموضوع بعد عدوانها على غزة وخلال اتصالاتنا لوقف اطلاق النار.
وأقول ان تهريب البضائع هو نتيجة للحصار،
وأن الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي لمراقبة تهريب السلاح لا يلزمنا في شيء. وأقول اننا كدولة مستقلة قادرون على تأمين حدودنا.
ولن نقبل بأي وجود لمراقبين أجانب على الجانب المصري من الحدود.
ونتمسك بأن تبتعد أي ترتيبات اسرائيلية دولية عن أرض مصر وسمائها ومياهها الاقليمية».
حين يدقق المرء في هذا النص المتميز سيلاحظ على الفور ما يلي:- ان الشكوى من التهريب عبر الأنفاق اسرائيلية بالدرجة الأولى.
- ان مصر على علم بوجود الأنفاق وتعتبر أن وجودها مبرر في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة.
- ان مصر مدركة أن ما يتم تهريبه عبر الأنفاق هو البضائع، التي تلبي الاحتياجات المعيشية للمحاصرين. ولم يخطر على البال احتمال أن تكون بابا لتهريب السلاح الى مصر.- ان الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي على مراقبة تهريب السلاح لا يلزم مصر في شيء.- ان مصر ترفض وجود أي مراقبين أجانب على أراضيها، وتتمسك بأن تبتعد أي ترتيبات اسرائيلية مستجدة عن حدودها.- ان مصر التي اعتبرت الأنفاق من الضرورات التي ترتبت على الحصار لم تر في وجودها اعتداء على السيادة ولا انتهاكا للحدود، ولا تهديدا للأمن القومي.
في عيد الشرطة هذا العام (2010/1/25) ألقى الرئيس خطابا تطرق فيه الى بعض جوانب الموضوع، بلغة ولهجة مغايرتين، حيث قال ما نصه:
«ان مصر لا تقبل الضغوط أو الابتزاز، ولا تسمح بالفوضى على حدودها أو بالارهاب والتخريب على أرضها.. اننا قد نصبر على حملات التشهير والتطاول ولكن ما لا نقبله ــ ولن نقبله ــ هو الاستهانة بحدودنا.. أو استباحة أرضنا.. أو استهداف جنودنا ومنشآتنا..
ان الانشاءات والتحصينات على حدودنا الشرقية عمل من أعمال السيادة المصرية، لا نقبل أن ندخل فيه في جدل مع أحد أيا كان. أو أن ينازعنا فيه أحد كائنا من كان.
انه حق مصر الدولة، بل وواجبها ومسؤوليتها، وهو الحق المكفول لكل الدول في السيطرة على حدودها وتأمينها وممارسة حقوق سيادتها تجاه العدو والصديق والشقيق على حد سواء».
اذا جمعت الاشارات في السياق الى «الفوضى على الحدود» و«الاستهانة بها» و«استباحتها»، والى «عمليات الارهاب والتخريب على أرض مصر»، وأضفت الى ذلك مفردات الدفاع عن الجدار الفولاذي الذي وصف بأنه «انشاءات وتحصينات من أعمال السيادة»، فان حاصل الجميع سيوفر لك خلاصة مختلفة تماما عن تلك التي خرجت بها اثر قراءة النص السابق الذي ورد في خطبة عام 2009.
هذا التفاوت في موقف ولغة الخطابين يثير الانتباه ويستدعي سؤالا كبيرا حول الأسباب التي أدت الى الانتقال من حالة التفهم الى حالة الاستفزاز والغضب التي عبر عنها الرئيس مبارك، وعكستها وسائل الاعلام المصرية على نحو روج للصورة النمطية السلبية التي سبقت الاشارة اليها.
(4)
في تفسير هذا التحول في الموقف هناك أربعة احتمالات؛ الأول:

يكون توتر العلاقات المتصاعد بين القاهرة وبين حماس قد ألقى بظلاله على المشهد. وهو التوتر الذي بدأ منذ حسمت حماس الموقف لصالحها في قطاع غزة، واعتبرت مصر ذلك انقلابا على سياساتها، باعتبار أن أبومازن يعد حليفا طبيعيا لها،
ولا يستبعد أن تكون القاهرة قد استشعرت غضبا خاصا حين رفضت قيادة حماس التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، اضافة الى أنها لابد أن تكون غير سعيدة لاصطفاف حماس الى جانب معسكر الممانعة في المنطقة المراد تصفيته نهائيا في الظروف المواتية حاليا، اقليميا ودوليا.
الاحتمال الثاني: أن تكون خطبة السيد حسن نصرالله في مناسبة عاشوراء، التي ألقاها في 2008/12/28 (أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة) قد أحدثت نقطة تحول في الموقف المصري ازاء حزب الله أوصل الأمور الى ماوصلت اليه.
ذلك أن الأمين العام لحزب الله كان قد دعا الجيش والشعب في مصر الى مطالبة الرئيس مبارك بفتح معبر رفح أمام الفلسطينيين في القطاع. وكانت اشارته الى الجيش بمثابة تجاوز خط أحمر استفز القيادة المصرية. وهو ما أحدث رد فعل عنيف للغاية في الدوائر السياسية والاعلامية المصرية.
اذ الى جانب حملة التجريح التي استهدفت «السيد» والحزب، فان الأجهزة الأمنية استثمرت المناخ في اتجاه آخر. فحولت قضية عضو حزب الله والمجموعة التي ألقي القبض عليها معه في 2008/11/18 (قبل نحو أربعين يوما من بدء العدوان الاسرائيلي)، من اتهام بمحاولة ارسال أسلحة الى غزة كما دلت التحريات والاعترافات الأولية، الى مؤامرة للتخريب واثارة الفوضى داخل مصر (القضية منظورة الآن أمام المحكمة المختصة). وفي ظل سيناريو المؤامرة تغيرت لغة الخطاب. وأصبح الحديث عن استباحة الحدود وعن الارهاب والتخريب في مصر من التداعيات المفهومة.
الاحتمال الثالث: أن مصر قد تعرضت لضغوط خارجية كانت فوق احتمالها لحسم مسألة الأنفاق واحكام الحصار حول غزة.
فاضطرت للقبول باقامة الجدار الفولاذي مع القطاع، باشراف وتمويل أمريكي. وتكتمت الأمر في البداية، الى أن تسرب الخبر من اسرائيل. فكان لابد لتبرير وتغطية الحدث أن تطلق الحملات الاعلامية التي روجت للمخاطر والتهديدات التي تمثلها الأنفاق للسيادة والأمن القومي المصري.
(الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي ألمح الى اتهام مصر بالتسامح في تهريب السلاح لغزة وحفر الأنفاق، وشكك في عدم قدرة مصر على ممارسة سيادتها على سيناء، وهدد بفرض عقوبات في حالة عدم التعاون في وقف التهريب).
الاحتمال الرابع والأخير، ألا يكون هناك أساس للتفسيرات السابقة، وألا تكون هناك أي خلفية سياسية للتغير الذي حدث في لغة الخطابين اللذين ألقاهما الرئيس مبارك،
لأن الخطب كثيرا ما تتبنى أفكارا وانطباعات تناسب المقام.
وأن خطبة عيد الشرطة في عام 2009، التي ألقيت بعد وقف العدوان على غزة جاءت مناسبة للأجواء السائدة آنذاك.
وعندما تعكرت الأجواء في 2010 تمت صياغة خطبة مناسبة لذلك المقام ــ
والله أعلم.
..............

14 فبراير، 2010

الكلاب والقطط هي الحل!

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 1 ربيع الأول 1431 – 15 فبراير 2010
الكلاب والقطط هي الحل! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_14.html

أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي قانونا يقضي بدفع 49 يورو يوميا (نحو 400 جنيه مصري) لكل من يرعى عجوزا في أيامه الأخيرة، على ألا تزيد مدة الإجازة التي يقضيها لقيامه بهذه المهمة على ثلاثة أسابيع.

نسب القانون إلى اسم مقدمه جان ليونيتي، عضو الشيوخ الذي رأس لجنة لبحث حقوق المرضى وهم في نهاية الحياة، ولذلك سمي بـ «قانون ليونيتي»،
وكانت الفكرة الأساسية فيه أنه بعد انفراط عقد الأسرة، فإن أغلب الذين يتقدّم بهم العمر أصبحوا يعانون وحدة قاتلة، بعد انفضاض الأولاد والبنات والأهل والأصدقاء من حولهم، وهو ما يحيل حياتهم إلى جحيم في آخر سنوات عمرهم، ولذلك ينبغي أن تخصص حوافز لرعايتهم في هذه المرحلة تخفف من شعورهم بالمذلة والهوان.

المشكلة ليست مقصورة على فرنسا، لأن انفراط عقد الأسرة ـ إضافة إلى تغير مفهومها ـ أصبح من السمات البارزة للمجتمعات الغربية، وهو ما يدفع حكوماتها إلى اتخاذ إجراءات متعددة لرعاية كبار السن وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم،
من ذلك أن السلطات في إقليم سالزيورج النمساوي ناشدت المواطنين أن يتواصلوا ويتراحموا فيما بينهم بحيث يوجهون بعض الاهتمام إلى جيرانهم، وليس بأنفسهم فحسب.
وقد لجأت إلى تلك المناشدة بعد أن تكررت حالات وفاة أشخاص لا يكتشف أمرهم إلا بعد فترة من الزمن، بسبب الوحدة والعزلة التي يعيشون في ظلها، فلا أهل يسألون عنهم ولا جيران يتواصلون معهم أو يبادلونهم الود.

في أستراليا حاول أحدهم حل مشكلة الوحدة التي يعاني منها الكثيرون بوسيلة أخرى، إذ خصص موقعا لبيع الأصدقاء على «فيس بوك»، وأطلق عليه اسم يوسوشيال دوت نت،
وعرض على من يريد أن يبيع له رزمة تضم ألف صديق يتواصل معهم مقابل 177 دولارا،
وإذا أراد المشتري أن يوسّع من نطاق معارفه ويتواصل مع خمسة آلاف صديق، فعليه أن يدفع 645 دولارا.

هذه كلها حلول محدودة الأثر لمشكلة الوحدة التي يعاني منها الكثيرون في المجتمعات الغربية،
أما الحل الأكثر شيوعا فيتمثل في اقتناء الحيوانات الأليفة، باعتبارها الكائنات الوحيدة المضمون بقاؤها في البيت طوال الوقت إلى جوار من يرعاها.

ومن الأرقام التي تذكر في هذا الصدد أن عدد الحيوانات المنزلية في بلد مثل بلجيكا يزيد على عدد السكان، إذ وصل عددها إلى 11 مليون حيوان، في حين أن عدد السكان لا يتجاوز عشرة ملايين شخص. وتتكلف الوجبات التي تقدّم لتلك الحيوانات ما يقرب من 40 مليون دولار في العام.

وقد تفوق الأميركيون على البلجيكيين، حيث تقدر قيمة ما ينفقونه سنويا على حيواناتهم المنزلية بنحو 25 مليون دولار، منها عشرة ملايين دولار تقريبا لتغطية نفقات العلاج والطعام.

في هذه الأجواء التي تعتبر الحيوان الأليف هو الرفيق الوحيد في نهاية المطاف، لم يكن غريبا أن تطلب عجوز كرواتية أن يدفن ببغاؤها الراحل إلى جوارها، لأنه ظل الأنيس والجليس الوحيد لها لأكثر من 12 سنة،
الخبر نشر قبل أيام، وخلاصته أن شركة كرواتية متخصصة في دفن الموتى أعلنت أنها التزمت بتنفيذ عقد أبرمته معها ثرية مسنة (81 سنة) كان ببغاؤها قد فارق الحياة قبل أيام من وفاتها، فطلبت تحنيطه مقابل مبلغ كبير من المال، وأمرت محاميها بأن يضمن وصيتها بندا ينص على دفن الببغاء الوفي إلى جوارها. والتزمت الشركة بتنفيذ البند حين ماتت السيدة بعد أسابيع معدودة،

ويبدو أن هذه الفكرة ليست مبتدعة تماما، لأن صحيفة «ستاندارد» البلجيكية نشرت أن السلطات الحكومية في مقاطعة لييج طلبت تخصيص أماكن لدفن البشر في مقابر مشتركة مع حيواناتهم استجابة لرغبات كثيرين ممن أرادوا دفن كلابهم وقططهم إلى جوارهم تقديرا لوفائهم،

لقد حلوا الكثير من مشكلات التقدم لكن مشكلة الإنسان ازدادت تعقيدا.
....................

13 فبراير، 2010

أخلاق المواطن أولًا

صحيفة الرؤية الكويتيه الاحد 30 صفر 1431 – 14 فبراير 2010
أخلاق المواطن أولًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_8216.html


احترمت كثيرا قرارا أصدرته إحدى المحاكم الألمانية، قضى بحرمان طبيب من ممارسة المهنة، لأنه ارتكب مخالفات ضريبية جسيمة، واعتبرت ذلك مما يجرح استقامته، ويفقده شرف ممارسة المهنة النبيلة التي ينتمي إليها،

الخبر بثته وكالة الأنباء الألمانية، وذكرت فيه أن محكمة لونبورج العليا عرضت عليها قضية طبيب عيون أخفى لمدة عشر سنوات مبالغ طائلة من دخل عيادته، قُدّرت فوائدها بنحو 877 ألف يورو،
وعند استجوابه برر إخفاء البيانات الضريبية الصحيحة المتعلقة بدخل عيادته بخوفه من تردي الوضع الاقتصادي، لكنها وصفت هذا التبرير بأنه «ساذج»، لا سيما أن متوسط دخل عيادته السنوي يزيد على 200 ألف يورو.

المحكمة أدانت الرجل، وحكمت عليه بالسجن لمدة سنتين مع وقف التنفيذ،
وأهم من ذلك أنها قررت حرمانه من ممارسة مهنته، معتبرة أن من يصر بهذه الطريقة على التهرب الضريبي، يفقد الثقة المطلوبة في ممارسة الطب، وهي المهنة الرسالية التي تفترض فيمن ينتمي إليها أن يتصف بالسلوك القويم، الذي يجعله مؤتمنا على صحة المريض، في حين أن الطبيب المذكور تحرى بسلوكه صالحه المادي فقط.

لم يكن الحكم فريدا في بابه، لأن تقرير الوكالة الألمانية أشار إلى حكم سابق، أصدرته المحكمة الإدارية في مدينة هانوفر بشمال ألمانيا، قرر أن الطبيب يفقد شرف الحق في ممارسة مهنة الطب إذا ما تورط في مخالفات ضريبية جسيمة.

أهمية هذا الحكم، والذي سبقه، أنه يدافع عن أخلاقيات المواطن ويربط بينها وبين أخلاقيات مهنة الطب، وهي القيمة التي نفتقدها ولا تكاد تُذكر في خطابنا المعاصر،
ذلك أن مفهوم الأخلاق عندنا تم تضييقه بحيث بات ينصرف إلى السلوكيات المتصلة بالفضائل الفردية والابتعاد عن الرذائل.
وهو ذاته المنهج الذي حصر المنكرات في شرب الخمر وارتكاب الفواحش والمعاصي، وتلك منكرات لا ريب، لكنها تمثل حدودها الدنيا التي تتعلق بذات الفرد،

أما المنكرات العامة (الوصف أطلقه الإمام أبوحامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين)، فهي تلك التي يكون المجتمع طرفا فيها، وقد خص بالذكر الإنكار على الأمراء والسلاطين الظلمة باعتباره واجبا لا يستطيع المؤمن الملتزم أن يتحلل من أدائه.

الشيخ محمد الغزالي كان دائم الانتقاد للتركيز على الانحرافات الأخلاقية الخاصة والانصراف عن الأخلاق العامة، وقد سمعته أكثر من مرة وهو يقول
إن واقعة الاعتداء على شرف البنت تقيم الدنيا ولا تقعدها في عالمنا العربي،
أما الاعتداء على شرف الوطن، فإنه لا يكاد يحرّك شيئا لدى عامة الناس، الذين يستهولون الأولى ويستشيطون غضبا لأجلها.

إننا إذا دققنا في الصورة جيدا، فسنجد أن استقامة المرء تتوزع على ثلاث دوائر،
واحدة تتعلق بأخلاقه الخاصة وفضائله كإنسان مهذب أو منافق أو كذوب أو غير ذلك.
وواحدة تتعلق بأخلاقه المهنية التي تختلف بأخلاق المهنة أو الحرفة،
وثالثة وثيقة الصلة بسلوكياته كمواطن،
وهذه السلوكيات تتراوح بين التزامه بالقانون واحترامه للنظام العام، وبين انتظار دوره في الطابور وعدم إلقائه القمامة في الشارع،

والمواطن الصالح حقا هو من تتكامل عنده هذه الدوائر التي تشكل أركان فكرة «الاستقامة».
والمشكلة عندنا تكمن في أننا نفصل فيما بينها ولا نقيم وزنا لتكاملها.
فأستاذ الجامعة الذي يسرق فصلا من كتاب آخر لا يعاقب بمنعه من التدريس، ولكنه قد يُحرم من الترقية لبعض الوقت أو يُنقل إلى مكان آخر،
وكبار المسؤولين الذين يتربحون من وظائفهم أو تثبت بحقهم أي انحرافات أخرى يظلون في مواقعهم اطمئنانا إلى ولائهم،

ولا أحد يدرك أن من شأن ذلك تغييب النموذج الذي يجسّد فكرة الاستقامة عند الناس، ليس ذلك فحسب، وإنما يتحوّل المنحرف بمضي الوقت إلى بؤرة لإشاعة الانحراف والفساد في المجتمع،

وقيمة الحكم الذي صدر في ألمانيا أنه ربط بين الأخلاق المهنية وأخلاق المواطنة، وقدّم الثانية على الأولى، بالتالي فإنه تعامل مع مكونات الاستقامة باعتبارها قيمة واحدة لا تقبل المفاصلة أو التقسيط.

صحيح أن البون شاسع بيننا وبينهم، لكن ذلك لا يمنع من أن نغبطهم على ما يفعلون وأن نحسدهم أيضا!
....................

خطفوه ونهبوه!



صحيفة الشرق القطريه السبت 29 صفر 1431 – 13 فبراير 2010

خطفوه ونهبوه! فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_13.html

في حين بدأت نيابة الأموال العامة التحقيق مع وزير الإسكان المصري السابق في اتهامه بإهدار المال العام والتربح من منصبه، فوجئنا بملف وزير المالية ينفتح وتوجه إليه تهمة استغلال النفوذ ونهب المال العام.

وكانت صحيفة «الدستور» هي التي فجرت القضية الثانية، حين نشرت وثائق تثبت أن رئيس الوزراء أصدر عشرة قرارات خلال عام لعلاج وزير المالية المشهود له بالثراء على نفقة الدولة، بمبالغ قدرت بنحو مليون جنيه.


الاتهامات التي وجهت إلى وزير الإسكان السابق قديمة، ولا أحد يعرف لماذا فتح ملف ثم أغلق ثم فتح مرة ثانية،

أما موضوع وزير المالية فهو جديد نسبيا، لأن مبلغ علمنا أن الرجل يسعى جاهدا لتدبير الموارد التي تحتاجها الحكومة، ولا يمل من ابتكار الأساليب التي تمكنه من التوسع في الجباية والتفتيش في جيوب الخلق، وله موقفه المتشدد إزاء حدود التأمين الصحي على عموم المصريين.

لكن الوثائق التي نشرت بينت أنه لا يكف عن السفر للعلاج في الخارج على نفقة الدولة، وأن عشرات الآلاف من الدولارات تصرف له بغير حساب للحفاظ على صحته، خصوصا في المستشفيات الفرنسية والأمريكية.


لا نعرف حتى الآن ما الذي ستسفر عنه التحقيقات مع وزير الإسكان السابق، كما أننا لا نعرف ماذا سيكون مصير الاستجواب المقدم إلى مجلس الشعب بخصوص مصروفات وزير المالية، لكننا نعرف أمرين،

الأول أن الرجلين من الوزراء المدللين حيث كانا ولا يزالان من المشمولين بالعطف والرضا من جانب مراجع النظام.

الأمر الثاني أن ما نسب إليهما حتى الآن هو مجرد اتهامات، وإلى أن يتم التحقق من صحتها فإن كل واحد منهما يظل بريئًا حتى إشعار آخر.

ملاحظتي الأساسية في شأن الموضوع تتمثل في أننا في مثل هذه الحالات نسلط الأضواء على الشخص، وننصرف عن التدقيق في «البيئة» التي أنتجته.

وحين نحاكم الشخص فإننا نغض الطرف عن الذين استثمروه، واستفادوا منه، ووفروا له الحماية والمساندة طول الوقت.


فوزير الإسكان مثلا ما كان له أن يتسلح بالجرأة على القانون، ويمارس تلك التجاوزات التي نسبت إليه، إلا إذا كان قد اطمأن إلى أنه أَمَّن ظهره ووفر لنفسه غطاء جيدا من جانب أركان النظام وسدنته.

لذلك فإن أصابع الاتهام ينبغي ألا تشير إليه وحده. لأن له شركاء في ما فعل استفادوا من تجاوزاته وشجعوه عليها، من ثم فإذا أثبت أن الرجل أهدر الثروة العقارية للبلد، ووزع أراضي مصر على نفر من ذوي النفوذ والمحاسيب وتربح مما فعل، فلا ينبغي أن يحاسب وحده على ما فعل. ولكن الذين استفادوا منه ينبغي أن يحاسبوا أيضا.

وخطرت لي في هذا السياق رغبة أعرف أنها مستحيلة التطبيق، وهي أن يتم حصر أسماء الذين وزعت عليهم أراضي مصر خلال الفترة التي شغل الرجل فيها منصبه الوزاري، وكيف تحولوا من موظفين كبار إلى مليونيرات في زمن قصير، بعدما وزعت عليهم الأراضي بسخاء وبأسعار زهيدة وتسهيلات لا تخطر على البال، فباعوا بعضها، بأسعار عالية، وشيدوا قصورًا بما حَصّلوه من أرباح. ولم ينسوا للرجل جميله، فردوه إليه بوسائل متعددة.

وهي القائمة التي لن ترى النور في الوقت الراهن على الأقل، لأن المرشحين لها هم الذين يديرون البلد، ويتقدمون صفوف الذين يهتفون صباح مساء بحب مصر!


أما ما نسب إلى وزير المالية فهو يثير قضية أكبر من الرجل، تتعلق بالكيفية التي تنفق بها أموال البلد، إذ لا يعقل أن يكون تبديد تلك الأموال مقصورا على وزير بذاته. وإنما ما كان له أن يتدلل بهذه الصورة وأن يغترف من ماله بذلك النهم، إلا إذا كانت تلك إحدى سمات قبيلة أهل الحظوة، الذين لا يحاسبون على ما يفعلون، ولا على ما ينفقون.


إذا أثبتت التحقيقات صحة الادعاءات المنسوبة إلى الرجلين، فذلك سيعني أن الذين اختطفوا البلد لم يكتفوا باحتكار السلطة فيه، وإنما عمدوا إلى نهبه وافتراسه. بحيث لم يتركوا لأجياله شيئًا لا في أرضه ولا في خزانته.

تسلموه وطنًا وحولوه إلى حطام وأنقاض.

........................

11 فبراير، 2010

عذر أقبح من الذنب

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 27 صفر 1431 – 11 فبراير 2010
عذر أقبح من الذنب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_11.html

ليت الأمير تركي الفيصل ما أصدر البيان الذي شرح فيه ملابسات مصافحته لنائب وزير الخارجية الإسرائيلي، ذلك أن شعورنا بالحزن لحدوث المصافحة، تحوّل إلى شعور بالصدمة على أثر الاطلاع على البيان.

صحيح أن ذلك ليس أول تواصل إسرائيلي ـ سعودي، لأن ثمة أحاديث متواترة عن اتصالات سابقة غير معلنة تردد فيها اسم الأمير بندر بن سلطان السفير السابق في واشنطن، وأخرى غير مباشرة كان بينها دعوة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز إلى مؤتمر حوار الأديان الذي عقد في واشنطن بتمويل سعودي وحضره الملك عبدالله بن عبدالعزيز، إلا أنها المرة الأولى التي يثار فيها الموضوع بشكل علني ومباشر.

صحيح أيضا أن الأمير تركي الفيصل لا يحتل منصبا رسميا في المملكة، وإنما هو رئيس سابق للمخابرات السعودية وسفير سابق في لندن وواشنطن، ويحتل الآن منصب رئيس مركز للأبحاث بمؤسسة الملك فيصل الخيرية،
الأمر الذي يعني أن ما صدر عنه لا يمثل المملكة بالضرورة، إلا أنه يظل جزءا من الأسرة الحاكمة وليس منفصلا عنها، وإذا لم يكن تصرفه محسوبا على المملكة فهو بغير شك محسوب على الأسرة، التي لها موقفها الحازم الرافض لأية علاقات مع العدوان الصهيوني، في ظل استمرار سياساته الراهنة.

ولئن قيل إن غيره من المسؤولين الخليجيين فعلها، فالرد على ذلك أن للسعودية وضعها الخاص كقيمة سياسية ورمزية دينية، وأخطاء الكبار خطايا كما يقال،
أما إذا قيل إن شيخ الأزهر سبق إلى مثل تلك المصافحة، فردّي على ذلك أن تلك نقطة سوداء في صفحته. ستظل تلاحقه في الدنيا والآخرة، ثم إنه تصرّف كأي موظف في حكومة عقدت اتفاق سلام مع إسرائيل.

خلاصة القصة أن مؤتمرا دوليا للأمن بدأ أعماله في ميونيخ بألمانيا يوم السبت الماضي (6 فبراير). وفي يومه الأول رفض الأمير تركي الفيصل الجلوس إلى جوار نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني ايالون في إحدى حلقات المناقشة، ما أثار استياء الرجل وانفعاله،
فاستغل الموقف لكي يعلن أن ثمة هوة بين الأقوال والأفعال في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن شخصا من دولة لديها الكثير من النفط رفض أن يجلس معي في حلبة المناقشة.
مشيرا إلى أن «السعودية بكل ثروتها لم تقدم مليما واحدا للسلطة الفلسطينية».

بقية القصة شرحها البيان الذي أصدره الأمير تركي لاحقا، وقال فيه
: «رددت عليه بأنني اعترضت على جلوسي معه في جلسة واحدة، لا لأنه نائب وزير خارجية إسرائيل، ولكن بسبب سلوكه الفظ مع السفير التركي في تل أبيب.
كما أنني أرفض مزاعمه بشأن دعم بلادي للسلطة الفلسطينية، بتذكيره أن المملكة قدّمت لها أكثر من 500 مليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة..
ثم طلب مني ايالون بعد ذلك الصعود إلى المنصة ومصافحته كدليل على عدم وجود ضغينة،
فأشرت إليه بأن عليه أن ينزل هو إليّ، وعندما وقفنا وجها لوجه قال إنه يأسف على ما قاله، ورددت عليه بأنني قبلت اعتذاره، ليس فقط كشخص، ولكن للسفير التركي أيضا».

كانت تلك هي الملابسات التي أدت إلى المصافحة، كما أوردها البيان الذي نشرت نصه صحيفة «الشرق الأوسط» في 8 فبراير الجاري
وبدا العذر فيه أكبر من الذنب، ذلك أن الأمير تركي ذكر أنه رفض الجلوس إلى جوار ايالون بسبب إهانته للسفير التركي في تل أبيب،
وأنه رد ادعاءه بأن السعودية لم تدعم السلطة الفلسطينية،

وجاءت الحجة الأولى مدهشة، لأن وزير الخارجية التركي كان جالسا في دائرة الحوار، وهو الأولى بالغضب لسوء معاملة سفير بلاده لدى إسرائيل.

ولا بأس من رد مسألة الدعم المالي للسلطة، لكن العجيب في الأمر أن الأمير لم يشر إلى أن ثمة قضية لم تحل بين العرب وإسرائيل، وأن كل مسؤول إسرائيلي بمن فيهم السيد ايالون ذاته يداه ملوثتان بالدم الفلسطيني،
كذلك فإن ايالون حين دعاه للصعود إلى المنصة لمصافحته لكي يثبت الأمير ألا ضغينة لديه إزاءه، فإن النقطة التي أشار إليها البيان ركزت على من يصعد إلى المنصة أو ينزل منها، ولم تكن حول ما إذا كانت هناك ضغينة أم لا.

المفارقة أن بيان الأمير عبر عن تلك الضغينة ـ التي هي الشعور الطبيعي لدى أي عربي شريف ـ وقال لنا ما كان ينبغي أن يقوله للمسؤول الإسرائيلي أمام الملأ الجالس في المؤتمر، إذ ذكر في البيان أن إدانته للسياسة الإسرائيلية ثابتة لم تتزحزح، كما أنه اتهم إسرائيل بسرقة الأرض العربية التي لم تكن لها في الأساس.

لقد هان أمرنا بحيث لم نعد نعترض على وقوع الفاحشة السياسية، وإنما أصبحنا ندعو إلى سترها وإحسان إخراجها.
......................

10 فبراير، 2010

عن ثقافة الاستهانة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 26 صفر 1431 – 10 فبراير 2010
عن ثقافة الاستهانة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_10.html

ثمة اتفاق بين الخبراء المعنيين على أن الإهمال البشري أسهم في تفاقم كارثة السيول التي ضربت جنوب مصر وشمالها، الأمر الذي أدى إلى تدمير مئات البيوت وتشريد الآلاف من البشر،

ورغم أن تلك حقيقة لم يختلف عليها أحد، إلا أننا لم نقرأ أو نسمع أن أحدا من المسؤولين عن ذلك الإهمال تعرض للمساءلة أو المحاسبة، الأمر الذي غدا دليلا آخر على شيوع «ثقافة الاستهانة» في المجتمع، التي باتت تهدد كيان الوطن.

وهذه الجملة الأخيرة ليست من عندي، ولكني اقتبستها من مقال للدكتور سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس، نشرته له جريدة «الشروق» في 7 فبراير الجاري، ووجدت أنه يثير قضية غاية في الأهمية ينبغي أن تكون موضوع حوار واسع، لأنها تتعلق بمستقبل البلد وأهله.

في مقاله ذكر د.نعيم تعليقا على الإهمال الذي جرى في كارثة السيول أن في مصر استهانة أو عدم حرص على كل شيء تقريبا، استهانة بموارد مصر المائية ومصادر ثروتها، واستهانة بحياة الإنسان وسلامته وصحته وأمنه وكرامته.

وبعد أن ضرب أمثلة لنماذج تلك الاستهانة قال إننا: بصدد منظومة عامة من القيم الاجتماعية ذات الطابع السلبي، التي توجه سلوكيات المسؤولين الحكوميين والمواطنين على اختلاف مواقعهم. وهذه القيم مهدرة للثروة القومية، ومهددة لحياة البشر وسلامتهم، وفوق ذلك معوِّقة للتنمية وللتطور الاجتماعي بصفة عامة.

ولحل ذلك الإشكال، فإنه دعا لأن تتولى الجهات الحكومية والأهلية بلورة منظومة قيمية إيجابية بناءة، ووضع استراتيجية جديدة للحلم المصري، بما تشتمل عليه من سياسات وخطط لتنفيذه.
وإذ وصف هذه الاستراتيجية بالمشروع النهضوي، فإنه اعتبرها الخطوة الأساسية الأولى لتعديل منظومة القيم الاجتماعية أو صياغة منظومة جديدة تخدم ذلك الحلم وتجسّده على أرض الواقع.

هذه الخلاصة لفكرة د.نعيم، التي أرجو ألا تكون مخلة كثيرا، أتفق مع منطوقها الأساسي، لكن لي عليها ملاحظتين،
الأولى في التشخيص
والثانية في العلاج.

في التشخيص لاحظت أنه وضع السلوكيات السلبية للمسؤولين الحكوميين والمواطنين على قدم المساواة، وفي ذلك ظلم للناس، لأن الحكومة في حقيقة الأمر تقوم بدور المربي للمجتمع، وهي بأدائها وبالنموذج الذي تقدمه تعد المسؤول الأول عن شيوع ثقافة الاستهانة في أرجائه.

وتحضرني هنا مقولة للفيلسوف الفرنسي هلفيتيوس (في القرن الثامن عشر) ذكر فيها أن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد،
بمعنى أن الشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة، وإنما تؤثر السلطة في خصائص الشعب وأخلاقه.
وهو ما خلص منه إلى أن السلطة مسؤولة عن مساوئ الشعب كما أنها مسؤولة عن محاسنه.

لقد شاعت ثقافة الاستهانة في المجتمع، لأن السلطة استهانت بالناس وبالقانون، واعتدت على حرمة الاثنين،

وإذا صح ذلك التشخيص، فإن العلاج لابد أن يبدأ بأصل المشكلة ومصدرها، بمعنى أن يدرك كل مسؤول في السلطة أن هناك مجتمعا بمقدوره أن يحاسب وأنه ليس فوق القانون. الأمر الذي يضع قضية الديموقراطية والحريات العامة في الواجهة. ويعتبرها مفتاح أزمة الاستهانة والمدخل الصحيح لتقويمها،
إذ في غيبة الديموقراطية وفي ظل قانون الطوارئ وإزاء ومختلف القيود المفروضة على حرية تشكيل الأحزاب والحق في التعبير، فإن أي جهد يبذل لبلورة منظومة القيم الإيجابية المنشودة أو لطرح المشروع النهضوي سيظل محكوما بسقف الأوضاع القائمة وملعوبا فيه بواسطة أذرعها الظاهرة والخفية.

ولا ينسى في هذا الصدد أن كل القوانين السيئة السمعة التي صدرت وكل التعديلات المريبة التي أدخلت على الدستور جرى تمريرها من خلال مؤسسات صممت لكي تكون تعبيرا عن صوت الشعب،

وقد أدت مهمتها بكفاءة مشهودة بعد تغيير لحرفين اثنين فقط، تحول بمقتضاه الصوت إلى سوط.. بسيطة!
...................

Delete this element to display blogger navbar