Subscribe:

Ads 468x60px

31 يناير، 2010

أحدث صيحة في الديموقراطية

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 16 صفر 1431 – 31 يناير 2010
أحدث صيحة في الديموقراطية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_31.html


أوصت لجنة برلمانية فرنسية بمنع ارتداء النساء للنقاب في الأماكن العامة. وطلبت من الجمعية الوطنية إصدار قرار بذلك.
وكانت اللجنة قد أمضت ستة أشهر في مناقشة الموضوع، وهي خطوة تأتي لاحقة للقانون الذي صدر قبل ست سنوات بمنع ارتداء الحجاب في المعاهد والجامعات الفرنسية، في مسعى لما وصف بأنه ملاحقة لمظاهر «الأصولية»، والدفاع عن العلمانية والجمهورية.

وفي حين تمضى خطوات حظر النقاب، فإن المعهد الكاثوليكي في باريس كان يستعد لتخريج 30 إماما للمساجد، بينهم أربع نساء. وهذا المسعى الثاني أهم من الأول، لأنه يستهدف التدخل في تشكيل ثقافة وهوية المسلمين في فرنسا، الذين يقدر عددهم بستة ملايين شخص
(بالمناسبة عدد المنتقبات اللاتي سيصدر لأجلهن القرار الجديد لا يتجاوز 2000 واحدة).
وقد وجد القائمون على الأمر هناك، أن أفضل وسيلة لإحداث التشكيل المطلوب هى إعداد جيل من الأئمة تحت إشراف الحكومة.

قرأت تقريرا عن هذه العملية، تبين منه أن الفكرة جاءت من وزارة الداخلية
(يبدو أن الشأن الإسلامي أصبح من اختصاص وزارات الداخلية في مختلف أنحاء العالم، وليس عندنا فقط).

ودافعها إلى ذلك ليس فقط ما يشاع فى أنحاء أوروبا عن تزايد «الخطر الإسلامي»، ولكن أيضا محاولة إدماج المسلمين وتذويبهم في المجتمع الفرنسي، من خلال اصطناع ما يسمونه «إسلاما فرنسيا»، يختلف عن ذلك المعروف في بقية أنحاء العالم العربى والإسلامي.

إن شئت فقل إن الداخلية الفرنسية أبدت قبولا بالمسلمين الذين يشكلون الديانة الثانية فى البلاد بعد الكاثوليكية، في حين أبدت امتعاضا وعدم ارتياح إلى الإسلام الذى نعرفه، وكانت تلك بداية التفكير في إعادة تأهيل الأئمة طبقا للمواصفات الفرنسية.

عرضت الفكرة على بعض الجامعات الرسمية مثل «السوربون»، لكنها لم تستجب لها، والمفاجأة أن الذى قبل بالمهمة كان المعهد الكاثوليكى، وهو جامعة علمانية خاصة، الأمر الذى أثار جدلا بين الكاثوليك المحافظين، ومنهم من قال إنهم حين يقدمون تبرعاتهم للمعهد فإنهم يفضلون أن تنفق على إعداد الكهنة وليس الأئمة.

كما أن غلاة العلمانيين استنكروا أن تقدم المعونات للمعهد الكاثوليكى
(كلفة الدورة التأهيلية التى مدتها سنة 3 آلاف يورو، تسدد وزارة الاندماج والهجرة والهوية 70 ٪ منها ويتكفل المعهد بالباقى).

رغم الاعتراضات بدأ تنفيذ المشروع منذ سنتين، وقام بتخريج دفعتين والثالثة في الطريق.
أما دراستهم فقد تركزت حول أربعة محاور أساسية هي: (
الثقافة العامة- القانون -الثقافة الدينية- التداخل الثقافي).

وأكثر ما يهم الأساتذة في المعهد أن يتخرج الإمام وهو مستوعب تماما للعلاقة بين الدين والقانون والجمهورية كما يتصورها الفرنسيون،

أما المتقدمون فإنهم يختارون عبر المؤسسات الإسلامية التركية والمغربية ومسجد باريس وغيرها، ولا يشترط فى المتقدم سوى أن يكون خريجا جامعيا، وقبل تخرجه يطالب بإعداد بحث يختار موضوعه فى الإطار الذى سبق ذكره، وهذا البحث يمثل شهادة إجازته وصلاحيته للعمل كإمام في المساجد والجيش والمستشفيات والمدارس والسجون وغير ذلك من الأماكن التي يوجد بها المسلمون
(في التقرير أن تغطية الأنشطة في تلك المجالات تتطلب توفير 2000 من الأئمة المؤهلين).

هذا الجهد ليس بريئا تماما. ولكنه محاولة لعلمنة الإسلام من ناحية، كما أنه يجسد المفهوم الجديد للديمقراطية الفرنسية، التى لا تكتفى باحترام الجاليات للقانون والتقاليد، وإنما تصر على تذويبها داخل المجتمع الفرنسي، وتقبل بالتعددية السياسية، في حين تتحفظ على التعددية الثقافية.

ومن ناحية ثانية، فإنها تتحول إلى ديموقراطية انتقائية، تفتح أذرعها للوافدين بشروط معينة، تتعلق بالتأهيل والعرق والديانة، بحيث أصبحت تطارد المسلمين وترحب بالمهاجرين الجامعيين غير المسلمين الذين يفدون إليها من «أوروبا الشرقية»، خصوصا رومانيا.

إن التصويت لصالح حظر المآذن ليس مصادفة، والحاصل الآن فى فرنسا جزء من المسلسل والرسالة واضحة في الحالتين لمن يقرأ ويفهم.
.....................

30 يناير، 2010

الشيطان الذي في التفاصيل

صحيفة الشرق القطريه السبت 15 صفر 1431 – 30 يناير 2010
الشيطان الذي في التفاصيل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_30.html

يبدوأننا في موسم العناوين الكبيرة، فقبل أيام قليلة أطلق الرئيس حسني مبارك دعوته إلى ضرورة تبني «خطاب ديني مستنير» وترسيخ قيمة «المواطنة»، حين تطرق إلى الأحداث الطائفية التي وقعت مؤخرا في «نجع حمادي»،

كما تحدث عن موضوع «الأمن القومي» لمصر باعتباره مسؤولية أولى له، في سياق إشارته إلى موضوع السور الفولاذي والأنفاق المقامة بين قطاع غزة وسيناء.
وهوالملف الذي ثار حوله لغط كثير طوال الأسابيع الأخيرة، ترددت خلاله عناوين أخرى مثل «تأمين الحدود» و«السيادة الوطنية»،
ولم يخل الأمر من تراشق اتهم فيه الناقدون لاشتراك مصر في محاصرة قطاع غزة والضغط لإسقاط حكومة حماس هناك بأنهم دعاة «الدولة الدينية» الذين يهددون «المجتمع المدني»،
وفي ثنايا ذلك السجال، قال نفر من المعلقين إن الإشكال الفلسطيني الفلسطيني يمكن حله «في خمس دقائق»، كما قال أحد الخبراء في أحد البرامج التي بثها التلفزيون المصري، وهذا الحل السحري تلخصه كلمة واحدة هي: «المصالحة».
مشكلة هذه العناوين أنها فضفاضة بحيث يتعذر الاختلاف معها. فلا أحد يمكن أن يعترض على الخطاب الديني المستنير أوالمواطنة. ولا يقبل أحد بتهديد الأمن القومي للبلد أوالمساس بالسيادة،
وبالمثل فإن أحدا لا يمكن أن يتردد في تأمين الحدود أوالمصالحة. كما لا يمكن أن يقبل بفكرة الدولة الدينية أويتشكك في أهمية وحيوية دور المجتمع المدني.. إلخ.

ولأنها فضفاضة فإن كل عنوان منها يمكن أن يحمل بأكثر من وجه. بل إنها تتسع بحيث يمكن أن تؤول على معنيين أحدهما يتناقض مع الآخر وذلك مصدر للخطورة فيها.
خذ مثلا مصطلح الخطاب الديني المستنير، الذي هوأكثر العناوين شيوعا بين المثقفين، فالبعض يفهمه بحسبانه دعوة للتوسع في الاجتهاد الذي يلبي متطلبات التوافق مع نوازل العصر ومستجداته، بما لا يتعارض مع تعاليم الدين وثوابته،
وهوعند آخرين خصم من الدين ورفض بعض أحكامه من خلال فصل الدين عن السياسة،
وهوعند فريق ثالث انخلاع من الدين بالكلية، بحجة أنه يدفع الناس إلى التعلق بالغيبيات والخرافات التي تتعارض مع فكرة التنوير.
والحاصل في محيطنا الثقافي أن كل الذين دعوا إلى التفلت من الدين أوالانخلاع منه لم يقل أحد إنه ضد الدين، ولكنهم جميعا تحدثوا عن ذلك التدين المستنير.
هذا الذي يقال بشأن الخطاب الديني المستنير ينطبق على كل العناوين الأخرى، الأمر الذي يعني العبرة بالتفاصيل، لأن الشيطان يكمن في تلك التفاصيل كما يقول المثل الإنجليزي. ذلك أن الأهداف الشريرة كلها غلفت بعناوين رقيقة وجذابة.
والأشرار كانوا ولايزالون من أبرع الناس في صياغة المفردات الناعمة،
فالاستعمار مصطلح ظاهره البراءة والسعي إلى الإعمار.
والاستيطان دعوة إلى تسكين أناس لا مأوى لهم،
ونحن أكثر من يدرك أن سلسلة من الشرور والجرائم التاريخية ارتكبت باسم هذين العنوانين.
وفيما نحن بصدده، وجدنا أن مصطلحي الأمن القومي والسيادة استخدما لإحكام الحصار حول الفلسطينيين في غزة، دون التدقيق فيما إذا كان هناك تهديد أمني حقيقي وعدوان على السيادة أم لا ودون مراعاة لخصوصية وضع أهل القطاع تحت الحصار منذ ثلاث سنوات،
في حين تم السكوت عنها حينما تكرر انتهاك إسرائيل للسيادة على الحدود من خلال القصف الجوي الذي يتم بدعوى تدمير الأنفاق،

كما أن مصطلح الدولة المدنية طرح ليكون غطاء للتحلل من الانتماء الإسلامي، الذي وصم بأنه استحضار لفكرة الدولة الدينية التي لا وجود لها أصلا في الواقع.
ينسحب ذلك أيضا على فكرة المصالحة، لأن كثيرين يرددون العنوان دون أن يسأل أحد عن تفاصيل تلك المصالحة وبنودها. مما يغيب حقيقة أنها تمرر التنسيق الأمني مع إسرائيل.وتطالب حركة حماس بالخضوع لشروط الرباعية التي في مقدمتها إنهاء المقاومة ونبذها.
إن مثل تلك العناوين الكبيرة ينبغي أن تستقبل بما تستحقه من حذر، بحيث لا تؤيد إلا بعد التدقيق فيما تبطنه من ألغام وفخاخ،
وإذا كان إطلاق أي واحد منها يجيب عن السؤال
ماذا؟
فإن الحفاوة بها لا تتم إلا بعد الرد على الإيجابي على عن الأسئلة الأخرى، التي في مقدمتها
كيف ومن ولماذا ومتى،
لأن تلك هي الوسيلة الوحيدة للتعرف على مكامن الشيطان ومظانه.
........................

28 يناير، 2010

«حاجز نفسي» مع الجزائر!

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 13 صفر 1431 – 28 يناير 2010
«حاجز نفسي» مع الجزائر! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_28.html


تشيع في بعض الدوائر الإعلامية المصرية حالة من التوجس والحذر إزاء المباراة المرتقبة بين مصر والجزائر التي تقام اليوم في أنجولا.

فمنذ لاح في الأفق احتمال المواجهة بين منتخبي البلدين، بدأ التلميح والشحن وظهرت على شاشات التلفزيون صور أحداث الخرطوم، في استعادة للأحداث المؤسفة، التي وقعت آنذاك من قبل المشجعين.
ورغم أن بعض الناقدين الرياضيين المحترمين عبروا عن فرحتهم وتقديرهم لما حققه المنتخب الجزائرى حتى الآن في مباريات التنافس على كأس أفريقيا، فإن الموقف لم يكن كذلك من قبل آخرين. خصوصا بين مقدمي البرامج التلفزيونية. وهم الذين لعبوا الدور الأكبر في الإثارة والتهييج وغرس بذور الحساسية والنفور بين جماهير الكرة في البلدين.

إذ لا مفر من الاعتراف في هذا الصدد بأن الإعلام المرئي أصبح الأكثر والأخطر تأثيرا في تشكيل الرأي العام. وتتضاعف تلك الخطورة حين يكون بعض مقدمي البرامج من الشعبويين وأنصاف المتعلمين، الذين يهتمون بإثارة الغرائز واللعب على العواطف، ولا يفرقون بين الانتصار في مباراة كرة القدم وبين خوض أي معركة أخرى من معارك المصير.

الموقف مختلف نسبيا في الجزائر. لأن التلفزيون الخاضع لسيطرة الدولة والصحف المعبرة عن الحكومة لم تشارك في حملة التراشق المفجع التي أعقبت مباراة الخرطوم، وإنما أشعلت الحريق وأججت نيرانه بعض الصحف الخاصة الصفراء، التي ردت عليها بعض منابرنا الإعلامية بمثل ما فعلت وربما أسوأ منه.

لست هنا بصدد الحديث عما جرى، لكني أحسب أن الذي لم يجر أسوأ منه بكثير. إذ أزعم أن مشهد العلاقات المصرية-الجزائرية خلال الشهرين الماضيين يعد شهادة على هشاشة وبؤس العلاقات العربية العربية.
فهذان البلدان اللذان جمعتهما يوما ما رفقة النضال ضد الهيمنة الغربية وربطت بينهما أواصر نسجتها علاقات اتسمت بالمؤازرة والمروءة والنبل، باعدت بينهما أخيرا مباراة لكرة القدم. وبسببها خربت جسور، وأهدرت مصالح وشحنت بالمرارة بعض النفوس، وسحب السفير المصري من الجزائر، ومر شهران على ذلك، دون أن يبذل جهد من أي طرف لوصل ما انقطع أو ترميم ما انهدم.

(أمس الأربعاء ذكرت الصحف المصرية أن اتصالا هاتفيا تم بين وزيري خارجية البلدين اتفقا فيه على «التعامل الحكيم» مع المباراة).

لقد انتابني شعور بالانكسار والحسرة حين سمعت من قال إن أحداث المباراة البائسة أقامت «حاجزا نفسيا» بين الشعبين المصري والجزائري، لأن ذلك المصطلح كان يطلق يوما ما على العلاقات بين مصر وإسرائيل،
وحين زار الرئيس السادات تل أبيب في عام 1977 فإنه قال وقتذاك إنه أراد أن يكسر ذلك الحاجز النفسي.

ويستحي المرء أن يذكر أن الحاجز الذي انهدم رسميا على الأقل مع إسرائيل، فإنه استبدل بحواجز أخرى أقيمت بين الشعب المصري من ناحية وبين الفلسطينيين والجزائريين من ناحية ثانية.
والحال أسوأ فيما خص الجزائر، لأن ما قام بين المصريين والفلسطينيين له أسبابه السياسية، التي بنيت على الموقف من المقاومة،
أما ذلك الحاجز المفتعل الذي أقيم مع الجزائريين فمصدره التنافس بين الغوغاء بسبب مباراة لكرة القدم.

إنني أستغرب هذا الفتور في علاقات البلدين الذي وصل إلى حد الجمود. فلا الرسميون تحركوا ولا أي جهة أهلية في البلدين عملت على احتواء الموقف، الأمر الذي يدل على قصور في رؤية السياسيين، كما يدل على مدى الخواء والهشاشة، التي يتسم بها المجتمع المدني في البلدين. وكأن الأحزاب والاتحادات والنقابات وغيرها من المؤسسات المنتخبة كلها ذيول للموقف الرسمي وأدوات للحكومات.

ومن المؤسف أيضا أن تكون لدينا «جامعة عربية» تعتصم بالصمت وتقف متفرجة أمام الأزمة الوهمية بين الشقيقين،
أما مصر الكبيرة فلم نلمح قامتها في هذا المشهد، وإنما وجدناها تغفر الكثير من الجرائم للإسرائيليين حتى استقبلت بعض أشهر قتلة الأسرى المصريين في عام 1967 (الجنرال بن أليعازر وزير البنية التحتية الحالي)، لكنها لم تتسامح مع مشجعي الكرة الجزائريين، إنها بعض علامات الساعة الصغرى.

(للعلم ذكرت صحيفة الشروق أمس أن الوساطات العربية فشلت في تنظيم لقاء بين الرئيسين مبارك وبوتفليقة،
وفي اليوم ذاته قال السفير الإسرائيلي في القاهرة إن شمعون بيريز زار مصر ثلاث مرات في العام الأخير وكذلك بنيامين نتنياهو).
.....................

27 يناير، 2010

الحب الحقيقي والمغشوش

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 12 صفر 1431 – 27 يناير 2010
الحب الحقيقي والمغشوش – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_27.html


هل لا يُصرّف التعبير عن حب مصر أو يُختبر إلا في المباريات، التي يشارك فيها المنتخب القومي لكرة القدم؟!
وهل لا يُمارس ذلك الحب إلا من خلال التهليل والتشجيع فقط؟!
وهل ينتهي دور رجال الأعمال المشاركين في مهرجانات الحب عند توزيع الملصقات والإعلانات، التي تُظهر العلم المصري ممهوراً باسم شركاتهم ومزيناً بنماذج للسلع التي ينتجونها؟!


هذه الأسئلة وأمثالها تراءت لي حين وجدت أن جبهة محبي مصر التزمت صمتاً مدهشاً إزاء ما فعلته كارثة السيول الشرسة، التي ضربت آلاف المصريين في سيناء وأسوان فشرّدتهم، بعد أن جرفت بيوتهم وأتت على كل ما فيها.

وهو ذات الصمت، الذي اعتصموا به حين انهارت الصخور في منطقة «الدويقة»، التي تقع في نطاق محافظة القاهرة.

هو حب مجاني، ذلك الذي يتبدّى في مباريات كرة القدم، حيث لا يُطالب «المغرم» في هذه الحالة بأكثر من التصفيق، والصياح، والتهليل أو غير ذلك، مما يدخل في نطاق الأقوال،
في حين أن ذلك الحب يغدو مكلِّفاً في حالة التعامل مع كارثة مثل السيول والانهيارات، إذ لا يكفي فيه التشجيع بالأقوال والتلويح بالأعلام، ولكنه يقتضي أفعالاً تُمارس على الأرض، ومشاركة بالمال والجهد، وغير ذلك من التكاليف، التي لا تظهر في الصور، ويستعصي استخدامها في الإعلانات التجارية وعملية تسويق «البضاعة».

حين ضرب الزلزال هايتي تحرّكت الولايات المتحدة بسرعة، واستدعى الرئيس أوباما اثنين من الرؤساء السابقين، هما جورج بوش، وبيل كلينتون، لكي يقودا حملة جمع التبرعات لإغاثة المنكوبين، ثم تسابق الفنانون في التبرع بأموالهم الخاصة، وفي إقامة الحفلات، التي خصص إيرادها للمنكوبين «حفلة واحدة جمعت 58 مليون دولار».

وإذا استثنينا مسألة الرؤساء السابقين هذه للأسباب التي تعرفها، فستجد أنه ليست لدينا مشكلة فمن يتحرّك للإغاثة، لكن مشكلتنا تكمن في غياب إرادة إشراك المجتمع واستنهاض همَّته للبذل والعطاء، وتحويل فئاته من متفرجين إلى مشاركين.

إنني أعتبر أن الذين يهتفون هذه الأيام بحب مصر، ويهللون لاسمها، ليسوا أكثر الناس إخلاصاً للوطن،
وأزعم في هذا الصدد أن الحب الحقيقي للوطن كالإيمان، أصدق تعريف له أنه ما وقر في القلب وصدقه العمل، بمعنى أنه ما يستقر في الضمير، ويترجمه السلوك والفعل.

من هذه الزاوية، فإنني أزعم أن كل من يؤدي واجبه بنزاهة وشرف في أي مجال من المجالات، أصدق في تعبيره عن حب الوطن من أولئك الذين يهتفون طوال الوقت باسمه على شاشات التلفزيون، أو يتاجرون به، وهم يسوِّقون بضاعتهم.

إن الاختبار الحقيقي لحب الوطن لا يتحقق حين يكون المرء منتفعاً منه، لكنه يُقاس بمقدار ما يبذله المرء لأجله، دونما انتظار لمردود ذلك البذل.

ولي تجربة شخصية في هذا الصدد تستحق أن تروى، ذلك أنني حين اضطررت إلى مغادرة مصر، والانضمام إلى أسرة مجلة «العربي» الكويتية في عهد الرئيس السادات، كنت أحصل على إجازة بغير راتب سنوياً من مؤسسة الأهرام.
وحين جئت ذات مرة لكي أجدد الإجازة تردد رئيس مجلس الإدارة آنذاك، وقبل أن يوافق على إعطائي درساً في الوفاء للوطن، الذي هو أولى بأبنائه الأكفاء (هكذا قال).

وشاءت المقادير أن يترك صاحبنا منصبه بعد ذلك، وأن ألتقيه في لندن، وحين ألقيت عليه السؤال التقليدي عن أخبار مصر، التي كان قادماً لتوه منها، فإنه لوى شفتيه، وقال إنها بلد «بنت ....»، ولا تستحق العيش فيها، وأمضى بعض الوقت في محاولة إقناعي بوجهة نظره.


أتذكر هذا اللقاء كلما شاهدت مسؤولاً أو واحداً من المنتفعين يعظنا في حب مصر، لأن أكثر من تجربة أقنعتني بأن أغلب هؤلاء يحبون مناصبهم وكراسيهم وأرصدتهم أكثر مما يحبون مصر، ولذلك يعنُّ لي دائماً أن أسألهم عما يعنونه حقاً بالحب، وما يعنونه بكلمة «مصر»، التي يتعلقون بها، ويذوبون في غرامها.

الأمر أكبر من أن يتصدّى له برنامج تلفزيوني أو بعض الجنود المجهولين، الذين سارعوا إلى الإغاثة، وقدّموا نموذجاً للحب الحقيقي لمصر، فالحدث أكثر جسامة وأعمق أثراً، حتى أصبحت أتمنى أن نتعامل معه بنفس درجة الحماسة، التي تعترينا حين يخوض المنتخب الكروي مبارياته.
......................

26 يناير، 2010

قبل أن تدهمنا فتنـة أكبـر – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 11 صفر 1431 – 26 يناير 2010
قبل أن تدهمنا فتنـة أكبـر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_26.html


ما بال أقوام يحسبون أنه لا سبيل الى اطفاء نار الفتنة الطائفية في مصر الا باضعاف الهوية الاسلامية للبلد، الأمر الذي يغدو نوعا من الشطط الذي يستبدل بفتنة فتنة أخرى أكبر منها وأشد خطرا.
(1)

حين وقعت الواقعة في نجع حمادي وروعنا جميعا بسببها، حذرت من تدخلات
المتعصبين والمزايدين والمتربصين، وتمنيت عليهم أن يخدموا الوطن في أثناء الأزمة بسكوتهم وامتناعهم عن التحريض وتأجيج المشاعر وتوسيع الحريق.
لكن ذلك لم يحدث للأسف، وانما، وجدنا تنافسا بين عناصر الفئات الثلاث على تحقيق أكبر عدد من أهدافهم وسط المعمعة. وبدا أن القاسم المشترك الأعظم في مسعاهم هو تهميش حضور الاسلام في ادراك الجماهير فضلا عن المجال العام.
في مسعى يكاد يكون تمثلا لحالة الرجل الذي يقول المثل العامي انه أراد أن «يكحلها فأعماها» عن عمد وسبق اصرار.
آخر ما يخطر على البال اذ يظن بي أنني أدعو الى التهوين مما جرى، لأن ما أتمناه حقا ألا نبالغ في رد الفعل، بحيث نعطي الموضوع حقه بغير زيادة أو نقصان، كما أنني أرجو ألا يزايد علي أحد في تأصيل حق الأقباط كمواطنين وشركاء في المصير.
وقد سجلت موقفي هذا في كتابي «مواطنون لا ذميون»، الذي طبع منذ نحو ربع قرن «عام 1985»، وعلقت بعض فصوله في الكنائس المصرية آنذاك، ولعل كثيرين يذكرون مقالتي التي منع «الأهرام» نشرها في عام 1995، ودعوت فيها الى انتخاب كل الأقباط الذين ترشحوا لعضوية مجلس الشعب وقتذاك.
وكانت المقالة ردا على دعوة مرشح الحزب الوطني عن دائرة حي الظاهر بالقاهرة، الى عدم التصويت لمرشح حزب الوفد منير فخري عبدالنور، لأنه قبطي، ولا يتسع المجال لاستعراض كتابات أخر- سجلت فيها موقفي ازاء الموضوع، خصوصا أن تلك الكتابات متوفرة في أي أرشيف له صلة به.
انني أخشى أن نكرر خطيئة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، حين بالغ في رد الفعل، وأعلنها حربا مفتوحة على «الارهاب». وتصور أن بمقدوره اعادة تشكيل العقل الاسلامي من جديد. فدعت ادارته الى تغيير مناهج التعليم وتجديد الخطاب الديني وأخضعت منظمات المجتمع المدني الاسلامية للرقابة والتفتيش، ولم يكتف بمعاقبة الذين ارتكبوا الحادث ومن وراءهم.
ثم كانت النتيجة فشلا على كل الجبهات. فلا هو قضى على الارهاب، ولا غير من عقول المسلمين وثقافتهم، وانما أشاع بينهم درجات متفاوتة من البغض والكراهية للولايات المتحدة وسياساتها، حتى أصبحت احدى مشكلات خلفه أن يحسن من صورة بلاده في العالم الاسلامي.

ما يحدث في مصر الآن شيء قريب من هذا. ذلك أن التعامل مع الجريمة البشعة التي وقعت في نجع حمادي لا يريد له البعض أن يكتفي بمعاقبة الجناة ومن وراءهم، وتحري الأسباب الحقيقية التي دعتهم الى ارتكاب الجريمة، واجراء حوار جاد حول مصادر التعصب ومطالب الأقباط،
ولكن أولئك البعض، الذين هم خليط من الفئات الثلاث سابقة الذكر. نقلوا المناقشة الى مستوى آخر، استهدف الهوية الاسلامية لمصر. فدعوا الى اضعاف تلك الهوية، ومنهم من تحدث بصراحة عن طمس تلك الهوية ومحوها تماما. وكما أن بعض الناشطين الاسلامين رفعوا شعار الاسلام هو الحل، فان أصحابنا هؤلاء رفعوا شعارا ملغوما مضادا قالوا فيه ان الاسلام هو المشكلة.

(2)

حتى أكون أكثر تحديدا فانني أفرق بين دائرتين للحوار،
الأولى تتصل بمطالب الأقباط وحقوقهم كمواطنين في البلد،
والثانية تتعلق بالخطوط الحمراء التي ينبغي الوقوف عندها حفاظا على مقومات المجتمع ودفاعا عن السلم الأهلي،

وقبل التطرق الى المطالب فانني ألفت النظر الى أن الاستجابة لها لا علاقة لها بعدد الأقباط في مصر ونسبتهم المئوية بين السكان. ولذلك فانني لا أجد مبررا للمبالغة أو المزايدة في هذا الباب. وهي ملاحظة عنت لي حين لاحظت أن بعض المثقفين وبعض المسؤولين أيضا يتحدثون عن أن الأقباط يمثلون %10 من سكانها. وتلك معلومة تدهش خبراء الاحصاء في مصر الذين يقطعون بأن تلك النسبة لا تتجاوز %6 في أحسن فروضها. ويستندون في ذلك الى مؤشرات 13 احصاء تمت في مصر منذ بدأت في عام 1897، في ظل الاحتلال البريطاني لمصر. وبعض تلك الاحصاءات أشرف عليها الانجليز، وبعضها شارك نفر من الأقباط في اجرائها
(رئيس الاحصاء في تعداد عام 1937 كان حنين بك حنين وفي احصاء عام 1976 كان المسؤول عن التعداد في الوجه البحري قبطي آخر هو السيد موريس حنا غبريال، وكيل الوزارة بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء).

وفي كل تلك الاحصاءات التي تمت خلال 113 عاما لم تتغير النسبة التي أشرت اليها، الا في حدود هوامش بسيطة للغاية تقل عن نصف في المائة ولذلك فليس هناك مبرر منطقي للمزايدة والقفز بالنسبة الى %10 أو أكثر، لأنهم لو كانوا واحدا في المائة فحقهم في المواطنة والمساواة مكفول ولا ينبغي أن ينتقص منه.
ان المطالب الخاصة باصدار قانون موحد لدور العبادة، والمساواة في الوظائف العامة، ووقف القدح في المعتقدات الدينية، وتجريم أى تمييز أو تحقير ينال أي مواطن بسبب معتقده الديني، وغير ذلك من المطالب التي تتعلق بحقوق المواطنة ومقتضيات المساواة، هذه كلها أمور مشروعة، وليس هناك أي مبرر للتقاعس في الاستجابة لها.

ولا أفهم مثلا لماذا تأخر اصدار القانون الموحد لدور العبادة طوال أربعين عاما. ذلك أنه من مصلحة الجميع أن تخضع عملية بناء دور العبادة لقواعد واحدة، تمكن كل المتدينين من أداء شعائرهم،
وليت التوحيد لا يقتصر على شروط البناء، وانما يشمل أيضا مجمل الظروف التي تعمل في ظلها تلك الدور. وهو ما قد يمكن المساجد من الافادة من الحريات المتاحة للكنائس، سواء في عدم تقييد مواعيد الفتح والاغلاق أو رفع يد وزارة الداخلية عن الوعاظ فيها، الى جانب التسامح مع ما تمارسه من أنشطة اجتماعية وثقافية وخيرية.

(3)

هل لا بد لانصاف الأقباط اضعاف الاسلام ومطاردة مظاهره في مصر؟
وهل هذا ممكن من الناحية العملية؟
وما تأثير هذه الدعوة على السلم الأهلي والتعايش المفترض بين المسلمين والأقباط؟
وهل يصبح الأقباط في أمان في هذه الحالة؟
وبعد الانسحاب من العروبة تطبيقا لشعار مصر أولا وأخيرا، ماذا يبقى من مصر اذا طمس الاسلام فيها وصار بدوره «محظورا»؟
هذه أسئلة من وحي الكتابات التي نشرها نفر من «
المصريين الجدد» مؤخرا، وأزعم أنها ألقت بذور فتنة أخرى نسأل الله أن يجنبنا شرورها،
وحتى لا يظن أحد أنني أبالغ فيما سألت عنه، فانني سأكتفي بالاشارة الى بعض الأفكار والعناوين التي نشرتها الصحف المصرية في الآونة الأخيرة، فقد كتب أحد القيادات الثقافية في ثنايا مقال عن «مواجهة ثقافة التخلف» أن ظاهرة التدين في مصر وصلت الى معدلاتها الخطرة، وأن الظاهرة في مجملها تهدد المجتمع المدني، لا فرق في ذلك بين معتدلين ومتطرفين.

وقالت ناقدة أدبية ان المشكلة ليست في تأويل النص (القرآني) ولكنها في النص ذاته.
وأخذ ثالث على ثورة يوليو أنها أنشأت المؤتمر الاسلامي ومجمع البحوث الاسلامية. وذلك أدى الى اطلاق يد المتطرفين، مما أدى الى انهيار أركان النهضة في مصر وتراجع ثقافتها لتحل محلها ثقافة التطرف والخرافة والانحطاط.

ودعا أحد الكتاب الى الغاء تدريس مادة التربية الدينية في المدارس.
واحتجت احدى الكاتبات على الاستشهاد بالنصوص الاسلامية في حث التلاميذ على الالتزام بالفضائل والقيم. وقالت ان الاشارات الى الصدق أو الشجاعة أو البر بالوالدين في كتب المدارس ليس لها مرجعية أخلاقية أو وطنية، وانما تعزز اعتمادا على نصوص اسلامية.
واعتبرت أن تدريس النصوص التي تحث المسلمين على أي فعل حميد يغرس التفرقة بينهم وبين الأقباط،

ونشرت احدى الصحف قائمة بوصايا عشر للقضاء على الفتنة الطائفية اقترحها استاذ جامعي. من هذه الوصايا نزع الملصاقات الدينية من حوائط الدواوين الحكومية، ومنع اقامة الصلوات في أماكن العمل، مع الغاء منحة التأخير للأقباط يوم الأحد. منها أيضا منع أي نشاط اجتماعي لدور العبادة، وتسليم المستوصفات ودور الحضانة الى الحكومة لتدار دون أن تكون لها أي هوية دينية. منها كذلك منع نشر أي فتاوى دينية في وسائل الاعلام التابعة للحكومة، والغاء الصفحات الدينية، والتوسع في اقامة نوادي الشباب ومنع ممارسة أي نشاط ديني بها... الخ.

الى جانب كل الغاء لحضور الدين أو مظهر له في المجتمع فثمة اتفاق بين هؤلاء جميعا وأمثالهم على المطالبة بالغاء المادة الثانية للدستور، التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الاسلام وأن مبادئ الشريعة تعد المصدر الرسمي للتشريع في مصر،
وهو المبدأ المستقر في الدستور المصري منذ عام 1923، وظل مكانه ثابتا في كل الدساتير اللاحقة التي صدرت طوال الـ28 عاما التالية، لا يستثنى من ذلك الا دستور 1958 الذي صدر في عهد الوحدة بين مصر وسوريا

(المستشار طارق البشري اعتبر أن وجود المادة الثانية بصيغتها الحاضرة يحقق الاسناد الشرعي الاسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المسلمين والأقباط في جميع المجالات، بمعنى أنها توفر مرجعية اسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور المتعلقة بالمواطنة والمساواة).

(4)

سألت بعض المخضرمين في العمل السياسي:
لماذا لم تطل الفتنة الطائفية برأسها في المرحلة الناصرية، ولماذا استشرت في المرحلتين التاليتين، اللتين تنسبان الى الرئيسين السادات ومبارك؟
ولماذا لم تتحقق الوحدة الوطنية المنشودة رغم أن قانونا صدر لحمايتها في عام 1972؟

في ردهم قالوا ان وجود حكومة قوية في عهد الرئيس عبدالناصر، توفرت لها رؤية استراتيجية واضحة، ومشروع وطني جامع. هذان العاملان، كانا على رأس الأسباب التي شكلت بيئة سياسية لم تسمح بظهور الفتنة الطائفية.
(قال لي السيد سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر انه بتوجيه من الرئيس كان يجتمع يوم الاثنين من كل أسبوع مع الانبا صمويل، أحد أساقفة الكنيسة، للتفاهم حول مختلف الأمور العالقة بين المسلمين والأقباط).
وحين لم تتوفر تلك البيئة في المرحلتين التاليتين فان الرئيس السادات حاول أن يستعيض عنها بالاجراءات، التي تمثلت في قانون الوحدة الوطنية.

هذا التحليل اذا صح فانه يعني أن حصر البحث عن حلول للمشكلة في حدود توجيه المطالب واللجوء الى الاجراءات الحكومية لا يكفي لوأد الفتنة واطفاء نارها.
انما يتعين أيضا النظر الى البيئة السياسية الراهنة، التي افتقدت الى الرؤية الاستراتيجية الواضحة والمشروع الوطني المعبر عن طموحات الجماهير وأشواقها، مما أسلم المجتمع الى تيه أوصل الناس الى ما وصلوا اليه الآن من تفكيك وتخبط.

وهذه هي الفتنة الكبرى التي لا يريد أحد أن يتحدث فيها، لأن ذلك ينقل الحوار من مستوى السجال الطائفي الى أفق النقد السياسي. وهي حدود عندها يتوقف الكلام المباح.
............................................

25 يناير، 2010

فلاحون ممنوعون من «الصرف»

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 10 صفر 1431 – 25 يناير 2010
فلاحون ممنوعون من «الصرف» - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_25.html


اعتدنا ألا نتابع ما يجري في مصر الأخرى إلا على سبيل المصادفة، أو حين تحل بها كارثة كبرى،
ونحن نعيش الحالتين هذه الأيام، ذلك أن شعب مصر التلفزيونية أتيح له أن يرى وجها آخر لسيناء وأسوان لا علاقة له بالسياحة، حين داهمتها السيول، وجرفت في طريقها بيوت الفقراء وماشيتهم،
كما أن الحوار الذي أجراه محررو «الأهرام» مع محافظ الشرقية سلط أضواء أخرى كاشفة على الظروف التي يعيش في ظلها سكان القرى الفقيرة، التي لا ترى على شاشة التلفزيون وقد استوقفني في كلام المحافظ الذي نشر في 23-1 أن 96 ٪ من قرى المحافظة محرومون من الصرف الصحي، وهي معلومة صدمتني ولم أتوقعها لمحافظة بأهمية الشرقية (6 ملايين نسمة) التي تحتل موقعا متميزا في قلب الدلتا، ولها تاريخها العريق ومهابتها عند المصريين.

حين نظرت إلى المعلومة وتدبرتها وجدت أن المحافظ المستشار يحيى عبدالمجيد تولى منصبه منذ خمس سنوات، وأنه حين يكون الصرف الصحي قد وصل الآن إلى 4 ٪ فقط من ترعة المحافظة،
فإن ذلك يعني أحد احتمالات ثلاثة.
الأول أن يكون المحافظون السابقون لم يفتحوا هذا الملف منذ قامت ثورة يوليو عام 52. وتلك فضيحة وكارثة في الوقت ذاته.
الاحتمال الثاني أن يكون المحافظون السابقون قد «تذكروا» تلك القرى في بعض لحظات الصحو فأوصلوا الصرف الصحي إلى بعضها، ثم نسوها بعد ذلك وتلك فضيحة أخرى،
وإذا أردنا أن نحسن الظن بالمحافظ الحالي فإننا سنتعامل مع الاحتمال الثالث الذي يفترض أنه بدأ من الصفر واستطاع خلال السنوات الخمس الأخيرة أن يوصل الصرف الصحي إلى 20 قرية، بمعدل أربع قرى كل سنة
وإذا واصل «إنجازه» بهذا المعدل، فإن ايصال الشبكة إلى بقية قرى محافظة الشرقية البالغ عددها 480 قرية سوف يتطلب 120 سنة أخرى،
بمعنى أن المحافظة ستحتفل بوصول الصرف الصحي إلى كل قراها في منتصف القرن الثاني والعشرين،
وأن الكلمة الرئيسية في ذلك الحفل سيلقيها أحد أحفاد جمال مبارك.
هذا إذا بقيت الدلتا على حالها ولم تتحقق نبوءة الباحثين الذين تحدثوا عن احتمال غرق نصف الدلتا في ذلك الوقت.

قبل أن أسترسل، أذكر بأن حرمان القرى من الصرف الصحي يرتب نتيجتين كل منهما أتعس من الأخرى،
الأولى أن يتم صرف المجاري في المصارف العادية والترع التي تروى منها الزراعات التي تأكل ثمارها،
والثانية أن تتسرب المجاري من الخزانات الموجودة في بعض البيوت، لتصل إلى المياه الجوفية التي يعتمد عليها الناس في مياه الشرب، الأمر الذي يشيع بينهم أمراضا وبلاوي لا حدود لها.

بؤس حالة الصرف الصحي في محافظة الشرقية يجسد مدى التعاسة التي يعيش في ظلها الفلاح المصري،
ذلك أنه لا يتصور أن يكون إهمال السلطات المحلية للظروف التي يعيش في ظلها الفلاحون مقصورا على هذا الجانب وحده وليس مقصورا على تلك المحافظة دون غيرها من محافظات الدلتا الأخرى،

ثم إن الذي يسقط إيصال الصرف الصحي من حسابه يمارس الإهمال ذاته في مجالات الصحة والتعليم والطرق وغير ذلك من الخدمات التي هي من صميم مسؤوليات السلطة،
وإذا كان ذلك حاصلا في محافظة مهمة في قلب الدلتا فلابد أن نتوقع مضاعفة لذلك البؤس في المحافظات النائية.

ما يصدمنا في هذه الصورة أنها تتحقق في بلد قامت فيه ثورة ضد الظلم والإقطاع قبل خمسة وخمسين عاما، وأن هذه الثورة نفذت حوالي عشر خطط «للتنمية»، كما أنها خصصت 50 ٪ من مقاعد المجالس المنتخبة للفلاحين والعمال.

والأدهى من ذلك والأمر أن يحدث ذلك في بلد رفع منذ ثلاثين عاما شعار «مصر أولا» وأعلنت قيادته أن حرب عام 73 هي آخر الحروب، وهو ما فهم منه أنه في ظل «السلام» وبعد الاستقالة من الهم العربي، سوف تنكب الدولة على النهوض بشعبها، بحيث تصرف كل جهودها ومالها لتحسين أحواله، وما نحن بصدده من نتائج ذلك «الانكباب».

إن بعض المصفقين وحملة المباخر لا يكفون عن لفت أنظارنا إلى زيادة عدد السيارات التي يشتريها المصريون وعدد المنتجعات التي أقيمت، والجسور والمحال الكبرى (المولات) التي شهدتها المدن الكبرى وقوائم المستثمرين الذين قدموا من أنحاء الدنيا، إلى غير ذلك من المستجدات التي طرأت على مصر «الجديدة».
ولا أحد ينكر ذلك أو يعترض عليه. ولكن حين يحدث ذلك، في حين تظل 96 ٪ من بيوت الفلاحين بغير صرف صحي، وتزداد عذاباتهم حينا بعد حين بسبب تدهور الخدمات التي قدمت لهم، فينبغي أن ندق أجراس التنبيه والإنذار، محذرين من المفارقة ومذكرين أن أولئك الفلاحين هم أصل البلد وملاكه وملحه، وأن بؤسهم لا يعوضه أى إنجاز آخر.
فضلا عن أنه شهادة على بؤس السياسات المتبعة.
........................

24 يناير، 2010

طائفية أم سياسية؟!

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 9 صفر 1431 – 24 يناير 2010
طائفية أم سياسية؟! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_24.html

لي تجربة شخصية مع لجنة الحريات الدينية بالكونغرس الأميركي تستحق أن تُروى، بمناسبة الزيارة التي يقوم بها أعضاء اللجنة للقاهرة هذه الأيام. كان ذلك قبل خمس سنوات تقريبا،

حين أبلغت بأن بعض أعضاء اللجنة يعتزمون زيارة القاهرة لبحث مشكلات الأقباط، وأنهم أبدوا رغبة في زيارتي بالمنزل. لم أكن أعرف أن اللجنة مخولة في تحري أوضاع الحريات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وأنها تقدّم تقريرا سنويا بهذا الخصوص إلى الكونغرس.

حين زاروني، وجدت أنهم مجموعة من الخبراء الذين يمثلون الديانات المختلفة. وكان أول ما سُئلت عنه تقييمي لصور اضطهاد الأقباط في مصر، وما يقال عن انحياز أجهزة الدولة ضدهم.
في ردي قلت إنه ثمة تفرقة ضرورية بين اضطهاد الأقباط وبين التمييز الذي قد يعانون منه.
والاضطهاد يعني تعمد الانحياز ضدهم من جانب السلطة وتعقبهم لمصادرة حقوقهم وحرمانهم مما يُفترض أن يتمتع به المواطن العادي من تلك الحقوق،
أما التمييز، فهو سلوك اجتماعي يتحيز ضدهم بسبب معتقداتهم الدينية.

أضفت أن الكلام عن اضطهاد السلطة للأقباط في مصر لا أساس له من الصحة، وهو من مبالغات بعض المتعصبين أو المهاجرين إلى الخارج، الذين يستخدمون هذه الفكرة للضغط على الحكومة وابتزازها في مصر وإحراجها أمام الجهات الخارجية، خصوصا في الولايات المتحدة.

أما الادعاء بانحياز الشرطة ضدهم لمصلحة المسلمين، فهو مما يندرج تحت عنوان الضغط والابتزاز، في حين أن الاشتباك الحقيقي للسلطة كان آنذاك (ولايزال) ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة وضد الناشطين الإسلاميين عموما.

وافقت على أن هناك تمييزا ضد الأقباط في بعض الأوساط، وهذا التمييز له سمتان،
الأولى أنه مقصور على أوساط المتعصبين،
والثانية أنه حاصل على الجانبين، لأن التعصّب موجود بين المسلمين والمسيحيين، وهو أظهر عند المسلمين بسبب كثافتهم العددية، إذ كما أن هناك بعض المؤسسات التي يقوم عليها مسلمون لا تتعامل إلا مع المسلمين، فذلك حاصل أيضا في العديد من المؤسسات التي يملكها أو يديرها أقباط.

أجبت عن عدة أسئلة أمطروني بها، ولم أعرف كيف كان تقييمهم لما قلت، لكن وجدت آثار الدهشة ارتسمت على وجوههم حين قلت:
إن الاضطهاد الحقيقي الذي يُمارس في مصر هو ضد المسلمين المتدينين عموما، والناشطين منهم خصوصا،

إذ ما إن سمعوا ذلك حتى قالوا في صوت واحد:
كيف؟
حينئذ أوردت الشواهد والقرائن التالية:

* أن مساجد المسلمين تُفتح في أوقات الصلوات فقط، ثم تغلق بعد ذلك بأوامر من وزارة الداخلية، التي تراقبها طوال الوقت، حيث لا يصعد خطيب على منبر إلا بتصريح وموافقة أمن الدولة، وهو ما لا يحدث في الكنائس، كما أن المتدينين ممنوعون من التهجد في المساجد، أو الاعتكاف فيها خلال الأيام العشر الأخيرة من شهر رمضان.

* أن المحجبات ممنوعات من الظهور كمذيعات على شاشة التلفزيون المصري، كما أنهن ممنوعات من التوظف في بعض الجهات الرسمية.

* أن الناشطين من المسلمين ممنوعون من الالتحاق بكلية الشرطة أو الكلية الحربية، وممنوعون من الالتحاق بوزارة الخارجية، أو التعيين في وظائف المعيدين بالجامعات، كما أنهم ممنوعون من الابتعاث إلى الخارج، وفي وزارة التربية والتعليم يتم نقلهم من وظائف التدريس إلى وظائف إدارية أخرى.

* أن أقارب الذين سبق اعتقالهم ممنوعون من التعيين في بعض مؤسسات الدولة، وممنوعون حتى من التجنيد في القوات المسلحة أو الشرطة.

* أن النقابات المهنية التي يُنتخب فيها الإسلاميون توضع تحت الحراسة، والنموذج الفادح لذلك هو نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ ستة عشر عاما لهذا السبب.

* أن الإسلاميين ممنوعون من تقلد الوظائف الرفيعة في جميع مؤسسات الدولة.

* أن قانون الطوارئ المستمر منذ أكثر من ربع قرن (وقتذاك) لم يطبَّق إلا على أولئك الناشطين، الذين امتلأت بهم السجون، وترفض الأجهزة الأمنية إطلاق سراح الذين أنهوا محكومياتهم منهم، أو الذين قضت المحاكم ببراءتهم، ومن هؤلاء الأخيرين من طلبت المحاكم إطلاق سراحهم 12 أو 14 مرة، ورفضت «الداخلية» تنفيذ تلك الأحكام.

ظل أعضاء الوفد الأميركي صامتين، وهم يستمعون إلى تلك التفاصيل، وتمنيت عليهم وهم يغادرون أن يفكروا في السؤال التالي:

إذا كان الأقباط يتعرّضون للتمييز في حين أن الناشطين المسلمين يعانون من الاضطهاد،
فهل تكون مشكلة مصر في هذه الحالة طائفية أم سياسية؟
..........................

23 يناير، 2010

سيادة القانون وسيادة للرئيس

صحيفة الشرق القطريه السبت 8 صفر 1431 – 23 يناير 2010
سيادة القانون وسيادة للرئيس – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_23.html


في الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا في موقف حرج، بسبب ما لاح من تعارض بين سيادة القانون وسيادة الرئيس.
ذلك أن الرئيس مبارك حين زار محافظة كفر الشيخ كان قد أعلن في مؤتمر حاشد أن أمر قانون الضرائب العقارية لم يحسم بعد، وتحدث عن بعض الأفكار التي خطرت له بخصوصه،
أهمها أن تمد فترة تقدير قيمة العقار والضرائب المستحقة عليه، بحيث تصبح كل عشر سنوات وليس خمسا. وهو ما أثلج صدور كثيرين وما رحبت به وسائل الإعلام المصرية، حتى كان تركيز العنوان الموحد لصحف اليوم التالي على عدم حسم الملف. الأمر الذي ظن معه المتفائلون أن الباب مفتوح لمراجعة القانون الذي استفز قطاعات واسعة من الناس وأثار اعتراضهم.
كلام الرئيس أذهل أهل القانون وصدمهم لأنهم يعتبرون أن موضوع الضريبة العقارية محسوم منذ سبعة عشر شهرا. وأرسل إلىَّ أحدهم صورة الجريدة الرسمية التي نشرت نص القانون، ممهورا بتوقيع الرئيس حسنى مبارك.
وتحت آخر سطر في النص المنشور عبارة تقول:
يبصم هذا القانون بخاتم الدولة وينفذ كقانون من قوانينها ــ ومسجلا أنه صدر برئاسة الجمهورية في 19 جمادى الآخرة سنة 1429 هـ ــ الموافق 23 يونيو سنة 2008.

من ثم فقد كان السؤال الذي حير أهل الاختصاص هو:
كيف يبصم القانون وينفذ ويصدر ثم يقال إنه لم يحسم،
وإذا كانت كل المراحل التي تمت لا تعني أن أمر القانون لم يحسم، فمتى يمكن أن يكون محسوما إذن؟
ذلك سؤال بريء تردده ألسنة رجال القانون الطيبين، لكنه يعد أمرا مفهوما جدا عند فالأولون أهل السياسة. ذلك أن الأولين يعتمدون في منطقهم على أن توقيع الرئيس ونشر القانون في الجريدة الرسمية هو آخر كلام في الموضوع. وأن هناك فرقا بين ما تنشره الجريدة الرسمية، «وكلام الجرايد» الأخرى. وهم محقون في ذلك لا ريب. لأنه لا يعقل في الظروف العادية أن تتخذ جميع خطوات إصداره ويوقع رئيس الجمهورية على ذلك، بل وينفذ بالفعل، بمعنى أن يلزم الناس بتقديم إقراراتهم الضريبية بناء عليه، ثم يدخل عليه تعديل تشريعي بمد فترة تقديم الإقرارات من شهر يناير إلى آخر مارس القادم. لا يعقل أن يحدث كل ذلك ثم يقال إن القانون لم يحسم.
أهل السياسة في بلادنا لهم منطق مختلف. فكلام الرئيس عندهم هو رئيس الكلام.
وهو ما عبر عنه السيد أحمد عز أمين التنظيم في الحزب الوطني ورئيس لجنة الخطة والميزانية بمجلس الشعب. حين نشرت الصحف على لسانه في اليوم التالي مباشرة أن الرئيس إذا طلب تعديل القانون، فإن التعديل المطلوب سيتم، ثم التزم الصمت تماما إزاء الادعاء بأن الضريبة العقارية لم تحسم. وهو خير من يعلم أن الأمر حسم ودخل حيز التنفيذ.
وللسيد عز نفسه تجربة ليست بعيدة عن الواقعة التي نحن بصددها. ذلك أنه فرض تعديلات على قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، بعد أن كان مجلس الشعب قد انتهى من مناقشة المشروع واستكمل كل مراحل إقراره. لكنه عاد بعد 24 ساعة ليدخل تعديلا ارتآه يقضي بمعاقبة المبلغ عن الاحتكار بنصف العقوبة في حين أن القانون الأصلي يعفيه تماما من العقوبة لتشجيع مكافحة الاحتكار، كما هو الحاصل في مختلف بلدان العالم.
ثمة تفسيرات عدة لمواقف الرئيس من ملف الضريبة العقارية، تراوحت بين استجابته لضغوط الرأي العام، وبين توقيعه على إصداره دون أن يتحقق من مضمونه،
وهناك اجتهاد ثالث يقول إن الأمر كله خرج من لجنة السياسات التابعة لابن الرئيس، وإنها هي التي قامت بالطبخة كلها، وحصلت بعد ذلك على موافقة الرئيس (خيري رمضان في المصري اليوم ــ 21/1).
إلا أنني أزعم أن الأمر أكبر من قانون الضريبة العقارية، وأن ما جرى جاء كاشفا عن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون، وهى أن المرجعية الحقيقية في مصر الراهنة لا تستند إلى سيادة القانون بقدر استنادها وتعويلها على سيادة الرئيس.
...............................

21 يناير، 2010

كل هذا الفساد

صحيفة الشرق القطريه الخميس 6 صفر 1431 – 21 يناير 2010
كل هذا الفساد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_21.html


ما تنشره الصحف المصرية هذه الأيام عن «تسونامي» الفساد في قطاع الإسكان يبعث على الدهشة من زاويتين. فالوقائع المنشورة لا تكاد تصدق.
كما أن تعامل السلطة مع الملف ليس مفهوما على الإطلاق.

صحيح أن الألسنة ظلت تلوك قصص الفساد في ذلك القطاع منذ عين الوزير المتهم في منصبه وحتى أخرج منه وهو ما فهمنا أنه إبعاد لمحاولة «لتنظيف» سمعة الحكومة،
لكننا فوجئنا بأنه كوفئ مرتين،
مرة حين منح وساما رفيعا تقديرا له وتكريما.
ومرة ثانية حين أعيد تعيينه فى منصب رفيع براتب خرافي.
وهو ما أشاع قدرا هائلا من الحيرة والبلبلة. ولم يكن هناك من تفسير للمكافأتين الكبيرتين سوى أنهما بمثابة مساندة للرجل وتحصين له، وإعلان عن أنه تحت حماية السلطة وفي كفالتها. ولم تكن مكافأته هي الدليل الوحيد على ذلك، ولكن تبرئته من تهمة الكسب غير المشروع قبل ذلك كانت دليلا آخر، ربما كان أقوى وأوضح.
وفي حين أدرك الجميع بمن فيهم 47 نائبا في مجلس الشعب، أن الرجل فوق الحساب، فاستسلموا لليأس وسكتوا، إذا بنذر الإعصار تتحرك في نهاية العام الماضي، ثم تتوالى موجاته عالية وكاسحة مع إطلالة العام الجديد.
إذ فوجئنا صبيحة 2 يناير بعناوين الصفحة الأولى لجريدة «الشروق» التي علمنا منها أن جهاز الرقابة الإدارية فتح ملف الرجل مرة أخرى، واتهمه بارتكاب جرائم الاستيلاء العام، وأنه قدم للنيابة 60 مستندا بخط يده وآخرين من رجال الأعمال، عززت الاتهامات التي وجهت إليه.

وذكر تقرير «الشروق» أن النيابة تحقق في تلك الاتهامات منذ ثلاثة أسابيع (خلال شهر ديسمبر). ومن المعلومات المثيرة التي تضمنها التقرير المنشور أن الوزير دأب خلال 12 عاما أمضاها في منصبه على توزيع الأراضي والفيللات في المدن الجديدة على أفراد أسرته ومعارفه بأسعار بخسة وبالاحتيال على القانون، وفي مقابل رشاوى في بعض الأحيان،
آية ذلك أنه في حين أن القانون لا يجيز للفرد الواحد وزوجته وأبنائه القصر الحصول على شقة واحدة أو قطعة أرض واحدة في المدن الجديدة عن طريق التخصيص، فإن صاحبنا منح زوجته وأبناءه 7 قطع وفيللات مساحتها عشرة آلاف متر في القاهرة الجديدة ومارينا،

وحسب التقرير فإن ابنه القاصر قدم طلبا لوالده الوزير بتخصيص أرض فضاء بالقاهرة الجديدة للبناء عليها. فمنحه الوزير ألف متر. لكنها «تمددت» وأصبحت عند تسلمها 4500 متر، وعند التحري تبين أنه ضم إليها فى الخفاء ثلاث قطع مجاورة لها،

كما أنه خصص لزوجته أرضا مساحتها 1400 متر لبناء فيللا عليها، ثم أضاف إليها حديقة بمساحة 700 متر.
وهذا كله مجرد نقطة في بحر. لأن الاتهامات التي وجهت إليه بخصوص تعاملاته مع ثلاثة من كبار المقاولين اختلط فيه التربح بالرشوة التي قدرت بعشرين مليون جنيه. إذ منحهم 8 ملايين متر بأسعار زهيدة، وباع لأحدهم فيللا يملكها بمبلغ عشرة ملايين جنيه، في حين أن سعرها لا يتجاوز 3 ملايين جنيه فقط. والفرق كان رشوة مقنعة.

هذه بعض المعلومات الصاعقة التي نشرت في اليوم الأول لهبوب الإعصار. ولك أن تتصور سيل المعلومات المماثلة التي تسربت للصحف خلال الأيام التالية، والتي إذا صحت فإنها ترسم صورة لأكبر عملية نهب وتبديد للثروة العقارية في التاريخ المصري الحديث، خسرت مصر بسببها مبالغ تراوحت بين 200 و300 مليار جنيه (جريدة الفجر 11/1).
الأمر المحير أن ذلك كله كان معلوما ومسكوتا عليه طوال السنوات التى خلت، وهو ما يثير أكثر من سؤال حول ملابسات حجب الملف ثم استدعائه وتفجير محتوياته.
ولأن الرجل ظل محميا من جهات عليا انتفعت من وجوده وحققت من ورائه ثروات هائلة. فإن أسباب رفع تلك الحماية وصلتها بصراعات مراكز القوى تثير سؤالا آخر.
ولابد أن يستوقفنا في هذا السياق أنه بعد أسابيع من إعلان تفاصيل التقرير الذي سجل الفضائح صدر قرار جمهوري بتمديد خدمة رئيس الرقابة الإدارية اللواء محمد تهامي لعام آخر، الأمر الذي يعد تعبيرا رئاسيا عن الارتياح لجهوده. وهو أمر مقدر لا ريب، لكنه لا يوقف سيل الأسئلة الحائرة حول هوية المقامات العليا التي تسترت على الملف وتلك التي فجرت محتوياته.
ثمة شكوك في أن الرجل سيحاسب في نهاية المطاف، لأنه جر معه أثناء توليه منصبه كل أكابر البلد ــ إلا من عصم ربك ــ في حملة النهب التاريخي لثروة مصر العقارية..
ولم استبعد ذلك لأنه حدث مع غيره. لكنى أرجو أن تخيب الأيام المقبلة هذه الظنون.
أما السؤال الأخير الذي يلح على طوال الوقت فهو:
هل هذا الذي حدث في قطاع الإسكان والمدن الجديدة، هو كل الفساد الحاصل في مصر،
أم أنه الجزء الذي ظهر من جبل الجليد فقط، وأن الغاطس منه لم يكشف النقاب عنه بعد، ولن يكشف في ظل الأوضاع القائمة؟!
......................................

20 يناير، 2010

عن الضريبة التي لم تحسم

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 5 صفر 1431 – 20 يناير 2009
عن الضريبة التي لم تحسم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_20.html

يوم الخميس كان عنوان الصفحة الأولى:
لا تعديلات جديدة على قانون الضريبة العقارية.
وتحت العنوان أن مصدرا مسؤولا في وزارة المالية نفى موافقة مجلس الشعب على تعديل قانون الضريبة العقارية. ووصف ما تردد بهذا الخصوص بأنه
«حملة منظمة لتحريض الرأي العام على مخالفة قانون واجب النفاذ» (المصري اليوم 14/1).

يوم الاثنين 18/1 كان عنوان الصفحة الأولى في المكان ذاته يقول:
مبارك: الضريبة العقارية لم تحسم بعد.
وهو ذات العنوان الذي أبرزته بقية صحف الصباح.
لقد انتهز الرئيس مبارك مناسبة المؤتمر الجماهيري، الذي عقد بمحافظة كفر الشيخ لكي يهدئ من القلق المخيم على الشارع المصري جراء قانون الضرائب العقارية،
فأعلن أن أمره لم يحسم، وأنه يفكر في مد فترة تقدير قيمة العقار والضرائب المستحقة عليه، لتصبح عشر سنوات بدلا من خمس، كما هو الحال في القانون الجديد، مع وضع معدل التضخم في الاعتبار عند إعادة التقدير. كما سيتم بحث التدرج في نسبة الضريبة.

وهو كلام يتضمن أكثر من رسالة.
أولها أن باب مراجعة بعض مواد القانون لا يزال مفتوحا.
ثانيها أن القانون لم يدرس جيدا ولم يعط حقه من التمحيص بدليل ما ظهر فيه من ثغرات بعد إقراره.
ثالثها أن قلق الشارع المصري وصل إلى مسامع الرئيس في حين لم يأبه به وزير المالية أو الحكومة.
الرسالة الرابعة أن ظهور بعض العيوب في القانون بعد أن مر بكل مراحل الإصدار لا يعنى فقط أن أعضاء الحزب الوطني، الذين يمثلون الأغلبية «بصموا» عليه تنفيذا للتعليمات الحزبية التي صدرت لهم، ولكنه يعنى أيضا أن إحساس الرئيس بالشارع في هذه الحالة كان أقوى من إحساس مجلس «الشعب» به.
وهو ما يستدعي السؤال التالي:
أي قدر من العنت والمشقة يمكن أن يستشعره الناس لو أن الرئيس لم يتدخل،
وما قيمة المؤسسات التي مررت القانون إذا ظل علاج ثغراته مرهونا بالتدخل الرئاسي؟?
بقيت عندي كلمتان،
الأولى خلاصتها أن المدافعين عن فرض الضريبة يحتجون بأنها مطبقة في دول العالم «المحترمة». ورغم أنني أتمنى أن نكون منها، فإنني أذكر بأن المجتمع في تلك الدول يشارك ويراقب، بعكس الحاصل عندنا، ومن ثم فإنني أخشى أن نقتبس منها فقط ما نأخذه من الناس، ونتجاهل ما تقدمه لهم بالمقابل.
ولئن قيل في الرد على ذلك إن 25 % من قيمة الضريبة ستقدم إلى المحليات لكي تحسن من الخدمات المقدمة للناس،
فردي على ذلك أن رسوم النظافة فرضت على المصريين فرضا، وأجبروا على دفعها مع إيصالات الكهرباء، وكانت النتيجة أن أكوام القمامة انتشرت في الشوارع، بأكثر مما كانت عليه قبل فرض الرسوم.
الأمر الذي يعزز الانطباع بأن الحكومة ستحصل أموال الضريبة العقارية، ولن تتذكر الناس إلا عندما يحين موعد التحصيل التالي. وهى مطمئنة إلى أن أحدا لن يسائلها أو يحاسبها.
الكلمة الثانية خلاصتها أن الظاهر بيبرس لما خرج إلى قتال التتار بالشام تحصل على فتاوى من العلماء أجازت له أخذ مال من الرعية ليستنصر به على قتال العدو.
ولكن واحدا هو الشيخ محيى الدين النوري رفض أن يفتيه بذلك، ولما سأله عن سبب امتناعه قال:
أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير «بندقدار» وليس لك مال، ثم من الله عليك وجعلك ملكا، وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصه (كيس) من ذهب. وعندك مائتا جارية لكل جارية حق (صندوق) من الحلي، فإذا أنفقت ذلك كله وبقيت مماليكك بالبنود (الأعلام) الصوف بدلا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية.
ثمة رواية أخرى تحدثت عن حوار بين السلطان قطز وبين سلطان العلماء العز بن عبدالسلام. وكان السلطان يريد منه فتوى تجيز له أن يقترض من أموال التجار لتجهيز جيشه المتجه لصد هجوم التتار في الشام، فرد عليه الشيخ قائلا:
«إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام، وضربته سكة ونقدا وفرقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم، في ذلك الوقت أطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا».
الرسالة واضحة في الحالتين، وهى أن أهل الحكم قبل أن يمدوا أيديهم إلى جيوب الناس عند الحاجة، عليهم أن يبدأوا بأنفسهم أولا، لأنه لا يجوز أن يتقلبوا في بحور الثراء والنعيم، في حين يطالبون الناس بتوفير الموارد وتدبيرها.
وهى رسالة لا داعي لأن نبذل جهدا لتنزيلها على زماننا، لأن أهل الإفتاء عندنا لا يملكون جرأة مواجهة السلطان ومماليكه!.
..............................

19 يناير، 2010

لما كان زمن السقوط – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 4 صفر 1431 – 19 يناير 2010
لما كان زمن السقوط – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_19.html

عمت البلوى، ولم يعد «المصريون الجدد» وباءً حل بمصر فقط، لكنه انتشر في ربوع الأمة، التي صار في كل منها نماذج لأولئك الجدد، الذين لا يكرهون انتماءنا فحسب، وإنما يبغضون أحلامنا أيضا.
ــ1ــ
يروي عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي في مذكراته أن الإنجليز بعدما احتلوا بغداد في 11 مارس عام 1917 فإن الناس أطلقوا على تلك المرحلة «عهد السقوط»، وصاروا يطلقون على الذين ولدوا في ذلك العهد «أولاد السقوط»،
تذكرت كلام الدكتور الوردي حين تلقيت تعليقات عدة من أنحاء الوطن العربي على مقالي، الذي نشر تحت عنوان «
المصريون الجدد» في الخامس من شهر يناير الحالي، وكان أكثر ما أثار انتباهي فيها إشارة أصحابها إلى أن نماذج أولئك الجدد موجودون في بعض الأقطار العربية أيضا،
حيث برزت على السطح ذات القشرة، التي تحدثت عنها في مصر، التي أوغلت في القطرية وضاقت بالعروبة ونفرت من الإسلام، وباتت تستهجن المقاومة وتتأفف من الحديث عن فلسطين، ولم تعد تعرف من هو عدو الأمة، ومن الذي يهدد حقا أمنها القومي، بل إن مفهوم الأمة ذاته وحلمها في الوحدة بدا غائما وملتبسا، ومن ثم محلا للتندر والسخرية.
حين تلاحقت الرسائل محملة بهذه المعاني قفز إلى ذهني على الفور مصطلح عهد السقوط وعنوان أولاد السقوط. وقلت إن هذه النماذج نتاج زمن الانكسار والانفراط وثقافة التراجع والانبطاح.
في الأسبوع الماضي وقعنا على عدة لقطات لها دلالتها في هذا السياق. إذ حين هزم فريق الجزائر في أولى مباريات كأس الأمم الإفريقية عبر بعض الإعلاميين في مصر عن شماتتهم وارتياحهم لما حدث، وحين فازت مصر على نيجيريا 3/1 قال أحد المعلقين الرياضيين المصريين إن النتيجة جلبت انتصارا أشاع الفرحة في العالم العربي، فاعترض على ذلك معلق تونسي قائلا: إن ذلك الشعور ينسحب على الشعب المصري فقط، لأن شعوب المغرب العربي كانت تشجع الفريق النيجيرى وتتمنى له الفوز على المنتخب المصري،
لا أعرف مدى دقة هذه الشهادة، لكنها إذا صحت فإنها تسلط الضوء على أحد أوجه الانفراط والتشرذم الحاصلة في «زمن السقوط».
ــ2ــ
رياح التباغض هذه نجحت في تسميم الأجواء العربية، ليس فقط على مستوى الشعوب، لكن على مستوى القيادات والرموز أيضا، الذين أصبح بعضهم يرحب بلقاء قيادات العدو الإسرائيلي في حين يرفض الاجتماع مع «الأشقاء» العرب، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة ملوك الطوائف في الأندلس (400 ــ 484 هـ ــ 1009 ــ 1091م).
ذلك أنه بعد سقوط الخلافة والدولة الأموية انفرط عقد الأندلس، التي تحولت إلى دويلات متنازعة، فاستقل كل أمير بناحية ونصب نفسه ملكا عليها، وتطلع كل واحد منهم لأن يبسط سلطانه على الأندلس،
وبسبب التنافس بينهم فإن منهم من تعارك مع جاره المسلم، ومنهم من استعان بملك النصارى ألفونسو السادس، الذي كان يحكم شمال البلاد، وتسانده فرنسا والباباوية في روما.
ومن سخريات الأقدار، أنه في حين انقسم العرب في زماننافي التعامل مع العدو الإسرائيلي المؤيد بالأمريكيين إلى ثلاثة معسكرات «معتدلون ومتطرفون وبين بين»، فإن المراجع التاريخية تتحدث أيضا عن تعدد ملوك الطوائف وانخراطهم في ثلاثة معسكرات.
واحد ضم ممالك أهل الأندلس، الذين استقروا في البلاد منذ قديم الزمان وانفصلوا عن أصلهم العربي.
والثاني ضم البربر والمغاربة، الذين كانوا حديثي العهد بالأندلس،
والثالث معسكر كبار الصقالية، الذين استقلوا بشرقي الأندلس.
جميعهم تنافسوا وتصارعوا فيما بينهم، حتى قال عنهم المؤرخ ابن عذارى المراكشي إن «أمرهم صار في غاية الأخلوقة «الأضحوكة» والفضيحة. أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها».
النتيجة يعرفها الجميع، إذ ظل الملك ألفونسو يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض، ويتقدم على الأرض مسقطا «الممالك» والثغور واحدة تلو الأخرى حتى أخضع الجميع وأذلهم. ولم تقم لدولة الإسلام في الأندلس قائمة بعد ذلك إلا حين زحف إليها المرابطون من المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي أسس دولة المرابطين التي استمرت حتى منتصف القرن الثاني عشر.
لدينا في العصر الحديث تجربة أخری فرضت فيها الشرذمة بعد انهيار الدولة العثمانية. ذلك أنه في الفترة ما بين عامي 1830 (تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر) وعام 1920 (حين أحكم الفرنسيون والبريطانيون سيطرتهم على بقية أنحاء العالم العربي) استطاع الغرب أن يصفي ــ تدريجيا ولأول مرة في التاريخ ــ الكيان العربي الإسلامي الموحد بصفة نهائية، وأن يحكم أغلبية أقطاره بصورة مباشرة.

وكانت اتفاقية سايكس بيكو التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام 1917. بعد الحرب العالمية الأولى تجسيدا صريحا لسياسة تفتيت العالم العربي وتمزيقه. وكان من بين نتائجها المباشرة إجهاض حركة المد العربي، التي تشكلت في مواجهة التتريك، الذي فرضته السلطة العثمانية، وإحباط حملة توحيد المملكة العربية بزعامة الشريف حسين.
وهذا الإصرار الذي وصل إلى حد التآمر لضمان استمرار تفتيت الأمة العربية كشفه في وقت لاحق عدد من الباحثين العرب، الذين أتيح لهم الاطلاع على الوثائق الغربية ذات الصلة.
وقد أصدر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت أكثر من كتاب حول هذا الموضوع، كان أحدها حول التجزئة العربية وكيف تحققت تاريخيا، لمؤلفه الأستاذ أحمد طربين، وقد استعرض محاولات حول الهيمنة الغربية في هذا الصدد، ثم خلص إلى أن بعض الدول العربية، التي حصلت على استقلالها بموجب معاهدات الصداقة والتحالف التي أبرمتها مع الأجنبي، فإن ذلك الأجنبي بذل قصارى جهده لكي يحمل الاستقلال معنى عكسيا، بحيث لا يكون استقلالا حقيقيا عن الأجنبي، بل استقلالا عن «الأخوة» أساسا، بمعنى أن يكون لكل وطن عربي مستقل ذاتية وخصوصية، تميز أنه عن الأوطان العربية الأخرى.
ــ3ــ
ربما لاحظت أن الانفراط الذي حدث في النموذجين السابقين ثم في مرحلتين للسقوط،
إحداهما في أعقاب انهيار الخلافة الأموية،
والثانية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية،
في الأولى تنازع ملوك الطوائف فيما بينهم فانهزموا أمام العدو المشترك،
وفي الثانية تكالبت قوى الهيمنة الغربية على جسد الأمة فمزقته وبسطت سلطانها على أطرافه،
وكان الضعف المؤدي إلى الانكسار قاسما مشتركا في الحالتين.
أزعم أننا في العالم العربي دخلنا في طور ثالث لحالة الضعف والانكسار منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد في عام 1979. ذلك أن المد القومي الذي عاشته مصر والأمة العربية في المرحلة الناصرية ظل مصدر قلق دائم للولايات المتحدة وإسرائيل، والأخيرة اعتبرت ذلك المد تهديدا وجوديا لها.
وكان الإنجاز الذي حققته مصر بعبور قواتها إلى سيناء في حرب 1973 من دواعي تعزيز ذلك القلق، من حيث إنه جاء دالا على ما يمكن أن تفعله مصر إذا استردت بعض عافيتها، ولذلك أتصور أن العقل الإستراتيجي المشترك بين الأمريكيين والإسرائيليين، وقد تابع سلوك الإدارة المصرية بعد طرد الخبراء السوفييت وتوقيع اتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل، طرح السؤال التالي:
كيف يمكن اصطياد مصر والإيقاع بها، بعدما غاب عنها عبدالناصر، وفي ظل انتشاء السادات بما حققه في حرب أكتوبر؟
ليس هذا السؤال افتراضيا، ولا هو من وحي الخيال، لأن ما حدث بعد ذلك في اتفاقية كامب ديفيد لم يكن سوى إجابة وافية عليه ــ كيف ولماذا؟
ردي أنه إذا كان بعض المحللين الإسرائيليين، يعتبرون اتفاقية كامب ديفيد أهم إنجاز حققته إسرائيل في تاريخها بعد تأسيس الدولة، فإن ذلك يسوغ لنا أن نعتبرها أكبر هزيمة سياسية لحقت بمصر في تاريخها الحديث،
لا تنافسها في ذلك إلا معاهدة لندن، التي عقدت في سنة 1840. وهي التي أخرجت محمد علي باشا من الشام وحصرت سلطاته داخل حدود مصر، في حين أبقت مصر والشام تحت الهيمنة الأوروبية، التي انتهت باحتلال الإنجليز لمصر في عام 1882.
صحيح أن مصر استعادت سيناء بشروط معينة بمقتضى اتفاقية كامب ديفيد، إلا أن الثمن الذي دفعته لقاء ذلك كان فادحا وباهظا للغاية. لأنها تصالحت بصورة منفردة مع العدو، الذي يمثل وجوده التهديد الحقيقي لأمن مصر والأمة العربية، في حين لا يزال ذلك العدو مصرا على الاستمرار في الاحتلال والاستيطان والتهويد.
ليس ذلك فحسب، وإنما وقعت مصر في هذه الاتفاقية على الاستقالة من دورها الريادي في العالم العربي، ذلك إن المادة السادسة من الاتفاقية المذكورة تنص في إحدى فقراتها على أنه إذا حدث تعارض بين التزامات الطرفين الواردة في المعاهدة وبين أي التزامات لهما قررتها اتفاقات أخرى، تقدم التزامات الطرفين على ما عداها، وهو نص يكاد يكون تطبيقا للشعار «مصر وإسرائيل أولا»، وعند الحد الأدنى فإنه يعني مباشرة خروج مصر من اتفاقية الدفاع العربي المشترك. الأمر الذي جعلها تقف متفرجة على غزو لبنان وإزاء أي مغامرات أخرى تقدم عليها إسرائيل في العالم العربي.
ــ4ــ
في مناسبات مختلفة قلت إن مصر في العالم العربي بمثابة العامود الأساسي، الذي تعتمد عليه الخيمة العربية، فإذا انكسر ذلك العامود وقعت الخيمة كلها على الأرض، وهذا ما حدث خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي أعقبت توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مما أدى إلى مقاطعة مصر لمدة عشر سنوات وكما أدى إلى نقل مقر الجامعة العربية منها إلى تونس، مباشرة بعد توقيع الاتفاقية.

إذ خلال تلك السنوات ظل مقعد القيادة في العالم العربي شاغرا، وتقلص الدور المصري حينا بعد حين، واستمر النظام العربي في الانهيار، وتغيرت خرائط العالم العربي السياسية والثقافية، حتى وصلنا إلى حالة الانقسام، التي نعيش في ظلها الآن،
بحيث أصبحت أبواب مصر مفتوحة أمام نتنياهو ومغلقة في وجه بشار الأسد،
وحتى أصبح أبومازن مواظبا على اجتماعاته مع أولمرت وتسيبي ليفني، ورافضا مصافحة خالد مشعل،
وحقق التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل شوطا بعيدا في التصدي للمقاومة التي أصبحت «عدوا مشتركا» للاثنين!
لا يتسع المجال لرصد مظاهر التردي الذي وصلنا إليه بسبب غياب مصر وتراجع دورها، الأمر الذي أفقدها هيبتها واحترامها. ذلك أن تجليات ذلك التردي لم تترك مجالا في حياتنا السياسية أو الثقافية إلا وضربته، كما لم تترك قيمة نبيلة تعلقنا بها، ولا ركيزة من ركائز العزة والعافية عولنا عليها، إلا وتنكرت لها.
إذ اختلط الحابل بالنابل، وصار العدو الإستراتيجي حليفا إستراتيجيا، كما ذكر الأستاذ طارق البشري مندهشا.
وأصبحت المقاومة إرهابا، والفلسطينيون في غزة تهديدا للأمن القومي.
وقال بعض «الخبراء» إن خطر الفلسطينيين والإيرانيين على مصر أشد من الخطر الإسرائيلي.
واستنكف بعض المثقفين في مصر على الانتماء العربي، قائلين إنهم أرفع من ذلك شأنا، فهم مصريون من سلالة الفراعنة «الذين هم» أرقى سلالات الدنيا ومن أرفع أعراق الأرض».. إلخ.
من رحم هذه البيئة الشائهة خرج «
المصريون الجدد»، وانتقلت العدوى إلى خارج الحدود على النحو الذى وسع من دائرة أبناء السقوط.لما كان زمن السقوط
.......................

18 يناير، 2010

أسئلة مصر «الجديدة»

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 3 صفر 1431 – 18 يناير 2010
أسئلة مصر «الجديدة» - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_18.html


س: هل تم تهريب سلاح ومفرقعات ومواد متفجرة إلى مصر عبر الأنفاق أم لا؟
ج: هذا ادعاء أمني لم يثبت،
ولم يثر في أي وقت خلال اللقاءات التي تمت في القاهرة بين ممثلي حماس وبين مسؤولي المخابرات العامة المصرية التي تدير الملف.
الشيء الوحيد الذي ثبت أن الأنفاق استخدمت فيه هو تلبية احتياجات قطاع غزة المعيشية، وقوات الأمن المصرية التي تلاحق المهربين عبر الأنفاق لم تضبط سلاحا في أي مرة.
وأحدث خبر في هذا السياق نشرته صحيفة «الشروق» على صفحتها الأولى يوم 13/1، وتحدث عن ضبط مواد غذائية وأقمشة في مدينة «الشيخ زويد» كانت معدة للتهريب عبر رفح،
كما تحدث عن ضبط مائة طن من الأسمنت بإحدى المزارع في رفح قبل تهريبها عبر الأنفاق للاستعانة بها في ترميم البنايات المدمرة.
س: هل تم بناء شبكات من المتعاونين المصريين الذين لا يحترمون القوانين المصرية للتعامل مع هذه الأنفاق أم لا؟ج: هذا أيضا ادعاء أمني لم يثبت. لكن الثابت أن هناك فئات استفادت من عمليات تهريب البضائع، التي قدرت قيمتها بمليار دولار سنويا.
وفي الخبر الذي نشرته «الشروق»، وسبقت الإشارة إليه أن عشرات من الأهالي في الشيخ زويد ثاروا وأحرقوا إطارات السيارات، حين صادرت الشرطة المواد الغذائية والأقمشة التي كان مزمعا تهريبها.
س: هل تم عبور مصريين عبر هذه الأنفاق وجرى تدريبهم من خلال منظمات إسلامية فلسطينية داخل قطاع غزة وهؤلاء قاموا بهجمات إرهابية في سيناء أم لا؟ج: صحيح أن مصريين استخدموا الأنفاق للدخول إلى غزة لكن ما لهذا حفرت الأنفاق، لأن الوصول إلى القطاع وإلى إسرائيل ذاتها كان ولا يزال ممكنا عبر الصحراء فوق الأرض وليس بالضرورة عبر الأنفاق. بدليل أن إسرائيل تبني الآن سورا مكهربا لوقف تدفق المهاجرين عبر سيناء.
أما حكاية تدريبهم في غزة للقيام بهجمات إرهابية في سيناء، فهو ادعاء أمني لم يثبت بدوره، لكنه يساق الآن لتسويغ إغلاق الأنفاق،
ورغم أن ذلك لم يثر في اجتماعات ممثلي حماس مع ممثلي المخابرات العامة، إلا أنه يظل تبريرا ساذجا للإغلاق، لا يختلف كثيرا عن وقف حركة الطيران وإغلاق المطارات لأن بعض الإرهابيين دخلوا إلى البلاد عبر الجو!
س: هل اعترف (السيد) حسن نصر الله «رئيس» حزب الله اللبناني بأنه بنى شبكة عسكرية في مصر تقوم بتهريب السلاح عبر مصر والأنفاق أم لا؟ج: أرجو أن تصحح معلومات التقرير الأمني. لأن حكاية الشبكة العسكرية أو الخلية من تأليف الأجهزة الأمنية المصرية، التي استند إليها الادعاء في القضية المنظورة الآن أمام القضاء، التي لم يقل كلمته فيها بعد.
والشيء الوحيد الثابت في القضية أن أحد أعضاء حزب الله جاء إلى مصر لدراسة كيفية تقديم العون للمقاومة في غزة.
و«الاعتراف» المنسوب إلى السيد نصر الله لا يتجاوز إقراره بأن هذا الشخص من أعضاء حزب الله. وليس هناك شك في أن التصرف كان خطأ من الناحية القانونية وقد انتقدناه في حينه. لكن ربما كانت له مسوغاته السياسية،
ولمصر التي يذكرها العرب سجل حافل بالممارسات المماثلة في دعم حركات التحرير. لكن المشكلة أن بعض العرب لم ينتبهوا إلى أن السياسة في مصر «الجديدة» تغيرت، وأصبحت تلاحق المقاومين وتحاكمهم ولا تساعدهم.
س: هل تم اجتياح الأراضي المصرية من قبل المواطنين في غزة وهدم السور الموجود على الحدود بين مصر والقطاع أم لا؟ج: لم يكن اجتياحا لكنه كان انفجارا موجها ضد الحصار الظالم وليس ضد مصر. والجماعة الوطنية المصرية لم تؤيده، لكنها تفهمت أسبابه، خصوصا أن الذين دخلوا في أول النهار عادوا أدراجهم في نهايته. ثم ما دخل ذلك بموضوع الأنفاق؟
هذه الأسئلة لم تكن موجهة من أحد ضباط أمن الدولة، لكن ألقاها عليَّ أحد القيادات الصحفية الجديدة يوم السبت الماضي، لا لكي أجيب عنها- لأنه انطلق من الرد الإيجابي عليها جميعا- وإنما لكي يعتبرها حيثيات تؤيد «ضرورة» إقامة الجدار الفولاذي، الذي يتكفل بسد الأنفاق جميعا وإحكام الحصار حول القطاع، بدعوى التصدي لخطر تهديد الأمن القومي المصري.
لا مفاجأة في الأسئلة التي رددت معانيها الأبواق الإعلامية المصرية طوال الأسابيع الأخيرة.
لكن المفاجأة الحقيقية بالنسبة لي تمثلت في ثلاثة أمور،
أولها أن يتقمص الأكاديمي في نهاية المطاف شخصية رجل الأمن فينشغل بالمحاكمة وليس بالفهم أو البحث، حتى إنه لم يخطر على باله أن يسأل مرة واحدة لماذا حفر أهل غزة الأنفاق؟ أو ما الذي تمثله بالنسبة للمحاصرين في القطاع؟
الأمر الثاني أن صاحبنا قدم مرافعته، التي ابتذل فيها عنوان الأمن القومي المصري لكي يدافع عن قرار أمريكي- إسرائيلي بإقامة الجدار، كانت مصر قد احتجت عليه في بداية العام الماضي.
أما الأمر الثالث فإن هذه العنترية والغيرة على السيادة المصرية التزمت الصمت تماما إزاء الاعتداءات، التي تمارسها إسرائيل على تلك السيادة أسبوعيا على الحدود مع غزة بدعوى تدمير الأنفاق.
أيها الأمن القومي كم من الجرائم ترتكب باسمك!
............................

17 يناير، 2010

كارثة أن تكون مواطنًا عاديًا!

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 2 صفر 1431 – 17 يناير 2010
كارثة أن تكون مواطنًا عاديًا! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_17.html


هذه مأساة رجل مشكلته الوحيدة أنه مواطن عادي. صحيح أن أباه كان رجلا محترما ترقى في الوظائف حتى أحيل إلى التقاعد وهو على درجة وكيل وزارة، ولأنه كان من مؤسسي الجهاز المركزي للمحاسبات، فقد أعطي نوط الامتياز من الطبقة الأولى. لكنه ظل مواطنا عاديا لا حول له ولا قوة، وورث أبناؤه هذه السُّبة، فعاشوا بلا ظهر ولا سند.

هو شاب طموح، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو في العشرين من عمره لدراسة الطيران، فحصل على شهادة ملاح خاص، ثم اجتهد فحصل على شهادة ملاح تجاري، ولم يوفق في استكمال دراساته فعاد إلى القاهرة لكي يستقر فيها، ويواصل عمله الذي أوفده في مهمته الدراسية، ذلك كله حدث في الفترة ما بين عامي 1988 و2000.

مأساة صاحبنا عرضتها تحقيقات الأهرام (عدد 11 يناير الحالي). إذ ذكرت أنه خرج من بيته ذات صباح. ففوجئ بكمين شرطة يلقي القبض عليه بدعوى أنه هارب من حكم غيابي صادر ضده في قضية مخدرات، قضى بحبسه لمدة عام وتغريمه خمسة آلاف جنيه.

كان الرجل قد عاد لتوه من الولايات المتحدة (لم تكن أسرته قد علمت بوصوله) فأذهله ما سمعه. ولأول وهلة أدرك أن ثمة التباسا في الاسم، ذلك أن اسمه محمد عبد الوهاب ومن سكان حي مصر الجديدة. أما المتهم الذي صدر ضده الحكم الغيابي فاسمه محمد عبد الوهاب محمود إبراهيم ومن سكان حي السيدة زينب. لكن ذلك لم يشفع له، إذ رغم تقديم الطيار البريء جواز سفره إلى مأمور السجن ـ كما ذكر تقرير الأهرام ـ الذي أثبت أنه لم يكن موجودا في مصر وقت ارتكاب الجريمة، وأن هناك اختلافا واضحا في الاسم بينه وبين المتهم الأصلي، وهناك اختلافات في الوظيفة ومحل الإقامة وتاريخ الميلاد. فإن مأمور السجن صم أذنيه ولم يأبه بكل ذلك، وأمر باستمرار احتجازه، وكانت تلك بداية سحقه وتدميره.
إذ أصيب بصدمة زلزلت كيانه وأفقدته القدرة على التفكير، لم يجد أحدا يستمع إلى استغاثاته، وظل مصنفا باعتباره مروج مخدرات صدر ضده حكم غيابي، وينتظر إعادة محاكمته بعد ضبطه، وحين تم ذلك صدر حكم بحبسه لمدة عام وتغريمه عشرة آلاف جنيه. فاقتيد لتنفيذ العقوبة حيث وضع في زنزانة مليئة بالشياطين من النزلاء ـ والوصف لتقرير الأهرام ـ الذين كانوا خليطا من تجار المخدرات والمدمنين، فحطموا قواه العقلية والجسدية، من جراء التعذيب والاعتداء عليه داخل الزنزانة. حتى تحول إلى بقايا رجل فقد كل شيء؛ كرامته وإنسانيته ووظيفته وبيته.

بعد تسعة أشهر من ذلك الجحيم علمت الأسرة بالخبر. فسارعوا إلى زيارته، حيث وجدوه شبحا في حالة يرثى لها، وآثار عض غريبة ظاهرة في جميع أنحاء جسمه.
صدمت أمه حين رأته، وأصيبت بأزمة قلبية وصدمة نفسية، أدت إلى وفاتها. ولجأت شقيقته إلى محامية كان من السهل عليها إثبات براءته، بعد اللجوء إلى الطب الشرعي لكى يحدد من هو المتهم الحقيقي في قضية ترويج المخدرات (المتهم الأصلي كان في سجن القناطر الخيرية يقضي مدة العقوبة في قضية أخرى!)

خرج الطيار محمد عبد الوهاب إنسانا محطما، يجر رجليه وغير قادر على التماسك أو التركيز. وما أن بدأ علاجه نفسيا حتى فوجئ برجال المباحث يقتادونه إلى مديرية أمن القليوبية لينفذ عقوبة الإيذاء البدني والمراقبة عن قيمة الغرامة (10 آلاف جنيه)، وكان عليه أن يقضي شهرا كاملا داخل أحد أقسام المديرية. حيث كان عليه أن يقوم بأعمال النظافة داخل القسم من الصباح الباكر وحتى بعد الظهر، وهي فترة تعرض خلالها لأبشع ألوان القسوة والظلم والسباب بألفاظ نابية، حتى كره حياته وفكر في الانتحار أكثر من مرة، ولكن شقيقته كانت إلى جواره تسانده وتثنيه.

تحول الرجل الآن إلى بقايا إنسان، تحاول أسرته أن تعالجه، وثمة قضية مرفوعة لتعويضه عما أصابه بما يساعد في إنقاذه. ولكن حظه كمواطن عادي معروف. فلا هو لاعب كرة قدم ولا هو ممثل أو راقص، ثم إنه ليس قريبا أو منسوبا إلى أهل الجاه والنفوذ.

ولأنه مجرد مواطن ليس من الطبقة الممتازة فقد لاحقته اللعنة. حيث كتب عليه أن يعيش مظلوما ومقهورا، وأن يموت كمدا.
المشكلة أنه ليس وحيدا؛ لأن في مصر ٨٠ مليون مواطن عادي من أمثاله لا ظهر لهم ولا سند.
.............................

16 يناير، 2010

مجرد غلطة مطبعية !

صحيفة الشرق القطريه السبت 1 صفر 1431 – 16 يناير 2010
مجرد غلطة مطبعية ! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_16.html


فقرة واحدة وردت في كلام الدكتور مصطفى الفقي أثارت الزوبعة التي لم تهدأ في مصر طوال الأيام الأربعة الماضية،
كانت الفقرة ردا على سؤال حول تقديره لمدى التأثير الدولي على المرشح القادم في مصر؟..

في رده قال الدكتور الفقي: لا أعتقد أنه سيأتي رئيس قادم لمصر وعليه «فيتو» أمريكي ولا حتى اعتراض إسرائيلي للأسف.
وقد تم إبراز الإجابة ونشرها مجللة باللون الأحمر في عناوين الحوار الذي جرى معه. وهو ما اعتبره زميلنا وائل قنديل في «الشروق» أخطر فتوى سياسية في مصر صدرت خلال الخمسين سنة الأخيرة. ولم يخف إن صاحبنا بما قاله وضع «يده في عش الزنابير».
السؤال وجهه إليه زميلنا الأستاذ محمود مسلم في سياق الحوارات التي تجريها صحيفة «المصري اليوم» حول مستقبل الحكم في مصر. وأثارت الإجابة انتباه الأستاذ محمد حسنين هيكل، فوجه في يوم نشرها 12/1 رسالة إلى الجريدة أبرزتها على سبعة أعمدة في الصفحة الأولى.
وفي عناوينها أن كلام الدكتور الفقي صادر عن «شاهد مالك».
والعنوان الثاني جاء باللون الأحمر موجها «أسئلة ضرورية حول مقولة مصطفى الفقي: إن الرئيس القادم يحتاج إلى موافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيل».
وفي نص رسالته اعتبر الأستاذ هيكل أن ما ذكره الدكتور الفقي يعد خبرا، أجاب فيه على سؤال واحد من أسئلة الخبر، وهو السؤال: ماذا؟ أي ماذا حدث.
مضيفا أن حق المهنة وواجبها يستدعى بقية من أسئلة لابد لها من إجابة عليها حتى يستوفى الخبر أركانه.
هناك السؤال عن متى؟ (أي متى وقع الخبر؟ ومتى أصبح اختيار الرئيس في مصر بموافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيلي).
وهناك السؤال عن: كيف؟
وهناك السؤال عن: أين؟
وهناك السؤال عن: من؟
وهناك السؤال عن: لماذا؟
وأخيرا هناك السؤال عن: ثم ماذا؟
فى صباح ذات اليوم الذي نشرت فيه الرسالة 13/1، اتصلت مذيعة برنامج «صباح دريم» بالدكتور مصطفى الفقي وسألته عن رأيه في أسئلة الأستاذ هيكل، فقال إن ما نشر على لسانه لم يكن دقيقا تماما، وأنه تحدث بوصفه أستاذا للعلوم السياسية وليس كمصدر للأخبار، ثم أغلق الخط غاضبا.

وفي اليوم التالي نشرت «المصري اليوم» ردا على رسالة الأستاذ هيكل قال فيها الدكتور الفقي، أنه ليس مصدرا للمعلومات أو الأخبار، وأنه ليس شاهد ملك ولا شاهد رئيس. لكنه تناول الموضوع من زاوية التحليل السياسي فقط، وأراد بما قاله أن يسجل اهتمام الولايات المتحدة بانتقال السلطة في مصر، ومتابعة إسرائيل للموضوع.
مضيفا أنه ليس في ذلك ما يوحى بأن هناك من يطلب موافقة الولايات المتحدة أو رضاء إسرائيل، «لأن الوطنية المصرية هنا صاحبة القول الفصل في النهاية».
الأستاذ كرم جبر ردد نفس الفكرة في «روزاليوسف» ونقل عن الفقي قوله إنه شاهد ملك على وطنية الرئيس مبارك،
كما نقل عنه اتهامه للأستاذ هيكل بأنه يحاول «تصفية الحساب معه، لأنه قام بتعرية مواقفه السياسية، ولم يستطع الرد عليه إلا بالاصطياد له في الاجتزاء والتحليل، بحيث يضع على لسانه أشياء لم يقلها»!.
زميلنا خيري رمضان كتب في «المصري اليوم » (عدد 14/1) أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها الدكتور الفقي عن الموافقة الأمريكية على الرئيس المصري المقبل، لأنه قالها على الهواء قبل عدة سنوات في برنامج «على الهواء» الذي كان يقدمه الأستاذ عماد أديب على قناة «الأوربت»، ولكنه هذه المرة أضاف إسرائيل.
من جانبها حلت «المصري اليوم» الإشكال بأن غيرت من إجابته في نص الحوار المنشور على الموقع الإلكتروني، بحيث أصبحت على الوجه التالي:
لا أعتقد أنه سيأتي رئيس قادم لمصر وعليه فيتو أمريكي ولا حتى اعتراض إسرائيلي للأسف.
وهى صيغة على النقيض تماما مما ورد على لسانه في الحوار الذي نشرته الجريدة يوم 12 يناير،
كما أنها مختلفة عن التصويب الذي صدر عنه في رده على رسالة الأستاذ هيكل وتحدث فيه عن الاهتمام «الأمريكي» والمتابعة الإسرائيلية.
الأمر الذي يعني «نسخ» الإجابة الأولى واعتبارها غلطة مطبعية لا أكثر جرى تصحيحها في أول فرصة، وكانت اللغة هي الحل!.
........................

13 يناير، 2010

إنجازاتهم الكبيرة ومعاركنا الصغيرة

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 28 المحرم 1431 – 14 يناير 2010
إنجازاتهم الكبيرة ومعاركنا الصغيرة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_13.html


عنوان الخبر الرئيسي للصفحة الأولى من جريدة «الحياة» اللندنية كان مثيرا للانتباه يومذاك (12/1). إذ تحدث عن أن
«أردوغان اقترح على الأسد زيارة لبنان».
نعم يعرف كثيرون أن العلاقة الشخصية بين رئيس الوزراء التركي والرئيس السوري توثقت خلال السنوات الخمس الأخيرة، الأمر الذي كان له أثره في العلاقات الحميمة التي باتت تربط بين بلديهما. وهو ما أسهم في إنجاح سياسة توسيع نطاق تبادل المصالح بينهما، وأدى إلى إلغاء تأشيرات الدخول وإلى تسيير خط حديدي بين حلب السورية وغازي عينتاب التركية، وأحدث طفرة في علاقات البلدين.

كان مفهوما ذلك التقارب بين دمشق وأنقرة، ولكن الجديد في الأمر أن أنقرة دخلت على الخط مع لبنان، وأصبحت مهتمة بتحسين علاقاته مع سورية، إلى الحد الذي دفع رئيس الوزراء التركي لان يقترح على الرئيس الأسد أن يزور بيروت، في خطوة لا يشك في أنها يمكن أن تحقق دفعة جديدة لعملية «تطبيع وتمتين» العلاقات السورية - اللبنانية، وهي خطوة من شأنها أن تسهم في «استقرار الجوار» الذي ما برحت الديبلوماسية التركية تتحدث عنه وتدعو إليه.

هذا الموضوع أثير بمناسبة الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء التركي لبيروت هذا الأسبوع، التي يفترض أن تعقبها زيارة يقوم بها الرئيس التركي عبدالله غول إلى لبنان.
وكان أهم ما أنجز في لقاءات أردوغان ببيروت هو الاتفاق على إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين. وتلك خطوة جاءت تالية لقرارات مماثلة مع سورية والأردن، الأمر الذي يعني أن حركة الأشخاص والبضائع بين تلك الدول الأربع ستكون مفتوحة على مصاريعها.

ويعني في الوقت ذاته أن نواة لسوق مشتركة جديدة عربية وإسلامية سوف تبرز في الأفق ليستفيد منها أكثر من مائة مليون شخص (تركيا 76 مليونا، سورية 20 مليونا، الأردن ولبنان زهاء عشرة ملايين).

وحسبما نقل على لسان وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، فإن أنقرة تأمل في أن يطبق نظام تأشيرة «شنجن» بين هذه الدول، لكي يتحرك أي زائر في ربوعها بتأشيرة دخول واحدة. كما تتطلع إلى انضمام العراق إلى تلك السوق الجديدة يوما ما.
(لا تنس أن تأشيرات الدخول بين تركيا وليبيا ألغيت قبل شهرين).

هذه ليست مصادفات ولا ضربات حظ، ولكنها خطوات هادئة اهتدت برؤية استراتيجية بلورها الدكتور أحمد داود أوغلو مهندس السياسة التركية الجديدة. التي ارتكزت على أمرين،
أولهما حل المشكلات القائمة مع كل الجيران،
وثانيهما توسيع نطاق تبادل المصالح بين تركيا ومحيطها الاستراتيجي.

وهي الرؤية التي التزمت بها حكومة حزب العدالة والتنمية منذ تولت السلطة في عام 2002، وحققت نجاحات باهرة حتى الآن على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
وليس دقيقا تفسير ذلك التمدد بحسبانه مشروع تكتل سني تقوده تركيا في مقابل التطلعات الإيرانية التي تعبر عنها طهران. ذلك أن ثمة علاقات وثيقة بين تركيا وإيران، خصوصا على الصعيد الاقتصادي
(تركيا تعتمد على إيران في استيراد الغاز)
وهناك أكثر من 40 اتفاقية تعاون بين البلدين وقعت في العام الماضي (الأتراك وقعوا مئة اتفاقية مع العراق).

لا يستطيع المرء وهو يتابع هذا التنامي المشهود للدور التركي أن يقاوم مقارنته بالتراجع المحزن في الدور المصري.
إذ في حين تتصالح تركيا مع محيطها في هدوء، وتنسج شبكة مصالح قوية مع دول ذلك المحيط.
فإن مصر تمضي في اتجاه معاكس طول الوقت حتى أصبحت تدخل في معارك صغيرة لا مبرر لها،
مرة مع الجزائر بسبب مباراة لكرة القدم
ومرة ثانية مع قطر لأسباب غير مفهومة.
ذلك غير القطيعة مع سورية،
والعلاقات غير المستقرة مع السودان.
وهو ما أدى إلى إصابة العمل العربي المشترك بالشلل (باستثناء مجال الأمن طبعا)،
والحركة الإيجابية الوحيدة التي قامت بها كانت باتجاه إثيوبيا ودول حوض النيل، وقد اضطرت إليها مصر حين أدركت أن الخطر يتهدد حصتها من المياه.

لا أكاد أجد تفسيرا للتقدم التركي والتراجع المصري إلا في أمرين،
أولهما الديموقراطية التي تفتح الباب لمحاسبة المسؤول،
وثانيهما وضوح الرؤية الاستراتيجية التي تهديه إلى سواء السبيل،
ولا تستعبط وتسألني أين يقع كل منهما!
..........................

12 يناير، 2010

المتعصّبون والمزايدون يمتنعون

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 27 المحرم 1431 – 13 يناير 2010
المتعصّبون والمزايدون يمتنعون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_12.html


في معالجة موضوع جريمة نجع حمادي، تمنيت أن نوجّه نداء يقول:
«المتعصبون والمزايدون والمتصيّدن يمتنعون»،
ذلك أنه منذ وقعت الواقعة التي أدت إلى مقتل ستة من الأقباط وجندي مسلم برصاص ثلاثة من «الزعران» عقب الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، لاحظت أن رموز هذه الفئات الثلاث قفزوا إلى مقدّمة الصفوف وشرعوا في استعراض بضاعتهم.

المتعصبون جددوا حديثهم عن مسألة الاضطهاد وتواطؤ الشرطة ضدهم،
والمزايدون تنافسوا في تقديم الاشتراطات واقتراحات تغيير مناهج التعليم ولغة الخطباء، وإعادة النظر في قواعد التوظف وتوزيع الحصص في المجالس المحلية والنيابية. ومنهم من طالب الحكومة المصرية بتقديم تعهّد كتابي للأمم المتحدة بحماية الأقليات،
أما المتصيّدون، فقد وجدوها فرصة لتصفية حساباتهم والتخويف من اتساع نطاق التدين (الإسلامي طبعا)، وطالبوا الحكومة بشنّ حملة واسعة لتغيير المفاهيم والعقول، وليس فقط لمنع النقاب.

ليس جديدا ذلك اللغط، ذلك أنه في كل نازلة مماثلة يتكرر الكلام نفسه، ونسمع نفس الطلبات والمقترحات. كما تتحرك أطراف عدة لاحتواء التوتر وامتصاص الغضب أحيانا من خلال مظاهرات التنديد والشجب، وأحيانا بعقد الندوات التي تدافع عن الوحدة الوطنية، ودائما من خلال الصور التي تتصافح فيها الأيدي وترتسم الابتسامات العريضة، ويتبادل فيها الشيوخ مع القساوسة عبارات المجاملة.
ثم ما أن ينفضّ ذلك كله حتى تهدأ الأجواء لبعض الوقت، ثم نفاجأ بفاجعة جديدة، تستصحب أصواتا لا تختلف كثيرا عن سابقاتها.

أفتح قوسا هنا وأسجل الحيرة والدهشة إزاء ما جرى في نجع حمادي، وأعترف بأنني لم أقتنع بالأسباب التي أدت إلى ارتكاب جريمة القتل، كما لم أفهم لماذا غاب الأمن عن المشهد ولم يظهر بشكل فعال إلا بعد وقوع الجريمة؟!

وما حيرني في الأمر أن الذين ارتكبوا الجريمة لم يعرف عنهم التدين ولا الغيرة على الدين، ولم يثبت أن لهم صلة بأي نشاط أو جماعة دينية، وليس هناك رابط منطقي بين الجريمة وحادث اغتصاب الشاب القبطي لصبية مسلمة في بلدة مجاورة،
لأنني فهمت أن تلك الصبية تنتمي إلى قبيلة كبيرة ذات شوكة، إذا أرادت أن تثأر للاعتداء على شرف ابنتها، فبمقدورها أن تتولى ذلك بنفسها وليس عن طريق استئجار عاطلين في بلدة مجاورة للقيام بالمهمة،

وفي الوقت الذي لم أصدق فيه دعوى تواطؤ الشرطة التي عادة ما يسارع المتعصبون والمزايدون إلى تسويقها، فإنني لم أجد تفسيرا مقنعا لتقاعس أجهزتها عن تأمين الاحتفال، في حين أنها تدرك جيدا أن ثمة احتقانا وتوترا يستوجب اتخاذ احتياطات خاصة.

ليس ذلك هو الوجه الوحيد للحيرة، لأن الشعور ذاته ينتابني إزاء أربعة أسئلة من وحي المشهد هي:
(1) لماذا فشلنا حتى الآن في اجتثاث جذور الاحتقان؟ وهل أخطأنا في تشخيص أسبابه أم في علاجها أم في الاثنين؟
(2) هب أننا استجبنا لدعوات توحيد شروط بناء دور العبادة، وتغيير مناهج التعليم وتخصيص حصة للأقباط في مختلف المجالس المحلية والنيابية و.. و.. إلخ، هل سيؤدي ذلك إلى اختفاء التعصب، وسيؤدي إلى إخماد نار الفتنة، أم إلى تأجيجها؟
(3) هل الحلول الطائفية هي المدخل الصحيح لحل الإشكال، أم أن الأولى أن تتجه الجهود إلى مشكلات الوطن الكلية التي إذا ما حُلّت انحلّت معها عُقد كل ما تفرع عنها؟
(4) كيف لنا أن نشيع ثقافة التسامح في المجتمع، في حين أن ممارسات السلطة تعطي الناس دروسا شبه يومية في القمع والقهر؟

لست أفضل من يجيب عن هذه الأسئلة، لكنني أزعم أنها تستحق التفكير من جانب من يهمّه الأمر، ليس فقط حتى لا ينفرد بالساحة المتعصبون والمزايدون والمتصيّدون، ولكن أيضا قبل أن تدهمنا فاجعة جديدة نكرر معها الأسطوانة نفسها.
..............

11 يناير، 2010

عن الأنفاق والجدار والمسكوت عليه من الأسرار – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 26 المحرم 1431 – 12 يناير 2010
عن الأنفاق والجدار والمسكوت عليه من الأسرار – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_11.html

لا بأس من وقفة مع بعض مقولات «المصريين الجدد»، الذين استنفرهم ما كتبته عنهم في الأسبوع الماضي، فاستبسلوا في تلبيس الحق بالباطل، ولم تسعفهم أوراق التوت التي استخدموها لستر ما انكشف من عورات.

(1)

كنت قد تحدثت عن أولئك النفر من الناس الذين أفرزتهم أجواء الانحسار والانكسار التي سادت في السنوات الأخيرة، فتشوه إدراكهم حتى أصبحوا كارهين لمقومات انتمائنا وتطلعات أحلامنا.
ومن ثم تبنوا منظومة قيم مناقضة لما تعارفت عليه الجماعة الوطنية المصرية وبلورة خطابها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي،
لم أخف أن ما كتبته كان متأثرا بأصداء الهجوم على الانتماء العربي بسبب أزمة مباراة مصر والجزائر، والتجريح الذي أصاب الملف الفلسطيني، والمقاومة بشكل عام،
الأمر الذي سوغ الاشتراك في حصار غزة ثم السعي لإحكام ذلك الحصار من خلال إقامة الجدار الفولاذي العازل.
ولأن سياق المقال كان يتحدث عن أحداث وأجواء العام المنصرم، فإنني تطرقت إلى منظومة القيم السلبية الأخرى التي تجلت في خطاب اولئك «الجدد»، متصورا أن ذلك يسلط أضواء إضافية من زاوية مغايرة على صورة العام وحصيلته.
بعض الذين على رأسهم «بطحة» تطوعوا بالرد.
ولأن موضوع الجدار الفولاذي هو حديث الساعة في مصر على الأقل، فإنهم اتخذوا منه قاعدة ليس فقط لهدم الفكرة التي عرضتها، ولكن أيضا لهدم من قال بها أو أيدها.
ولجأوا في ذلك إلى التخويف والتكفير تارة،
وإلى الكذب والتدليس تارة أخرى،
وإلى تغطية ذلك بالعناوين الكبيرة، مثل السيادة والكرامة الوطنية والمصالح العليا والأمن القومي، تارة ثالثة،
ولأنهم لم يلجأوا إلى الإسفاف والبذاءات التي يستخدمها بعض البلطجية الذين انتسبوا إلى مهنة الصحافة،
وإنما استخدموا خفة اليد التي يلجأ إليها النشالون الأذكياء والظرفاء، فإن ذلك شجعني على الرد على أطروحاتهم وأخذها على محمل الجد، تقديرا لأدبهم وظرفهم.
(2)

قرأت لأحدهم كلاما اعتبره دفاعا عن مصر، في مدخل لا يخلو من تدليس، حيث افترض أن مصر هي السياسات الراهنة وأن الاختلاف حول هذه السياسات هو تجريح لمصر ونيل من مقامها.
ولأنه أحد الوكلاء «الحصريين» لمصر الراهنة، فقد وجد أن «الواجب» يفرض عليه أن ينبري للدفاع عنها، وفي نص المرافعة التي نشرت يوم السبت الماضى 9/1 ركز صاحبنا على النقاط التالية:
- إن مشكلة مصر دائما لم تكن مع أعدائها «التي كانت قادرة على التعامل معهم»، وإنما كانت مع أصدقائها وأشقائها (العرب؟)، الذين ظل التعامل معهم ملتبسا دائما وقائما على «المناورة والخداع» (!).
- إن الرئيس عبدالناصر أقدم بعد الغارة الإسرائيلية على غزة في عام 1955 على اعتقال سياسيين ومفكرين ومناضلين «حتى لا يستدرج أي منهم مصر إلى معركة لم تخترها ولم تحدد هي مكانها وتوقيتها» - في إشارة تفوح منها رائحة إما التلويح أو التحريض أو التخويف من إمكانية تكرار «السابقة» مع الناقدين الحاليين.
- النقطة الثالثة والأهم في المرافعة انها لجأت إلى الطعن في ولاء وانتماء الناقدين.
فوصفتهم تارة بأنهم لا يجدون بأسا في التفريط بالمصالح المصرية،
وبأن «أيديولوجيات مختلفة دفعتهم للتخلي عن مصر ومصالحها» تارة أخرى.
وفي موضع ثالث ذكر أنهم «يضعون مصر في مؤخرة اهتماماتهم، ويضعون كل ما عداها في المقدمة، من طهران إلى غزة، وهي أوصاف تخرج الناقدين لفكرة الجدار وشككوا في مراميه من الملة الوطنية.

عبر عن الفكرة ذاتها في برنامج تليفزيوني أحد الجهابذة الذين يستضافون كثيرا هذه الأيام، ويقدم بحسبانه من الخبراء الأمنيين، إذ سمعته يقول إن الذين انتقدوا الجدار «ليسوا مصريين» الأمر الذي لا يشكك فقط في وطنيتهم، ولكنه يعد أيضا من قبيل التكفير السياسي والإرهاب الفكري.
- بعد التبكيت والتخويف والتخوين أوردت المرافعة سبعة انتقادات لمشروع الجدار، كان الرد عليها طريفا للغاية، ذلك أن الرد لم يتجاوز حدود النفي، دون تقديم أي حجة مقابلة أو معلومة تؤيد وجهة النظر المضادة.
ففي مواجهة انتقادات رأت أن الجدار بمنزلة عقاب لحماس لرفضها الاستجابة للطلبات المصرية، أو أنه يعبر عن التجاوب مع السياسات الإسرائيلية، أو أنه ضمان للأمن الإسرائيلي أو تمهيد لضربة إسرائيلية جديدة، أو أنه جزء من صفقة توريث السلطة في مصر أو. أو..إلخ،
فإن هذه الادعاءات قوبلت بمجرد الاستنكار الذي لا يقنع أحدا، ويفتح الباب لاحتمال تأييد الادعاء وليس استبعاده.

(3)

الشيء المحدد الوحيد الذي جرى الإلحاح عليه أكثر من مرة وهو أن الأنفاق مثلت اختراقا للحدود المصرية واعتداء على سيادة البلد، وأنها استخدمت في تهريب السلاح وأدوات العنف، وتهريب وتدريب الإرهابيين، وإن إقامة الجدار استهدفت تأمين الحدود المصرية من التهديدات القادمة من غزة. من ثم فهي مجرد إنشاءات حدودية وتحصينات دفاعية وليست هجومية ارتأتها مصر استنادها إلى حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي.
هذا الكلام يعد نموذجا للتدليس وابتذالا للمعاني الكبيرة المتمثلة في السيادة والأمن القومي والمصالح العليا.
ذلك أن الأنفاق لم تظهر كقضية إلا بعد فرض الحصار على غزة وارتفاع نبرة شكوى الإسرائيليين وانتقادهم، لسبب جوهري هو أنها كانت أحد أسلحة المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون وحفروها باظافرهم لتحدي الحصار وإفشاله. لذلك فإنها كانت مشكلة لإسرائيل وليس لمصر.
الكلام عن استخدام الأنفاق في تهريب السلاح وأدوات العنف أو تهريب الإرهابيين كذب وافتراء لا أساس له من الصحة.
هذا هو رأي الدكتور صلاح البردويل رئيس الدائرة الإعلامية في حركة حماس الذي قال إن ما بين 30 و%35 من الاحتياجات المعيشية للقطاع ظلت تأتي عبر الأنفاق.
فمن خلالها تدخل إلى القطاع بعض مواد البناء التي تمنعها إسرائيل مثل الزجاج والأخشاب والألومنيوم.
كما تتوفر الأقمشة والمواد البلاستيكية ومواد التنظيف،
وكل مستلزمات المدارس من كتب وكراريس وأدوات مدرسية،
كما أن كل ما يدخل القطاع من بنزين وسولار يأتي من مصر عبر الأنفاق.
ذلك غير قطع غيار السيارات والمواد الغذائية التي تشمل المعلبات والفواكه وحليب الأطفال.
(للعلم: قيمة البضائع التي تدخل سنويا عبر الانفاق تقدر بمليار دولار تنعش اسواق رفح والعريش).
ان سد الأنفاق يعني خنق القطاع وحرمانه من كل ما سبق. اذ ستتوقف الدراسة وحركة ترميم المباني وستصاب كل سيارات القطاع بالشلل، ولن يجد الناس احتياجاتهم من الألبسة والأحذية أو حليب الأطفال... إلخ.
وهذا هو «الإرهاب» الذي يتحدث البعض عن ضرورة إيقافه، ويصورونه بحسبانه مصدرا لتهديد الأمن القومي المصري.
هل هذا يبرر اختراق الحدود وانتهاك السيادة؟ قطعا لا،
ولكنه من الناحية الأخلاقية يعد من الضرورات التي تبيح المحظورات.

والتعامل الأمثل مع هذه الضرورة يكون برفع الحصار لتوفير احتياجات المحاصرين من خلال معبر رفح، الذي ينبغي أن يعامل كأي معبر آخر يخضع لإشراف مصر ورقابتها، في السلوم أو نويبع.
ولا محل للاحتجاج هنا باتفاقات لم تكن مصر طرفا فيها، كما لا ينبغي ألا يستخدم الحصار وسيلة للي ذراع حماس وإخضاعها لرئاسة السلطة في رام الله، لأن الشعب الفلسطيني في القطاع لا ينبغي أن يرتهن لكي يحل ذلك الخلاف المعقد بين أنصار التسوية والتفريط وبين دعاة الممانعة والمقاومة.
وفي القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تجويع المدنيين، سند قوي للحل الذي ندعو اليه، يعلو فوق أي اتفاق آخر، وهو مما يدعم موقف مصر إذا أرادت أن تحل مشكلة الأنفاق من جذورها، بحيث تسمح بتوفير احتياجات الناس بصورة إنسانية عادية ومنتظمة.
(4)

إن المرء ليستغرب أن تبتذل فكرة أمن مصر القومي، بحث تعد الأنفاق الفلسطينية تهديدا لذلك الأمن، في حين لا تعد كذلك 200 رأس ذرية تخزنها إسرائيل.
كما يستغرب ذلك الاحتجاج ضد الأنفاق بالسيادة واختراق الحدود المصرية، بينما يتم السكوت على الاعتداء شبه المنظم على السيادة المصرية من جانب إسرائيل التي لا تتوقف غاراتها على الحدود لتدمير الأنفاق.
وهي غارات تمثل أيضا انتهاكا لاتفاقية السلام التي نصت على اعتبار منطقة الحدود المشتركة منزوعة السلاح، في حين حولها الإسرائيليون إلى مسرح للعمليات العسكرية.
إن «وطنية» المصريين الجدد الذين تبلغ بهم الجرأة حد إعطائنا درسا في الغيرة على مصر والحدب على مصالحها العليا، لا ترى في طموحات إسرائيل خطرا على أمن البلد، ولا في جرائمها ما يستحق التنويه فضلا عن الاستنكار، لكنها لا ترى التهديد أو الخطر إلا في توفير كراريس المدارس وعلب الحليب وغيرها من الاحتياجات الأساسية إلى المحاصرين في غزة.
إن الصمت المريب عن كل اعتداءات وانتهاكات إسرائيل للحدود المصرية لا يعادله إلا التجاهل التام لقصة الجدار والمعلومات المثيرة التي تتناثر حوله،
ومن المفارقات أن هذا الموضوع الذي يثير الآن صخباً وجدلا شديدين في مصر، ظل سرا محاطا بالكتمان لعدة أشهر، إلى أن فضحته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، حين تحدثت عن الأعمال الجارية على الحدود، وعن مواصفات ألواح الصلب التي تصنع في أمريكا لكي تدفن في الأرض على عمق ثلاثين مترا، وتشكل الحاجز الفولاذي المطلوب.
وعلى أهمية تلك المعلومات إلا أنها لم تشر إلى التفاصيل التي تسربت تباعا في وقت لاحق. من تلك المعلومات أن إقامة الجدار قرار أمريكي -إسرائيلي جاء تنفيذا لاتفاق كان آخر ما وقعته في نهاية العام الماضي وزيرتا الخارجية في الولايات المتحدة وإسرائيل (كونداليزا رايس وتسيبي ليفني).
وكان إنجاز ذلك الاتفاق أحد الشروط التي أملتها إسرائيل على واشنطن قبل انسحابها من غزة، فيما وصف بأنه «تنظيف للطاولة» قبل تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة،
وقد أغضب ذلك مصر وقتذاك، التي احتجت على اتفاق الدولتين على إقامة السور الفولاذي على أراضيها، الأمر الذي يعد اعتداء صارخا على سيادتها. ولكن «التفاهمات» اللاحقة امتصت الغضب وأدت إلى تنفيذ الاتفاق كما أرادته اسرائيل واتفقت عليه الدولتان.
من المعلومات التي تسربت أيضا أن مركز الأبحاث الهندسية والتنموية التابع للجيش الأمريكي هو الذي أعد جميع المواصفات الفنية للمشروع، وقد تعاقد على تنفيذها مع شركة في ولاية مسيسبي، تخصصت في صناعة الألواح الفولاذية العازلة، سبق لها أن نفذت مشروعات مماثلة على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.
ذلك كله مسكوت عليه وتجرى تغطيته بالحيل البلاغية والشعارات الرنانة التي تردد الهتاف لسيادة مصر ومصالحها العليا وأمنها القومي، في حين تهدد الناقدين وتطعن في وطنيتهم ومصريتهم.
لقد عددت فيما كتبت قبلا ما تصورته مواصفات للمصريين الجدد وموقفهم إزاء القيم السياسية للجماعة الوطنية في مصر،
لكن النموذج الذي بين ايدينا سلط الضوء على موقفهم من القيم الاخلاقية الذي بات يحتاج الى دراسة مستقلة، لأن الجرأة على الاحتيال والتدليس التي تكشفت ليست في مقدور كل أحد.
.................................

10 يناير، 2010

حققوا قبل أن تصدّقوا

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 25 المحرم 1431 – 11 يناير 2010
حققوا قبل أن تصدّقوا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_10.html

تجاهل وسائل الإعلام المصرية معلومات مثيرة خرجت من غزة خلال اليومين الماضيين، تتعلق بملابسات قتل مجند حرس الحدود المصري أحمد شعبان، أثناء الاشتباك والتراشق الذي حدث عند معبر رفح يوم الأربعاء 6-1، قبل دخول قافلة «شريان الحياة» إلى القطاع،

تقول تلك المعلومات إن تحقيقات وزارة الداخلية في غزة خلصت إلى أن قتل الجندي تم برصاص مصري، نتيجة خطأ في التصويب ارتكبه جندي آخر في حرس الحدود كان مرابطا في أحد الأبراج.
استندت معلومات جهة التحقيق إلى مجموعة من المعلومات والشهادات التي ستعلن في مؤتمر صحافي خلال 24 ساعة، أفادت بما يلي:

ــ أن المتظاهرين على الجانب الفلسطيني لم يثبت أن أحدا منهم حمل سلاحا، ولكنهم كانوا قد تجمعوا عند بوابة صلاح الدين في مهرجان خطابي صبيحة يوم الأربعاء. وفي الدقائق العشر الأخيرة منه اندفعت مجموعة من الفتية تتراوح أعمارهم بين 10 و16 سنة نحو السور الفاصل وراحوا يرشقون الجنود المصريين بالحجارة.

ــ في الوقت ذاته تسلق صبي عمره 14 سنة السور واستطاع الوصول إلى أعلى برج الحراسة، وقام بتعليق علم حماس عليه.

ــ حين لمحه أحد الجنود المصريين المرابطين في برج آخر فإنه أطلق نحوه عدة رصاصات، فقفز على الأرض وفر هاربا، في حين أن اثنتين منها أصابت الجندي أحمد شعبان الذي خر صريعا.

ــ في الوقت ذاته كان الفتية الفلسطينيون يرشقون الجنود المصريين، الذين ردوا عليهم بإطلاق الرصاص، الأمر الذي أدى إلى إصابة عشرة منهم، اثنان إصابتهما خطرة هما
جمال السميري «16 سنة» الذي أصيب بالشلل الرباعي لأن رصاصة اخترقت صدره واستقرت في عموده الفقري،
وعبدالله عيسى «11 سنة» الذي أصيب في رأسه
والاثنان يرقدان في العناية المركزة بمستشفى خان يونس.
أما الباقون فقد كانت إصاباتهم أخف، لم تتجاوز الأيدي والأكتاف والأقدام.

ــ استند التحقيق الذي أجري حول الحادث إلى تقرير لوكيل وزارة الصحة المساعد في مستشفى شمال العريش (طبيب مصري) الذي قرر أن إصابة الجندي المصري أحمد شعبان كانت في الظهر وليس الصدر، بمعنى أنها جاءت من خلفه وليس من المتظاهرين الذين كان يتابعهم من البرج.

هذه المعلومات إذا صحت فإنها تقلب تماما الصورة التي سارع الإعلام المصري إلى نقلها، واستندت إليها التصريحات الرسمية التي تناثرت في اتجاهات عدة، ودعت إلى تسليم «القناص» الفلسطيني لمحاكمته في مصر، وأنذرت وتوعدت بالرد،
حتى أكدت أنه لن يكون هناك كلام أو سلام مع حماس إلا إذا استجابت للطلبات المصرية.

لست أدعو إلى التسليم بهذه المعلومات لكني أدعو إلى التحقيق فيها، ليس بالضرورة لإدانة هذا الطرف أو ذاك، ولكن للتصرف في أي اتجاه استنادا إلى الحقائق وليس إلى الشائعات والانطباعات المتعجلة،

أدري أن هناك أطرافا عدة، لها مصلحة في تبني الرواية التي عممها الإعلام المصري، وبنى عليها استنتاجات وصلت إلى حد التصريح بإمكانية إعلان الحرب على غزة، إلا أنني أزعم أن التصرف المسؤول من جانب الدولة المصرية يقتضي بناء المواقف على أساس من المعلومات الموثقة التي تطمئن إلى صحتها،
ليس فقط لأن ذلك هو الوضع الطبيعي الذي لا يحتاج إلى تزكية، ولكن أيضا لأنه لا مصلحة لمصر في أن تبني علاقاتها مع قطاع غزة على أساس الأكاذيب والشائعات، خصوصا أن كسب غزة بحماس أو بغيرها يظل جزءا من مقتضيات حماية الأمن القومي المصري، الذي ينال منه إن يشيع العداوات والمرارات مع الجيران.

أدري أن تغيير رواية قتل الجندي يمكن أن يقلب سيناريوهات كثيرة، ويحبط أطرافا عدة،
لكني أزعم أن ثمة مصالح عليا تتجاوز كل تلك الحسابات، تقتضي تحري الأمر بمنتهى الشفافية والنزاهة،
وذلك لن يتأتى إلا إذا عمدت مصر إلى التحقيق فيما جرى، ليكون لكل حادث حديث.
..................

09 يناير، 2010

تشدد هنا وترخّص هناك

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 24 المحرم 1431 – 10 يناير 2010
تشدد هنا وترخّص هناك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_09.html


الغضب مشروع والانفعال محظور. ذلك أن من حق مصر أن تغضب لمقتل أحد جنود حرس حدودها برصاصة من الجانب الفلسطيني في غزة. ولها أن تطلب التحقيق في ملابسات الحادث ومحاسبة المسؤول عنه.
لكنها ينبغي ألا تستسلم للانفعال بحيث تعزل الحادث عن سياقه والملابسات التي أفضت إليه، وألا تلجأ إلى التهديد والوعيد والتلويح بإعلان الحرب على قطاع غزة،
على الأقل فذلك ما فهمته مما نشرته صحيفة «الأهرام» على الصفحة الأولى أمس الأول (الجمعة 8/1) ونقلت فيه عن مصدر أمني مصري قوله:
إن قوات حرس الحدود قادرة على حماية حدود مصر، ولديها قدرات وإمكانات لا تستخدمها بالرغم من الاستفزازات، لكن استمرارها غير مقبول.
كما نقلت عن المتحدث باسم الخارجية قوله إن لصبر مصر حدودا. وإن أي محاولة أخرى لاستفزاز الأمن المصري سوف تكون لها عواقبها.

ويبدو أن حالة الانفعال كان لها صداها في تصريحات رسمية أخرى. صدرت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، الذي تطرق إلى قافلة الإغاثة التي دخلت أخيرا إلى قطاع غزة، قائلا:
إن كثيرين من المشاركين في تلك القافلة «كشفوا عن حقد أسود وأعمى ضد أبناء شعب مصر» (المصري اليوم 8/1).
وهو كلام ساذج يستغرب المرء صدوره عن ديبلوماسي مسؤول.
ذلك أنه اختزل الشعب المصري في الإجراءات الأمنية التي اتخذت بحق الحملة، ثم اعتبر أن انتقاد التعسف في تلك الإجراءات بمنزلة «حقد أسود وأعمى» ضد الثمانين مليون مصري.
كأن الذين جاءوا من إنجلترا بسيارات قطعت ثمانية آلاف كيلومتر في رحلة استغرقت شهرا لم يكونوا مشغولين بتوصيل المعونات التي تحملوا لأجلها كل تلك المتاعب إلى المحاصرين في غزة، ولكنهم كانوا مهجوسين بذلك الحقد الأسود والأعمى.

ذلك التخبط في التصريحات بين التهديد والتنديد كان يمكن لمصر أن تتجنبه، لو أن المتحدثين تكلموا بلغة أكثر رصانة، دعوا فيها إلى التحقيق في التجاوزات التي تخللت الرحلة، والتي أدت إلى التراشق واستخدام السلاح مما أفضى إلى قتل جندي حرس الحدود المصري وإصابة عشرات الفلسطينيين.

من المفارقات في هذا الصدد أن مصر تحلت بضبط النفس وتحدثت بمنتهى الرقة والحذر حين قتل بعض جنود حرس الحدود المصريين برصاص الإسرائيليين، وتجنبت بذلك التصعيد الذي يمكن أن يترتب على استخدام لغة التهديد والوعيد.
لكن هذه اللغة اختلفت بمعدل 180 درجة حين تعلق الأمر بالفلسطينيين.
وقد برر ذلك رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» بتفسير متحيز ومشين حين ذكر في مقال منشور يوم الخميس 6/1 أن الإسرائيليين يقتلون جنودنا بالخطأ، في حين أن رجال حماس في غزة يقتلونهم عامدين!

لقد استلفتت المفارقة نظر أحد الخبراء العسكريين الإسرائيليين (عاموس جلبوع رئيس قسم الأبحاث الأسبق في الاستخبارات العسكرية)،
فقال في ندوة بثها راديو تل أبيب ليلة 18/11 الماضي أن النظام المصري خرج عن طوره بسبب نتيجة المباراة مع الجزائر،
«في حين أنه التزم الصمت عندما قمنا بحملة «الرصاص المصبوب» في غزة،
ووفر الأجواء لمواصلة تلك الحملة رغم سقوط المئات من الفلسطينيين،
كما أنه منع التحرك لصالح الفلسطينيين خلال الحرب..
وفي بعض الحالات قتل جنود مصريون وجدوا بالقرب من الشريط الحدودي، لكن الحكومة المصرية لن تقم بأي إجراء».

لن أفاجأ إذا برر أحدهم تلك المفارقة المخزية بقوله:
إن ثمة معاهدة سلام مع إسرائيل اقتضت ذلك القدر من الحذر والتسامح،
في حين أنه لا توجد معاهدة مماثلة مع الفلسطينيين في غزة،
ولا تستغرب ذلك لأن بئر السقوط بلا قاع.
.........................

08 يناير، 2010

دم الجندي معلق في رقابهم

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 23 المحرم 1431 – 9 يناير 2010
دم الجندي معلق في رقابهم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/01/blog-post_08.html

مسلسل الحماقات التي ارتكبناها في الأسبوع الماضي ظل مسكونا بعناصر الدهشة والصدمة والحزن.
إذ ما خطر ببال أحد أن تلقى قافلة التضامن مع غزة (شريان الحياة) ذلك الكم من العراقيل وصنوف العنت والمعاناة.
وما توقع أحد أن ينفلت العيار في نهاية المطاف، بحيث يتطور المشهد في إحدى حلقاته الأخيرة إلى تراشق واشتباك يؤدي إلى مقتل جندي مصري وإصابة 40 فلسطينيا.

لقد جاءت القافلة لكي تفضح الحصار الإسرائيلي لغزة في ذكرى الانقضاض عليها، وفوجئنا بأن الفضيحة أصبحت من نصيبنا في مصر، إذ تكفلت «الحكمة» التي تعاملنا بها مع القافلة بصرف الانتباه عن الجريمة الإسرائيلية بحيث أصبحت الأضواء كلها مسلطة على تعسف السلطات المصرية وإجراءاتها المستغربة.

لقد قطع هؤلاء ثمانية آلاف كيلومتر وهم يقودون العربات من بريطانيا التي غادروها في السادس من شهر ديسمبر الماضي، حاملين معهم معونات بقيمة أربعة ملايين دولار،
وبعد رحلة أنهكتهم وصلوا إلى العقبة ليعبروا منها إلى ميناء نويبع المصري، لكنهم أبلغوا بأن عليهم أن يعودوا أدراجهم إلى سورية لكي يبحروا من ميناء اللاذقية إلى ميناء العريش،
لم يكن ذلك يعني مزيدا من الإنهاك لهم فقط، ولا تأخيرا لهم عن الموعد الذي حددوه للوصول (27 ديسمبر) فقط، وإنما كان يعني أيضا تحميلهم بعبء مالي إضافي فاق طاقتهم (300 ألف دولار قيمة السفر بالطائرات وشحن السيارات بالبواخر والعبارات). وقد تكفل الأتراك والخليجيون بتغطية هذا المبلغ مناصفة. وحلوا بذلك الإشكال في هدوء.

بعد أن وصلوا إلى العريش دخلت معاناتهم طورا آخر فصلت فيه الصحف المستقلة، المهم أن الجميع نقلوا من المطار إلى ميناء العريش لكي يستقلوا عرباتهم وينطلقوا بها إلى معبر رفح،
هناك وبعد وصولهم حوصر الميناء بألفين من جنود الأمن المركزي، في الميناء دخلوا في مفاوضات مع بعض المسؤولين المصريين حول ترتيبات عبورهم إلى القطاع،
وهم هناك تحرشت بهم عناصر الشرطة التي رشقتهم بالحجارة.
وذكرت صحيفة «الدستور» أن مجموعة منهم ارتدى أفرادها الثياب المدنية وكانوا يحملون عصيا كهربائية قامت بالاعتداء بالضرب على مجموعة من أعضاء القافلة
(صحيفة نيويورك تايمز ووكالة أنباء رويترز وجيروزاليم بوست اتفقت على أن الشرطة هي التي بادرت بالاعتداء)

وهو ما أسفر عن إصابة 40 من أعضاء الحملة نقل 11 منهم إلى مستشفيات العريش،
أخبار المفاوضات والاشتباكات وصلت إلى داخل القطاع، فتظاهرت مجموعات من الشباب الفلسطينيين، التي قامت برشق حرس الحدود المصريين،
وتخلل ذلك تبادل لإطلاق النار. أدى إلى قتل الجندي المصري أحمد شعبان
(لم تستبعد صحيفة الدستور أن يكون قد قتل برصاص قناص إسرائيلي)
كما أدى إلى إصابة 40 فلسطينيا بجراح مختلفة اثنان منهم في حالة خطرة.

الصحف الحكومية عالجت ما جرى بصياغات مثيرة للانتباه، فقد ركزت على قتل الجندي المصري ولم تذكر إصابة الفلسطينيين،
ونقلت «الأهرام» على لسان مسؤول أمني أن أعضاء القافلة «ارتكبوا أفعالا مشينة في حين أن قوات الأمن تعاملت بأقصى درجات ضبط النفس».
رئيس تحرير «الجمهورية» قال إنه اتضح فعلا أن حماس أخطر على حدودنا من العدو الواضح وأن إسرائيل تقتل جنودنا بالخطأ، وحماس تقتلهم بتصويب متقن (؟!)
«روزاليوسف» وصفت قافلة شريان الحياة بأنها «شريان البلطجة» ورئيس تحريرها وصف الناشطين الذين انضموا إليها بـ«المنحطين» ووصف موقفهم بالانحطاط والخيانة.
رئيس تحرير «الأخبار» طالب بمعاقبة حماس لتدفع الثمن غاليا، معتبرا أنه «لا عفو ولا مغفرة ولا تسامح بعد اليوم».

لقد قتل جندي مصري، وأصيب العشرات على الجانبين، وتناقلت وكالات الأنباء صور رجال الأمن المصري وهم يضربون بالعصي الكهربائية أعضاء القافلة، الذين بدأوا أمس في مغادرة القاهرة وهم يحملون ذكريات مريرة عن تجربتهم معها.

إن دم الجندي الشهيد معلق في رقاب الذين حولوا الرحلة إلى أزمة دون مبرر،
ثم فشلوا في إدارة الأزمة حتى حولوها إلى فضيحة أساءت إلى سمعة مصر ولطختها بالأوحال.
.....................

Delete this element to display blogger navbar