Subscribe:

Ads 468x60px

10 نوفمبر، 2010

أناس هناك يغضبون

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 4 ذوالحجة 1431 – 10 نوفمبر 2010
أناس هناك يغضبون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/11/blog-post_10.html


مشكلة القمامة في إيطاليا تهدد مستقبل رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني. ذلك أن الرجل حين فاز في انتخابات عام 2008 كان قد قطع عهودا على نفسه بالتخلص من القمامة التي تراكمت في شوارع نابولي،
وما إن تحقق له مراده حتى بادر إلى استدعاء الجيش للإسهام في العملية، وافتتح مواقع جديدة للتخلص من القمامة. وبنى منشأة لمعالجة النفايات، ومن ثم أعلن انتصاره في معركته ضدها.
اليوم أصبح هذا النصر كأن لم يكن. حيث عاودت أكوام القمامة ظهورها في نابولي. ولم تعد منشأة معالجة النفايات تعمل بكامل قدرتها.
وتحدثت التقارير الصحفية عن بدء انتشار التمرد في مدينة تبريز بينو بين السكان بعدما أصبحوا يعيشون وسط الروائح الكريهة التي تنبعث من أحد مواقع التخلص من النفايات.

وفي الأيام الأخيرة، خرج المئات إلى الشوارع. وأعاقوا شاحنات نقل القمامة، مما أدخلهم في مناوشات عنيفة مع الشرطة.
ومرة أخرى وعد برلسكوني بحل المشكلة، لكن الأمر اختلف هذه المرة، لأن قليلين فقط أصبحوا يصدقونه. ولم تعد تنطلي عليهم الأساليب التي يتبعها في كسب ود الناس وامتصاص غضبهم. من خلال إطلاق النكات وترديد الوعود الكبيرة.
إذ من الثابت أن شعبيته في تراجع مستمر وحل محلها شعور متزايد بالعجز والسخط. بعدما ضاق الناس ذرعا بوعوده فضلا عن سلوكه الشخصي ومشاكل حكومته.

وما حدث في تبريز بينو مرشح للتكرار في بقية المدن الإيطالية. ذلك أن سكان تلك المدينة الكئيبة ذات المنازل الخراسانية لم يعودوا يرغبون في التخلص من أكوام القمامة التي تحاصرهم فحسب، لكنهم أصبحوا يجهرون برغبتهم في إسقاط برلسكوني الذين صوتوا له من قبل بعدما خذلهم،
ولشدة غضبهم فإنهم خرجوا عن طورهم في الأسبوع الماضي. واضرم بعضهم النيران في شاحنات القمامة، وهاجموا موقعا كانت الحكومة قد شرعت في توسيعه للتخلص منها، بعدما امتلأ عن آخره ولم يعد قادرا على استيعاب المزيد من النفايات.

خلال مؤتمر صحفي عقده برلسكوني في الأسبوع الماضي أعلن أنه سيتعاون مع السلطات المحلية لحل المشكلة في الأيام المقبلة، وأضاف بنبرة حانقة إن التغطية الإعلامية لأزمة القمامة أضرت بصورة إيطاليا.
لكن كثيرين لم يأخذوا كلامه على محمل الجد لأن سمعة حكومته أصبحت في الحضيض، فضلا عن اقتناع الأغلبية بأن سلبية الحكومة المحلية، إضافة إلى نشاطات الجريمة المنظمة، من العوامل الأساسية التي أسهمت في تفاقم مشكلة القمامة واستعصائها على الحل.

لا يغيب عن فطنتك أنه ما كان لمثلي أن يهتم بالقمامة في إيطاليا ومدى تأثيرها على مستقبل السيد برلسكوني إلا لأننا شركاء في ذات الهم، بل ربما كان همَّنا أكبر لأن ثمة عوامل موضوعية توفرت لهم في إيطاليا تعطيهم أملا في إمكانية حل المشكلة وتجاوزها، في حين أننا في مصر لا نكاد نرى في الأفق أملا من ذلك القبيل.

وأول ما يخطر على البال في هذا الصدد أن الأزمة تهدد مصير برلسكوني الذي أصبح يحاكم شعبيا وإعلاميا كل يوم، في حين أن انتشار القمامة في بر مصر وتراكمها في أنحاء عاصمة «أم الدنيا» لم يحرك شعرة في رأس أي رئيس لضاحية أو حي. ناهيك عن المحافظ أو الوزير.
كما أننا لا نحلم بأن يساءل أو يحاسب عنها رئيس الوزراء. ومن الواضح أن جميع أولئك المسئولين مسترخون في مقاعدهم لعلمهم أن أحدا لن يحاسبهم إذا قصروا في حق الناس والمجتمع، طالما أنهم يقومون بمستلزمات الولاء والطاعة ويؤدون «الواجب» في تأمين نظافة المناطق التي يسكن فيها الأكابر والشوارع التي تمر بها مواكبهم.

ثمة فرق آخر لا يقل أهمية بينهم وبيننا غير الديمقراطية التي تسمح للناس بمحاسبة رئيس الوزراء ومعاقبته بإسقاطه في الانتخابات، هو أن الناس هناك يغضبون لما آل إليه أمر القمامة، ويخرجون إلى الشوارع معبرين عن ذلك الغضب بوسائل شتى،

لكن الناس عندنا قد يغضبون حقا ويملؤهم السخط لكنهم يحبسون مشاعرهم ويبتلعون انفعالاتهم. حتى أصبحت أشك في أنهم تعايشوا مع القمامة وألفوها بمضي الوقت. وخشيت أن يجيء يوم يعربون فيه عن استيائهم إذا ما افتقدوها، واستيقظوا ذات صباح ليفاجأوا بأن القمامة رفعت من الشوارع.
...........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar