Subscribe:

Ads 468x60px

10 أكتوبر، 2010

محنة مصر الأخرى

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 3 ذو القعدة 1431 – 11 أكتوبر 2010
محنة مصر الأخرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/10/blog-post_2888.html


صدق أو لا تصدق: في مصر يموت سنويا 90 ألف شخص بسبب الإصابة بأمراض ذات صلة بتلوث المياه. ومن هؤلاء 17 ألف طفل.
كما أن 15 مليون طن من القمامة تلقى كل سنة في المجاري المائية، مما يؤدي إلى وجود نحو 9 ملايين طن قمامة تسبح في البيئة المحيطة بنا،
إضافة إلى مليوني طن من الحمأة ـ ناتج الصرف الصحي ـ يصعب التخلص منها. وهذه يعادلها 2.8 بليون متر مكعب من المخلفات تصل إلى المجاري المائية سنويا.
وإلى جانب ذلك فهناك 31 مليون مواطن مصري يعيشون في 4 آلاف قرية بلا خدمات للصرف الصحي. كما أن 5 ملايين طن من المخلفات الصناعية لا تجد لها طريقا سوى المجاري المائية، منها 150 ألف طن تصنف بحسبانها «ضارة جدا».
هذه الأرقام نشرتها جريدة «الشروق» في عدد 28 سبتمبر الماضي. منسوبة إلى مدير إدارة التوجيه المائي في محافظة الفيوم الأستاذة نجوى الخشاب، التي ذكرت أثناء ورشة العمل التي أقيمت هناك أنها استندت في المعلومات التي أوردتها إلى تقارير منظمة الصحة العالمية.
يحتاج المرء إلى بعض الوقت لكي يستوعب الصدمة، ويتأكد من أن المعلومات صحيحة، وأنها تصف بلدا ينتسب إلى القرن الواحد والعشرين، وأن ذلك البلد له حضارة وتاريخ ويتباهى أهله بأنه ليس بلدا عاديا ولكنه «أم الدنيا»، المرحلة التالية بعد الاستيعاب تثير السؤال التالي:
إلى أي شريحة في المجتمع المصري ينتمي أولئك التسعين ألفا ومعهم السبعة عشر ألف طفل، الذين يموتون كل عام بسبب تلوث المياه،
وأين يوجد الـ31 مليونا الذين يعيشون في قرى محرومة من الصرف الصحي؟
وأنت مغمض العينين، ودون أن تبذل أي جهد في التحقيق والتحري، سوف تستنتج أن هؤلاء هم سكان الأقاليم في الوجهين البحري والقبلي. ليس فقط لأن ذلك لو حدث في القاهرة أو حتى الاسكندرية لقامت الدنيا ولم تقعد ولما توقف ضجيج الإعلام وصياح أهل «البندر»،
ولكن أيضا لأن الصحف نشرت قبل أشهر قليلة تقارير عدة حول اختلاط المياه بالمجاري في بعض محافظات الوجه البحري والصعيد (القليوبية وحلوان) سواء كانت المياه للشرب أو للري.
وهو ما يعني أن الخبر ليس جديدا في أصله، ولكن الجديد ينصب على نطاق الكارثة ومدى عموم البلوى.
لن نبالغ إذا قلنا إن المعلومات التي ذكرت في ملتقى الفيوم ترسم صورة لبعض ملامح مصر الأخرى، البعيدة عن العين ومن ثم البعيدة عن القلب كما نقول في تعبيرنا الدارج.
والمشكلة أن هذه «الأخرى» هي مصر الحقيقية، التي جنت عليها مصر التليفزيونية فأقصتها وحجبت عنها الضوء. وأبقت عليها صورة بلا صوت وحضورا هو صنو الغياب.
تسوغ لنا هذه الخلفية أن نستطرد متسائلين هل مشكلة مصر الأخرى تنحصر في تلوث المياه فيها وحرمانها من خدمات الصرف الصحي، أم أن ذلك أحد أوجه المشكلة التي تتمثل أساسا في تدهور الأؤضاع المعيشية وانهيار الخدمات فيها بوجه عام؟
لن نكون متعسفين إذا قلنا إن ثمة إهمالا مروعا للأقاليم في مصر، وأن تدهور أوضاع الخدمات في تلك الأقاليم يشكل ظاهرة عامة يعاني منها الجميع.
وللأسف فإن وسائل الإعلام المصرية حين حصرت اهتمامها في القاهرة والسلطة المتمركزة فيها، ولم تعد تخرج منها إلا على سبيل الاستثناء، فإنها غيبت الأقاليم وهمشتها، الأمر الذي ساعد على إقصائها والتعتيم على ما يجري فيها.

حينما يحرم 31 مليون مصري من خدمات الصرف الصحي، فإننا لا نستطيع أن نتوقع لهم حظا يذكر من التعليم أو الرعاية الصحية أو الحقوق المدنية الأخرى. وإذا أضفنا إلى ذلك استشراء الفساد وتغول الأقوياء وسطوة أجهزة الأمن، فإن ذلك يصور لك محنة أهل مصر الأخرى.
التقيت بعض أهل بلدة «فاقوس» بمحافظة الشرقية الذين حدثوني عن نصيب بلدتهم من المحنة، وسمعت منهم ما سبق أن سمعته من أهلنا في «قويسنا» بمحافظة المنوفية.
ولم يختلف هذا وذاك في مضمونه عما أتلقاه من رسائل وشكاوي يبعث بها الغيورون والناشطون في الصعيد، وخلصت من كل ذلك إلى أنه طالما أن المسئولين لا يحاسبون على أدائهم،
وطالما ظل الناس ساكتين على المر، امتثالا أو خوفا، فلا أمل في الخروج من المحنة أو حتى إيقاف التدهور، وتلك لعمري ليست مشكلة مصر الأخرى وحدها، ولكنها مشكلة مصر كلها.
...........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar