Subscribe:

Ads 468x60px

10 أغسطس، 2010

الانحياز إلى فلسطين معيار الوطنية الحقة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 29 شعبان 1431 – 10 أغسطس 2010
الانحياز إلى فلسطين معيار الوطنية الحقة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/08/blog-post_10.html


الخبر السيئ أن أولوية القضية الفلسطينية تراجعت فى «أجندة» أغلب الأنظمة العربية.
أما الخبر الأسوأ فهو تغييب القضية عن برنامج أى حركة وطنية للتغيير فى العالم العربى، رغم أن حضورها فى صلب تلك البرامج الأخيرة يعد أحد معايير الوطنية، ودليلا حاسما على صدق الرغبة فى إجراء تغيير حقيقى.
(1)
قل لى ما موقفك من القضية الفلسطينية أقل لك ما موقعك من الانتماء الوطنى، بل والعربى والإسلامى.
قد لا يمثل رأيى أهمية بالنسبة لك، إلا أننى بهذا المعيار ألزم نفسى على الأقل، ذلك أن لدى اقتناعا راسخا بأن الموقف النزيه من القضية الفلسطينية له تداعياته الضرورية فى اتجاهات عدة.
إذ حين نكون بصدد احتلال أرض واقتلاع شعب وتشريده أو حصاره ونهب موارده وثرواته. فإننا نصبح بإزاء جريمة كبرى ضد الإنسانية، لا سبيل للتهاون أو التصالح مع الفاعلين والشركاء فى ارتكابها. وذلك يقع فى قفص الاتهام. ويستدعى على الفور أمام محكمة الضمير طرفين أساسيين هما إسرائيل والولايات المتحدة.
أدرى أن هذه ليست المرة الأولى التى يتم فيها احتلال أرض واقتلاع شعب، وأن ذلك ما حدث بالضبط مع الهنود الحمر فى الولايات المتحدة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهى الجريمة التى حققت نجاحا نسبيا.
حيث تم سحق وإبادة الهنود أصحاب الأرض الأصليين. واستطاع الأمريكيون فرض واقع جديد سلم به الجميع، وخرجت من رحمه دولة عظمى تتحكم الآن فى مقدرات العالم.
لكن القياس على الحالة الفلسطينية هنا ينبغى أن يضع فى الاعتبار ثلاثة فوارق على الأقل هى
(1) أن ما جرى لا يزال يشكل وصمة عار فى جبين الولايات المتحدة لم ينجح الواقع الجديد فى محوها.تشهد على ذلك الكتب التى مازالت تصدر عن تلك التجربة البشعة سواء من مثقفى الهنود الحمر أو غيرهم.
(2) إن ذلك حدث فى ظل العالم القديم الذى كان يمكن أن ترتكب فيه أمثال تلك الجرائم دون أن يحرك شيئا فى الساحة الدولية (لا تنس أن تجربة الاستيطان والإحلال فشلت فى جنوب أفريقيا).
(٣) إن الهنود كانوا 40 شعبا حقا إلا أنهم لم يشكلوا أمة لها امتداداتها خارج حدودها. على العكس تماما من الفلسطينيين الذين قاوموا الإبادة بالتكاثر والتناسل، ولا يزالون يمثلون جزءا وجرحا فى المحيطين العربى والإسلامى.
استطرادا من النقطة الأخيرة فإن إنجاح محاولة اقتلاع الشعب الفلسطينى لم يعد يكفى فيها تعاظم القدرة العسكرية الإسرائيلية والسعى اللحوح لابتلاع الأرض وتغيير جغرافيتها، وإنما بات ذلك يقتضى أيضا إخضاع العالم العربى المحيط أو تدجينه.
وذلك يفسر لنا إجماع الخبراء الصهاينة على اعتبار معاهدة الصلح التى عقدها الرئيس السادات فى عام ١٩٧٩ بمثابة «الميلاد الثانى» لإسرائيل، وقولهم إنها تمثل الحدث الذى يعادل فى الأهمية التاريخية تأسيس الدولة العبرية فى عام 1948.
وخطورة هذه المعاهدة لا تكمن فقط فى إخراج مصر القوة العربية الأكبر والأخطر من معادلة الصراع. وإنما تكمن أيضا فى استثمارها لصالح تعزيز أمن إسرائيل والدفاع عن مشروعها.
هذه الخلفية تفسر لنا لماذا اعتبر بنيامين بن اليعيزر وزير التجارة الإسرائيلى والجنرال السابق أن القيادة المصرية باتت تمثل «كنزا استراتيجيا» لإسرائيل،
ولماذا تمنى الحاخام الأكبر عوفاديا يوسف للرئيس مبارك دوام العافية وطول العمر.
ولماذا سعت إسرائيل بكل ما تملك من جهد ونفوذ للحفاظ على الوضع القائم فى مصر،
ولماذا يعلن قادتها بين الحين والآخر أن انسحابها من معاهدة السلام يعد عندهم خطا أحمر ليس مسموحا بتجاوزه، وأنهم سيقاومون ذلك الانسحاب بكل السبل فى إشارة ضمنية غير خافية إلى استعداد إسرائيل للدخول فى حرب لأجل استمرار العمل بالمعاهدة!
(2)
فور توقيع معاهدة السلام فى عام 79 ظل تصغير مصر وإضعافها حتى لا يصبح لها دور أو تقوم لها قيامة هدفا إسرائيليا استراتيجيا.
وقد ألمحت توا إلى أن الدور الذى أرادته لها هو حماية أمن إسرائيل، حتى أصبحت كل الترتيبات الحاصلة فى سيناء تخدم ذلك الهدف بصورة أو أخرى.
فالوجود العسكرى المصرى هناك تقيده الاتفاقيات المعقودة مع إسرائيل، ومشروعات تنمية سيناء تضع فى الحسبان التحفظات الإسرائيلية. وتدمير الأنفاق وإقامة السور الفولاذى العازل مع غزة، وقواعد فتح معبر رفح تراعى فيه الشروط الإسرائيلية
(بالمناسبة ذلك هو المعبر الوحيد فى كل منافذ البلد والذى لا تمارس عليه السيادة المصرية كاملة).

من ناحية أخرى، فإن إسرائيل أصبحت حاضرة فى المساعدات الأمريكية لمصر، وهى حاضرة فى مشروعات مياه النيل، ودورها فى دعم وإذكاء الحركة الانفصالية فى جنوب السودان لم يعد فيه سر، بل صار موثقا فى دراسات إسرائيلية عدة.
واستراتيجية الاختراق الإسرائيلى لدوائر رجال السياسة والأعمال والإعلام، فضلا عن التعاون والتفاهم المستمرين بين الأجهزة الأمنية على الجانبين صار مرصودا من جانب الباحثين فى الشأن الاستراتيجى، على المستويين الإقليمى والدولى.
الذى لا يقل أهمية عن كل ذلك تلك الانتكاسة التى أصابت منظومة المشروعات الاستراتيجية والصناعات الحربية فى مصر بعد توقيع اتفاقية السلام. ذلك أن تلك المشروعات جرى تفكيكها والمصانع الحربية تحولت إلى الإنتاج المدنى، وصارت تنتج مستحضرات التجميل بدلا من الذخيرة.
وهناك من يقول إن ذلك كان أمرا متعمدا، فى حين أن ثمة رأيا آخر يرى أصحابه أن الانتكاسة كانت نتيجة لانتقال مصر من مرحلة المشروع إلى مرحلة اللامشروع، وتحولها من نصيرة لحركات التحرر الوطنى، إلى حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل. وهو ما ثبط همم القائمين على المشروعات الاستراتيجية، وأشاع فى أوساطهم درجات متفاوتة من الاسترخاء والتسيب.
مما تجدر ملاحظته فى هذا الصدد أن دور مصر تراجع على مختلف الجبهات فى الساحة العربية، وأصبح دورها النشط نسبيا محصورا فى الحالة الفلسطينية.
إن شئت فقل إن مصر لم يعد بيدها سوى البطاقة الفلسطينية، التى وظفت لصالح الفلسطينيين بالدرجة الأولى. وهذا الضغط مشهود فى موقف القاهرة من الانتخابات التشريعية التى أسفرت عن فوز حركة حماس، ومن محاصرة قطاع غزة وملاحقة عناصر المقاومة.
وفى ورقة المصالحة التى تتمسك مصر بفرضها بما يؤدى إلى إقصاء المقاومة وإخراج حماس من الساحة،
وزايد الإعلام المصرى والموجه على هذه الحالة إلى الحد الذى دفع منابره إلى تكثيف التخويف والتعبئة المضادة للفلسطينيين. حتى أصبحت لغتها لا تختلف فى مضمونها كثيرا عن الخطاب الذى تتبناه الصحافة الإسرائيلية.
بل وجدنا أن بعض المنابر الإعلامية ذات الصلة بالسلطة أصبحت تدعى أن خطر الفلسطينيين على مصر أشد من الخطر الإسرائيلى، وتصف المقاومة بأنها إرهاب كما تصف عناصرها بأنهم متطرفون ومخربون.
وفى الأسبوع الماضى وحده ادعت واحدة من تلك الصحف أن الذين أطلقوا الصواريخ على إيلات بأنهم «خونة»، وفى مرة تالية نشرت على الصفحة الأولى مقالا تحت عنوان يقول: حماس (وليس إسرائيل طبعا) خطر استراتيجى على مصر ومصالحها (هكذا مرة واحدة!).
(3)
فى أوائل يناير من العام الماضى 2009) وقعت حادثة مثيرة وعميقة الدلالة إذ حينذاك وقعت وزيرتا الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس والإسرائيلية تسيبى ليفنى، اتفاقية قيل إن الهدف منها وقف تهريب السلاح إلى غزة.
وجه الإثارة فى الموضوع أنه تنفيذا لتلك الاتفاقية تقررت إقامة السور الفولاذى على الحدود بين سيناء وغزة.
أما غرابة الدلالة فيها فإنها اتفاقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل على تنفيذ أعمال على الأرض المصرية، دون أن يكون للسلطات المصرية علم بها.
أما الأشد غرابة فإن القاهرة غضبت وانفعلت حين علمت بالأمر، ثم هدأت بعد ذلك وتم تنفيذ المشروع.
وحاولت الأبواق الإعلامية الرسمية فى مصر تسويقه والدفاع عنه بدعوى أنه لوقف تهريب السلاح من غزة إلى مصر، رغم أن الاتفاقية تنص على ان مبرر إقامة السور هو خشية إسرائيل من تهريب السلاح من مصر إلى غزة!
الواقعة كاشفة لحقيقة التلازم بين الدور الأمريكى والإسرائيلى، كما أنها كاشفة لحجم فاعلية الدور المصرى، ويبدو أن توزيع الأدوار بهذا الشكل أصبح سمة للعلاقة بين الحليفين الأمريكى والإسرائيلى من ناحية، وبين مصر ودول الاعتدال العربية من ناحية ثانية.
فالحليفان يقرران ويتوليان الإنتاج، أما مصر وأقرانها من دول الاعتدال فهم يتولون التنفيذ والإخراج.
ومشهد العودة إلى المفاوضات المباشرة نموذج طازج يؤيد ذلك الادعاء، فبعد أن قررت واشنطن بالاتفاق مع تل أبيب إجراء مفاوضات غير مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحددت لذلك مهلة أربعة أشهر،
ورغم التصريحات الفلسطينية الرسمية التى شككت فى جدوى تلك المفاوضات، إلا أن السيد نتنياهو ذهب إلى واشنطن، وقرر مع الرئيس الأمريكى أن المفاوضات غير المباشرة نجحت، ومن ثم يجب الانتقال إلى المفاوضات المباشرة،
ووجه الرئيس أوباما خطابا بهذا المعنى إلى الرئيس الفلسطينى محمود عباس، وتضمن الخطاب 12 إنذارا للفلسطينيين بعزلهم وقطع المساعدات عنهم إذا لم يمتثلوا للقرار.
وقامت مصر والسعودية بتوفير الغطاء للعملية من خلال لجنة المبادرة العربية، التى أعطت الضوء الأخضر لأبومازن، وتعبيرا عن الكرم العربى فإن اللجنة لم تحدد أجلا للمفاوضات المباشرة، حتى يستمر الإسرائيليون فى ملاعبة الفلسطينيين واستدراجهم للثرثرة إلى ما شاء الله!!
(4)
كيف يمكن لحركة وطنية أن تدعو إلى التغيير، فى حين تتجاهل ذلك كله؟..
وهل يجوز مثلا لأى حركة وطنية فى بلد محتل أن تتجاهل واقع الاحتلال، وتكتفى بالدعوة إلى إقامة الديمقراطية وتوفير ضمانات نزاهة الانتخابات مثلا
إننى ليست ضد هذه الطلبات واعتبرها مهمة للغاية إلا أن الاكتفاء بها فى الظروف المشار إليها يعبر عن خلل فى الأولويات، كما أنه يفتح الأبواب لظنون يسىء بعضها إلى الحركة الوطنية ذاتها.
إذا قال قائل إن مصر ليست بلدا محتلا، فإنى أؤيده تماما إذا كان يقصد الاحتلال العسكرى، لكننى إحيله إلى المقال المهم الذى نشرته صحيفة «الشروق» للمستشار طارق البشرى فى 26 فبراير الماضى تحت عنوان محاولة لفهم الواقع الحاضر،
وتحدث فيه عن احتلال الإرادة المصرية، الذى هو أشرس من الاحتلال العسكرى، إذ الأول خطر كامن يؤثر فى مصائر البلد دون أن تراه، فى حين أن الثانى خطر ظاهر ومكشوف يمكن التعامل معه وحده بغير عناء.
لقد تلقيت أكثر من رسالة من أناس أقدرهم وأحترمهم فى بدايات تجليات الحراك الوطنى الذى شهدته مصر هذا العام بوجه أخص، وكان ردى عليها جميعا أننى أعتبر ان الموقف من قضية فلسطين ينبغى أن يكون أحد المحاور المركزية ببرنامج الحركة الوطنية، لأن التعامل النزيه مع هذه القضية يستدعى على الفور كل مقومات تحرير إرادة الوطن، الذى يفتح الباب واسعا لتحرير المواطن بعد ذلك.
اننى أستحضر فى هذا المقام مقولة الشاعر والأديب الفلسطينى مريد البرغوثى فى كتابه الأخير «ولدت هناك ولدت هنا»، التى ذكر فيها أن ظل فلسطين مضمر فى كل مشهد مر بنا سلبا أو ايجابا.
وهو ما يدعونى إلى القول مرة أخرى إن الناشط فى زماننا لا يستطيع أن يكون وطنيا حقا، ولا عروبيا حقا، ولا إسلاميا حقا، إذا تخلى عن قضية فلسطين واختار منها الموقف الغلط بل أزيد على ذلك مدعيا أن أى إنسان يصبح مطعونا فى عدالته ونزاهته إذا تخلى عن هذه القضية وانحاز إلى الاقتلاع والاحتلال.
..................................

2 التعليقات:

Sonnet يقول...

رمضان كريم
و كل عام و حضرتك بخير

م/محمود فوزى يقول...

Sonnet
جزاكم الله خيرا
كل سنه وانتى طيبه
ويارب يكون شهر سعاده ونصر للامه كلها
ربنا يكرمك ويوفقك

Delete this element to display blogger navbar