Subscribe:

Ads 468x60px

12 يوليو، 2010

مصر هي المشكلة والحل – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 1 شعبان 1431 – 13 يوليو 2010
مصر هي المشكلة والحل – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_12.html


مصر أمامها شوط طويل لكي تستعيد دورها وحيويتها، حتى أزعم أنها باتت بحاجة لأن تخوض حرب تحرير سياسية شرسة، تتحدى فيها أقدارا رسمها لها آخرون، وبدون ذلك لن يبقى الرأس رأسا.ولن يرجع الى مكانه فوق الجسم العربي.
(١)
منذ خطفت تركيا الأضواء والأبصار في الآونة الأخيرة بمواقفها وممارساتها لم تتوقف المقارنة بينها وبين مصر، كأنما حضور الأولى استدعى التساؤل عن غياب الثانية،
ومن الصحافيين اللبنانيين من تحدث عن الدور المصري لتركيا، في اشارة الى ان بعض ما تقوم به الأخيرة في مختلف قضايا الشرق الأوسط، خصوصا في تحدي العربدة والغطرسة الاسرائيليتين، هو ما كان منتظرا من مصر،
ومن بين الأسئلة التي رددها البعض وتناولها الكتاب بالتحليل سؤال عن امكانية تكرار التجربة التركية في مصر، خصوصا في احتوائها لحزب سياسي له جذوره الاسلامية استطاع ان يكسب ثقة الرأي العام وتأييده، ومن ثم نجح في الوصول الى السلطة والتعبير عن ضمير المجتمع التركي ولبى شوقه الى النهوض والتقدم،
والحق ان السؤال ليس جديدا، لأنه يتردد منذ حقق حزب العدالة والتنمية فوزه الكبير بأغلبية المجلس التشريعي في الانتخابات عام 2002، وشكل الحكومة منذ ذلك الحين، وكنت أحد الذين ألقى السؤال عليهم أكثر من مرة واجتهدوا في الرد عليه، الا ان ما دعاني للعودة للموضوع ان المناقشة تجددت حوله بعدما أضافت حكومة حزب العدالة التركي نقاطا جديدة الى سجلها أخيرا.

وكان من أبرز ما كتب فيه مقالة رصينة للأستاذ ضياء رشوان نشرتها صحيفة «الشروق» يوم 5/7 في الرد على ذات السؤال، ورغم أنه سلط الضوء على جوانب مهمة في الموضوع، فانني وجدت ان الكلام يحتاج الى تكملة على مستويين.
مستوى الهوامش التي تعمق الفكرة التي طرحها،
ومستوى اضافة عنصر مفقود في تلك الأفكار،
ذلك أنه تحدث عما هو مطلوب من الحركات السياسية الاسلامية، والاخوان المسلمين على رأسها، وما هو مطلوب من الأنظمة السياسية والنظام المصري في المقدمة منها.ولم يتطرق الى عنصر بالغ الأهمية في المشهد يتعلق بحدود وآفاق حركة كل من تركيا ومصر في الخرائط الاستراتيجية الراهنة، اقليميا ودوليا.
خلاصة الفكرة التي طرحها الكاتب كالتالي:
لكي يكون هناك احتمال لتكرار التجربة التركية في الواقع العربي فلابد ان يشهد ذلك الواقع تغييرا عميقا وجادا في اتجاه الديموقراطية، كما يتعين على الأحزاب والقوى الاسلامية الراغبة في الاندماج في التجربة الديموقراطية القيام بجهود حقيقية وجبارة من أجل التطوير الذاتي واكتساب القدرة الأكبر على هذا الاندماج.
(2)
الهامش الذي وددت الحاقه بهذا الكلام مؤيدا ومصدقا يتمثل في شهادة التاريخ التركي المعاصر، التي تثبت ان البيئة الديموقراطية والممارسات التي تخللتها هي التي تكفلت بانتاج مشروع حزب العدالة والتنمية، ذلك ان ظهور هذا الحزب هو أحد أطوار خبرة استمرت أكثر من ثلاثين عاما،
فقد احتملت الديموقراطية التركية تأسيس أول حزب اسلامي بقيادة البروفيسور نجم الدين أربكان عام 1970 باسم حزب النظام الوطني.لكنه حظر بعد عام واحد اثر انقلاب الجيش في عام 1971
وسمحت القوانين التركية لأربكان بأن يؤسس حزبا جديدا باسم السلامة الوطني (العلمانية التركية تحظر ذكر الهوية الدينية في تسمية أو نشاط أي حزب)، خاض الحزب الجديد انتخابات عام 1973، وأثبت فيها أنه رقم مهم في الحياة السياسية التركية، الأمر الذي دفع به الى المقدمة، وجعله شريكا في السلطة.حيث أصبح أربكان نائبا لرئيس الوزراء لأول مرة في الحكومة التي تشكلت في أعقاب انتخابات عام 73.ثم كانت له مشاركتان أخريان كنائب رئيس الوزراء في حكومتين أخريين عامي 1975 و1977.
تعرض حزب السلامة الوطني للحظر بعد حل الأحزاب اثر انقلاب الجيش في عام 1980.لكنه عاد الى الحلبة السياسية في عام 1983 تحت اسم آخر هو حزب «الرفاه».وشارك في جميع الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت بعد ذلك.الى ان اكتسح الانتخابات البلدية في عام 1994.لاسيما في مدينتي اسطنبول وأنقرة (في ذلك الوقت انتخب رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الحالي رئيسا لبلدية اسطنبول).
وكان ذلك مؤشرا على المنحى الذي ستنتهي اليه الانتخابات النيابية، التي أجريت في آخر عام 1995، وحقق فيها حزب الرفاه انتصارا كبيرا قاده الى السلطة في صيف عام 1996.اذ أصبح البروفيسور أربكان رئيسا للوزراء في حكومة تحالف فيها حزب الرفاه مع حزب الطريق المستقيم (عبدالله جول رئيس الجمهورية الحالي كان وزير دولة للشؤون الخارجية في تلك الحكومة)،
وقد استقالت تلك الحكومة بضغط من الجيش عام 97 وتم حل حزب الرفاه،
لكن الحزب عاد بعد ذلك للظهور تحت مسمى جديد هو «الفضيلة»، الذي حل بدوره بذريعة مساسه بالعلمانية.فشكل أركانه حزب «السعادة» الذي لايزال قائما حتى الآن.
خرج حزب العدالة والتنمية من رحم هذه المشاركات، اذ أدرك بعض قادته، عبدالله جول ورجب طيب أردوغان في المقدمة منهم، وجدوا أنه لا سبيل للاستمرار في الحلبة الا باعادة النظر في برنامجهم، بحيث يقدم على صياغة جديدة تكون أكثر رحابة ومرونة، ومن ثم أكثر قبولا من جانب المجتمع.فلجأوا الى تأسيس حزبهم في سنة 2001، مقتبسين العنوان من حزب بذات الاسم في المغرب، وخاضوا ببرنامجهم الجديد انتخابات عام 2002 التي حققوا فيها فوزهم المشهود.
(3)
عندما يطالع المرء هذه الصورة بخلفياتها وتداعياتها، فان السؤال الذي يخطر على باله هو:
هل يمكن ان يحدث ذلك حقا في مصر؟
أعني أننا اذا افترضنا جدلا ان الاخوان المسلمين أو غيرهم أعدوا برنامجا كامل الأوصاف، يلبي الشروط التي تجعله مرحبا به من المجتمع، هل يمكن ان ينفتح الطريق أمامهم، للسير على ذات الدرب الذي بدأه حزب النظام الوطني وانتهى بتجربة حزب العدالة والتنمية؟

عندي شك كبير في ذلك، ليس فقط لأن توافر البيئة الديموقراطية في مصر لايزال حلما بعيد المنال، ولكن أيضا لأن وضع تركيا يختلف عن وضع مصر في الاستراتيجيات العالمية والاقليمية، بحيث ان ما قد يقبل أو يحتمل في تركيا قد لا يقبل أو يحتمل في مصر.وهذا منطوق يحتاج الى بعض الشرح.
اذ من حيث القيمة الاستراتيجية فتركيا دولة، في حين ان مصر أمة.
صحيح أنه من الناحية الجغرافية والتاريخية، هناك ما يسمى بالعالم التركي، الذي يمتد من تركيا الحالية الى حدود الصين، مرورا بدول آسيا الوسطى، التي تتحدث بلهجات تركية مختلفة.الا ان مصير تركيا الحالية لم يعد مرتبطا بمصير دول العالم التركي المشار اليه،
لكن هذا الوضع اختلف تماما مع مصر التي هي مفتاح العالم العربي، ان سقطت سقط واذا فتحت فتح.ولذا كان الاستعمار دائما يركز ضربته الأولى والقصوى على مصر.ثم ما بعدها فسهل أمره.
فكان وقوع مصر سنة 1882بداية النهاية لاستقلال العالم العربي، بينما جاء تحرر مصر الثورة (عام 1952) بداية النهاية للاستعمار الغربي في المنطقة، وفي العالم الثالث جميعا وهذه الفقرة الأخيرة مقتبسة من مؤلف الدكتور جمال حمدان (شخصية مصر ج1)

الموقف مختلف أيضا على صعيد الدور.فقد كانت الأهمية الاستراتيجية لتركيا طوال سنوات الحرب الباردة أمرا مسلما به.لكن تلك الأهمية تراجعت مع انهيار الاتحاد السوفييتي.وهي الآن بسياستها النشطة وبقوتها الاقتصادية الصاعدة، تبحث عن دور وتحفر لنفسها مكانة لتصبح لاعبا أساسيا في الشرق الأوسط.
أما مصر الأمة فالدور ينتظرها ولا تبحث عنه.ومنذ استقالت منه بتصالحها مع اسرائيل عام 1979 فان مكانها لايزال شاغرا، ولم ينجح أحد في ملئه،
في هذا الصدد لا تنس ان الشرق الأوسط في تلك الحسابات مختزل في أمرين، هما النفط واسرائيل.
من هذه الزاوية فان التغيير في الوضع التركي لن يكون ضرره جسيما على المصالح الغربية،
أما التغيير في مصر فانه يمكن ان يحدث انقلابا في المنطقة يقلب ميزان تلك المصالح رأسا على عقب.بسبب من ذلك فان الولايات المتحدة واسرائيل مفتوحة الأعين عن آخرها ازاء احتمالات التغيير في مصر، خصوصا اذا كان ديموقراطيا، قد يأتي بعناصر وطنية مشكوك في ولائها للغرب.
وهناك أكثر من قرينة تعبر عن هذا القلق، الذي نجده واضحا مثلا في المحاضرة الشهيرة، التي ألقاها في عام 2008 وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي السابق آفي ديختر، عن تقدير بلاده للأوضاع في المنطقة العربية.
وكنت قد أشرت من قبل الى تلك
المحاضرة، التي ألقيت على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، لكن السياق يقتضي استعادة بعض فقراتها للتدليل على الفكرة التي أتحدث عنها.
(4)

في تلك
المحاضرة الوثيقة قال وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي ما يلي:
لأن العلاقات بين اسرائيل ومصر أكثر من طبيعية (هل تذكر قول بن اليعيزر ان القيادة المصرية بمثابة
كنز استراتيجي لاسرائيل)، فان من مصلحة اسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن في مصر ومواجهة أي تطورات مستقبلية لا تحمد عقباها تمس علاقة البلدين.
انسحاب مصر من اتفاقية السلام خط أحمر لا يمكن لأي حكومة اسرائيلية ان تسمح بتجاوزه، وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف بكل الوسائل.
ان الولايات المتحدة واسرائيل تقومان بتدعيم الركائز الأساسية، التي يستند اليها النظام المصري.ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والانذار، قادر على تحليل الحيثيات، التي يجري جمعها وتقييمها، ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن وتل أبيب وحتى في القاهرة.
بعد وفاة الرئيس عبدالناصر وتولي السادات زمام الأمور عمدت الولايات المتحدة الى اقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية مع مصر، على غرار ما فعلته مع تركيا بعد الحرب العالمية الثانية.بهدف لجم أي مفاجآت غير سارة تظهر في الساحة المصرية.

وتمثل تلك المرتكزات في الاجراءات التالية:
اقامة شراكة مع القوى المؤثرة من رجال السياسة والأعمال والاعلام
اقامة علاقات وثيقة مع كل الأجهزة الأمنية في مصر
تأهيل محطات استراتيجية داخل المدن الرئيسية، التي تمثل مراكز لصنع القرار، في القاهرة والاسكندرية والاسماعيلية والسويس وبورسعيد
الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في القاهرة بامكانها التحرك خلال ساعات والسيطرة على الموقف لمواجهة أي مفاجآت
مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها، في الغردقة والسويس ورأس بيناس.
أرجو ان تكون التفاصيل غير دقيقة، لكن الفكرة الأساسية التي أدعيها تظل قائمة، وهي التي تتمثل في حرص قوى الهيمنة الدولية والاقليمية على ان يبقى الوضع في مصر على ما هو عليه.لظنها أنه أفضل ما يحمي مصالحها ويؤمنها.
لسنا بصدد قدر مكتوب ولا وضع يستحيل التعامل معه.لأن كل هذه الحسابات يمكن ان تتغير اذا ما توافق الغيورون في الجماعة المصرية على أولوية خوض معركة تحرير الارادة الوطنية مما يكبلها ويقيد حركتها ويطلق طاقات التقدم والنهضة فيها.

ذلك أنني أزعم بأن كسب تلك المعركة هو واجب الوقت، لأن تحرير الارادة المصرية هو شرط استعادة مصر لدورها الطليعي، بل انه شرط لاستعادة الأمة العربية مكانتها، وشرط لتحرير فلسطين أيضا ان مصر هي المشكلة وهي الحل.
........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar