Subscribe:

Ads 468x60px

10 يوليو، 2010

الديمقراطية لا تقاس بالأرقام

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 28 رجب 1431 – 10 يوليو 2010
الديمقراطية لا تقاس بالأرقام – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_10.html


لى ملاحظتان حول الشكل والموضوع فى تعليق المتحدث باسم الخارجية المصرية على انتقاد السيدة هيلارى كلينتون لموقف الحكومة المصرية من منظمات المجتمع المدنى.
فيما خص الشكل فإن تعليق صاحبنا كان فى منتهى الأدب، إذ اكتفى بالإعراب عن الاستغراب والدهشة إزاء ما قالته. واعتبر أن كلامها لا يعكس الواقع، ثم أورد بعض الأرقام التى اعتبرها ردا على ما قالته.
منها أن فى مصر نحو 26 ألف مؤسسة مجتمع مدنى بينها 200 منظمة غير حكومية تعمل فى مجالات حقوق الإنسان والمساعدة القانونية ودعم الديمقراطية (الأهرام 7/7)،
وإذا ما قارنت هذه اللهجة المهذبة التى اختيرت فيها الكلمات بعناية مع تعقيب السفير حسام زكى الأخير على كلام الدكتور محمود الزهار القيادى فى حركة حماس، الذى تحدث فيه عن تعامل مصر مع الملف الفلسطينى، ستدرك على الفور أن اللغة المستخدمة مع الأكابر لا علاقة لها بالأسلوب الذى يخاطب به الأشقاء، خصوصا إذا كانوا فلسطينيين مختلفين مع مصر.
ليس فقط لأن كل طرف له قدره ومقامه، ولأن العين لا تعلو على الحاجب، ولكن أيضا لأن هناك فرقا لابد من مراعاته بين الحلفاء الاستراتيجيين وبين المختلفين مع السلطة المصرية، الذين نستبيحهم على الفور ونحولهم إلى خصوم استراتيجيين.
فيما يخص الموضوع، فإن ملف المجتمع المدنى فى مصر لا تقاس الدلالة فيه بالأرقام وإنما تقاس بالفاعلية ومدى التأثير فى المجتمع. والقول بأن فى مصر كذا ألف مؤسسة بينها 200 غير حكومية تعمل فى مجال حقوق الإنسان، لا يختلف عن القول بأن لدينا 24 حزبا سياسيا ولكنها تجسد الموات السياسى وليس الحيوية السياسية.
ونحن نعلم مدى الفشل الذريع الذى منيت به تلك الأحزاب الشرعية فى انتخابات مجلس الشعب الأخيرة (عام 2005) حيث لم يزد عدد ممثليها فى مجلس الشعب على عدد أصابع اليد الواحدة، فى حين أن الإخوان المسلمين الذين يعتبرون جماعة «محظورة» من وجهة نظر النظام فازوا بأكثر من 85 مقعدا.
وليس سرا أن أغلب ممثلى الأحزاب المعترف بها ينجحون من خلال الصفقات الجانبية والتزوير، لتحسين الصورة وتجميل الوجه وتوفير متطلبات «الديكور» الديمقراطى.
وكما أن نظامنا السياسى ارتضى أن يتم تشكيل الأحزاب بناء على موافقة الأمن (ومع ذلك تكبل تلك الأحزاب ولا يسمح لها بممارسة أى نشاط خارج مقرها إلا بموافقة الأمن، فضلا عن انها لا تمكن من المشاركة ولا تحلم بالتداول)، كذلك منظمات المجتمع المدنى.

أعنى أن نظامنا الذى يريد للأحزاب أن تظهر فى «الصورة» فقط وتصبح حاضرة وغائبة فى ذات الوقت، يريد لغيرها من منظمات المجتمع المدنى أن تظل بدورها جزءا من «الديكور» فقط.
صحيح أن بعض منظمات حقوق الإنسان أثبتت حضورا وفاعلية فى العديد من الحالات، إلا أن ذلك تم رغما عن أجهزة الأمن، كما أن العاملين بتلك المنظمات يعانون الكثير من العنت والمشقة ويتعرضون للملاحقة والاعتقال، بسبب ذلك الجهد الذى يبذلونه.
إن أزمة منظمات المجتمع المدنى وكذلك أزمة موت السياسة والأحزاب فى مصر. هى من تجليات وإفرازات أزمة غياب الديمقراطية، ذلك أن فاعلية منظمات المجتمع المدنى وحيوية الحياة السياسية لا تتحقق إلا فى ظل بيئة تطلق فيها الحريات العامة، من حرية التعبير إلى حرية تشكيل الأحزاب وإصدار الصحف والاحتكام النزيه إلى صندوق الانتخابات، الذى يوفر للمجتمع حقوق المشاركة والمساءلة وتداول السلطة.

ولأن أغلب أنظمة العالم العربى لا تحتمل ممارسات من هذا القبيل، فإنها لجأت إلى الالتفاف على الديمقراطية بما يبقى على الشكل والهياكل فيها ويعطل الوظيفة ويجهضها. وكانت النتيجة أنها لم تعدم حيلة فى استيلاد أحزاب سياسية معوقة، وفتح الأبواب لإقامة منظمات المجتمع المدنى وحقوق الإنسان مع إحكام السيطرة عليها. وأصبحت تتباهى لا بالمشاركة أو التداول ولا بشفافية الانتخابات، ولكن بكم الأحزاب الموجودة وعدد منظمات المجتمع المدنى ودقة التقارير التى تشيد بإنجازات تلك المنظمات ورعاية النظام القائم لأنشطتها.
ما يلفت النظر أن التصريحات الوردية التى يطلقها المسئولون فى هذا الصدد لم تعد تنطلى على أحد فى الداخل أو الخارج، لسبب جوهرى هو أن الواقع المكشوف للجميع يكذب ادعاءاتهم (شكرا لوسائل الاتصال الحديثة الخارجة عن السيطرة)،
الأمر الذى يعنى أن أولئك المسئولين لا يخاطبون الرأى العام. وإنما يخدعون أنفسهم ويوهمون رؤساءهم بأن «كله تمام» فى حين أن السفينة التى تقل الجميع موشكة على الغرق.
..................................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar