Subscribe:

Ads 468x60px

05 يوليو، 2010

التركيع بالتوقيع: قراءة في «سورة المصالحة» – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 24 رجب 1431 – 6 يوليو 2010
التركيع بالتوقيع: قراءة في «سورة المصالحة» - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/07/blog-post_05.html


تبعث على الحيرة والدهشة تلك الهالة من القداسة التي أحاطت بها مصر ورقة المصالحة الفلسطينية، حتى حصنتها ضد المناقشة والمراجعة، واعتبرت التسليم بها من ضرورات الولاء والبراء.

(1)

صارت المصالحة أحد عناوين مرحلة ما بعد العدوان على أسطول الحرية.وتلك مسألة جديرة بالملاحظة.حيث أشك كثيرا في أنها من قبيل المصادفة.
اذ حين ينام الموضوع أو يتعثر طوال ثلاث سنوات، ثم يصبح بعد قصة أسطول الحرية هتافا يردده جميع المسؤولين المعنيين في الأمر من عرب وعجم، فان الأمر يصبح مشكوكا في براءته.
لذلك فانني أميل الى الرأي القائل ان اسرائيل حين انفضح أمرها، وأحرج معها حلفاؤها المؤيديون للحصار والمشاركون فيه، فان أبالسة اللعبة السياسية قرروا ان يلقوا بالكرة في مرمى حماس.ومن ثم أشهروا لافتة المصالحة ودعوا الى التوقيع على الورقة المصرية كما «أنزلت».

وتوالت التصريحات التي شددت على أنه لا كلام ولا سلام، ولا نقض ولا ابرام، الا بعد التوقيع على الوثيقة المقدسة.
ولأن أولئك الأبالسة يعرفون جيدا ان الورقة بصيغتها الحالية تلغي المقاومة وتقلب المائدة رأسا على عقب، ومن ثم فان حركة حماس ترفض التوقيع عليها (حركة الجهاد الاسلامي أعلنت أنها خارج الموضوع من أساسه)، حينئذ سينشغل الناس برفض حماس فكرة المصالحة، ومن ثم تعطيلها للوفاق، وتعطيلها لامكانية فتح معبر رفح، خصوصا ان اغلاقه هو الذي أدى الى اطلاق حملات الاغاثة بالبحر.الأمر الذي أوصل الأمر الى ما وصل اليه.
هذه الخلفية أشرت اليها من قبل، وقلت ان استدعاء موضوع المصالحة والاصرار على قداسة الورقة المصرية، والتشديد المستمر على رفض أي تفاهم حولها أو قبلها، لم يرد به في حقيقة الأمر تحقيق المصالحة أو رأب الصدع، وانما أريد به احراج حماس اذا لم توقع، وتركيعها اذا وقعت.

في الوقت ذاته فان من شأن اثارة الموضوع تغطية موقف السلطة في رام الله، وتخفيف الضغط على الأطراف العربية الأخرى المساندة لها، واعطاء الانطباع بأنهم يسعون لانهاء الانقسام ولكن حماس تشكل العقبة التي تحول دون ذلك.

(2)

ليست جديدة محاولات توحيد الصف الفلسطيني، فمنظمة التحرير حين ظهرت الى الوجود في عام 1964 كانت باكورة تلك المحاولات التي تميزت بأمرين،
أولهما الحرص على تحقيق أكبر قدر ممكن من الوفاق الوطني بين الفصائل المختلفة،
وثانيهما الاتفاق على ان التحرير هو الهدف والمقاومة هي الوسيلة.

لكن الأمور اختلفت، وانقلبت رأسا على عقب منذ وقع اتفاق أوسلو في عام 1993، الذي ظن الرئيس ياسر عرفات أنه سيفتح الباب الى اقرار السلام واقامة حكم ذاتي فلسطيني فوق %90 من الأرض الفلسطينية، يؤدي الى اقامة الدولة عليها في وقت لاحق.ثم تتواصل المفاوضات بعد ذلك حول مساحة ال10% الباقية، وهي المساحة التي أقيمت فوقها المستوطنات الاسرائيلية والقواعد العسكرية.

وبلغ التفاؤل حدا جعله يصدر أوامر فور توقيع الاتفاق بوقف الانتفاضة) الأولى(، وطلب من قادتها الميدانيين ان يتوجهوا الى مكتب الحاكم العسكري الاسرائيلي في غزة لتسليم أسلحتهم.وقد نفذوا تلك الأوامر على الفور.لكنه اكتشف بمضي الوقت أنه أسرف في تفاؤله.وأن الحكم الذاتي الذي تطلع الى اقامته فوق %90 من الأرض الفلسطينية تقلصت مساحته بعد مفاوضات مضنية الى %22فقط من الضفة وغزة، هي تلك التي أطلق عليها وصف المنطقة )أ( بعدما قسم المفاوض الاسرائيلي الأرض المحتلة الى أ وب وج، ولم يسمح للسلطة بأن تمارس حكمها الذاتي الا على المنطقة أ.
الأمور تطورت بعد ذلك، حيث استمر اجهاض الأحلام التي تعلق بها الرئيس عرفات، والواضح في مفاوضات كامب ديفيد ان اسرائيل كشفت عن سعيها لابتلاع نصف الضفة الغربية، وانها تتبنى موقفا غامضا من القدس، كما ترفض أي كلام عن عودة اللاجئين.وهي الأجواء التي فجرت الانتفاضة الثانية، وانتهت بتمرد عرفات ثم بقتله بالسم في عام 2004.
مما يذكره الكاتب والسياسي الفلسطيني بلال الحسن في هذا الصدد أنه حين جاء محمود عباس الى منصب الرئاسة الفلسطينية كان شديد الايمان بأن «ارهاب» الانتفاضة الثانية هو الذي أفشل اتفاق أوسلو.وان انهاء هذا «الارهاب» والعودة الى طريق المفاوضات، والمفاوضات فقط.التي اعتبرها خيارا استراتيجيا وحيدا، هو الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية.
من ثم فانه مضى يحاول ويحاول.يحاول مع الرئيس بوش ويفشل.ويحاول مع الرئيس باراك أوباما، فيتلقى الضربات المتوالية حتى يكاد يترنح.
ورغم كل الضربات التي يتلقاها، فانه لم يستطع ان يستنتج ما سبق للرئيس عرفات ان يستنتجه، وهو أنه لا يمكن اجراء تفاوض ناجح مع اسرائيل الا عبر مقاومة شعبية فعالة ضد الاحتلال.أما التفاهم مع الاحتلال، والتعاون أو التنسيق الأمني معه فنهايته خسارة المباراة بالنقاط أو بالضربة القاضية (الشرق الأوسط 2009/9/20)

(3)

السياسة التي اتبعها أبومازن كانت البداية الحقيقية للانقسام وشق الصف الفلسطيني.اذ استسلمت دون شروط لنهج التفاوض، الذي كان الفرصة الذهبية لاسرائيل للتمدد الآمن من ناحية، وللاعتماد على طرف فلسطيني وعربي في مواجهة المقاومة وحصارها.

وكان ذلك الاختيار هو بداية الفراق بين أبومازن وفريقه وبين فصائل المقاومة، حركة حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهذا الفراق تحول الى صدام بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام ٢٠٠٦، وفوز حماس بأغلبية المجلس التشريعي، ومن ثم تأهلها لتشكيل الحكومة، وتحولها الى شريك في السلطة.
بدا المشهد مسكونا بالتناقض الذي كان يتعذر استمراره.فرئاسة السلطة كانت ضد المقاومة ومع التفاوض.ورئاسة الحكومة مع المقاومة وضد التفاوض في ظل الظروف القائمة،
ولأن الموقفين كانا متعاكسين تماما فان استمرارهما معا كان من رابع المستحيلات، خصوصا حين لجأت الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي كانت خاضعة لسلطة الرئيس الى محاولة افشال عمل الحكومة واثارة الاضطرابات والفوضى في القطاع، الأمر الذي دفع الحكومة الى حسم الموقف لصالحها في صيف عام 2007.
اذا جاز لنا ان نلخص ونركز، فلا ينبغى ان تفوتنا حقيقة ان الموضوع الأساسي للخلاف هو الموقف من الاحتلال والمقاومة، واذا كانت هناك دوافع أخرى للانقسام فانها تأتي في المرتبة التالية لذلك الموقف.
في مجرى التوافق الفلسطيني تتابعت عدة مشاهد على النحو التالي:
< عام 2005 عقد مؤتمر القاهرة، الذي أعلن ان الهدف منه هو اعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، واتفق خلاله على تشكيل لجنة تجتمع شهريا لهذا الغرض برئاسة أبومازن وعضوية ممثلي الفصائل وعدد من الشخصيات العامة. لكنها لم تعقد اجتماعا واحدا، الأمر الذي رجح ما ذهب اليه البعض من ان الهدف الحقيقي للاجتماع كان توافق الفصائل على التهدئة في مواجهة اسرائيل لانجاح التسوية السلمية. < في عام 2006 تم الاتفاق بين الفصائل على برنامج الوفاق الوطني، الذي خرجت فكرته الأساسية من المعتلقين في السجون الاسرائيلية.وكانت الفصائل خصوصا فتح وحماس قد اختلفت حول صياغة برنامج للوحدة الوطنية بعد الانتخابات التي فازت فيها حماس، فبادر الأسرى من جانبهم الى وضع ذلك البرنامج الذي ظل محل أخذ ورد من جانب فتح، ثم تمت الموافقة عليه في نهاية المطاف. < في عام 2007 عقد اتفاق مكة الذي وضع الأساس لتشكيل الحكومة الائتلافية، بالمشاركة بين حركتي فتح وحماس، ولكن فكرة المشاركة كانت مرفوضة أمريكيا واسرائيليا، ولذلك تآمر الطرفان مع أطراف أخرى عربية لافشال الاتفاق، حيث بدا ان رئاسة السلطة رافضة التعاون مع رئاسة الحكومة. وتبين من ممارسات جهاز الأمن الوقائي التي سبقت الاشارة اليها ان رئاسة السلطة ضالعة في محاولات افشال الحكومة واثارة الاضطرابات في القطاع، الأمر ادى الى النهاية التي يعرفها الجميع، والتي مازالت مستمرة الى الآن. وبمقتضاها أصبح على رأس الحكومة في غزة السيد اسماعيل هنية ممثلا لحماس التي فازت بأغلبية المجلس التشريعي.وصارت في رام الله حكومة أخرى تنتسب الى فتح برئاسة الدكتور سلام فياض على الرغم من ان الفريق الذي ينتمي اليه لم يحصل الا على مقعدين اثنين فقط في المجلس. < في عام 2008 ألقت مصر بثقلها في الساحة، ودعت الفصائل الى اجتماعات في القاهرة، اسفرت عن اعداد ورقة قدمت بحسبانها تمثل المشروع الوطني الفلسطيني، وخضعت الورقة لتعديل لاحق تم في عام2009، واصبحت تحمل اسم:اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني. وكانت تلك الورقة بمثابة نقطة تحول ومنعطف مهم في مسار الحوار يستحق ان نتوقف عنده لبعض الوقت. (4)

هناك ثلاث ملاحظات أساسية على الورقة المصرية،
الاولى أنها أعدت بمعرفة مسؤولي جهاز المخابرات العامة الذي رعت قيادته الحوار مع الفصائل،
والملاحظة الثانية أنها تجاهلت تماما اتفاق مكة الذي أرسى أساس المشاركة في الحكومة الائتلافية.
الملاحظة الثالثة والأهم ان الجهود السابقة تعاملت مع حركة حماس باعتبارها شريكا منتخبا له شرعيته، في حين ان الورقة المصرية تجاهلتها واعتبرتها طرفا متمرداً يجب اقصاؤه.لم تذكر ذلك صراحة بطبيعة الحال، لكنها اطلقت يد السيد محمود عباس في ترتيب البيت الفلسطيني، وخولته صلاحية تشكيل لجنة اعداد قانون الانتخابات ولجنة تطوير منظمة التحرير.ورئاسة اللجنة الأمنية العليا.ورئاسة اللجنة المشتركة لتنفيذ الاتفاق.الأمر الذي يعني أنه أصبح صاحب القرار والمرجع في صياغة الحاضر والمستقبل الفلسطيني.
في الوقت ذاته فان الورقة ألغت المقاومة عمليا حين حظرت التشكيلات المسلحة التي تمثل الأجنحة العسكرية للفصائل خارج سياق أجهزة الأمن)التي يفترض أنها تتولى التنسيق مع اسرائيل(!
كنت قد فصلت في نقد الورقة المصرية في مقال سابق نشر تحت عنوان «
مغالبة لا مصالحة».وليس لدي الكثير الذي أضيفه على ما سبق نشره.

لكن الملاحظة الجوهرية التي يمكن ابداؤها على الورقة هي انها ركزت الى جانب اقصاء حركة حماس واضافة الحصار السياسي عليها الى الحصار المادي المضروب على القطاع، على الجوانب الادارية والتنظيمية التي تؤدي الى تمكين رئاسة السلطة من السيطرة على الموقف في الضفة وغزة.

وفي الوقت ذاته فان الورقة لم تتضمن أي رؤية سياسية واضحة ولم تحتل قضيتا التحرير والمقاومة ضد الاحتلال أي حيز فيها.رغم ان حركة حماس تمثل الآن رأس الحربة في المقاومة والصمود الفلسطيني، الا ان المشكلة ليست في ان تبقى الحركة في السلطة أو تستبعد منها
(ليس سرا ان المخطط المرسوم استهدف تحقيق اقصائها المطلوب من خلال تزوير الانتخابات، لكي تخرج حماس من باب الانتخابات الذي دخلت منه).

انما الأهم هو ان تستمر مقاومة الشعب الفلسطيني ويتعزز صموده بحماس والجهاد أو بغيرهما.وبالمناسبة فليس دقيقا ان حماس تحارب ويراد اخضاعها لكونها حركة ذات مرجعية اسلامية، لأن هناك آخرين ممن ينتمون الى المرجعية ذاتها يحتضنهم الأمريكيون ويرحب بهم أهل «الاعتدال» .
لكن مشكلة حماس في نظر الجميع أنها بالأساس طرف مقاوم، والمستهدف في نهاية المطاف هو ذلك الموقف المقاوم والرافض للاستسلام.
ان القدسية التي أحيطت بها الورقة المصرية أريد بها وقف مراجعة الثغرات الخطيرة التي تخللتها، التي هي باب لالتزام المقاومة بوقف انشطتها واخراجها تماما من ساحة الفعل السياسي.
وهو ما يسوغ لي ان أقول ان الهدف المرسوم هو التركيع من خلال التوقيع.وأن الورقة بالهالة التي احيطت بها تحولت الى نص منزل لا يجوز ان تمتد اليه يد المراجعة، ولهذا اقترحت ان تسمى سورة المصالحة، على غرار سور الشورى والأنفال والأحزاب وغيرها.
ان المصالحة هي جهد يبذل لتقريب وجهات النظر بين طرفين متعارضين، وليست اكراه طرف على ان يستسلم للآخر.و
لذلك فان الورقة المصرية في صيغتها الراهنة لا تصلح أساسا للمصالحة،
وادعاؤها القيام بهذا الدور هو من قبيل الانتحال والالتفاف على الحقيقة.
.........................

2 التعليقات:

أبو عمرو المصرى يقول...

أظن أن حماس يمكنها ببساطة احراج النظام المصرى باعلان أنه مطعون فى نزاهته حيث يعتبره الصهاينة "كنز استراتيجى" وضمان لأمن اسرائيل ومطعون فى شرعيته حيث تم تزوير الانتخابات والتعدى على الحريات وكرامات الشعب لمصرى نفسه

م/محمود فوزى يقول...

أبو عمرو المصرى
جزاكم الله خيرا
حماس من سياستها عدم التدخل فى شئون الدول الاخري الداخليه
وهى لا تألو جهدا فى اظهار عيوب المصالحه التى يريدون حماس والمقاومة توقيعها
وحماس والمقاومه تدفعان ثمن ذلك ولا حول ولا قوه الا بالله
ورغم ذلك نجد من يكتب مهاجما حماس ويلصق بها العديد من الاتهامات الباطله
ربنا يكرمك ويوفقك

Delete this element to display blogger navbar