Subscribe:

Ads 468x60px

08 مايو، 2010

مقرر إجبارى فى النفاق

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 24 جمادى الأولى 1431 – 8 مايو 2010
مقرر إجبارى فى النفاق – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_08.html


كان السؤال الذى وجهته المذيعة لمسئول المرافق كالتالى:
بماذا تفسر تأخر إيصال المياه النقية طوال 25 عاما إلى القرية الفلانية (كانت فى محافظة كفر الشيخ على ما أذكر)؟
تفكر الرجل لحظة ثم قال: لابد قبل أى شىء أن أهنئ الرئيس حسنى مبارك بنجاح العملية الجراحية التى أجريت له فى ألمانيا، وبسلامة الوصول إلى أرض الوطن، بعد أن من الله عليه بالشفاء.
أسقط فى يد المذيعة التى فوجئت برده. ولم يكن بمقدورها أن تقاطعه. لأن الكلام وإن كان خارج الموضوع إلا أنه مما لا يجوز أن يقاطع فى بلادنا. انتظرت المذيعة حتى أنهى خطبته، ثم أعادت عليه السؤال فأجاب.
تأملت وجه الرجل الذى كان بادى الوقار. فلاحظت أن «زبيبة» زينت جبهته، ولأننى افترضت أنها من أثر السجود، فقد قلت إن هذا الرجل الورع لم يبدأ كلامه بالبسملة كما يفعل بعض الاتقياء، لكنه استهله بتوجيه التهنئة للرئيس بسلامة العودة.
ولم تكن تلك الملاحظة الوحيدة، لأننى انتبهت إلى أن الرئيس كان قد وصل فعلا منذ ثلاثة أسابيع ولم يكن هناك ما يبرر توجيه التهنئة إليه الآن.
حدثت من أعرف بما لاحظته، فلم يستغرب أغلبهم سلوك مسئول المرافق، وسمعت حكايات مماثلة عن مسئولين آخرين اعتبروا تهنئة الرئيس بسلامة العودة واجبا يتعين عليهم أداؤه.
وروى آخرون أن كبار الموظفين فى أجهزة الدولة يتنافسون على مجاملة الوزراء ومن لف لفهم من أهل الحكم فى مختلف المناسبات، بما فيها العائلية والخاصة من أعياد الميلاد إلى زواج الأولاد وصولا إلى طهور العيال. وهم فى ذلك لا يكتفون ببرقيات التهانى وباقات الزهور، وإنما منهم من يلجأ إلى إهداء الساعات الثمينة وقطع الألماس والجنيهات الذهبية التى قيل لى إنها تقدم أحيانا بالكيلو.
لأول وهلة فسرت هذه الممارسات باعتبارها تعبيرا عن النفاق والمداهنة. لكننى وجدت لذلك سببا آخر أكثر وجاهة وإقناعا، نبه إليه المستشار طارق البشرى فى أحد كتبه المهمة «مصر بين التفكك والعصيان»، إذ ذكر أن الحكومة لجأت إلى استصدار قانون (عام 1991) ابتدعت به أسسا جديدة لشغل المناصب القيادية فى الوظائف المدنية.
وذلك بهدف «دعم السيطرة الفردية لقيادة الدولة المركزية فى المناصب القيادية فى جميع وظائف الحكومة وهيئاتها وشركات القطاع العام. وبمقتضى ذلك القانون أصبح التعيين فى الوظائف القيادية يتم عن طريق المسابقة من داخل الجهة المعنية أو خارجها.
(مفهوم الوظيفة القيادية فى القانون أنها التى لا مثيل لها وليست متعددة فى الجهة ذاتها).
وبمقتضى النظام الجديد أهدر حق تعيين الكفء الأقدم فى تلك الوظائف، وهو الحق الذى كفله القانون واستقرت عليه مبادئ القضاء. إلى جانب أن شغل الوظيفة القيادية أصبح مؤقتا، بحد أقصى ثلاث سنوات قابلة للتجديد، الأمر الذى فتح الباب لإمكانية استمرار الموظف القيادى فى منصبه لسنة أو اثنتين، يجدد له بعدهما.
فى تبرير ذلك، قيل إنه من موجبات الإدارة الحديثة ومقتضى تجديد الدم فى الوظائف والقضاء على البيروقراطية. لكن المستشار البشرى اعتبره من قبيل الحق الذى أريد به باطل. لأن الأثر الوحيد الذى ترتب على تطبيق القانون أنه أهدر حقوق تلك الفئة من التكنوقراط ذوى الخبرة والمعارف، وأهدر عنصر الأمن والاطمئنان لديهم.
فضلا عن ذلك، فقد أصبح مصير القيادات الوظيفية معلقا على رضاء أهل القرار فى الوظائف الأعلى، وأجهزة الأمن أيضا، الذين يملكون سلطة التجديد من عدمه. ولم يعد الموظف القيادى محميا بالقانون، وإنما صار أمنه مرتبطا برضاء المراجع العليا عليه، من ثم فقد ظل شاغله هو كيف يستجلب ذلك الرضى فى كل مناسبة.
والحد الأدنى لذلك هو اهتبال الفرص لتقديم الهدايا والتبريكات والمشاطرات، اقتناعا منه بأن مستقبله الوظيفى يصبح فى خطر، ما لم يلجأ إلى تلك الأساليب. وهو ما أقنعنى بأن الرسالة التى بعث بها مسئول المرافق إلى الرئيس مبارك بعد ثلاثة أسابيع من عودته أراد بها أن يؤمن نفسه بأكثر مما أراد أن يهنئ الرئيس.
وهذا الذى فعله صاحبنا يلجأ إليه شاغلو المناصب القيادية مع رؤسائهم الذين بيدهم مفاتيح التجديد، لكى يحتفظوا بكراسيهم.
لقد أذل الحرص أعناق الرجال.
...............

2 التعليقات:

sal يقول...

لقد أذل الحرص أعناق الرجال.

م/محمود فوزى يقول...

sal
جزاكم الله خيرا
فعلا لقد اذل الحرص اعناق الرجال
وفى كل الاحوال لكل منهم ظروفه
ربنا يصلح الاحوال
ربنا يكرمك ويوفقك

Delete this element to display blogger navbar