Subscribe:

Ads 468x60px

13 أبريل، 2010

إرهاصات صيف ملتهب في تركيا – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 28 ربيع ثان 1431 – 13 أبريل 2010
إرهاصات صيف ملتهب في تركيا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post_13.html

-بعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف تغيرت في غير صالحهم
- كان لبعض عناصر منظمة «أرجنكون» السرية صلات بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة
تركيا تتوقع صيفا ملتهبا هذا العام، تحسم فيه قضية الصراع حول المستقبل، الذي تخوض بسببه الأصولية العلمانية معركتها الأخيرة.

(1)
يوم وصولي إلى استانبول ــ في الثالث من شهر أبريل الحالي ــ كانت عناوين الصحف تتحدث عن قرار أصدرته إحدى المحاكم بإطلاق صراح 19 من العسكريين المعتقلين على ذمة قضية محاولة انقلاب عسكري انكشف أمره.

وفي مقدمة الذين أطلق صراحهم المتهم الأول في القضية، القائد السابق للجيش الأول، الجنرال متقاعد شتين دوغان والقائد السابق للقوات الخاصة الجنرال انجين آلان.
في اليوم التالي مباشرة أبرزت عناوين الصحف قرارا أصدرته محكمة استانبول أمر بإعادة اعتقال العسكريين الذين أفرج عنهم.
في اليوم الثالث كانت صور العسكريين وهم يسلمون أنفسهم تتصدر الصفحات الأولى للصحف.
في اليوم الرابع تحدثت عناوين الصحف عن تطور آخر مثير في القضية، خلاصته أن الشرطة نفذت عملية كبيرة للقبض على نحو 90 ضابطا في الجيش على صلة بمحاولة الانقلاب، إلا أن كبير ممثلي الادعاء في استانبول أوقف العملية. كما أنه أقال اثنين من المحققين كانا قد أمرا بشن حملة الاعتقالات التي شملت 14 إقليما تركيا.
لم يكن ذلك التتابع استثناء، وإنما اعتاد عليه الأتراك، الذين أصبحت مثل تلك الأخبار التي تعكس الصراع الحاصل تطل عليهم كل صباح بين الأطراف الثلاثة:
حكومة حزب العدالة والتنمية التي انتخبت ممثلة للسلطة التنفيذية،
والجيش الذي نصب نفسه حارسا للعلمانية الكمالية واعتاد أن يمارس سلطة فاقت سلطة الحكومة.
والقضاء الذي منح سلطات استثنائية منذ انقلاب عام 1980 بعدما سلمت مقاليده للأصولية العلمانية، لكي يصبح رقيبا ثانيا على أي حكومة منتخبة،
ان شئت فقل إن الجيش مثل طول الوقت عضلات تلك الأصولية في حين أن القضاء كان بمثابة محامي المشروع وعقله القانوني. أما الحكومة فقد ظلت تقليديا أداة في يد الاثنين.
وطوال السنوات التي خلت كانت مهمة الجيش والقضاء سهلة بصورة نسبية.
أولا لأن الطبقة السياسية التقليدية كانت جزءا من المشروع العلماني الأصولي،
وثانيا لأن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة كانت تشكل حكومات ائتلافية بسبب الشيخوخة التي اصابتها، الأمر الذي لم يمكنها من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان، وهو ما كان يضعف من موقفها، ويعرضها للسقوط بعد سنتين أو ثلاث من تشكيل ائتلاف الحكم.
لكن هذا الموقف اختلف بصورة جذرية حين تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، إثر فوزه بأغلبية كبيرة في البرلمان (له 330 مقعدا من 550). وهذه الأغلبية مكنت الحزب من تشكيل حكومة قوية، مازالت ثابتة القدم في السلطة منذ أكثر من سبع سنوات.

(2)

لأن الجيش كان صاحب اليد العليا في تركيا منذ أسس كمال أتاتورك الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، فان قادته اعتبروا صعود حزب العدالة وبلوغه سدة الحكم بتأييد الأغلبية الشعبية تحديا كبيرا لهم.
وجاء ذلك التحدى على مستويين،
أحدهما تعلق بالسلطان والنفوذ
والثاني تمثل في التعامل مع العلمانية التي ارادها العسكر مخاصمة للدين كما في فرنسا، وارادها حزب العدالة متصالحة معه كما في إنجلترا.

ولاشك أن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى ساعدت حكومة الحزب الصاعد على الثبات في مواجهة ضغوط العسكر، من خلال تقليص الدور الذي يقومون به في الحياة السياسية. وكان ذلك التقليص أحد بنود حزمة الإصلاحات التي دعا إليها الاتحاد لتذليل العقبات التي تحول دون انضمام تركيا إليه.
وقد ترتب على ذلك مثلا أن فقد العسكر أغلبيتهم في عضوية مجلس الأمن القومي، وتساووا مع المدنيين في العدد. أهم من ذلك ان الطريق لم يعد مفتوحا أمامهم لتغيير الحكومة بانقلاب عسكري، وهي اللعبة التي استساغها قادة الجيش ومارسوها أربع مرات منذ ستينيات القرن الماضي. حيث كانوا يطيحون بالنظام باسم درء الخطر الذي يهدد العلمانية ويعينهم القضاء على ذلك بحظر الأحزاب المناوئة وغير المرضي عنها، وربما سجن قادتها.
مع مطلع القرن الجديد، وبعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف الداخلية والخارجية تغيرت في غير صالحهم، مما دعا رئيس الأركان الجنرال الكرباشبوغ إلى التصريح بأن عهد الانقلابات العسكرية انتهى، وأن الجيش ملتزم بقواعد الممارسة الديموقراطية وخيار الشعب.

(3)
هذا الإعلان كان اعترافا بأن قيادة الجيش تراجعت خطوة إلى الوراء عن دورها التقليدي، وهو ما خيب آمال أركان الأصولية العلمانية من العسكريين والمدنيين (حزب الشعب الجمهورى بوجه أخص). هنا برز دور الأصوليين في المحكمة الدستورية والادعاء العام، الذين أصبحوا في صدارة المواجهة مع الحكومة. فتم استنفار رجاله الذين حكموا بسجن رئيس الوزراء الحالي طيب أردوغان في الماضي، وسعوا إلى حل حزب العدالة والحيلولة دون ترشح عبدالله جول لرئاسة الجمهورية قبل سنتين.
والوقائع التي اشرت إليها في مستهل النص من نماذج ذلك الاستنفار الذي كشف عن التجاذب داخل معسكر القضاة والمدعين، الذين أمر بعضهم باطلاق سراح ضباط الجيش المتهمين وأمر آخرون بإلقاء القبض عليهم.
المواجهة برزت إلى السطح قبل سنتين، حين فتحت الحكومة ملف منظمة «ارجنكون» السرية، التي ظلت توصف خلال العقود الأربعة الماضية بأنها الحكومة الخفية في تركيا.
وكنت أحد الذين سمعوا بها قبل ربع قرن، حينما حدثني أحد الخبراء عن أنها تضم خليطا من غلاة العسكريين والسياسيين ورجال الأعمال والقضاة والمدعين والإعلاميين، وان هؤلاء كانوا نافذين في أجهزة الدولة. ولأن تنظيمهم انطلق من الدفاع عن المشروع العلمانى كما بدأه أتاتورك، فان مختلف القرائن دلت على أنهم كانوا على صلة بالانقلابات التي تمت في السابق، وببعض الاغتيالات التي تمت سواء لإثارة الرأي العام أو لتصفية الحسابات السياسية أو القومية (ضد الإسلاميين والأكراد والعلويين مثلا)، بل كان لبعض عناصره صلاتهم بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة، كما بينت التحقيقات.
وقد تصدت الحكومة لذلك الملف الشائك، بعدما تم ضبط مخازن أسلحة في بيوت بعض الضباط المتقاعدين. وتبين أن الذخيرة التي ضبطت مع تلك الأسلحة استخدمت في عمليات اغتيال عدد من النشطاء والشخصيات العامة.
والتحقيق الكبير مستمر في ملف ارجنكون حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ في العشرين من شهر يناير الماضي استيقظت تركيا على وقع قنبلة صحفية وسياسية أحدثت دويا لايزال يتردد صداه إلى الآن، إذ نشرت صحيفة «طرف» التي يقال إنها قريبة من رئيس الحكومة تقريرا مدعوما بالوثائق تحدث عن مخطط انقلاب عسكري كان سيقوده القائد السابق للجيش الأول (مقره استانبول) الجنرال شتين دوغان.
وذكر التقرير أنه بعد وصول حزب العدالة إلى السلطة (عام 2002) تم اعداد ذلك المخطط الذي حمل اسم «المطرقة». ولتهيئة الأجواء لتدخل القوات المسلحة فإن المخطط تحدث عن خطوات لتأزيم الأوضاع في البلاد بما يوحي بانها مهددة بالفوضى والخطر،
في تلك الخطوات تم استهداف اثنين من أهم مساجد تركيا، هما جامع بايزيد وجامع السلطان أحمد بالقنابل أثناء صلاة الجمعة. ثم افتعال أزمة مع اليونان عبر التحرش بها حتى إذا اقتضى ذلك اسقاط طائرة حربية تركية في بحر إيجه، واتهام اليونان بذلك ــ وهو ما يفترض أن يحرج الحكومة ويرفع من وتيرة الشعور بالخطر، الأمر الذي يسوغ القيام بانقلاب عسكري.
ذكرت صحيفة «طرف» أن لديها ما يثبت ويؤيد تقريرها متمثلا في 5 آلاف صفحة من الأوراق، وأصوات مسجلة وأفلام فيديو على أقراص مدمجة (سي. دي) وصور ومخططات وخرائط أولية، كما ان لديها قائمة باسماء 137 كاتبا وصحفيا سيكونون على علاقة وطيدة بالانقلاب، وأسماء 36 كاتبا وصحفيا سيعتقلهم الانقلابيون، أغلبهم محسوبون على التيار الليبرالي اليساري الديموقراطى ومنهم إسلاميون مقربون من أردوغان وحزبه وقد نشرت الصحيفة تلك الأسماء.
وفي اليوم التالي نشرت أسماء أعضاء الحكومة التي كان سيشكلها الانقلابيون والحقائب المسندة إليهم.

(4)
المجموعة التي ألقى القبض عليها في عملية المطرقة ضمت بعض المدنيين إلى جوار العسكر، وجميعهم لم يكونوا بعيدين عن منظمة ارجنكون التي اخترقت خلايا مراكز القوة في المجتمع التركي منذ أربعين عاما. ولذلك فان معركة الحكومة الحالية معها ليست هينة. ونتائج تلك المعركة هي التي ستحدد مصير جمهورية العسكر الأصولية العلمانية، وكسب المعركة وحده الذي سيفتح الباب لتأسيس الجمهورية الثانية، الديموقراطية التي تكون السيادة فيها للشعب وليس للعسكر.
بعد سبع سنوات من المناورات السياسية والتجاذب على مختلف المستويات، أدركت حكومة حزب العدالة والتنمية أنه لا مفر من تعديل الدستور الذي «فصله» العسكر بعد انقلاب عام 1980 (صدر في عام 1982) لمعاندة التاريخ من خلال بسط هيمنتهم وادامة التمكين للأصولية العلمانية.
فقد وجدت الحكومة انها ليست قادرة على تنفيذ بعض الإصلاحات التي وعدت بها بسبب القيود التي فرضها ذلك الدستور. فثمة مقاومة لمحاكمة العسكريين أمام المحاكم العادية وانهاء تدخلهم في الشؤون السياسية،
وثمة رفض لاعادة هيكلة القضاء والحد من تسييسه بحيث لا تطلق يده في تعيين المدعين أو حل الأحزاب. وكانت الهيئة العليا للقضاة قد حاولت تنحية القضاة والمدعين العامين المسؤولين عن التحقيق في قضية ارجنكون، لتمكين بعض المتهمين من الافلات من العقاب.

كما ان المحاكم الإدارية رفضت قرارات مجلس التعليم العالي الخاصة بالسماح للمحجبات بالالتحاق بالجامعات، وتمكين خريجي المعاهد الدينية من دخول الكليات العلمية والفنية.
ولهذه النقطة الأخيرة قصة تستحق أن تروى. ذلك أن جميع الراغبين في دخول الجامعات يمتحنون قبل توجيههم إلى الكليات المختلفة. ولكن خريجي المعاهد الدينية وحدهم يخضعون لنظام خاص في احتساب الدرجات، فرضه مجلس التعليم العالي حين كان تحت السيطرة العلمانية، بمقتضاه يخصم منهم %15 من مجموع درجات الناجحين منهم، الأمر الذي يغلق الأبواب في وجوههم للالتحاق بكليات القمة. وذلك ظلم بيّن اشتكى منه الطلاب قبل وصول حزب العدالة للحكم، ولكن المحكمة الإدارية المختصة رفضت آنذاك مساواتهم بزملائهم وقالت انها غير مختصة بالموضوع.
وحين تغيرت الحكومة، وعين رئيس جديد لمجلس التعليم، صدر قرار بإلغاء ذلك التميز ومساواة خريجي المدارس الدينية بزملائهم، وعندئذ تحركت الآلة الأصولية وطعنت في القرار أمام المحكمة الإدارية، فقضت بإبطاله وعودة التميز إلى سابق عهده. وهي ذاتها التي اعتبرت الأمر خارجا عن اختصاصها في السابق!

(5)
قدمت حكومة أردوغان 26 تعديلا على الدستور إلى البرلمان تجري مناقشة حامية حولها الآن. وليست هناك ثقة في تمرير التعديل، لأنه يحتاج إلى تصويت ثلثي الأعضاء، أي 367 صوتا من 550، في حين أن لحزب العدالة والتنمية 330 صوتا فقط. وإذا لم يمر التصويت، وحسب القانون، فان التعديل سيعرض على الاستفتاء العام خلال 60 يوما، في شهر يوليو المقبل،
ويتوقع المراقبون أن تلجأ المحكمة الدستورية التي يهيمن عليها غلاة العلمانية إلى إصدار حكم بإبطال الاستفتاء. وحينئذ لن يكون أمام الحكومة سوى المطالبة بإجراء انتخابات جديدة يحتكم فيها إلى الشعب في تشكيل برلمان جديد، يطمح الحزب إلى أن يمثل مقعد الثلثين فيه، من خلال أعضائه أو تحالفاته، لكي يمرر التعديلات التي يريدها، وذلك كله يفترض أن يتم خلال أشهر الصيف المقبل، التي يتوقع الجميع أن ترتفع الحرارة فيه إلى درجة الغليان قبل أن تسفر المواجهة الشرسة إما إلى ميلاد الجمهورية التركية الثانية أو إلى اجهاض هذا الأمل.
.......................

5 التعليقات:

Ahmed Ismail يقول...

المقالة أكثر من رائعة!
و هو المستوي العادي للكاتب الكبير أ.فهمي هويدي
فعلا تركيا التغييرات التي تحدث في تركيا الآن يبنغي ان تكون محل دراسة و نظر و هناك العديد من الدراسة و التجارب التي يمكن الايتفادة بها.
أتمني ان تمر المعركة بسلام.

م/محمود فوزى يقول...

احمد اسماعيل
جزاكم الله خيرا
تركيا تغيرت وتطورت للافضل بشكل رهيب فى الفتره الاخيره فى عهد حزب العداله والتنميه الاسلامى
اتمنى ان نستفيد من هذا التغير ونتعاون معهم فى صالح البلدين

طبعا اتمنى ان ينتصر حزب العداله والتنميه لتحقيق العداله والغاء التمييزات التى يضعها العلمانيون

لان ذلك فى صالح الشعب
ربنا يكرمك ويوفقك

م/محمود فوزى يقول...

غير معرف
جزاكم الله خيرا على المرور
اعتذر عن مسح التعليق حيث اننا لا نقدر على التدخل وتقييم علاقه شخص بربه وتحديد مدي ايمانه

اتمنى ايضا ان ينجح اردوغان وحكومته فى مساعيهم نحو حريه وتقدم شعبه
وان نسفيد من تلك التجربهفى بلادنا العربيه والاسلاميه التى يوجد بها العديد من مظاهر الفساد

طبعا المسئولون فى كثير من بلادنا العربيه والاسلاميه لهم دور اساسي فى ماوصل له حالنا
وقد كانت لهم الفرصه متاحه للتحسين طوال عشرات السنين ولكن لم يحدث

ربنا يصلح الاحوال
ربنا يكرمك ويسعدك

الاء يقول...

المقال حلو اوي
انا عندي سؤال صغير:
احنا عندنا في مصر بيتم اختيار افراد الجيش بأن مش يكون ليهم اي توجه سياسي
و علي حسب معلوماتي أن الجيش و الشرطة و القضاء ينبغي ان افرادها لا يقوموا بالعمل السياسي و ده علشان الحفاظ علي الاستقرار البلد.
السؤال هو
: ليه الكلام ده مش متحقق في تركيا؟

م/محمود فوزى يقول...

آلاء
جزاكم الله خيرا
فى مصر فعلا هناك قوانين تمنع افراد الجيش والشرطه من ممارسه السياسه ماداموا فى مواقعهم

لكن فى تركيا قام أتاتورك وتابعوه بفرض أراء الجيش لجعله قوه تحمى العلمانيه بغض النظر عن تقبل الشعب لها ام لا
وهكذا اصبح الجيش هو المتحكم فى البلاد لدرجه انه قام بعده انقلابات عسكريه لازاله حكومات جاءت بالانتخاب بدعوى حمايه العلمانيه
وفى احدي هذه المرات قاموا باعدام الرئيس

انها محاولات فرض العلمانيه بالقوه على الشعب
حسبنا الله ونعم الوكيل
ربنا يكرمك ويسعدك

Delete this element to display blogger navbar