Subscribe:

Ads 468x60px

30 ديسمبر، 2009

تصويب تأخر كثيراً

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 14 المحرم 1431 – 31 ديسمبر 2009
تصويب تأخر كثيراً – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_30.html


زيارة الدكتور أحمد نظيف إلى إثيوبيا على رأس وفد ضم حشدا من الوزراء ورجال الأعمال خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، تأخرت كثيرا عن موعدها.

وأرجو أن تؤخذ على محمل الجد. ولكي تدرك أهمية هذا البلد، فيكفي أن تعلم أن 40 مليار متر مكعب من 55 مليارا هي حصة مصر من مياه النيل تأتي من الهضبة الإثيوبية.
وأن الرئيس السادات هدد بإعلان الحرب على إثيوبيا يوما ما حين علم أنها بصدد بناء سد كبير على النيل الأزرق يمكن أن يؤثر على تلك الحصة.

رغم الأهمية الاستراتيجية القصوى لإثيوبيا بالنسبة لمصر، فإنها لم تلق ما تستحقه من اهتمام طوال العقود الثلاثة الأخيرة، التي انتابت مصر خلالها غيبوبة باعدت بين مصر وبين محيطها العربي ومجالها الأفريقي.
بل بلغ بنا الاستخفاف والإهمال حدا دفع مصر إلى إيفاد السفراء المغضوب عليهم إلى العواصم الإفريقية، الأمر الذي أهدر مصالح استراتيجية مهمة نحاول الآن تداركها.
لذلك تمنيت في لحظة الإفاقة التي نحن بصددها أن تؤخذ زيارة رئيس الوزراء إلى إثيوبيا على محمل الجد. بمعنى ألا تكون تعبيرا عن حماس مؤقت، وإنما تصبح خطوة لتصويب الرؤية الاستراتيجية التي اختلت.

إذا جاز لنا أن نتصارح في هذا الصدد فإنني أخشى على هذا التوجه نحو دول حوض النيل من «النفس القصير» الذي تتسم به السياسة المصرية، التي كثيرا ما يخضع المصالح الاستراتيجية للتوجيه ــ وأحيانا المزاج ــ السياسي.
كأن يتراجع الاهتمام بإفريقيا مثلا ونخاصم السودان لعدة سنوات بسبب محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس مبارك في عام 1995.

لقد قرأت تصريحا منسوبا إلى الدكتور نظيف قال فيه إن العلاقات بين مصر ودول حوض النيل يجب أن تتعدى حدود الحديث عن اقتسام مياه النيل إلى الحديث عن التنمية الشاملة لدول الحوض، بما يحقق تحسين مستوى المعيشة لمواطني هذه الدول (الأهرام ــ 28/12)

ــ وهذا كلام صحيح تماما.
لكن المؤسف أنه بدا «اكتشافا» وخبرا أبرزته الأهرام في استعراضها لوقائع لقاء رئيس الوزراء مع 75 من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين قبل إتمام الزيارة
وأعني أن فكرة المشاركة في التنمية الشاملة لدول حوض النيل كان ينبغي أن تظل أحد المحاور الثابتة للاستراتيجية المصرية في أفريقيا إن لم يكن تأمينا للعمق الاستراتيجي، فعلى الأقل للحفاظ على علاقة تبادل مصالح وثيقة مع دول حوض النيل، بهدف الحفاظ على احتياجات مصر من المياه التي أصبحت محل لغط في السنوات الأخيرة.

وليس سرا أن مصر لم تعاود اهتمامها بتلك الدول إلا بعدما تحول اللغط إلى دعوة جادة لإعادة النظر في اتفاقيات توزيع المياه، الأمر الذي أثار قلق مصر وأزعجها، ومن ثم حاولت ترميم علاقاتها مع دول حوض النيل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وهذا هو السياق الذي تحرك فيه الدكتور أحمد نظيف، وتحرك فيه أيضا وزراء ومسؤولون مصريون آخرون خلال الفترة الأخيرة. ولا بأس في ذلك. لأن تصحيح الخطأ أفضل من التمادي فيه، وأن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا.

لقد أنشأت مصر منذ عشر سنوات صندوقا للتعاون مع إفريقيا تابعا لوزارة الخارجية، لكن ميزانيته السنوية كانت في حدود 400 مليون جنيه، وهو مبلغ بسيط نسبيا يعادل ميزانية مزرعة ورد واحدة تقيمها إسرائيل في إحدى تلك الدول. فما بالك به لو وزع على دول حوض النيل كلها؟!

الدور الذي تريد مصر أن تقوم به في إثيوبيا ليس سهلا، لأن ثمة دولا أخرى نشطت هناك خلال السنوات الأخيرة، في مقدمتها الصين والهند وتركيا.
لكن إسرائيل سبقت الجميع، لأن مخطط انتشارها في شرق أفريقيا وفي منطقة حوض النيل بالذات بدأ تنفيذه في الخمسينيات. وكان هدف تلك الاستراتيجية هو إيجاد منفذ لها إلى البحر الأحمر والتمكن من منابع النيل ومحاصرة السودان للضغط على مصر في نهاية المطاف.

لذلك احتلت إثيوبيا موقعا أساسيا في تلك الاستراتيجية، التي بمقتضاها اخترقت إسرائيل أعصاب الدولة. وأصبحت لها اليد الطولى في الجيش والشرطة فضلا عن جهاز الإدارة. وهو ما يشكل تحديا آخر للجهد المصري الذي يسعى لاستعادة الحضور في إثيوبيا وتعويض ما فوتته سنوات الانكفاء والغيبوبة، والاعتماد على الفهلوة دون الاستراتيجية.
......................

29 ديسمبر، 2009

هل هذه مصر حقًا؟!

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 13 المحرم 1431 – 30 ديسمبر 2009
هل هذه مصر حقًا؟! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_29.html

لماذا تسوِّف مصر في السماح لحملات التضامن والإغاثة بالوصول إلى غزة؟
وماذا يضيرها لو أنها مكنتهم من الدخول إلى القطاع وإيصال رسالتها إلى الفلسطينيين المحاصرين هناك، ثم عودتهم إلى بلادهم مرة أخرى؟
ولماذا يعلن المسؤولون المصريون على الملأ أنهم لا يمانعون في استقبال تلك الحملات، ثم يضعون مختلف العراقيل أمامها بعد ذلك؟

هذه الأسئلة أسوقها ليس فقط من باب التضامن مع تلك الحملات والحماس لرسالتها النبيلة،
وليس فقط تقديرا لجهد أولئك الناشطين الشرفاء الذين جاءوا من أقاصي الدنيا لكي يساندوا شعب غزة المحاصر والأعزل،
وإنما أيضا حفاظا على سمعة مصر التي أساءت إليها بشدة محاولات الصد والتثبيط والتعنت التي يتعرّض لها أولئك الناشطون جراء تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.

بكلام آخر فإننا إذا لم نيسِّر مهمة الناشطين لأسباب تتعلق بالتجاوب مع مشاعرهم النبيلة، فليكن ذلك من باب الحفاظ على سمعة مصر وتجنب التشهير بها وفضحها في وسائل الإعلام الغربية.

ولا أعرف إن كان أصحاب القرار في هذا الشأن قد اطلعوا أم لا على الكتابات والشهادات التي تحدثت عن الموقف المصري إزاء عمليات التضامن مع فلسطينيي غزة في الصحف الغربية ومواقع الإنترنت،
لكن الذي أعرفه أن تلك الكتابات انتقدت ذلك الموقف بشدة، واستخدمت في ذلك أوصافا قاسية للغاية، بحيث لا يستطيع المرء أن يترجمها في أي صحيفة عربية

. ورفع من وتيرة الغضب والسخط على الموقف المصري أن إجراءات العرقلة والتسويف التي اتخذت ضد وفود المتضامنين مع غزة، تزامنت مع فضيحة السور الفولاذي الذي أُعلن عن إقامته في باطن الأرض على طول الحدود مع غزة لقطع الطريق على الأنفاق وإحكام الحصار حول غزة،
وهي الأجواء التي وصفها خالد الحروب الباحث في جامعة كامبريدج، وأحد كتّاب صحيفة «الحياة» اللندنية (27 ديسمبر الجاري) بأنها «تدمر موقف وسمعة مصر: أخلاقيا وقيميا وإنسانيا وسياسيا واستراتيجيا».

لقد
تحدثت قبل ثلاثة أيام عن معاناة حملة «شريان الحياة» التي نظمها النائب البريطاني جورج جالاوي، وكيف أنها ضمّت أكثر من 400 ناشط من أنحاء أوروبا، وافقت مصر على دخولهم، فوصلوا إلى ميناء العقبة ومعهم 250 سيارة محمّلة بالمساعدات، أملا في أن يعبروا الخليج إلى ميناء نويبع المصري (المسافة بين الميناءين 70 كيلو مترا)،
ولكنهم أُبلغوا في وقت متأخر بأن عليهم دخول الأراضي المصرية من ميناء العريش، وهو ما صدمهم وجعلهم يحتجّون ويُضربون عن الطعام في العقبة.
وقد اضطروا بعد ذلك لأن يعودوا أدراجهم إلى الأردن ثم سورية، لكي ينطلقوا من موانيها إلى العريش، وذلك كله منهك ومكلف جدا لهم، ويحمّلهم ما لا يطيقون.

المشكلة تكررت مع حملة «الحرية لغزة» التي تضم 1400 ناشط من 43 دولة، وصلت وفودهم تباعا إلى القاهرة هذا الأسبوع، ولكن السلطات المصرية رفضت السماح لهم بالتوجّه إلى رفح، وتعلّلت في ذلك بذرائع عدة.
فعقد منظمو المسيرة مؤتمرا صحافيا وزّعوا فيه بيانا ناشدوا فيه الرئيس مبارك أن يستجيب لندائهم، وتمنّوا أن تقدر السيدة قرينته هدفهم الإنساني، فتطلب من زوجها السماح للمسيرة بالمرور.

وقالت الناشطة الأميركية آن رايت في المؤتمر إنهم جمعوا عشرات الآلاف من الدولارات لشراء ملابس شتوية وأدوات مدرسية وأجهزة كمبيوتر لمدارس غزة، وأنهم دعاة سلام توقعوا أن ترحب بهم مصر، وأن تدعم هدفهم النبيل،
وإلى جانب هذا النداء اعتصم آخرون أمام السفارة الكندية.

المشهد مقلوب على نحو مذهل، فمن كان يتصوّر أن يأتي يوم يتوسّل فيه الأوروبيون والأميركيون إلى القيادة المصرية أن تسمح لهم بمد يد العون إلى غزة،
لكنها ـ صدق أو لا تصدق ـ تتأبى على ذلك وتتمنّع!..
أإلى هذا الحد ذهبنا في مجاملة الأميركيين والإسرائيليين؟!
................

28 ديسمبر، 2009

الجدار حماية لأمن إسرائيل – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 12 المحرم 1431 – 29 ديسمبر 2009
الجدار حماية لأمن إسرائيل – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy।blogspot.com/2009/12/blog-post_28.html


أخشى أن يُبتذل مفهوم الأمن القومي لمصر، بحيث ينضم إلى العناوين الجليلة الأخرى التي لحقها الابتذال، من الديموقراطية إلى الشرعية والوطنية.
(1)
من بين الإعلانات التي يبثها التلفزيون المصري هذه الأيام واحد يظهر فيه جمع من الناس يهتفون بصوت عالٍ قائلين: «مصر - مصر»، الأمر الذي يهيئ المشاهد لاستقبال قرار سياسي يهم مستقبل البلد على غرار تأميم قناة السويس أو العبور إلى سيناء، لكنه يفاجأ في اللقطة التالية بصورة يظهر فيها منتج معلب لإحدى شركات المياه الغازية.
وهذا الإعلان الذي استنفر الحس الوطني لدى المصريين لكي يروج في النهاية لمشروب المياه الغازية، لا يختلف كثيرا عن الإلحاح الحاصل الآن على فكرة الأمن القومي لتسويق عملية إقامة الجدار الفولاذي المدفون في باطن الأرض على الحدود بين سيناء وقطاع غزة.
عكفت الخميس الماضي على رصد عدد المرات التي اشير فيها الى مصطلح «الأمن القومي» في احدى الصحف القومية، فوجدت ان المصطلح ذكر 46 مرة، اكثر من نصفها (27 مرة) في تعليقات كتاب الأعمدة، الذين أعرف ان واحدا منهم على الاقل لا يعي الفرق بين الأمن القومي والأمن المركزي، ويعتبر ان الاخير هو الاصل واي أمن آخر فرع عنه!
في مساء السبت التالي شاهدت حلقة أحد البرامج الحوارية المسائية التي أثارت موضوع الجدار. وكان المشاركون في الحلقة ثلاثة، اثنان منهم أحدهما عسكري قدم بحسبانه خبيرا أمنيا والثاني دبلوماسي سابق، مدافعا بشدة عن إقامته باعتباره من ضرورات الأمن القومي. ومن الحجج التي ساقاها ما يلي:
أن هناك خطرا من تكرار الاجتياح الفلسطيني الذي حدث في شهر يناير من العام الماضي
- إن الأنفاق باب لتهريب البضائع والمخدرات بين القطاع ومصر
- إن هناك عمليات لتهريب الأشخاص والمتفجرات عبر الأنفاق تستهدف إشاعة الإرهاب وإثارة الفوضى في مصر.
لم يشر أي منهما بكلمة إلى أي خطر تمثله إسرائيل المحتلة والمدججة بالسلاح النووي.

في الوقت ذاته فإن الحجج التي ذكراها إما أنها لم تكن مقنعة، أو أنها اعتمدت على تقارير أمنية قدمت في بعض القضايا المنظورة التي لم يُفصل فيها بعد.

فحكاية الاجتياح على غرابتها لم تكن لها علاقة بالأنفاق، ولكنها كانت انفجارا ضد الحصار، ثم إن الذين دخلوا عبر رفح استوفوا حاجتهم ثم عادوا أدراجهم إلى غزة،

أما عمليات التخريب في داخل مصر، بما في ذلك ما نسب إلى ما عرف باسم خلية حزب الله، فهي مجرد ادعاءات أمنية لم تُثبت، وللقضاء القول الفصل فيها.

والقول بتهريب الأشخاص والمخدرات لا يبرر إقامة الجدار الفولاذي، فضلا عن أن هذه العمليات تحدث عبر الحدود في كل مكان
. وبالمناسبة فإن التهريب الحاصل بين مصر وليبيا في مثل هذه المجالات أكبر مما هو بين سيناء والقطاع.
(للعلم: نشرت جريدة الدستور في عدد الأحد 12/27 أن 31 شابا من محافظة المنيا حاولوا التسلل عبر الحدود إلى ليبيا، وأن الشرطة أطلقت عليهم النار وقتلت 14 منهم. وذكرت أن عمليات التسلل هذه تتم بصورة شبه يومية).

(2)

من المفارقات أن الأبواق الرسمية التي ما برحت تلح هذه الأيام على ضرورة الجدار الفولاذي لحماية الأمن القومي المصري غضت الطرف عن أن أخبار الجدار خرجت من إسرائيل ولم تخرج من مصر.

أعني أن البلد الذي تدعي أبواقه أن أمنه يتعرض للتهديد والخطر أخفى الأمر وتكتم عليه لعدة أشهر، في حين أنه كان بوسعه لو كان يملك أدلة مقنعة على وجود ذلك الخطر أن يعلن الأمر بشجاعة على الملأ،
وهذه الملابسات لا تشكك فقط في جدية المبررات المصرية المعلنة، ولكنها أيضا تستدعي العديد من الأسئلة حول المقاصد الحقيقية لإقامة الجدار، والأطراف الحقيقية التي وقفت وراء المشروع، من حيث الفكرة والتمويل والتنفيذ.
قبل استعراض تلك الاسئلة، فإنني أذكر بشهادتين تسلطان الضوء على خلفية الموضوع وملابساته.

الشهادة الأولى مصرية، للسفير المصري السابق إيهاب وهبة الذي نشر في جريدة «الشروق» (عدد 2009/2/1) ثلاث ملاحظات على ما يجري على الحدود، يهمنا اثنتان منها في السياق الذي نحن بصدده.

الأولى كانت حول انتهاكات إسرائيل المستمرة لما أوردته معاهدة السلام المبرمة عام 1979 والخاصة بصيانة الحدود واحترامها، وتركزت الملاحظة حول استمرار العدوان الإسرائيلي على الشريط الحدودي مع مصر منذ وقوع العدوان على غزة، الذي يمثل تهديدا حقيقيا لأمن مصر «حيث تقوم إسرائيل بقصف هذه المنطقة بمختلف أنواع الأسلحة والصواريخ والقنابل، التي أحدثت الكثير من الأضرار بالمباني داخل الحدود المصرية وروعت المواطنين. بل وأوقعت بهم إصابات مختلفة.
كل ذلك إلى جانب تدمير الأنفاق التي تدعي إسرائيل أنها تُستخدم في تهريب السلاح إلى غزة».

في الملاحظة الثانية تحدث الدبلوماسي المصري عن تقرير اطلع عليه صادر في عام 2008 عن مركز أبحاث الكونغرس (ذكر رمزه ورقمه) وكانت الأنفاق موضوعه الأساسي، حيث استعرض كل التفاصيل المتعلقة بها.
وذكر التقرير الذي وزع على أعضاء الكونغرس أن لجنة الاعتمادات قررت حجب 100 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، إلى أن تتأكد الخارجية الأمريكية من أن مصر أوقفت التهريب عبر الأنفاق ودمرتها.
الشهادة الثانية إسرائيلية، وقد وردت على لسان عاموس جلبوع رئيس قسم الأبحاث الأسبق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو يميني متطرف يكن عداء واحتقارا شديدين للعرب عامة والفلسطينيين بوجه أخص، لكنه من أشد المتحمسين لتوثيق العلاقة مع مصر، ويعتبر أن اتفاقية كامب ديفيد أهم حدث بعد تأسيس الدولة العبرية.

هذا الرجل اشترك في برنامج حول وضع إسرائيل الاستراتيجي في العام الجديد، جمعه مع عدد من المستشرقين وبثه راديو تل أبيب في 11/18 الماضي. وكان مما قاله النص التالي:
إن العلاقات مع مصر تمثل أهمية كبرى بالنسبة لإسرائيل. والمتابع للسياسة المصرية يلاحظ أن نظام الرئيس مبارك خرج عن طوره بسبب مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، حتى أصبح يهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لكنه ينتهج سياسة مغايرة تجاه إسرائيل

. فإلى جانب التزام النظام المصري الصمت عندما قمنا بحملة (الرصاص المصبوب) ضد غزة مؤخرا، فإنه وفر الأجواء لاستمرارنا في الحملة، رغم سقوط المئات من الفلسطينيين، كما أنه منع أي تحرك عربي لصالح الفلسطينيين خلال الحرب (يقصد إفشال مصر لمؤتمر القمة الذي دعت إليه قطر)..
وفي أحيان عدة يتم قتل جنود مصريين (بواسطة الإسرائيليين) ممن تواجدوا بالقرب من الشريط الحدودي، لكن الحكومة المصرية لم تقم بأي إجراء.
وهذا يدلل على وجوب تحقيق إجماع داخلي حول استراتيجية العلاقات مع مصر.
وفي الوقت ذاته يجب أن نحث جماعات الضغط اليهودية وأصدقاءنا في الكونغرس، لعدم الضغط على النظام المصري في كل القضايا الأخرى.
ويجب أن يعلم الجميع أن نظام مبارك مهم لنا، ويجب توفير الأجواء المواتية لضمان تشجيع كل الذين يسيرون على خطاه».
(3)

لا يكاد يجد الباحث وثيقة أو تصريحا رسميا تحدث يوما ما عن الأنفاق كعنصر مهدد للأمن القومي المصري، في حين كانت الرؤية الاستراتيجية واضحة في أن التهديد الحقيقي للأمن المصري يتمثل في إسرائيل وطموحاتها الاستيطانية والتوسعية
ــ على الأقل فقد كان ذلك هو الوضع قبل السنوات الخمس الأخيرة. التي نجحت إسرائيل خلالها في اقناع بعض القيادات العربية بأن إيران هي العدو، وتفاقمت حالة العمى السياسي حتى وجدنا من يدرج حزب الله على قائمة الأعداء، ويضيف إليهم حماس، على نحو أحدث انقلابا في الرؤية الاستراتيجية أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
وفي حين ظللنا نحن نتخبط من درك إلى آخر أسفل منه. كانت إسرائيل تواصل تقدمها، على أصعدة الحصار وقمع المقاومة واستئصال عناصرها. جنبا إلى جنب مع الاستيطان والتهويد، بما يحقق لها التغول افقيا ورأسيا.
وكان حظ غزة أنها ظلت رمزا للمقاومة ورفض الاستسلام، لذلك استهدفها الحصار والقمع والاستئصال. واعتبر تركيعها أحد عناصر تحقيق الأمن الوطني الإسرائيلي.
في عام 1994 قامت إسرائيل بإحاطة قطاع غزة بسياج طوقها من البر، أما من ناحية البحر فإنها وضعت العوائق والعراقيل أمام الصيادين الفلسطينيين.
وفي عام 2005 قامت ببناء حاجز تحت الماء يمتد إلى البحر من حدودها على غزة، تكون جزءا منه من قوائم خراسانية محفورة في قاع البحر والجزء الآخر من سياج عائم يمتد لمسافة 950 مترا، وبعمق 180 سنتيمترا تحت الماء.
في شهر يونيو عام 2007، بعد سيطرة حماس على القطاع. فرض الحصار الكامل على القطاع وأغلقت المعابر. ومنها معبر رفح بطبيعة الحال.

وكان ذلك الحصار بداية التوسع في حفر الانفاق، التي كانت موجودة بصفة استثنائية من قبل وتستخدم في عمليات التهريب غير المشروعة (المخدرات مثلا)، ولكنها تحولت بعد ذلك إلى شريان رئيسي يوفر احتياجات القطاع من مستلزمات الحياة الضرورية.
ومن ثم أصبحت أحد أشكال مقاومة القهر والتجويع. لكن ذلك ظل مقلقا لإسرائيل وأنصارها في واشنطن، فلم يكفوا عن ممارسة الضغوط على مصر لسد هذه الثغرة.
طوال تلك الفترة ظلت الأنفاق تدمر بجهود مصرية استجابت للضغوط حينا، وبغارات وجهود إسرائيلية في أغلب الأحيان. مع ذلك لم تتوقف فيها الحياة، وبالتالي لم تتوقف الشكوى منها. إلى أن اكتشفنا قصة السور الفولاذي المدفون تحت الأرض على الحدود مع القطاع، الذي بدأ وكأنه الحل الأخير للإجهاز على ذلك الشريان الذي يسهم في تعزيز صمود أهل غزة وتخفيف وطأة الحصار عليهم.

(4)

كشف النقاب عن المشروع سبب حرجا وارتباكا للسياسة المصرية، التي لم تعترف رسميا بوجوده، في حين استنفرت الأبواق الإعلامية للدفاع عنه وتبريره بدعوى الحفاظ على الأمن القومي. الأمر الذي يستدعي اسئلة عدة منها على سبيل المثال:
* إذا كان هناك أي تصور للمساس بأمن مصر الوطني، لماذا لم تلجأ مصر قبل إقامة الجدار إلى التفاهم مع حركة حماس لعلاج الأمر، وهي المسيطرة على القطاع ويتم حفر تلك الأنفاق بعلمها..
وإذا كانت مصر قد تدخلت لوقف اطلاق الصواريخ من غزة نحو المستعمرات الإسرائيلية، ألم يكن الأجدر بها أن تتدخل لدى حماس لوقف ما تتصوره مساسا بأمنها؟
* إذا كان السور دفاعا عن الأمن القومي المصري، فلماذا تنهض به الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية،
ولماذا تلك الحفاوة الإسرائيلية المشهودة به، ومنذ متى كانت تلك الأطراف مشغولة بالدفاع عن أمن مصر والوطن؟
* منذ متى وبأي معيار موضوع يمكن أن يشكل قطاع غزة تهديدا لأمن مصر؟ وهل يعقل أن يقام الجدار الفولاذي مع القطاع، في حين تظل منطقة الحدود المباشرة بين مصر وإسرائيل (في طابا مثلا) بدون أية احتياطات أمنية، ويرتع فيها الإسرائيليون كيفما شاءوا؟
* أليس الحصار هو المبرر الوحيد للتوسع في حفر الأنفاق، وإذا كانت مصر حريصة حقا على أمنها الوطني، لماذا لا تكثف جهودها وتمارس ضغوطا لرفع الحصار، بدلا من أن تتورط في التصدي للنتائج المترتبة عليه؟
* ما مدى سلامة الموقف القانوني المصري إذا اتهمت أمام المحاكم الدولية ــ ناهيك عن محكمة التاريخ ــ بأنها انتهكت القانون الدولي الإنساني وأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وأسهمت في حرمان الشعب الفلسطيني من أسباب عيشه الخاصة، الأمر الذي يعتبر اشتراكا في ارتكاب جريمة ضد الإنسانية.
* إزاء الحفاوة الإسرائيلية بالموافقة المصرية على بناء الجدار، هل يمكن القول إن تطابقا حدث في الرؤية بين الأمن الوطني الإسرائيلي والأمن القومي المصري؟
* لا خلاف حول حق مصر في الدفاع عن أراضيها والحفاظ على أمنها. لكن ألا يستحق المساس بالأرض أو تهديد الأمن إجماعا وطنيا، بحيث يعرض على مجلس الشعب على الأقل، بدلا من أن يُحاط الشعب المصري علما به من إحدى الصحف الإسرائيلية؟
حين يفكر المرء في إجابة تلك الأسئلة فسوف يدرك أن إقامة الجدار لا علاقة له بأمن مصر، وإنما هو في حقيقته استجابة لدواعي أمن إسرائيل، فرضتها السياسة الأمريكية وقامت بتنفيذها تحت أعيننا،
ولكننا أغمضنا وسكتنا، إلى أن قامت الصحافة الإسرائيلية بكشف المستور وفضح المسكوت عليه.
.........................

27 ديسمبر، 2009

كلمتان في الضحك على العقول

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 11 المحرم 1431 – 28 ديسمبر 2009
كلمتان في الضحك على العقول – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_27.html

لا أستغرب أن يحاول السيد صفوت الشريف أن يضحك علينا بكلمتين حول التسامح في مصر وحاضرها الزاهر ومستقبلها الواعد وقيادتها الفلتة التي لا يجود بمثلها الزمان، فتلك بضاعة الرجل التي لا ينفد معينها، ثم إنها بضاعة مجانية، لا تتطلب من صاحبها سوى حبك العبارات وتلوينها.

وهي الصنعة التي راجت سوقها في زمن العجز عن الفعل والاستقواء بالكلمات. إذ كما أن هناك ترزية قوانين، وترزية مقالات فهناك أيضا ترزية خطب تناسب كل مقام،
لا غرابة في كل ذلك، وإنما الغريب في الأمر أن يؤخذ مثل هذا الكلام على محمل الجد، والأشد غرابة أن يصدقه البعض.

خذ مثلا كلامه الأخير الذي أبرزته الصحف القومية على صدر صفحاتها الأولى يوم الجمعة الماضي (25 /12)، وقال فيه إن الحزب الوطني لا يسعى إلى الانفراد بالسلطة أو احتكارها، وإنما يرحب بدور أكبر للأحزاب الأخرى،

لم يكن ذلك كل ما قاله الأمين العام للحزب في اجتماع الأمانة العامة، لأن كلمته تضمنت أمورا أخرى تعلقت باستعدادات الحزب لانتخابات العام الجديد، ولكن هذا المعنى هو الذي أبرزته الصحف القومية،
ربما أملا في إقناع الناس بأن الحزب الوطني بريء من تهمة الانفراد بالسلطة واحتكارها، وأن استمرار الحزب في السلطة منذ 28 عاما ليس مصدره تلك الرغبة الشريرة، وإنما هو إصرار الناس على التمسك بالحزب والتعلق بأهدابه، وثقتهم في أن مصر لن تقوم لها قائمة إذا رفع يده عن السلطة،

وهو موقف لا يخلو من منطق عند قادته، إذ كما أن الرئيس لم يجد في بر مصر من يصلح لأن يكون نائبا له «واضطر» لترك الموقع شاغرا طوال تلك المدة، فإن الشعب المصري لم يجد في المحروسة حزبا غير الوطني جديرا بأن يتولى السلطة خلال المدة ذاتها، «فاضطر» بدوره لأن يضغط عليه ويجبره على تولي مقاليد البلد.
ولأنه حزب ديموقراطي أيضا فكان لابد أن يمتثل لأمر الشعب ورغباته!

المحزن فيما قاله السيد الشريف، انه افترض في الناس الغباء والبلاهة. ولا أعرف كيف أقنع نفسه بأنهم يمكن أن يصدقوا هذا الكلام، في حين أن أي مواطن عادي يعرف جيدا أن المعركة الوحيدة التي يخوضها الحزب الوطني بمنتهى القسوة والشراسة هي معركة تكريس الاحتكار من خلال الفوز بالأغلبية الساحقة في أي انتخابات تجرى في البلد، وأساليبه في ذلك معروفة، وهي تتراوح بين قمع المستقلين بكل وسائل الترهيب وبين التزوير والتلاعب في النتائج.

وفي هذا وذاك فالشرطة جاهزة للقيام بالواجب في خدمة الحزب. وميليشيات الأمن التي تضم جيش العاطلين وأصحاب السوابق تنتظر فقط الإشارة لتأديب المستغلين والمعارضين وأنصارهم.

إن المشكلة التي نواجهها في مصر الآن لم تعد تتمثل في احتكار الحزب الوطني للسلطة، الذي أصبح حقيقة واقعة يلمسها كل ذي عينين، وإنما هي في الإصرار على تأبيد ذلك الاحتكار من خلال وسيلتين،
الأولى هي الإصرار على تدمير عناصر العافية في المجتمع. حتى لا يلوح في الأفق أي بارقة أمل في إمكانية وجود بديل يمكن أن ينافس الحزب الوطني يوما ما.
تشهد بذلك القيود التي تكبل الأحزاب السياسية التي أصبح غاية المراد منها أن تتحول إلى أجنحة للحزب الوطني.
أحدث شاهد على ذلك هو تلك اللوثة التي أصابت الأجهزة الرسمية حين تردد اسم الدكتور محمد البرادعي كمرشح محتمل للرئاسة، واستهدفت تجريح الرجل وهدم صورته لمجرد أن اسمه اقترح كبديل، لأن المفروض على المجتمع ألا يكون هناك بديل عن مرشح الحزب الوطني.

الوسيلة الثانية لضمان الاحتكار تمثلت في اللعب بالقوانين والعبث في الدستور، لإضفاء شرعية على ممارسات السلطة، بحيث أصبح الاحتكار محميا بتشريعات مجرحة ومغشوشة ومن ثم فاقدة الشرعية. والنموذج الفادح لذلك هو المادة 76 من الدستور التي أغلقت الباب في وجه أي شخص من خارج الحزب الوطني يحاول الترشح لرئاسة الجمهورية.

كلام السيد صفوت الشريف الذي استدعى كل هذه المعاني يذكرني بعبارة أوردتها الروائية والشاعرة هوتا مولر الفائزة بجائزة نوبل للآداب هذا العام، في مقالة نشرتها لها صحيفة «لوموند دي ليفر» الفرنسية (في 4/12) وقالت فيها:
في الأنظمة الديكتاتورية تظل اللغة هي أبرز وسيلة لخداع الناس.
......................

26 ديسمبر، 2009

من العار إلى الخجل

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 10 المحرم 1431 – 27 ديسمبر 2009
من العار إلى الخجل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_26.html

من صفحة العار إلى صفحة الخجل والخزي. هذا قدرنا في الأسابيع الأخيرة. كأنما كُتب علينا أن نخرج من فضيحة لكي ندخل في أخرى،

فقد صدمنا الخبر الذي أفشته الصحافة الإسرائيلية حين سربت قصة جدار العار الذي كانت تجرى إقامته بعيدا عن الأعين لإحكام خنق غزة وإذلالها،
وفي حين لاتزال أصداء الصدمة تتردد في داخل مصر وخارجها. فإن وكالات الأنباء نقلت إلينا أخبار تحرك عدة مئات من الناشطين في أوروبا والولايات المتحدة. الذين قرروا أن يعبروا عن تضامنهم مع شعب غزة عبر محاولة كسر الحصار الذي يطوقهم، في ذكرى العدوان الإسرائيلي على القطاع، الذي انطلق في مثل هذا اليوم من العام الماضي (27 ديسمبر 2008).

تزامن الحدثان على نحو يعمق من شعورنا بالخزي والخجل. فهؤلاء الأوروبيون والأميركيون جاءوا من أقاصي الدنيا لكي يكسروا الحصار حول غزة، في الوقت الذي نقيم نحن فيه جدارا مدفونا من الصلب يحكم ذلك الحصار ويسد منافذه. وهي المفارقة المذهلة التي ما خطرت يوما ما على قلب بشر.

اليوم وغدا كان يفترض أن يقف على أبواب غزة موكبان لأولئك النفر من الناشطين الشرفاء، قافلة «شريان الحياة» التي دعا إلى تنظيمها النائب البريطاني جورج جالاوي، وضمت 420 ناشطا. خرجوا من لندن في الخامس من شهر ديسمبر الجاري مستهدفين كسر الحصار، ومصطحبين معهم 70 عربة محملة بالمعونات الطبية والغذائية.

اخترقت القافلة دول أوروبا وحطت رحالها في تركيا. التي استقبلوا فيها بحفاوة بالغة. وهناك أضافت إليهم الجمعيات الأهلية 70 عربة أخرى حملت بكميات أخرى من المساعدات. من تركيا مرورا ببلاد الشام حتى وصلوا إلى الأردن.
وفي الطريق كانت تضم إلى الموكب سيارات وشاحنات أخرى. وحين بلغوا ميناء العقبة كان موكبهم قد أصبح يضم 250 عربة مهيأة للانتقال إلى ميناء نويبع في الجانب المصري تمهيدا للانطلاق صوب رفح، حيث كان مخططا أن تصل الحملة إليه اليوم (المسافة بين الميناءين 70 كيلو مترا، تقطعها العبارات فيما بين ساعة وثلاث ساعات).

لكن مفاجأة كبرى كانت في انتظارهم حين وصلوا إلى العقبة، ذلك أن السلطات المصرية التي كانت قد أعلنت عن التصريح لهم بالدخول طلبت فجأة من المسؤولين عن الحملة أن يكون دخولها من ميناء العريش وليس ميناء نويبع.

هكذا بدلا من أن تعبر الحملة من العقبة إلى نويبع ثم تتجه بمحاذاة الحدود إلى رفح مباشرة، أو إلى العريش ثم رفح، فقد أصبح منظموها مطالبين بإحداث تغيير في مسارهم وتحمل معاناة وعذابات لا حدود لها للوصول إلى هدفهم، بعد أسبوع على الأقل من الموعد الذي حددوه.
فضلا عن التكلفة المالية الباهظة التي تتطلبها عملية شحن 250 سيارة محملة بالمعونات ومعها أكثر من 400 شخص، في بواخر تتجه جنوبا لتقطع كل خليج العقبة ثم تنعطف شمالا لتخترق خليج السويس. وتعبر بعد ذلك قناة السويس إلى بورسعيد على شاطئ البحر الأبيض، ومن بورسعيد تتجه شرقا إلى العريش ومنها إلى رفح. وهي مسافة تتجاوز ألف كيلو متر في البحر، لا تكاد تقارن بالسبعين كيلو مترا التي كان يتعين قطعها للانتقال من ميناء العقبة إلى نويبع.

ما لم يكن هناك تفسير معقول لهذا التصرف المفاجئ الذي يصعب افتراض البراءة فيه. فسيكون التفسير الوحيد هو أن مصر أرادت أن تعرقل العملية، وأنها إذا كانت قد وافقت رسميا على استقبال الحملة لأسباب إعلامية ودعائية، فإنها أرادت أن تجهضها من الناحية العملية.

وهو افتراض إذا صح فإنه يشكل فضيحة من العيار الثقيل. وإذا كانت السلطات المصرية قد لجأت إلى هذا الأسلوب لعرقلة قافلة «شريان الحياة» التي قادها جورج جالاوي، فلا أعرف كيف ستتصرف مع مسيرة «تحرير غزة» التي يفترض أن تضم نحو 1350 شخصا سيصلون إلى القاهرة اليوم من 42 دولة وينوون الذهاب في حافلات إلى رفح مع نهاية هذا الأسبوع،
علما بأن المسيرة تضم شخصيات لها وزنها في المجتمعات الغربية. وإذا استخدم معهم الأسلوب ذاته الذي اتبع مع حملة «شريان الحياة»، فإننا سنصبح بصدد موقف بائس لا يشرف مصر أو المصريين الذين يقف أغلبهم متفرجين وذاهلين عما يجري.

الغريب أننا نقدم على تصرفات من هذا القبيل ثم نتساءل بين الحين والآخر:
لماذا تغيرت مشاعر بعض العرب تجاهنا؟!
...................

25 ديسمبر، 2009

القاضي والحذاء والمدرس

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 9 المحرم 1431 – 26 ديسمبر 2009
القاضي والحذاء والمدرس – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_25.html

بعض ما تنشره الصحف هذه الأيام من أخبار يدخل في باب العجائب والغرائب التي لو أدركها علماء السلف لاعتبرها بعضهم من علامات الساعة الصغرى، لكونها تمثل خروجا وشذوذا على المألوف، وانقلابا على سنن الحياة الطبيعية.

من تلك الأخبار حادثة نشرتها «الأهرام» في 17 ديسمبر الجاري، وخلاصتها أن مستشارا بمجلس الدولة اقتحم إحدى المدارس الخاصة في محافظة الجيزة وتعدى بالضرب بالحذاء على مدرس للغة الإنجليزية،
كما قامت سيارة تابعة له باقتحام مقر المدرسة وبها مجموعة من الأشخاص على صلة به، ما أدى إلى إتلاف بوابة المدرسة وإحداث حالة من الذعر بين الطلاب،
وفهمنا من الخبر أن مديرة المدرسة تقدمت ببلاغ إلى النيابة شكت فيه من تصرف المستشار، وأن النيابة أجرت تحقيقا في الموضوع استمعت فيه إلى أقوال المديرة والوكيل وبعض المدرسين الذين شهدوا الحادث.

كنت قد
توقفت يوم السبت الماضي (19 ديسمبر الجاري) عند حادث من نوع آخر، وقع فى إحدى مدارس الصعيد (محافظة قنا).
حيث اعتدى اثنان من التلاميذ بالضرب على معلمهما وكسرا أنفه، لأنه منعهما من استخدام الهاتف المحمول أثناء الدرس. وهو ما استهجنتُه وأرجعتُه إلى الانقلاب الحاصل في منظومة القيم السائدة وتدهور أوضاع المعلمين، الذي أدى إلى إضعافهم في مواجهة التلاميذ، ما أدى إلى اجترائهم عليهم.

الحادثة الأخيرة أفدح من سابقتها، إذا ما ثبتت وقائعها بطبيعة الحال. فالجاني فيها منسوب إلى الهيئة القضائية التي هي من أرفع الفئات مقاما وأكثرها سموا وإجلالا.
لذلك فإن أعضاء هذه الهيئة الذين يحرسون القانون ويمسكون بميزان العدل في المجتمع يطالبون بالخضوع لمجموعة من التقاليد الصارمة، التي لا تقيد سلوكهم فحسب، ولكنها تقيد علاقاتهم الاجتماعية ومظهرهم أيضا.

وقد حدثني بعض المخضرمين من رجال الهيئة القضائية عن أنهم كانوا يحذرون من الجلوس في الأماكن العامة، حتى أن أحدهم عوتب ذات مرة لأنه تناول الغداء في «كازينو الحمام» بمحافظة الجيزة.
كما أنهم كانوا يحذرون من ارتداء البذلات ذات الألوان الفاتحة، لأن الألوان الغامقة تضفى عليهم ما يستحقونه من وقار واحتشام.

وقال لي أحدهم إن أحد وكلاء النيابة فُصل من وظيفته، لأنه صفع متهما،
وإن قاضيا طلبت منه الاستقالة، لأن رشوة عُرضت عليه رغم أنه رفضها. وبرر ذلك وزير العدل بأن القاضي إذا شاع عنه أنه يمكن رشوته، فينبغى أن يستقيل من منصبه، حتى إذا لم يرتش أو رفض الرشوة.

إذا صحت الوقائع المنشورة، فإن قاضي مجلس الدولة الذي تحدّث عنه الخبر ارتكب بما فعله ثلاث جرائم، وليس جريمة واحدة،
جريمة بحق المدرسة التي اقتحمها وانتهك حرمتها،
وأخرى بحق المدرس الذي استخدم الحذاء في الاعتداء عليه بالضرب فأهانه وحط من قدره أمام التلاميذ،
أما الجريمة الثالثة فهي بحق الهيئة القضائية التي ينتسب إليها، لأنه شوّه صورتها وأهان تقاليدها وجرح قدسية الرسالة التي يحملونها،
وتلك عناصر من شأنها أن تستدعى إنزال الحد الأقصى من العقاب التأديبي بحقه، علما بأن علو المقام يستدعي عسر الحساب.

لا أعرف دوافع الرجل إلى ارتكاب الفعل الذي أقدم عليه، كما أنني لا أعرف ابن من هو أو قريبا لمن، لكن الذي أعرفه أن ثبوت التهمة عليه يجرّده من أهلية الانتساب إلى الهيئة القضائية، وأنه حين رفع الحذاء في وجه المدرس، فإنه أهان قيم المجتمع بأسره، وليس فقط كرامة المعلمين أو كرامة القضاة، ومن حق هؤلاء جميعا أن يعبروا عن استنكارهم واشمئزازهم مما حدث.

بقيت عندي كلمة أخيرة خلاصتها أن ما أقدم عليه مستشار مجلس الدولة يُعد من دلائل انهيار التقاليد المعتبرة في المهن المختلفة في مصر، وهي الظاهرة التي تؤيدها شواهد عدة، وتحتاج إلى وقفة خاصة في تفسيرها وتأصيلها، وتحري صلتها بمجمل الانهيارات الأخرى التي شهدتها مصر في هذا الزمن.
...................

23 ديسمبر، 2009

ريادة المنع والإقصاء

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 7 المحرم 1431 – 24 ديسمبر 2009
ريادة المنع والإقصاء – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_78.html


حين يُمنع مثقف عربي من دخول أي بلد عربي بسبب موقفه الفكري، فذلك إجراء يسيء إلى البلد ولا يسيء إلى المثقف، لذلك فإنني أعتبر أن منع الدكتور نصر أبوزيد من دخول الكويت موقف غير حكيم، ورغم اختلافي الفكري معه، فإنني كنت أفضل أن يسمح له بالدخول، ثم يتاح له أن يعبر عن آرائه، وأن يمكن نقاده ومعارضوه من مناقشته والرد عليه.
على الأقل، فذلك هو الوضع الأمثل الذي تمنيت أن يتم التعامل به مع موضوعه. لكن يبدو أن الأمر ليس بهذه المثالية لأن خبر منع الدكتور أبوزيد من الدخول حظي باهتمام من بعض المثقفين، الذين سجلوا احتجاجهم على ذلك في بيان أصدروه، وتعليقات عدة نشرتها الصحف المصرية.

وأثار انتباهي أن هؤلاء لم يسمع لهم صوت ولم يصدر عنهم أي احتجاج حين نشرت الصحف خبر منع السلطات المصرية دخول الدكتور وليد الطبطبائي وهو أستاذ جامعي ونائب في مجلس الأمة الكويتي. ولم يكن لذلك من سبب سوى موقفه الفكري، لأن الرجل من أعضاء الكتلة الإسلامية في البرلمان، وهو ليس وحيدا في ذلك، لأن السلطات المصرية دأبت على منع دخول أمثاله من مختلف الأقطار العربية. خصوصا الخليجيين والأردنيين والفلسطينيين.

أدري ان الخطأ لا يبرر الخطأ، وأرجو ألا يظن أنني باستدعاء تلك الخلفية أقدم دفاعا عن قرار الحكومة الكويتية أو تبريرا لمسلكها. كما أرجو أن تكون قد لاحظت أنني في السطر الأول من كلامي سجلت اعتراضي على مبدأ منع المثقفين من دخول مختلف الأقطار العربية، علما بأنني أحد الممنوعين من دخول تونس منذ أكثر من عشر سنوات.

لكنني مما عرضت أردت أن ألفت إلى أمرين،
أولهما أن بيتنا من زجاج في هذه المسألة، فمصر سباقة في عملية المنع. وما فعله الآخرون أنهم ساروا على دربها وقلدوها.
الأمر الثاني أن موقف المثقفين الناشطين من مثل هذه الأحداث يتأثر بالتحيزات الفكرية لأطرافها، ولا ينطلق من مواقف مبدئية.
وفي الحالة التي نحن بصددها فإنه لا تفسير لحملة التضامن مع الدكتور نصر أبوزيد والانتصار له والسكوت على ما جرى للدكتور وليد الطبطبائي وأمثاله سوى أن الأول ينتمي إلى الفريق العلماني في حين أن الآخرين ينتمون إلى أصحاب التوجه الإسلامي.

وليست هذه هي الحالة الوحيدة لأن المفارقة ذاتها أوضح ما تكون في مواقف منظمات حقوق الإنسان التي يهيمن العلمانيون على أغلبها. فإذا داست أجهزة الأمن على طرف واحد من جماعتهم، فإنهم يهبون معبرين عن الاحتجاج والغضب وتتعالى أصواتهم منددة بالمساس بحريته وانتهاك حقوقه التي كفلها ميثاق حقوق الإنسان.
أما الاعتقالات التي تتم بصورة أسبوعية بحق الطرف الآخر. والمحاكمات العسكرية التي يقدمون إليها، والاحتجاز غير القانوني للمئات منهم الذين انتهت محكومياتهم. وغير ذلك من إجراءات المداهمة والمصادرة وخراب البيوت، ذلك كله إما أن يغض الطرف عنه وإما أن يشار إليه من باب رفع العتب وسد الخانة.

وحتى نكمل الصورة فإن هذا الاستقطاب يتجاوز الأنشطة المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان ليصل إلى مختلف مجالات النشاط الثقافي التي يقوم عليها غلاة العلمانيين. إذ أصبح تحيزهم مكشوفا لصالح جماعتهم، وغدا إقصاء أصحاب التوجه الإسلامي من عضويتها فضلا عن حرمانهم من جوائزها بمنزلة ظاهرة عامة.
والحاصل في منح جوائز الدولة كل عام خير دليل على ذلك. وما جرى في توزيع تلك الجوائز في العام الأخير بوجه أخص كان معبرا عن فجاجة ذلك التحيز. وهو ما سبق أن أشرت إليه في هذا المكان. فيما كتبته تحت عنوان «
مبدعون ممنوعون من الصرف».

غني عن البيان أن مثل هذه الممارسات لو صدرت عن المتدينين لكانت إدانتهم واجبة أيضا. لكن الحاصل أن حملة الإقصاء حالت دون اختبارهم في المواقع التي أصبحت حكرا على غيرهم.

ان الحرب الباردة انتهت بين الدول الكبرى فقط، لكنها لم تتوقف على مستويات أخرى، المثقفون في الصدارة منها.
.....................

22 ديسمبر، 2009

الحاجز النفسي مع سورية

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 6 المحرم 1431 – 23 ديسمبر 2009
الحاجز النفسي مع سورية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_22.html


بعد أيام قليلة من عودته من جولته الأوروبية، قام الرئيس حسني مبارك بجولة أخرى خليجية شملت الإمارات العربية المتحدة والكويت والسعودية.

ولا أعرف ما إذا كانت هناك صلة بين الجولتين أم لا. لكن الذي ألاحظه أن تحركات الرئيس مبارك على مدى العام أصبحت تتراوح بين زياراته لبعض الدول الأوروبية وبعض الدول الخليجية.
أما زياراته السنوية للولايات المتحدة، فقد توقفت منذ عدة سنوات في عهد الرئيس السابق جورج بوش، ثم استؤنفت هذا العام بعد تولي الرئيس باراك أوباما للسلطة.

لست من العارفين بما يجري في تلك الزيارات أو بغاياتها، لكني من المؤمنين بأن في الحركة بركة في كل الأحوال، بالتالي فليس لدي أي تحفظ أو تساؤل حول مبدأ الزيارات،
ولكن تساؤلي الوحيد منصبّ على نطاقها ووجهتها فقط، خصوصا ما كان منها داخل حدود العالم العربي، إذ الملاحظ أن دول المغرب والمشرق لم يعد يشملها برنامج الزيارات، هذا إذا استثنينا اللقاءات التي تتم بين الحين والآخر بين الرئيس مبارك، وكل من العقيد القذافي وملك الأردن،

ربما قيل إن دول المغرب اختارات موقف التباعد إزاء العالم العربي، وإن تونس لم يعد يهمها في العالم العربي سوى انتظام اجتماعات وزراء الداخلية العرب على أراضيها، بعدما أصبحت تونس العاصمة هي المقر الدائم لهؤلاء الوزراء، الذين توافقوا على أنها أنسب الساحات لأنشتطهم.

لكن ذلك يظل سببا غير مقنع من وجهة نظر الداعين إلى لمّ الشمل العربي، أو الذين يدّعون ريادة للعالم العربي، إذ حتى إذا آثر قادة تلك الدول أن يتباعدوا عن هموم العرب ـ رغم أن المغرب يرأس لجنة القدس ـ فإن من مسؤولية الحريصين على لمّ الشمل أو الذين يتحدّثون عن الريادة ألا يكفوا عن مد الجسور معهم وجذبهم، على الأقل من خلال تعزيز المصالح المشتركة، وهو الباب الذي دخلت منه تركيا إلى دول المغرب خلال السنوات الأخيرة، وبمقتضاه أصبح الوجود التركي في تلك الدول أقوى من الحضور المصري.
(للعلم: أثناء زيارة رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان لليبيا قبل أربعة أسابيع تم الاتفاق على إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين).

في المشرق، لدى مصر مشكلة مع سورية تراكمت أسبابها حتى كادت تتحول إلى عقدة، أرجو ألا تكون قد وصلت إلى درجة الاستعصاء على الحل. صحيح أن ثمة مشكلة أخرى مع قطر، لكنها تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية، لأننا تعلمنا من خبرات سابقة أن العمل العربي المشترك يقوم على ثلاثة أعمدة تمثلها مصر وسورية والسعودية. وتصدع أو انكسار أي واحد من تلك الأعمدة من شأنه أن يصيب العمل العربي بالإعاقة إن لم يكن بالشلل.

عند أهل السياسة ليست هناك مشكلة لا حل لها. وهو ما أثبتته تركيا عمليا، التي رفعت منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002 شعار «زيرو مشاكل»، بمعنى التصفية الكاملة لكل المشاكل التي تعترض علاقاتها في الخارج، وحققت في ذلك نجاحا مدهشا، خصوصا مع سورية، التي كانت على وشك الدخول في حرب معها، ومع أرمينيا رغم الدماء التي تجلل الذاكرة التاريخية بين البلدين، ومع اليونان التي لا تحمل لها ودا منذ المرحلة العثمانية وحتى إقامة قبرص التركية.

لقد بذل العاهل السعودي جهدا لتحقيق المصالحة بين مصر وكل من سورية وقطر في شهر مارس الماضي، لكن ذلك الجهد لم يحقق المراد منه، في الوقت ذاته فإن السعودية قطعت شوطا في مصالحاتها مع سورية وليبيا وقطر، ولكن العقدة المصرية ـ السورية ظلت على حالها.

إن اختلاف السياسات أمر مفهوم، وهو في الحالة التي نحن بصددها يدور حول الموقف من السياسة الأميركية ومن القضية الفلسطينية، والامتحان الحقيقي يتمثل في كيفية إدارة ذلك الخلاف، بحيث لا يقطع حبال المودة ولا يغلق الباب أمام تبادل المصالح المشتركة.

لقد عمل الرئيس السادات على إزالة ما سماه بالحاجز النفسي بين مصر وإسرائيل، وها نحن قد تراجعنا كثيرا وصرنا نتمنى إزالة الحاجز النفسي بين مصر وسورية والعزلة النسبية لمصر عن ساحة الثقل الحقيقي..
يا ويلاه!
..............

21 ديسمبر، 2009

عقد تفكيك العرب – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 5 المحرم 1431 – 22 ديسمبر 2009
عقد تفكيك العرب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_21.html


يتفاءلون في العالم الغربي بالعام الجديد، لكننا في العالم العربي لا نكاد نجد سببا للتفاؤل نتعلق به، لأن المستقبل أمامنا يبدو معتما ومحفوفا بالمخاطر.
(1)
ثمة مراهنات في العواصم الغربية على امكانية عبور مرحلة الخطر في الأزمة الاقتصادية. ويتوقع الرئيس باراك أوباما أن يكون العام الجديد «سنة الحسم والاستحقاق» في أفغانستان والعراق والشرق الأوسط.
وسواء صدقت تلك التوقعات أم خابت، فالقدر الثابت أن الذين يطلقونها يراهنون على مؤشرات توفر لهم بصيصا من الأمل يرونه في العام الجديد.
والمشكلة عندنا في العالم العربي أن المؤشرات التي نراها بأعيننا تقلقنا على المستقبل بأكثر مما تطمئننا عليه، ومن ثم فانها تشيع بيننا الاحباط واليأس بأكثر مما تجدد فينا الأمل أو تقوي من العزم.
لعلي لا أبالغ اذا ما قلت ان الأمة الاسلامية اذا كان انفرط عقدها في بدايات القرن العشرين، بالغاء الخلافة وسقوط فكرة الجامعة الاسلامية، ومن ثم بروز فكرة الجامعة العربية والدعوة الى القومية العربية، فان القرن لم يكد ينتهي حتى تم تفكيك الرابطة العربية بدورها
. واذا بنا ندخل الى القرن الواحد والعشرين وقد انحلت تلك الرابطة وانهارت فكرة الجامعة العربية وتبخر معها حلم الوحدة العربية.
وفي العشرية الأولى من القرن الجديد وجدنا أنفسنا أسرى فكرة القطرية، التي رفعت شعار «أنا أولا» في أغلب عواصم العرب، ووصلنا في التردي الى درجة جعلتنا نحاول جاهدين الحفاظ على وحدة الأوطان ذاتها، التي صارت كياناتها في خطر كما سنرى بعد قليل.
ومن مفارقات الأقدار وسخرياتها أننا ونحن نمر بمرحلة ما بعد تحلل الجامعة العربية (أرجو أن تلاحظ أنني أقصد الرابطة العربية وليس المنظمة القائمة في مصر) نكرر مشاهد ما بعد سقوط الجامعة الاسلامية، رغم أن هناك خلافا في الشكل والتفاصيل بين الحالتين.
ذلك أن صفحة الجامعة الاسلامية كانت قد طويت من الناحية السياسية حين ألغيت الخلافة الاسلامية التي كانت رمزا لتلك الجامعة بقرار معلن من الحكومة التركية في عام 1924.
أما في الوقت الراهن فلا تزال الجامعة العربية قائمة، لكنها تحولت من رابطة تجمع شعوب الأمة، الى منظمة قائمة تحمل الاسم ومعطلة الوظيفة.
بعد الغاء الخلافة أعلن الشريف حسين ملك الحجاز في العام ذاته نفسه خليفة للمسلمين، وأيدته في ذلك الأردن والعراق وفلسطين وسوريا، في حين عارضته مصر لأن القرار لم تستشر فيه الدول الاسلامية.
ودخل الأزهر على الخط حين رشح الملك فؤاد للخلافة ودعا الى مؤتمر حضره 30 مندوبا يمثلون الشعوب الاسلامية، ولكن المؤتمر لم يتوصل الى اتفاق حول الموضوع، واقترح عقد مؤتمر موسع لهذا الغرض، لكن الاقتراح لم ينفذ مما أدى الى موت الفكرة واغلاق الملف.
هذه الخلفية تذكرنا بالاستقطاب الحاصل الآن في العالم العربي، منذ استقالت مصر عمليا من موقع القيادة في العالم العربي حين عقدت صلحها المنفرد مع اسرائيل في كامب ديفيد عام 1979، الأمر الذي أدى الى انفراط العقد العربي وتعطيل مؤسسة القمة العربية.
وبمضي الوقت لم يعد العرب أمة واحدة. وانما صاروا أمما شتى. في المشرق أصبح لدينا متصالحون مع الولايات المتحدة واسرائيل تقدمتهم مصر، وممانعون تقدمتهم سوريا. ومحتلون في العراق وفلسطين. وفي المغرب آثر بعضهم الانعزال كما في المغرب وتونس، والهروب الى الاطار الأفريقي كما في ليبيا.
وكانت النتيجة أننا حافظنا في الشكل على هيئة الأمة التي حاصرناها في مقر الجامعة بالقاهرة. ولم نسمح لها بالخروج الى الشارع العربي. الذي مزقته القطرية حتى أصبح شوارع عدة. متقاطعة فيما بينها ومتعاركة أحيانا.

(2)

مع دخول القرن الواحد والعشرين سقط مصطلح «العمل المشترك» من قاموس الخطاب السياسي العربي. وتحولت كل صياغاته الى أضغاث أحلام غير قابلة للتحقيق، من السوق العربية المشتركة الى الدفاع المشترك.
أستثني من ذلك ميدانا واحدا هو الأمن، الذي أصبح التعاون العربي فيه من ضرورات تأمين الأنظمة. بمعنى أن الدول العربية اضطرت الى التنسيق فيه حيث لم يكن أمامها خيار آخر. وينتابني شعور بالخزي حين أضيف أن بعض الدول العربية مدت جسورا للتنسيق مع اسرائيل والولايات المتحدة في هذا المضمار أيضا، باسم الضرورات الأمنية.
حين غاب المشترك فان «الانكفاء» صار سيد الموقف وعنوانا رئيسيا لمرحلة ما بعد التفكيك التي كرست الظاهرة القطرية وأدت الى اضعاف الجميع. ومن ثم استصحبت الفواجع التي نشهدها الآن، جراء الاستفراد بكل قطر على حدة.
وكانت النتيجة التي يراها كل ذي عينين الآن، أن الكلمة العليا في العالم العربي ــ بل والأخيرة أيضا ــ أصبحت للولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل.
صحيح أن موازين القوى الدولية تغيرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، مما مكن الولايات المتحدة من الاستقواء وبسط هيمنتها على عالم الضعفاء بوجه أخص. لكن العامل الذي لا يقل أهمية عن ذلك أننا بدورنا تغيرنا، ومن ثم أتحنا فرصة التمكين لقوى الهيمنة والاستعلاء،
المدهش أن ذلك حدث متزامنا مع تنامي القوة الاقتصادية للعالم العربي، الأمر الذي اذا لم يوفر لقياداته القدرة على الضغط لتحصيل الحقوق، فانه يمكنها على الأقل من الثبات والصمود أمام رياح التفكيك والاقتلاع. وهو ما لم يتحقق على هذا الصعيد أو ذلك.
في ختام السنوات العشر الأولى من القرن الجديد برزت في خريطة العالم العربي المعالم التالية:
* الغياب التام للمشروع العربي مع تنامي حضور المشروعين التركي والايراني.
* تراجع أولوية القضية الفلسطينية التي سلم ملفها الى الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أطلق يد اسرائيل في الاستيطان والتهويد والاستعلاء.
* التهوين من شأن الخطر الاسرائيلي والدفع باتجاه ترشيح ايران لتنصيبها عدوا للعرب وخطرا أول يهدده.
* استهجان مقاومة العدو الاسرائيلي واستمرار محاولات اضعافها والقضاء عليها، بالتنسيق الأمني مع اسرائيل حينا، والقمع والملاحقة الداخليين في أحيانا أخرى كثيرة. وهذا الاستهجان وصل الى حد اشتراك بعض الدول العربية في حصار المقاومين في غزة وتجويعهم.
* اتساع نطاق الخصومات بين بعض الأنظمة العربية: فمصر أصبحت في خصومة مع سوريا ومع الجزائر مؤخرا. وعلاقاتها مع قطر يسودها توتر لم تهدأ وتيرته منذ بداية العام. والقطيعة مستمرة بين الجزائر والمغرب بسبب قضية الصحراء. والاشتباك قائم بين سوريا والعراق بعد اتهام دمشق بالضلوع في تفجيرات بغداد. والتوتر يسود العلاقات الكويتية ــ العراقية بسبب قضية التعويضات. وثمة توتر مكتوم بين دولة الامارات والسعودية بسبب الحدود.
* الصومال شاعت فيه الفوضى وانهارت الدولة. وهناك أقطار عربية أخرى مهددة بالانفراط. فالحديث جاد عن استقلال جنوب السودان عن شماله والأكراد استقلوا عمليا عن العراق ولم يتبق غير الاشهار القانوني. واليمن في مأزق، بسبب الاضطرابات الداعية الى الانفصال في الجنوب، وقتال الحوثيين المستمر منذ خمس سنوات في الشمال، والذي تورطت فيه السعودية مؤخرا، حتى أصبح البعض يتحدث عن «صوملة» اليمن وانفراطه الى عدة دويلات.
* ارهاصات الفتنة تلوح بين الحين والآخر، بين الأقباط والمسلمين في مصر، وبين الشيعة والسنة في أكثر من قطر عربي، وبين العرب والبربر في الجزائر والمغرب، وبين الفلسطينيين والأردنيين في الأردن، الذي يعيش وضعا سياسيا يفتقد الى الاستقرار.

(3)

منذ صار العالم العربي سفينة بلا ربان، فانه ضل طريقه وراح يتخبط ذات اليمين وذات الشمال. ولا أعرف صلة ذلك كله بحكاية «الفوضى الخلاقة» التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة يوما ما،
لكن الذي لا يساورني شك فيه أن دعاة تلك الفوضى لم يعودوا بحاجة لكي يبذلوا أي جهد لتحقيق مرادهم، لأن ما يفعله المسؤولون العرب بأنفسهم وبقضاياهم يغنيهم عن بذل ذلك الجهد ويستجيب لما تمنوا أن يشيعوه بيننا من شرور ومفاسد.
ما يثير الانتباه في هذا الصدد أنه بعد تمام التفكيك وفي ظل الاطمئنان الى انهيار النظام العربي فان قوى الهيمنة التي أسعدها ما حل بنا ما برحت تتلاعب بمصير الأمة وتتحايل على تكريس انفراطها وطمس هويتها.
وكانت فكرة الشرق الأوسط الجديدة تارة والكبير تارة أخرى من تلك الصياغات المفخخة التي تضرب عصفورين بحجر واحد.
فهي من ناحية تستبعد الهوية العربية والاسلامية للأمة،
ومن ناحية أخرى، تفتح الباب لاقحام اسرائيل وتعزيز شرعيتها في المنطقة. (
الشرق الأوسط «الجديد» فكرة اسرائيلية أطلقها شمعون بيريز و«الكبير» تطوير أمريكي لها دعت اليه ادارة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر)، بعد ذلك ظهرت فكرة الشراكة الأورومتوسطية لتشكل بابا آخر من أبواب الغواية، وأخيرا خرج علينا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في عام 2007 بمشروعه «الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي ضم 43 دولة بينها تسع دول عربية.
في حين لا يملون من محاولات تكريس التفكيك والشرذمة، فان الجهد العربي بدا متخبطا وهزيلا. فمؤتمرات حوار الأديان والحضارات التي رعتها السعودية استغلت سياسيا لغير صالحنا سواء حين حضرها الاسرائيليون واعتبرت بابا للتطبيع، وبعدما وجدنا تنامي الشعور المعادي للمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة الذي بدد أثر ذلك الجهد وأثبت فشله. وهو ما تجلى في حظر المآذن بسويسرا، ومنع الحجاب في فرنسا والترحيب بمثل هذه الاجراءات في بقية دول القارة.
لم يكن ذلك هو الفشل الوحيد الذي منينا به، لأن محاولات رأب التصدعات العربية لم تحقق ما كان مرجوا من نجاح. وهي التي قامت السعودية بدور محوري فيها. أقصد اجتماع المصالحة الرباعي الذي دعا اليه العاهل السعودي في الرياض. عقب افشال مؤتمر القمة الذي دعت اليه قطر بسبب العدوان الاسرائيلي على غزة. وحضره الرئيسان المصري والسوري وأمير الكويت، ولم يدع اليه أمير قطر. وكذلك المصالحة السعودية ــ السورية التي مررت الحكومة اللبنانية، والمصالحة السعودية ــ الليبية التي أسفرت عن فض الاشتباك بين البلدين.

(4)

أختم بملاحظتين على كل ما ذكرت
. الأولى أن كلامي كله منصب على الأنظمة بالدرجة الأولى، التي أثبتت الأحداث أنها على مسافات كبيرة من شعوبها، التي لايزال الأمل فيها قائما. فالتفاف الشعوب حول المقاومة لا شك فيه، وموقفها من حصار غزة يشهد لها باليقظة والوعي وحتى اذا كان وعي البعض قد تم تشويهه، فذلك راجع الى فساد التعبئة الاعلامية التي تحترم سياسات العزلة والانكفاء.
الملاحظة الثانية ليست من عندي، ولكني أقتبسها من نص محاضرة ألقاها في لندن المثقف اللبناني البارز الدكتور غسان سلامة، أمام مؤتمر الشرق الأوسط دعت اليه صحيفة هيرالد تريبيون في شهر أكتوبر الماضي.
اذ ذكر أنه رغم أن النداءات لتوحد العرب أصبحت فارغة فراغا رهيبا، والكلام عن وحدتهم بات من التاريخ. مع ذلك فاننا حين ننظر بتمعن نجد تحت كل هذا الانقسام يختبئ قدر كبير من الاندماج الثقافي فالكتب الأكثر مبيعا في بيروت ألفها كتاب مغربيون والمغنون اللبنانيون معروفون في القاهرة والجزائر والعرب يشاهدون الشبكات التليفزيونية الفضائية الـ500 نفسها ومعظمهم يحبذ رجال الدين أنفسهم، من ناحية أخرى، القاعدة هي ظاهرة اقليمية على غرار غالبية التكتيكات المناهضة لها.
وأبدا لم تقسم السياسة العرب بقدر ما تقسمهم اليوم، لكن الثقافة العربية التي تحركها وتعممها الوسائل الاعلامية الجديدة لم تجمعهم من قبل بشكل عميق كما هي الحال اليوم، لذلك يمكننا ان نقول ان السوق السياسية العربية منقسة تماما والسوق الاقتصادية مندمجة جزئيا، والسوق الثقافية والفكرية متكاملة الى حد كبير يفوق السوق الثقافية الأوروبية حتى.
هذه خلاصة أوافق عليها الدكتور غسان سلامة. وقد وجدتها شهادة ادانة للنظام العربي، من حيث انها تعني ان الوفاق العربي تحقق في الفضاء بأكثر مما تحقق على الأرض. ولا فضل للأنظمة العربية في ذلك، لان ذلك الوفاق حدث على صعيد بعيد عن سلطانها. والمؤكد أنها لو طالته لأفسدته!
..................

20 ديسمبر، 2009

ضميرهم الذي مات

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 4 المحرم 1431 – 21 ديسمبر 2009
ضميرهم الذي مات – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_20.html


طوال الشهر الماضي ظلت الصحف الغربية تتابع قصة الناشطة الصحراوية أميناتو «أمينة» حيدر، التي كانت مضربة عن الطعام في جزر الكناري،
وكانت السيدة أمينة (42 سنة) قد عادت من الولايات المتحدة الأميركية في منتصف نوفمبر الماضي، بعدما تسلمت هناك جائزة للدفاع عن حقوق الإنسان.
وفي مطار الرباط رفضت الاعتراف بجنسيتها المغربية وجواز سفرها، معبرة بذلك عن تضامنها مع جبهة «البوليساريو» الداعية إلى الانفصال عن المغرب وإقامة الجمهورية الصحراوية، في المنطقة بين المغرب والجزائر.
رفضت سلطات مطار الرباط إدخالها وقامت بترحيلها إلى جزر الكناري. وهناك أضربت عن الطعام احتجاجا على منعها من الدخول إلى المغرب والوصول إلى بلدتها «العيون» أكبر المدن الصحراوية.

ذاع الخبر في الصحافة الغربية، التي ظلت تتابع حالتها الصحية خصوصا بعد تدهورها ونقلها إلى أحد المستشفيات لعلاجها. وبين الحين والآخر كانت الصحف تنقل تصريحات لمتحدثة باسمها «ايدي ايسكوبار» حول حقها في العودة إلى المنطقة الصحراوية، التي نشأت فيها. إضافة إلى تصريحات الأطباء، الذين ظلوا يتابعون حالتها الصحية.

من تلك التقارير عرفنا أن عمرها ٤٢ سنة، ولديها ولدان أكبرهما اسمه محمد وعمره 13 سنة، وأن شقيقتها ليلى حيدر وصلت إلى جزر الكناري لتكون إلى جوارها. وأن لجنة لدعم حقها في العودة إلى بيتها شكلت في إسبانيا. وهذه اللجنة ما برحت تزود وسائل الإعلام الإسباني بتطور حالتها، من خلال متحدث باسمها هو فرناندو بيرايشا..
ومن هذه التقارير عرفنا أنها بعد منتصف ليلة الأربعاء الماضي أصيبت بغثيان وإعياء شديدين، وأنها نقلت إلى قسم العناية المركزة في المستشفى، وأن الأطباء أعطوها مهدئات لتخفيف الأوجاع الشديدة التي عانت منها.

هذه المتابعة الدقيقة لأوضاعها الصحية ظلت تتم بصورة شبه يومية على نحو شغل الرأي العام الغربي بقضيتها. وفي الوقت ذاته كانت بعض العواصم الغربية تجري اتصالاتها مع الحكومة المغربية للسماح للسيدة أمينة بالعودة إلى بيتها وأسرتها في مدينة العيون.

بوجه أخص فإن فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة ظلت مشغولة بالموضوع، كما أجرت السيدة هيلاري كلينتون ووزير الخارجية الإسباني ميجيل موراينتوس اتصالات أخرى مع الرباط.
في الوقت ذاته فإن مسؤولي الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة كانوا يتابعون ملف العودة المأمولة.

هذه الجهود الإعلامية والديبلوماسية تكللت بالنجاح أخيرا. فأعلن قصر الإليزيه مساء الأربعاء الماضي (16/12) بيانا قال فيه إن الرئيس الفرنسي طلب شخصيا من السلطات المغربية في 15 من الشهر الحالي تسليم السيدة حيدر جواز سفر لدى عودتها إلى «الأراضي المغربية».
وأضاف البيان أن العاهل المغربي أبلغ الرئيس الفرنسي بعد يومين من استقباله وزير الخارجية المغربي قبول الدولة المغربية لطلبه وأسدل الستار على القصة حين عادت السيدة أمينة إلى «العيون» على متن طائرة طبية خاصة قادمة من جزر الكناري، حيث لقيت استقبالا حافلا لدى عودتها إلى أسرتها ومدينتها الصحراوية.

لا يستطيع المرء أن يخفي دهشته وشعوره بالغبن والاشمئزاز حين يقع على شواهد ذلك الاهتمام الكبير من جانب صحافة الغرب وساسته بإعادة السيدة الصحراوية إلى بيتها ومدينتها،
ثم يقلب الصفحات في الجرائد ذاتها لتقع عيناه على صور الفلسطينيين في القدس وهم يطردون من بيوتهم بالقوة لكي يستولي عليها المستوطنون. ومنهم من هدمت بيوتهم فافترشوا الأرصفة وراحت نساؤهم يصرخن أمام المصورين. ذلك بخلاف الألوف الذين هدمت بيوتهم في العدوان على غزة وأصبحوا بلا مأوى منذ بداية العام.

حين نجري المقارنة بين لا مبالاة الدول الغربية بطرد الفلسطينيين من بيوتهم أو هدم تلك البيوت فوق رءوس أصحابها، وبين الضجة التي حدثت لإعادة الناشطة الصحراوية إلى بيتها، فلا يسعنا إلا أن نقول بأن الضمير الغربي مات في الدوائر السياسية الغربية إزاء الموضوع الفلسطيني،
وأخشى أن يكون الضمير العربي ماضيا في الاتجاه ذاته.
......................

19 ديسمبر، 2009

القضاء إذا استقل

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 3 المحرم 1431 – 20 ديسمبر 2009
القضاء إذا استقل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_1806.html


اشتهر آصف علي زرداري في التسعينيات بأنه «السيد عشرة في المائة»، بعدما شاع عنه أنه يتلقى هذه النسبة من رجال الأعمال وأصحاب المصالح الذين يقصدونه أملا في الحصول على عقود تجارية وإبرام صفقات مع حكومة إسلام أباد.
ذلك أن موقعه كزوج لرئيسة الوزراء آنذاك بي نظير بوتو مكنه من أن يمارس نفوذا واسعا في دوائر الحكومة،
فذاع صيته وتضخمت ثروته. وبمضي الوقت فاحت رائحة فساده، الأمر الذي انتهى بإيداعه السجن حين تركت زوجته منصبها، حيث أمضى هناك أحد عشر عاما.

حين تمكن الجنرال برويز مشرف من السلطة في عام 2001 ورضخ للابتزاز والتهديدات الأميركية التي أعقبت وقوع أحداث 11 سبتمبر، فإن سياساته أثارت قلق الأحزاب، وإجراءاته التي انفرد بها أثارت حفيظة رجال القانون والقضاء. فما كان منه إلا أن قمع الأحزاب وأصدر أمره بعزل رئيس المحكمة العليا التي ألغت بعض قراراته،

وحين أدى ذلك إلى إثارة الرأي العام ومورست ضده ضغوط داخلية وخارجية عدة لإجراء انتخابات عامة لإعادة الحياة السياسية المدنية إلى مجراها الطبيعي، فإنه لجأ إلى مصالحة السيدة بي نظير بوتو التي كانت قد غادرت البلاد وتوزعت إقامتها بين دبي ولندن، مفضلا عقد صفقة لتقاسم السلطة معها.
وكان من بين بنود الصفقة التي تمت عام 2007 اطلاق سراح زوجها المسجون على ذمة قضايا الفساد، من خلال إصدار قانون وصف بأنه لـ«المصالحة الوطنية»، الذي بمقتضاه تم العفو عن عدد كبير من المتهمين والمحكومين في قضايا فساد (قيل إنهم 2500 وقيل مرة ثانية إنهم ثمانية آلاف)، وهؤلاء كانوا خليطا من السياسيين ورجال الأعمال.

عادت بي نظير بوتو إلى إسلام أباد بعد ذلك العقد. واستأنفت نشاطها السياسي إعدادا لخوض الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في عام 2008. لكنها اغتيلت بعد أشهر قليلة من وصولها. فرأس حزب الشعب الذي كانت تقوده، زوجها آصف زرداري. وحين فاز الحزب بأغلبية الأصوات فإن الزوج أصبح رئيسا للجمهورية.

كان ذلك مفاجئا للطبقة السياسية وللمثقفين الذين لم ينسوا سجل الرجل الحافل بالفساد، لكنهم رضخوا لنتائج الانتخابات الديموقراطية التي أدت إلى تراجع نفوذ العسكر في القرار السياسي، وأسفرت عن تنشيط الحياة السياسية والمدنية.

لكن زرداري «الرئيس» ظل يسوف في إعادة رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار محمد شودري إلى منصبه. إلا أنه اضطر للرضوخ في النهاية أمام ضغوط رجال الهيئات القضائية والمحامين ومعهم منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
ومنذ عاد إلى وظيفته، قاد الرجل حملة مكافحة الفساد الذي استشرى في البلد. وشرع في تجريد الرئيس زرداري من صلاحياته، ثم عكف مع قضاة المحكمة العليا السبعة عشر على دراسة قانون المصالحة الوطنية سابق الذكر.

وقرر القضاة بالإجماع بطلان القانون وإلغاء كل الآثار المترتبة عليه، وأهمها العفو الذي شمل رموز الفساد جميعا، وعلى رأسهم «الرئيس» آصف زرداري، ووزيرا الداخلية والدفاع في الحكومة الحالية.
في الوقت ذاته فإن المحكمة العليا أصدرت أمرا بمنع 248 مسؤولا من السفر إلى خارج البلاد (وزير الدفاع منع من السفر إلى الصين، ووزير الداخلية صدر أمر باعتقاله)

وتلك مجرد بداية فقط لأن إلغاء العفو من شأنه أن يحرك قضايا ودعاوى لا حصر لها ضد الرئيس وأعوانه وغيرهم من الضالعين في مختلف صور الفساد واستغلال السلطة.
وفي اللحظة الراهنة لا يحول دون محاكمة زرداري سوى حصانة منصبه كرئيس للجمهورية، بعدما رفعت عنه الحصانة التي منحها إياه قانون المصالحة الوطنية. والضغوط تتزايد الآن لإجباره على الاستقالة بعدما انفتح ملف فضائحه وسوابقه.
(للعلم فإن الرئيس زرداري متهم بتلقي رشاوى في التسعينيات بقيمة 1.5 مليار دولار،
وبغسل أموال في بنوك سويسرا قيمتها 60 مليون دولار.
ووزير الداخلية متهم بالاحتيال في مسألة النفط مقابل الغذاء مع الرئيس العراقي صدام حسين بمبلغ 150 مليون دولار.
ووزير ما وراء البحار يواجه 23 تهمة، بينها خمس جرائم قتل).

أتابع المشهد في باكستان يوما بعد يوم، مقدرا الجهد الذي تبذله المحكمة العليا وقضاتها المستقلون لمقاومة الفساد وتحدي رموزه مهما علا مقامهم.

وفي متابعة ذلك المسلسل المثير استعيد باستمرار وقائع الحرب الشرسة التي استهدفت إقصاء ومحاصرة دعاة استقلال القضاء في مصر.

وأكاد ألمح الذين شنوا تلك الحرب وهم يقرأون صحف الصباح، ثم يتبادلون النظرات ذات المغزى، ويهنئون بعضهم بعضا على ما أنجزوه.
......................

التلاميذ عاقبوا مدرسهم!

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 2 المحرم 1431 – 19 ديسمبر 2009
التلاميذ عاقبوا مدرسهم! - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_19.html


انهال تلميذان بالضرب على معلم الفصل لأنه منعهما من استخدام الهاتف المحمول داخل قاعة الدرس. وهو ما أسفر عن كسر أنف المعلم بعدما تلقى منهما لكمات قوية فى الوجه. مدير المدرسة قرر وقف التلميذين.
أما المدرس منصور عبدالحميد (32 سنة) فإنه تقدم ببلاغ إلى مدير الأمن لإثبات الواقعة. القصة نشرتها صحف الأربعاء 16/12 التى ذكرت أن ذلك حدث فى مدرسة أبوتشت الثانوية التجارية فى محافظة قنا، وأوردت اسمى التلميذين ورقم المحضر، وأشارت إلى أن الاعتداء على المدرس وكسر أنفه اعتبر جنحة وليس جناية.
استوقفنى الخبر من جوانب عدة.
ذلك أننا ــ فى زمننا على الأقل ــ كنا نعرف أن المعلم هو الذى يؤدب التلاميذ ويربيهم، لكننا فى هذه الواقعة وجدنا أن التلاميذ عاقبوا المدرس وأهانوه.

ثم إن ذلك حدث فى الصعيد «الجوانى» الذى يمثل مجتمعا محافظا بحكم تركيبته التى يعرفها الجميع. وهذه المحافظة لها تجلياتها العديدة فى العلاقات الاجتماعية. خصوصا فيما يتعلق باحترام الصغار للكبار وتوقيرهم إلى الحد الذى يصل إلى حد تقبيل يد الكبار من جانب الصغار فى المحيط الأسرى.

من ناحية ثالثة فإننى لاحظت أن المشكلة اثيرت بسبب استخدام الهاتف المحمول فى قاعة الدرس. واستغربت أن يكون المحمول مسموحا به، لأن اعتراض المعلم لم يكن على وجود الهاتف مع التلميذين، ولكن على استخدامه أثناء الدرس.

ووجدت أن ثمة مفارقة فى منع المنتقبات من دخول الجامعات والمعاهد والسماح للتلاميذ بحمل الهواتف فى فصول الدراسة، مع أن الضرر فى الحالة الثانية أكبر منه فى الحالة الأولى.
ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن ثمة خصومة متعددة الأسباب مع النقاب ــ الذى لا أؤيده لكنى أدافع عن حق أى واحدة فى ارتدائه طالما أنه لا يعطل وظيفة أو يسبب ضررا ــ ولكن الهاتف محمول ضيف مرحب به، وربما قيل إن الأول منسوب إلى «الأصولية» المستهجنة فى حين أن الثانى من افرازات الحداثة المرحب بها.
لاحظت كذلك أن الحادث وقع فى مدرسة ثانوية تجارية، وهى معاهد التعليم الفنى الذى تتعامل معه وزارة التربية والمجتمع أيضا بازدراء ملحوظ، حيث يعتبر تعليما من الدرجة الثانية، يمكن أن يتخرج التلميذ منه ويحمل شهادته دون أن يجيد القراءة والكتابة (ذلك حدث فى الفيوم) ورغم أهمية دوره للمجتمع إلا أنه مخصص للفقراء والفاشلين دراسيا.
لاحظت أخيرا أن ضرب المعلم وكسر أنفه اعتبر جنحة عادية، ولا أعرف ما ان كان ذلك قد أدى إلى إصابة المعلم بعاهة مستديمة أم لا، لأن ذلك يحول الجنحة إلى جناية.
لكن ذلك كله فى كفة وجرأة التلاميذ على ضرب المدرس فى مجتمع محافظ ــ أو حتى إذا لم يكن محافظا ــ تظل فى كفة أخرى، إذ هى حدث جلل ما خطر ببال أحد يوما ما. إذ هو رمز للاستخفاف به والتهوين من شأنه، ومن ثم إضعافه وإهدار قيمته أمام التلاميذ، ولا أعرف لماذا يستمر السكوت على ذلك الملف، الذى يمثل أحد أركان نجاح العملية التعليمية، التى هى وثيقة الصلة بصناعة المستقبل.
لقد بحت أصوات المعنيين بالتربية والتعليم وبمستقبل البلد من الدعوة إلى إعادة النظر فى النظام التعليمى الذى ادى إلى إضعاف المدرس أمام التلاميذ، حتى أصبح هو فى حاجة إليهم وليس العكس. فهم وليس الحكومة الذين يساعدونه على أن يعيش حياة كريمة توفر له احتياجات أسرته من خلال الدروس الخصوصية ولذلك فإن المدرس أصبح من يسترضى التلاميذ ويهابهم. وحين حدث ذلك انكسر حاجز التبجيل والاحترام له، وانفتح الباب لمختلف صور التدهور فى العلاقة على النحو الذى شجع بعض التلاميذ على الاعتاء بالضرب على المدرس وكسر أنفه.
إن المعلم أصبح ضحية لكارثتين وليس كارثة واحدة.
الأولى الانقلاب الحاصل فى منظومة القيم الاجتماعية السائدة وترتب عليه إلى تقديم السلبى منها على ما هو إيجابى مما أدى إلى تراجع قيمة العلم والتفوق فى تحديد المكانة.
والثانى تدهور النظام التعليمى الذى أهانه وازدرى به. وحين يحدث ذلك فإن اعتداء بعض التلاميذ على معلمهم بالضرب لا يصبح أمرا مستغربا.
.......................

17 ديسمبر، 2009

مجرمو الحرب صاروا (أصدقاءنا)

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 30 ذو الحجة 1430 – 17 ديسمبر 2009
مجرمو الحرب صاروا (أصدقاءنا) - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_17.html


قارئ الصحف المصرية ربما لاحظ أنها أبرزت على صفحاتها الأولى يوم الثلاثاء الماضى (15/12) خبر الأمر القضائى الذى صدر فى إنجلترا بالقبض على وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبى ليفنى بتهمة ارتكابها جرائم حرب، باعتبار أنها من المسئولين عن العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة.
وكانت وكالات الأنباء قد ذكرت أن محكمة ابتدائية بريطانية أصدرت هذا الأمر، بعدما تقدم محامون بريطانيون بالتعاون مع جهات حقوقية فلسطينية بطلب اعتقال السيدة ليفنى ومحاكمتها كمجرمة حرب، مستندين فى ذلك إلى ما أثبته تقرير «جولدستون» من جرائم ارتكبتها القوات الإسرائىلية أثناء عدوانها على غزة.
كانت زعيمة حزب «كاديما» قد وصلت إلى لندن لإلقاء كلمة فى مؤتمر لإحدى المنظمات اليهودية، لكنها اختفت بعد ذلك. وقالت الوكالة إن قوة من الشرطة البريطانية تبحث عنها بجدية، وأن عددا من رجال الشرطة توجهوا إلى مكان انعقاد المؤتمر لاعتقالها. كما تمركز عدد منهم عند مدخل مبنى السفارة الإسرائيلية بلندن وفى المطارات خشية تهريبها إلى الخارج.
وبدا من الإجراءات المتخذة أن الحكومة البريطانية أصبحت فى موقف محرج سواء ألقت القبض عليها تنفيذا لأمر المحكمة، الأمر الذى سوف يسبب لها حرجا دبلوماسيا، أو إذا ما تسترت على عملية تهريبها إلى الخارج، لأنها فى هذه الحالة الأخيرة ستكون شريكة فى التغطية على ارتكاب قوات الاحتلال الإسرائيلى جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولى.
أغلب الظن أن الحكومة البريطانية ستحل الإشكال بصورة أو أخرى، لكن ما يهمنا فى القصة هو نجاح المحامين الإنجليز فى استصدار أمر من المحكمة بإلقاء القبض على السيدة ليفنى. وهو ما لا يستطيع المحامون العرب أن يقوموا به فى بلادهم «المتصالحة» مع إسرائيل أو تلك التى تقيم علاقات «عرفية» معها.
وللعلم فإن السيدة ليفنى قبل أن تذهب إلى لندن كانت فى زيارة للمغرب، وباستثناء الاحتجاجات التى نظمها فى الرباط بعض المؤيدين للحق الفلسطينى، فإنها قضت هناك ثلاثة أيام معززة مكرمة، كأى زائر برىء لم تتلطخ يده بالدم الفلسطينى. وما حدث فى المغرب متوقع فى أى دولة عربية أخرى من تلك التى حصلت على نيشان «الاعتدال»، لأنها تغض الطرف عادة عن مثل هذه الأمور.
وقد كان شمعون بيريز فى القاهرة قبل أسبوعين، واستقبله الرئيس حسنى مبارك، ولم يتحدث أحد عن مسئوليته عن جرائم الحرب التى وقعت فى غزة، وهو رئيس للدولة التى ارتكبت جرائم الحرب، بل إنه دافع عن ارتكاب تلك الجرائم علنا فى جلسة مؤتمر دافوس التى انسحب منها رئيس الوزراء التركى الطيب أردوغان.
هذا المشهد يستدعى السؤال التالى:
لماذا يتحرك مجرمو الحرب الإسرائيليون بحريتهم فى بعض العواصم العربية، فى حين تقلقهم بعض العواصم الغربية إلى الحد الذى يدفعهم إلى تجنبها أو الاختباء فيها؟..
ردى على ذلك من شقين،
الأول: إن السياسة عندنا فوق القانون، فى حين إنها عندهم تحت القانون.
والثانى: إن المجتمع الأهلى عندنا أضعف من أن يتحدى الهوى السياسى، والرأى العام ليس موضوعا فى الحسبان. فى حين أن المجتمع المدنى عندهم ند للسلطة التى لا تستطيع أن تتجاهل الرأى العام أو تتحداه.
السؤال موجع وباعث على الحزن على الأسى فى مصر بوجه أخص. ذلك أن جنرالات إسرائيل الذين قتلوا العشرات من الأسرى المصريين فى سنة 67، وأصبحوا بعد ذلك قادة سياسيين ووزراء فى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
هؤلاء أصبحوا زوارا دائمين للقاهرة بعد كامب ديفيد وأصدقاء لقادتها السياسيين، وهو ما بات يتفاخر به بنيامين بن اليعازر، أحد أشهر أولئك القتلة. الذى أصبح وزيرا فى حكومات إسرائيل المتعاقبة، ومنها الحكومة الحالية.
وكان القانون عندنا لا يحترم، والمجتمع المدنى أعجز من أن يقوم بما عليه. والرأى العام لا قيمة له، فذلك يقنعنا بأن إقامة الديمقراطية فى بلادنا، أصبحت ضمن شروط حل معضلة الصراع العربى الإسرائيلى.
..................

16 ديسمبر، 2009

اعتراف وليس نفيًا

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 29 ذو الحجه 1430 – 16 ديسمبر 2009
اعتراف وليس نفيًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_16.html


تلقيت تعقيبا من مكتبة الإسكندرية على ما
كتبته فى هذا المكان (يوم 13/12) بخصوص «خطيئة» دعوة أربعة من الاكاديميين الإسرائيليين للمشاركة فى «ورشة عمل» مع اكاديميين من خمس دول عربية إضافة إلى 24 باحثا أمريكيا. وهو ما اعتبرته سعيا للتطبيع المستهجن، الذى ينبغى أن تتنزه عنه المكتبة.

فى هذا الخصوص ذكر التعقيب الذى أرسله مدير الإعلام بالمكتبة السيد خالد عزب ما نصه:
«إن ورشة العمل المذكورة طرحت بشأنها عدة تصورات على مكتبة الإسكندرية. غير أنها مثلها مثل المئات من الأنشطة التى يعرض على مكتبة الإسكندرية تنظيمها، رأت إدارة المكتبة عدم قبول تنظيم هذا الحدث لارتباطات وأولويات لديها فى المرحلة القادمة».

وهو منطوق رحبت به، لكنى لم أسترح إلى حيثياته. كيف ولماذا؟
وجه الترحيب بالمنطوق يتمثل فى أن ورشة العمل صرف النظر عنها وهذا أمر ايجابى لا ريب.
ولكن ما أقلقنى فى الحيثيات أمران،
الأول ان التعقيب صور موضوع الورشة كما لو أنه كان مجرد فكرة عرضت على مسئولى مكتبة الإسكندرية، شأنها فى ذلك شأن مئات الأفكار والأنشطة الأخرى التى تعرض عليها من مختلف الجهات. وهذا ليس صحيحا، لأن البيانات المتاحة لا تتحدث عن فكرة مطروحة للمناقشة، وإنما توثق برنامج تنفيذ الفكرة، بمعنى أنها تفصل فى وضع تجاوز مرحلة التصورات الأولى.
وبين يدى البرنامج الكامل للورشة، التى تحدد موعد بدء أعمالها فى الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الثالث من شهر يناير المقبل، على أن تنتهى جلساتها ظهر الأربعاء 6 يناير. وفى البرنامج تفصيل لمهام كل يوم.
بين يدى أيضا قائمة بأسماء المشاركين بجنسياتهم ووظائفهم. ونحن نعلم أن قائمة الأسماء لا توضع ولا توزع إلا بعد الاتفاق مع أصحابها والتأكد من موافقتهم على المشاركة فى الورشة فى الموعد المقترح.
أعنى أن ذلك طور فى الإعداد يتجاوز بكثير مرحلة عرض التصورات، ويدخل فى صميم الترتيبات النهائية التى لا يتبقى منها سوى إرسال بطاقات السفر للمدعوين وحجز الفنادق لهم.
لقد عمد التعقيب إلى التهوين من المسألة، بما يوحى بأنها كانت مجرد «دردشة» فى الموضوع صرف النظر عنها فى آخر الجلسة. وذلك ليس صحيحا. لذلك تمنيت أن يكون التعقيب أكثر وضوحا، بما يدفعه إلى الاعتراف بأن الموضوع كان قد تم الاتفاق عليه فعلا، ثم صرف النظر عنه لأسباب موضوعية ارتأتها إدارة المكتبة.
الأمر الثانى الذى لم يريحنى فى الحيثيات الواردة فى التعقيب أن عدم إقامة الدردشة لم يتم انطلاقا إزاء موقف مبدئى من مشاركة الإسرائيليين، ناهيك عن أن يكون استجابة لنداء حملة المقاطعة الاكاديمية لإسرائيل كما حدث فى بعض جامعات بريطانيا والولايات المتحدة وكندا. وإنما تم ذلك لأسباب إدارية بحتة. وذلك واضح فى نص التعليق الذى ذكر أن المكتبة رأت عدم قبول تنظيم هذا الحدث لارتباطات وأولويات لديها فى المرحلة القادمة. وهو ما يعطى انطابعا بأن ما تم هو مجرد تأجيل وليس إلغاء. وأن المسألة تنظيمية وليست مبدئية، إذ هى من وجهة نظر مسئولى المكتبة مجرد ملاءمات وأولويات لا أكثر.
الكلام بهذه الصيغة لا يستنكر خطيئة التطبيع ولكنه فقط ينفى وقوعوها فى الموعد الذى حددته الأوراق، ومن ثم لا يستبعد وقوعها فى أى مرحلة قادمة إذا سمحت الأجواء بذلك. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن التعقيب المرسل من المكتبة فيه من الإقرار والاعتراف بأكثر مما فيه من النفى.
بقيت نقطة أخيرة هى أن التعقيب المرسل من مسئول الإعلام بمكتبة الإسكندرية تضمن إشارة إلى أننى دعيت للمشاركة فى أنشطة المكتبة عدة مرات ولكننى لم استجب لتلك الدعوات.
ومادام أنه أورد هذه المسألة الشخصية فلا يسعنى إلا أن أقول بأن ذلك حدث فعلا، وأن السبب فى ذلك هو ذاته الذى ورد فى التعقيب، وهو أن موقف المكتبة من التطبيع مع إسرائيل مشكوك فيه،
ومنذ ساورنى ذلك الشك فقد قررت الابتعاد عن أنشطتها حتى لا أضع نفسى فى موضع الشبهة.
.......................

15 ديسمبر، 2009

الصعود التركى ليس معجزة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 28 ذو الحجة 1430 – 15 ديسمبر 2009
الصعود التركى ليس معجزة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_15.html

الشق السهل فى المسألة أن نتحلى بقليل من التواضع وكثير من التجرد لكى نفسر الصعود التركى الذى خطف الأبصار وأسر القلوب،
أما الشق الصعب حقا فهو أن نتعلم منه.
ــ1ــ
حين كتب زميلنا غسان شربل رئيس تحرير صحيفة «الحياة» اللندنية مقالة تحت عنوان «لا تتركنا أوغلو» «عدد 2/11/2009» فإنه عبر عن الإحباط الذى ينتاب المثقف العربى إزاء الفشل فى التعامل مع مختلف الملفات المطروحة فى الساحة العربية.
وقتذاك كان الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركى فى زيارة أربيل عاصمة كردستان العراق، وقد وصل إليها قادما من الموصل حيث افتتح قنصليتين فى المنطقتين العربية والكردية.
فكتب صاحبنا موجها إليه كلامه قائلا:
«قتلتنى الغيرة حين شاهدت صورتك مع بارزانى. منذ شهور ونحن نتحرق لنرى ودا مشابها فى صورة تجمع محمود عباس وخالد مشعل».
تحدث أيضا عن أزمة لبنان التى كان تشكيل حكومته متعثرا منذ خمسة أشهر،
ثم ختم مناشدا الدكتور أغلو أن يتدخل لإنقاذ الموقف استنادا إلى مهارته فى حل الخلافات، وإلى كون تركيا أصبحت ذات كلمة مسموعة فى الإقليم.
كثيرة هى الكتابات المماثلة التى تحدثت عن النجاحات التى حققتها السياسة الخارجية التركية، حتى إن بعضها تحدث عن دخول الشرق الأوسط إلى «العصر التركى» (بول سالم مدير مركز كارنيجى للشرق الأوسط ببيروت ــ الحياة 29/9).
وقد لفت صاحب المقال الأنظار إلى المتحولات الإستراتيجية المهمة فى المنطقة التى أسهم فيها الموقف التركى
. فأشار إلى أنه طيلة معظم القرن العشرين كانت إسرائيل وتركيا وإيران فى معسكر واحد،
لكن الثورة الإسلامية فى إيران غيرت من تلك الحقيقة.
وجاء الموقف التركى الأخير ليجعل إسرائيل خالية من أى تحالفات إقليمية للمرة الأولى منذ تأسيسها.
فى هذا المعنى سجل الصحفى التركى البارز جنكيز شاندار ملاحظة مهمة فى مقالة نشرتها له صحيفة «راديكال» (عدد 22/10)، قال فيها أن تركيا سعت يوما ما إلى استمالة أمريكا عن طريق التقرب من إسرائيل، لكن الموقف اختلف الآن بحيث أصبحت إسرائيل تسعى إلى استمالة تركيا عن طريق وساطة واشنطن. وختم هذه النقطة قائلا إن
«إسرائيل وواشنطن مدعوتان إلى إدراك أن من يحاول التقرب من إسرائيل لخطب ود واشنطن سيلقى مصير محمود عباس، أى إنه سيحكم على نفسه بالإعدام.
الذين يتابعون الشأن التركى من الخارج قدروا إنجازات حكومة حزب العدالة والتنمية على ذلك الصعيد، وهذا التقدير مستحق لا ريب،
لكن كثيرين لا ينتبهون إلى أن إنجازات الخارج ما كان لها أن تتم إلا بعد اجتياز امتحان الداخل بدرجة عالية من النجاح. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن ما تحقق فى الداخل من نجاحات كان الأساس الذى انطلقت عنه واتكأت عليه الإنجازات المتلاحقة التى تحققت فى الخارج.
ــ2ــ
فى زيارتى الأخيرة لأنقرة تناولت الغداء مع أحد الأصدقاء فى مطعم أقيم فوق تلة تطل على واد فسيح ملىء بالخضرة التى توزعت على سلسلة من الحدائق بديعة المنظر. وحين وجدنى الصديق مأخوذا بالجو المحيط. بادر إلى القول إن ذلك الوادى الفسيح كان قبل سنوات قليلة «مقلبا» لقمامة العاصمة. ولكن يد البلدية امتدت إليه وأحدثت فيه ذلك الانقلاب. ضمن السياسة التى اتبعتها لمضاعفة مساحات الخضرة فى المدينة، وتوفير فرص أوسع لتجميلها وللترويح عن السكان فى الوقت ذاته.
أضاف محدثى قائلا: إن البلدية حرصت على أن تخصص فى كل حديقة ركنا متميزا زودته بلعب الأطفال، بحيث أصبحت الأسر التركية ترتاد تلك الحدائق وهى مطمئنة إلى أن أطفالها سيجدون فيها ما يمتعهم طول الوقت.
قال الصديق الخبير إن قصة مقلب القمامة تعد رمزا للانقلاب فى ساحة الخدمات التى عرفتها الساحة التركية. وأن النجاح الحقيقى لحكومة حزب العدالة تمثل فى أنها استطاعت أن تقنع الناس بأنها جاءت لتلبى احتياجاتهم وترفع مستوى الخدمات المقدمة إليهم. وهذه المهمة تتصدى لها بالدرجة الأولى 81 بلدية عامة بالمحافظات، غير آلاف البلديات الفرعية بالأحياء السكنية والقرى. وهذه صلاحياتها تتجاوز الاهتمام بالمرافق العامة، لتشمل مختلف الأنشطة الأخرى الاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياحية.
إننا إذا ضربنا مثلا ببلدية استنبول ــ الأكبر فى تركيا ــ سنجد أنها خلال 5 سنوات فى الفترة ما بين عامى 2004 و2009 استثمرت مبلغ 22.6 مليار دولار فى العديد من الأنشطة المتعلقة بخدمة الناس. منها على سبيل المثال:
مد 28 كيلو مترا لخطوط الترام والمترو (60 كم أخرى تحت الإنشاء)
ــ شق عشرة أنفاق وإقامة مرائب (جراجات) تسع خمسة آلاف سيارة
وإضافة 3278 كم لشبكة المجارى والصرف الصحى
وألف كيلو متر لشبكة المياه،
وزيادة 55٪ للمساحات الخضراء،
وافتتاح 8 شواطئ صيفية،
وتجميل 18 ميدانا عاما،
وجمع 15 مليون طن نفايات يوميا،
وإسكان 30 ألف عائلة.
إضافة إلى هذا الجهد المتعلق بالمرافق، فإن بلدية استنبول أنجزت فى الفترة ذاتها ما يلى:
أنشأت 18 مركزا ثقافيا وقاعة للمؤتمرات،
و11 مكتبة عامة،
وقامت بترميم 81 آثرا تاريخيا.
كما أنشأت 32 مركزا للدعاية الصحية والطبية
و18 بيتا للمسنين
و17 مركزا للتأهيل الصحى
و17 مركزا رياضيا
و14 مركزا اجتماعيا.

علاوة على تزويد 220 حديقة عامة بالآلات الرياضية المجانية
وبناء 120 مدرسة متنوعة ومشروع إنترنت مجانى بالأماكن العامة.
وأقامت معسكرات صيفية لعدد 73 ألف شاب وفتاة،
و146 مركزا للتدريب والتثقيف المجانى.
كما تولت توزيع 550 ألف أطلس جغرافى على الطلاب،
وقدمت 187 منحة دراسية مجانية، للشباب،
وتولت مساعدة 170 ألف أسرة فقيرة،
وقامت بإنتاج 1.7 مليون رغيف خبز يوميا بسعر رخيص.
حين تقوم البلديات بمثل هذه الجهود المتنوعة فلابد أن تكسب ثقة الناس وتأييدهم. وبوسع الحكومة المنتخبة فى هذه الحالة أن تتحرك فى الخارج وهى مطمئنة إلى أنها مؤمنة الظهر وواقفة فوق أراض صلبة ومتماسكة.
ــ3ــ
الإنجاز فى الداخل عنصر مهم فى نجاح النموذج التركى، لكنه ليس العنصر الوحيد. ذلك أن هناك عناصر أخرى أسهمت بأدوار مختلفة فى صناعة ذلك النموذج.
فالمجتمع التركى يتمتع بحيوية خاصة جعلته حاضرا ومساهما بشكل فعال فى محاولات النهوض وصناعة التقدم فى البلد. وكان لنظام الوقف الإسلامى دور المحرك لتلك الحيوية التى لازمت التاريخ التركى فى مراحله الثلاث:
السلجوقية والعثمانية والجمهورية
أى طوال القرون العشرة الأخيرة إذ خلال تلك الفترات كانت الجماعات الأهلية التى ضمت خليطا من القادة الروحيين والحرفيين والتجار لها مؤسساتها الوقفية التى تمول أنشطتها، وظلت تلك هى الصيغة التى من خلالها اسهم المجتمع فى تحقيق التنمية بصورة مستقلة عن الحكومة، وإن كانت مكملة ومعينة لها. وكان النجاح الذى حققه الوقف على ذلك الصعيد حافزا للأوروبيين لكى يقتبسوا نظامه من الدولة العثمانية إلى بلادهم ويطوروه. تماما كما فعلوا مع نظام «الملل» الذى ابتدعه العثمانيون فى تطبيقهم للشريعة، ونقل إلى الغرب ليكون أساسا لفكرة التعددية التى لم تكن معروفة لديهم من قبل.
فى تركيا الآن ما بين 50 إلى 60 ألف جمعية خيرية تمولها الوقفيات (البعض يرتفع بالرقم إلى 90 ألفا) ــ وهذه الجمعيات تغطى كل مجالات النشاط الإنسانى، من الأنشطة الخيرية التقليدة إلى ميادين العلوم والفنون والبيئة وحقوق الإنسان ورجال الأعمال.
وحسب فتحى جونجور رئيس اتحاد المنظمات الأهلية فإن ميزانية تلك الجمعيات بلغت 7 مليارات دولار فى سنة 2007.
بل إن جماعة النور التى أسسها الشيخ فتح الله جولن قدر رأسمالها بخمسة مليارات دولار، وتدير مشروعات فى داخل تركيا وخارجها تشمل المدارس والجامعات والشركات وتملك مجموعة صحف ومجلات ومحطات تليفزيونية وإذاعية. وقد أسست ألف مدرسة فى 140 دولة خارج تركيا.
إنك إذا ضممت الدور الكبير الذى تقوم به المؤسسات الوقفية. إلى جانب الهمة العالية التى تعمل بها البلديات، فستجد أن الجهد كله يصب فى وعاء عافية المجتمع ورصيد نهضته.
وإلى جانب تلك الخلفية ذات الجذور الضارية فى عمق التاريخ التركى، فإننا لا نستطيع أن ننسب النجاح الراهن إلى جهود حكومة حزب العدالة وحدها التى تولت السلطة فى عام 2002، ذلك أن الإنصاف يدعونا لأن نقرر أن قادة الحزب حققوا ما حققوه حينما ساروا على الطريق الذى مهده لهم الرئيس الأسبق توركوت أوزال، مؤسس حزب الوطن الأمم، الذى تولى رئاسة الحكومة ثم رئاسة الجمهورية فى الفترة ما بين 1983 و1993 (الشائع أنه مات مسموما).
وهو ما يدعونا إلى القول بأنه إذا كان البروفيسور نجم الدين أربكان مؤسس حزب الرفاه ذى الخلفية الإسلامية هو الأب الروحى لقادة حزب العدالة والتنمية، فإن توركوت أوزال هو أستاذهم فى مجال الإصلاح السياسى والاجتماعى. إذ يعزى إليه الفضل فى إطلاق محاولات بناء الجمهورية التركية الثانية، المتحررة من هيمنة العسكر، والمنفتحة سياسيا واقتصاديا على الداخل والخارج.
ــ4ــ
هناك عاملان آخران لا نستطيع أن نتجاهل دورهما فى نجاح النموذج التركى.
الأول يتمثل فى تطبيق النظام الديمقراطى، الذى ساعد على نمو دور المجتمع الأهلى وعلى إنضاج خبرات المشتغلين بالعمل السياسى، وأتاح فرصة إخضاع السلطة للحساب والتداول بناء على قرار الجماهير فى الانتخابات العامة. وكان الالتزام بمبادئ الممارسة الديمقراطية وراء تقليص دور العسكر فى القرار السياسى، الأمر الذى جعل إرادة الشعب هى المرجعية الأهم فى صناعة ذلك القرار وحمايته.
البعض يحاول نسبة ذلك الإنجاز إلى العلمانية، وذلك فيه الكثير من التبسيط والتغليط.
ذلك أن التجارب أثبتت أن الربط ليس حتميا بين الديمقراطية والعلمانية، علما بأن أكثر النظم العلمانية فى العالم العربى هى أقلها ديمقراطية، ثم إن العلمانية التى فرضها كمال أتاتورك فى تركيا أخضعت البلاد لحكم العسكر وعرضتها لانقلاباتهم، وعمدت إلى سحق الأكراد، ولم يحسن من صورتها سوى إصلاحات توركوت أوزال.
وإذا كان النموذج التركى قد أثبت أن فى العلمانية تطرف قمعى وإقصائى واعتدال ديمقراطى ومتسامح مع الآخر، فإن ذلك ينفى فكرة «الحتمية» التى سبقت الإشارة إليها. فضلا عن أنه يضع العلمانية على قدم المساواة مع غيرها مع الأفكار المطروحة، التى يتوزع أنصارها أيضا بين جناحى التطرف والاعتدال.
العنصر الثانى المهم فى نجاح النموذج التركى هو وضوح الرؤية الاستراتيجية لدى النخبة الحاكمة. وهذا الوضوح لم يكن من نصيب الأهداف فحسب، وإنما انسحب على الوسائل أيضا.
ولم يعد سرا أن منظر ومهندس هذه المرحلة من التاريخ التركى هو الدكتور أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية الحالى والمستشار السياسى الأول، الذى كان يحلم فى مؤلفاته منذ كان أستاذا للعلوم السياسية بأن تصبح تركيا دولة محورية فى المنطقة.
وأدرك أنها لا تستطيع أن تقوم بذلك الدور إلا إذا نجحت فى أمرين أساسين هما:
تحويل تركيا إلى دولة قوية ومستقرة فى الداخل،
ومتصالحة مع كل محيطها فى الخارج.
ومن هذين المبدأين انطلقت سياسات تعزير التصالح مع المجتمع بجميع فئاته ــ خصوصا الأكراد ــ والتقدم على طريق الإصلاح السياسى، والسعى الحثيث لتعزيز القدرة الاقتصادية.
وفى ظل هذا المسعى الأخير أصبح الاقتصاد التركى يمثل المرتبة السابعة عشرة فى العالم الصناعى. وهم يتطلعون إلى إيصاله إلى المرتبة العاشرة فى عام 2022، فى ذكرى مرور مائة سنة على تأسيس الجمهورية. وكانت تلك هى الرؤية التى تبنت سياسة «زيرو» مشاكل. التى بمقتضاها حلت تركيا مشكلاتها مع كل جيرانها حتى أوصلتها إلى درجة الصفر، الأمر الذى فتح لها الطريق لكى تنتقل من دول «الجسر» الهامشية فى المنطقة، لتصبح دولة مركزية مؤهلة للعب دور محورى فى الساحتين الإقليمية والدولية.
ليس فى كل ذلك سر، ولكنه بمقدور كل أحد إذا أخذ بالأسباب واستوفى شروط اللياقة والجدارة، وأولها توافر الإرادة المستقلة التى أصبحنا فى العالم العربى نفتقدها ونسمع عنها فقط، تماما كالغول والعنقاء والخل الوفى، التى تحدث عنها بعض شعراء العرب.
....................

13 ديسمبر، 2009

جدار العار

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 27 ذو الحجة 1430 – 14 ديسمبر 2009
جدار العار – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_13.html

لا أريد أن أصدق أن مصر في آخر الزمان قررت أن تقيم جدارا فولاذيا بينها وبين الفلسطينيين في غزة.
لكن الكابوس
الذي تساءلت عنه قبل يومين تبين أنه حقيقة، وأن الخبر الذي نشرته صحيفة «هاآرتس» عن الموضوع، وتصورنا أو تمنينا أنه من قبيل الدس والوقيعة وتشويه صورة مصر، أكدته التفاصيل التي نشرتها صحيفة «الشروق» في عدد أمس (الأحد 12/13).

إذ تحدثت كلمات العنوان الرئيسي (المانشيت) عن
«جدار رفح العظيم تحت الأرض».
وتضمن التقرير المنشور تحت العنوان بعض المعلومات المذهلة والمخجلة في الوقت ذاته.
إذ أكدت أن ثمة حائطا حديديا بدأ العمل في بنائه بين سيناء وقطاع غزة. وقد تم الانتهاء من إقامة جزء منه يمتد بطول 5 كيلومترات و400 متر. وهو غير ظاهر للعيان لأنه يصل إلى عمق 18 مترا تحت الأرض. وهو يتكون من ألواح من الصلب بعرض 50 سنتيمترا وطول 18 مترا، صنعت خصيصا في الولايات المتحدة. وهي من الصلب المعالج الذي تم اختبار تفجيره بالديناميت.

هذه الألواح يتم زرعها في بطن الأرض بواسطة آلات ضخمة تحدد مقاييسها بالليزر. ثم يجري لصقها بواسطة تداخل الأطراف التي تسمى «العاشق والمعشوق».
أضاف التقرير أن العملية تتم تحت إشراف مجموعة الخبراء الأميركيين الذين اقتربوا من إكمال ملحقات المنظومة التقنية الخاصة برصد الأنفاق، التي تتضمن إنشاء بوابتين فريدتين من نوعهما في الشرق الأوسط، تسمحان بمرور الشاحنات دون تدخل يدوي، في الوقت الذي تستطيعان فيه كشف وجود أي أسلحة أو متفجرات.

ذكر التقرير أيضا أنه إلى جانب الخبراء الأميركيين الذين يشرفون على العمل في منظومة رصد الأنفاق، فإن وفودا تابعة للسفارة الأميركية والسفارات الغربية تقوم بزيارات تفقدية بشكل روتيني للشريط الحدودى للاطلاع على سير العمل في المشروع.

في تبرير تلك الأنشطة قال المسؤولون المصريون الذين تحدثوا في الموضوع إلى صحيفة «الشروق» إن الهدف منها هو ضمان عدم تكرار اقتحام مواطني غزة للأراضي المصرية كما حدث من قبل في شهر يناير عام 2008، وأضاف أولئك المسؤولون أن ما يجري على الحدود المصرية على قطاع غزة هو «شأن مصري بحت يرتبط بممارسة حقوق السيادة الوطنية».

لا يحتاج المرء لكي يبذل جهدا ليدرك أن ذلك كله موجه ضد الفلسطينيين في غزة. وأن الترتيبات تضع في الاعتبار أن الوضع المقلق بين سيناء والقطاع مستمر لأجل طويل غير منظور، وأن الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأساسي الذي يباشر العملية، فيوفر لها الإمكانات وجميع المستلزمات، ويشرف على التنفيذ ويراقب أداء الوظيفة المنوطة بالجدار الخفي ومنظومة مراقبة الأنفاق طوال الوقت.

هذه الترتيبات الضخمة تتذرع بأمرين:
عبور فلسطينيين القطاع لبوابة رفح في مستهل العام الماضي،
ثم لجوؤهم إلى شق الأنفاق لتوفير احتياجاتهم المعيشية والتخفيف من أثر الحصار.

وبدلا من المواجهة الشجاعة لأصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والحصار الذي ألجأ الفلسطيني إلى اقتحام البوابة وشق الأنفاق، فإن مصر بقبولها تنفيذ هذين المشروعين، تكون قد استجابت للضغوط الإسرائيلية والأميركية، وآثرت أن تشدد من الحصار وتحكم سد منافذه.

علما بأن هذا الذي يجري لا يخدم أمن مصر في شيء، الذي ليس مهددا في حقيقة الأمر من جانب فلسطينيي القطاع، ولكنه لا يخدم إلا أمن إسرائيل ويعزز من خطتها في قمع سكان القطاع وإذلالهم.
وهو ما يضعنا أمام حقيقة صادمة ومفجعة خلاصتها أن القبول بإقامة السور الفولاذي بات يعني أن الرؤية الاستراتيجية قد تغيرت، بحيث أصبح الخطر الذي باتت تتحسب له مصر هو الفلسطينيين وليس الإسرائيليين.

وإذا صح ذلك الاستنتاج المخزي، فإنني لا أجد مناصا من وصف السور الفولاذي المزمع إقامته بأنه جدار العار.
....................

12 ديسمبر، 2009

خطيئة مكتبة الإسكندرية

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 26 ذوالحجة 1430 – 13 ديسمبر2009
خطيئة مكتبة الإسكندرية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_12.html


ينتاب المرء شعور عميق بالخجل حين يجد أننا نقبل على العام الجديد ونحن نتباعد عن الجزائر، في حين نعزز اقترابنا من إسرائيل.
أغلب الظن أن ذلك لم يكن مرتبا ولا مقصودا، لكنها مفارقات الأقدار وسخريتها التي أبت إلا أن تفضحنا لتشعرنا بمدى بؤس الواقع الذي نعيشه.

أما الذي حدث بيننا وبين الجزائر من شقاق فأمره بات معلوما للكافة.
وأما اقترابنا من إسرائيل فله شواهد عدة، أحدثها أن مكتبة الإسكندرية التي تمنينا أن تكون منارة تشرف مصر والأمة العربية لم تنفعل بالحاصل بين الأشقاء العرب، ولم تنشغل بإذكاء التفاعل الإيجابي بين مثقفي الأمة.
ولكنها في هذه الأجواء المخيمة دعت إلى ورشة «تشبيك» دعت إليها إسرائيل، مع مثقفين آخرين من العالم العربي والجامعات الغربية.

لقد أطلقت تلك الدعوة البائسة مع حلول الذكرى الأولى للعدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة التي فضحها أخيرا تقرير القاضي غولدستون، وفي ظل استمرار الحصار المفروض على القطاع. وهي الخلفية التي تجاهلها تماما المسؤولون عن المكتبة، ووجهوا الدعوة إلى أربعة من الباحثين الإسرائيليين ضمن قائمة من الباحثين العرب والأميركيين للمشاركة في ورشة التشبيك، التي ستعقد بمقر المكتبة في الإسكندرية في الثالث من شهر يناير المقبل.
مجموع المدعوين للورشة 51 شخصا، بينهم تسعة من المصريين، وثلاثة أردنيين، وأربعة من الجامعة الأميركية بلبنان، وثلاثة من جامعة الإمارات، وواحد من قطر، وثلاثة من الفلسطينيين. وإلى جانب الإسرائيليين الأربعة، هناك 24 من أساتذة الجامعات الأميركية.

أسماء المشاركين والجهات التي يمثلونها وبرنامج الورشة التي تستمر أربعة أيام، ذلك كله موجود على موقع مكتبة الإسكندرية على الإنترنت. وواضح فيه أن من أهدافها الأساسية تحقيق التعاون والتواصل بين الباحثين العاملين في مجال المعلومات. بحيث لا تكون الورشة مجرد مؤتمر ينعقد ثم ينفض شأن الملتقيات الأخرى، ولكنها تكون تأسيسا لشبكة من الباحثين لهم علاقاتهم المستمرة في المستقبل.

الورشة في جوهرها استخدمت مكتبة الإسكندرية لمد جسور التطبيع مع الإسرائيليين. ولا يحتاج المرء الى أن يبذل جهدا لكي يدرك أن وجود 24 من أساتذة الجامعات الأميركية (حوالى نصف المشاركين في الورشة) يعبر عن حماس غير مألوف ومشكوك في براءته، وأن دعوة الإسرائيليين للجلوس مع الباحثين اللبنانيين والخليجيين فضلا عن المصريين والأردنيين، تمثل عنصر جذب إن لم يكن هو الهدف من اللقاء.

الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل في رام الله. صدمتها استضافة مكتبة الإسكندرية للورشة، فأصدرت بيانا استنكرت فيه موقفها. إذ لم تتوقع أن تلقى دعوتها استجابة من جانب الشرفاء وذوي الضمائر الحية من بين الأكاديميين الغربيين، في حين يكون هذا هو موقف المكتبة المرموقة في مصر.
وهي محقة في ذلك لا ريب، لأن المنابر الثقافية هي الأجدر من غيرها بالدفاع عن الموقف الأخلاقي الذي يتعين الالتزام به في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. والمثقفون الذين يكتبون شرعيتهم من تعبيرهم عن ضمير الأمة هم الأولى باتخاذ موقف المقاطعة لكل ما هو منسوب إلى دولة الاحتلال.

إن مسؤولي المكتبة إذا أرادوا أن يصححوا خطأهم فليس أمامهم سوى سحب الدعوة للممثلين الإسرائيليين، وإذا لم يتحقق ذلك، فالبديل هو مقاطعة المشاركين العرب للورشة وللمكتبة، التي أصبحت للأسف إحدى ساحات الاختراق الإسرائيلي للساحة الثقافية العربية.

إن المكتبة تستطيع أن تؤدي دورا شريفا في العالم العربي لا تحصى مجالاته، لكنها تورط نفسها في أنشطة تلوث صفحتها وتسيء إلى سمعتها، ولا أعرف إن كان للتمويل الأجنبي علاقة بتلك الأنشطة أم لا،
ولكن حتى إذا كان ذلك صحيحا، فمن المنظور الأخلاقي والسياسي والتاريخي، يظل ما تدفعه المكتبة من رصيد احترامها أضعاف ما تقبضه من أطراف سيئة السمعة تدفعها لكي تؤدي أدوارا مشبوهة. إسرائيل هي المستفيد الأول منها.
...................

11 ديسمبر، 2009

التقدم الوحيد في الملف الفلسطيني

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 25 ذو الحجة 1430 – 12 ديسمبر 2009
التقدم الوحيد في الملف الفلسطيني – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_11.html

احترنا في مسألة بناء الجدار بين سيناء وغزة.

فقد تناقلت وكالات الأنباء يوم الأربعاء الماضي 9/12 الخبر الذي نشرته صحيفة «هاآرتس» ونقلت فيه على لسان مصدر مصري لم تسمه قوله إن القاهرة بدأت في بناء جدار ضخم على طول حدود قطاع غزة مع سيناء في منطقة محور صلاح الدين «فيلادلفيا»، موضحا أن الجدار سيمتد بطول تسعة كيلومترات، ويتراوح عمقه في الأرض ما بين 20 و30 مترا.

أضاف المصدر المصري قوله إن الجدار سيكون من الفولاذ، بحيث يصعب اختراقه أو صهره. بالتالي فإنه سيحول دون حفر الأنفاق، التي تستخدم لنقل البضائع والأسلحة إلى قطاع غزة في ظل الحصار المفروض عليها.

هذا الخبر نشرته صحيفة «روزاليوسف» يوم الخميس 10/12 دون أن تنسبه إلى الصحيفة الإسرائيلية، وصاغته على النحو التالي:
بدأت في المنطقة الحدودية بين مصر وغزة بشمال سيناء حفر الأساسات لمسافة 5 كيلومترات وبعمق أكثر من 20 مترا بمنطقة صلاح الدين شمالا في اتجاه الجنوب بالصرصورية وميناء رفح البري لإقامة جدار فولاذي بين الأراضي المصرية وقطاع غزة بطول 12 كيلومترا للقضاء على الأنفاق، خاصة في منطقة ممر فيلادلفيا.
أضافت الصحيفة أن بناء الجدار يستهدف وقف عمليات التهريب بين الجانبين، حيث كان قد تم تهديمه خلال الاقتحام الشهير من جانب عدد من «الحمساوية» والفلسطينيين لسيناء بعد انقلاب غزة،

وتحاول الصحف الإسرائيلية تشويه الموضوع وتحميله أبعادا أخرى في محاولة لإثارة القلاقل ضده، لكن مصر ترفض ذلك تماما.

جريدة «الشروق» نشرت في اليوم ذاته «الخميس» الخبر على صفحتها الأولى تحت عنوان عريض يقول:
مصادر أمنية تنفي بناء مصر جدارا فولاذيا على الحدود في سيناء.
وتحت العنوان أشارت الصحيفة إلى المعلومات التي أوردها خبر صحيفة «هاآرتس»، وأضافت إليها قولها إن مصادر أمنية نفت أن تكون القاهرة بصدد بناء هذا الجدار أو اتخذت قرارا في هذا الشأن، مشددة على أن مصر تتعامل بجدية مع عمليات التهريب وقادرة على وقفها دون اللجوء لمثل هذا الجدار.
أضافت «الشروق» أن اللواء الدكتور محمد الزيات شكك فيما أوردته الصحيفة قائلا:
على العكس، فإن القاهرة تتطلع حاليا لمرحلة ما بعد رفع الحصار عن غزة والتفاهم مع الجانب الفلسطيني لفتح معبر رفح بشكل دائم كما تدرس إقامة منطقة تجارية حرة مع الجانب الفلسطيني، حسب قوله.
ذكرت الصحيفة أيضا أن اللواء سامح سيف اليزل الخبير في شؤون الأمن القومي، نفى صحة هذا التقرير لأن مصر تواصل المرحلة الثانية من عمليات تركيب أجهزة المراقبة الإلكترونية الدقيقة التي حصلت عليها من الجانب الأوروبي والأميركي ضمن السور الحدودي الخاص بهذا لتأمين حدودها،
ونقلت عنه قوله إنه بعد أن أقرت إسرائيل قبل أيام بإنشاء سور حدودي مواز داخل منطقتها الحدودية وليس على خط الحدود مع مصر سيصبح هناك سور مزدوج على الجانبين للقضاء على عمليات تهريب السلاح والأفراد عبر الأنفاق أو تسلل الأسوار.

هذه المعلومات المتضاربة تبعث على الحيرة والشك، لكنها تجمع على شيء واحد. هو أن هناك جهدا حثيثا يبذل لإحكام الحصار حول قطاع غزة،
مرة بدعوى وقف تهريب السلاح سواء من سيناء إلى غزة أو العكس،
ومرة أخرى بدعوى وقف تهريب البشر، الذي تحدث عنه بنيامين نتنياهو حين قال إن الأفارقة أصبح بمقدورهم أن يصلوا إلى داخل إسرائيل مشيا على أقدامهم من قلب القارة. مستخدمين في ذلك الأنفاق،
لكن احدا لم يتحدث عن السبب الحقيقي المتمثل في سد منافذ تهريب البضائع والاحتياجات المعيشية لسكان القطاع، لإذلالهم وإجبارهم على الركوع والاستسلام.

لقد كانت الأنفاق، ومازالت، شكلا من أشكال مقاومة الحصار وإفشاله، الأمر الذي لم يقبل به الإسرائيليون وعمدوا إلى تدمير ما استطاعوا تدميره منها. واستعانوا في ذلك بخبرات الأميركيين وإمكانياتهم الفنية المتقدمة لقطع الطريق على وصول أي إمدادات إلى الفلسطينيين المحاصرين.

إن ثمة أسئلة يثيرها المشهد حول حقيقة الموقف المصري من هذه المحاولة الشريرة، لأن الصورة تدعو إلى الالتباس من على البعد على نحو يسيء كثيرا إلى الدور الذي تقوم به القاهرة.
إذ يبدو أن مصر لم تكتف بإغلاق معبر رفح، ولكنها أيضا أسهمت بصورة أخرى، أو لم تعترض، على الجهد المبذول لإحكام الحصار ومحاولة إجبار سكان القطاع على الاستسلام،

وأيا كانت تساؤلاتنا حول الموقف المصري، فالشاهد أن الإصرار على تدمير حياة أهالي غزة أصبح الشيء الوحيد الذي «يتقدم» في الملف الفلسطيني..
يا للعار!
.............

10 ديسمبر، 2009

خياراتنا في الاحتجاج واسعة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 23 ذوالحجة 1430 – 10 ديسمبر 2009
خياراتنا في الاحتجاج واسعة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_10.html


هذه مبادرة انتظرناها من الشرق فجاءت من الغرب. إذ أعلن المخرج السينمائى الألمانى ذو الأصل التركى فاتح اكين رفضه الذهاب إلى سويسرا لحضور العرض الأول لأحدث أفلامه، احتجاجا على حظر مآذن المساجد فى سويسرا.
وقال فى خطاب مفتوح أرسله إلى منظمى العرض إنه يعتبر التصويت لصالح الحظر موقفا يمثل انتهاكا لمبادئ حقوق الإنسان، كما يهدر أسس التعايش والتسامح بين أبناء المجتمع الواحد.
ولأن هذه الخطوة جرحت مشاعره كمواطن ألمانى وكابن لأسرة مسلمة، فلم يجد سبيلا للتعبير عن احتجاجه إزاءها سوى مقاطعة عرض فيلمه الكوميدى «مطبخ سول». الذى كان قد فاز بجائزة خاصة فى مهرجان فينسيا السينمائى.
المخرج الشاب المقيم فى هامبورج، والذى حقق نجاحات مشهودة فى عالم السينما الألمانية، عبر عن احتجاجه بسلوك عملى، وأوصل رسالته إلى الرأى العام من خلال خطابه الذى نشرته الصحف الألمانية والتركية،
فى الوقت ذاته، فإن مؤسساتنا الثقافية ورموزها اكتفى بعضها بتنظيم مهرجان الخطابة والتنديد، رغم أننا نملك هامشا واسعا للحركة إذا ما أردنا أن نعبر عن احتجاجنا بصورة عملية.
وهذا الهامش يحتمل مواقف عدة تتراوح بين تعليق بعض الأنشطة المشتركة كحد أدنى وبين المقاطعة وسحب الودائع كحد أقصى.
وفى المرحلة الراهنة فإن تعليق الأنشطة يؤدى الغرض ويوصل رسالة التنبيه للسويسريين، التى تتلخص فى أن مشاعرنا إزاءهم وربما مصالحهم معنا وثيقة الصلة بمدى احترامهم لهوية 400 ألف مسلم الذين يعيشون بينهم.
وهى الرسالة التى يجب أن يسمعها جيرانهم الذين رحبوا بقرار حظر المآذن، فاعتبروه خطوة باتجاه التصدى لخطر أسلمة أوروبا المزعوم، وقد تابعنا ذلك الترحيب فيما نشر عن أصداء الحظر فى هولندا وألمانيا وإيطاليا وفى مختلف دوائر اليمين الأوروبى.
دعانى أيضا إلى العودة إلى الموضوع سببان آخران،
أولهما الادعاء بأن ذلك هو ثمن الديمقراطية التى ينبغى الامتثال لأمرها، وأن ما جرى فى سويسرا هو موقف المجتمع وليس موقف الحكومة، وذلك منطق يجب إعادة النظر فيه، لأنه يفتح الباب للإقدام على شرور كثيرة باسم الديمقراطية والامتثال لرأى الأغلبية، كما هو الحاصل فى إسرائيل مثلا.
ذلك أن الأغلبية هناك تؤيد قمع الفلسطينيين والاستيلاء على بيوتهم وهدمها، كما تؤيد حصار غزة وتجويع أهلها.
كما أن أغلبية الأمريكيين أيدوا فى البداية غزو العراق وتدميره، ثم اكتشفوا فى وقت متأخر أنهم خدعوا.
وهو ما ينبهنا إلى أمرين
أولهما أن وسائل الاتصال الحديثة أصبح بمقدورها أن تغسل أدمغة الناس وتفسد وجدانهم، بحيث تدفعهم إلى تأييد الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية.
أما الأمر الثانى فهو أن القيم الإنسانية الأساسية، خصوصا المتعلقة بالحريات العامة، ينبغى ألا تكون محلا للاجتهاد والمساومة، حتى لا تهدر باسم الخضوع لرأى الأغلبية المضللة.
السبب الثانى للعودة إلى الموضوع هو أننى لاحظت فى كتابات عدة أن هناك تحاملا على الجاليات الإسلامية الموجودة فى أوروبا، وتبريرا للموقف السويسرى من خلال التذكير بأحداث 11 سبتمبر.
فى ذات الوقت فثمة تجاهل لحقيقة العنصرية والاستعلاء الكامنين فى الثقافة الغربية إزاء شعوب العالم الثالث عامة والمسلمين بوجه أخص.
وهى الثقافة التى مازالت مرجعياتها متأثرة بأجواء الحروب الصليبية الناقمة على المسلمين والمعادية لهم. وهو ما يدعونى إلى القول بأن أحداث 11 سبتمبر لم تكن منشئة لشعور الغربيين بالمرارة والنقمة إزاء المسلمين، ولكنها كانت كاشفة لذلك الشعور وربما مضيفة جريمة زائدة إليه.
وأى متابع لصورة المسلمين فى الإعلام والأفلام السينمائية التى أنتجتها «الميديا» الغربية قبل ذلك التاريخ يدرك جيدا هذه الحقيقة،

إن نقدنا لذواتنا مفيد لا ريب، لكننا ينبغى أن نتخلى عن الشعور بالدونية ونتسلح بنفس الشجاعة لنقد عنصرية أغلب الغربيين واستعلائهم،
علما بأن المنسوب إلينا هو حادث، فى حين إن المنسوب إليهم هو سلوك وحالة. وشتان بين النقيصتين.
.................

09 ديسمبر، 2009

إما أن تضحك أو تبكى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 22 ذوالحجة 1430 – 9 ديسمبر 2009
إما أن تضحك أو تبكى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/12/blog-post_09.html
لم يختلف معى أغلب القراء حول مصطلح «الفيلم الديمقراطى» الذى نتابع أحداثه فى مصر. لكن الخلاف الذى لم يحسم بينهم كان حول طبيعة الفيلم، وهل هو كوميدى أم تراجيدى. إذ ذهب البعض إلى أنه مثير للضحك الهيستيرى، وقال آخرون إنه من نوع التراجيديا التى تصدم المشاهد وتصيبه بالغم والكمد.
ولأن لكل فريق حججه المقنعة وقرائنه التى لا تخلو من وجاهة، فقد خلصت إلى أنه خليط من الاثنين. والوقائع التى استندت إليها فى هذه الخلاصة، كالتالى:
حين تم اغتيال الرئيس أنور السادات شاءت المقادير أن تنتقل السلطة فى هدوء إلى نائبه السيد حسنى مبارك فى عام 1981. وهو ذات الهدوء الذى تم به نقل السلطة بعد الوفاة المفاجئة للرئيس جمال عبدالناصر فى عام 69 إلى نائبه السيد أنور السادات. وحين تولى الرئيس مبارك السلطة واستقر له الأمر، توقع المصريون أن يعين نائبا له.
ولكن عدة سنوات مرت دون أن يشغل ذلك المنصب الشاغر المنصوص عليه فى الدستور. فى البدء قيل إن الرئيس لم يجد فى بر مصر الشخص المناسب الذى يمكن أن يكون نائبا له،
ولاحقا قيل إن الرئيس لا يريد أن يفرض من جانبه نائبا له على الشعب المصرى، رغم أنه شخصيا جاء بهذه الطريقة. لم تكن الحجة الأولى مقنعة.
وانتظر الناس أن يحل الرئيس بحكمته موضوع نائبه، لكنه لم يفعل طوال السنوات العشر الأولى أو الثانية، حتى دخلنا فى آواخر العشرية الثالثة، وبدا أن الموضوع لم يعد واردا فنسيه الناس أو تناسوه، حتى لم يعد له ذكر فى الحوارات الجارية بين النشطاء.
لعب مكر التاريخ دوره وأعاد طرح السؤال حين فقد الرئيس وعيه لبعض الوقت أثناء الخطاب الذى كان يلقيه أمام مجلس الشعب عام 2003، الأمر الذى ذكر الجميع بأن الرئيس تقدم فى العمر، وإن لكل أجل كتاب، وهى الأجواء التى استدعت أسئلة تجاوزت موضوع نائب الرئيس واستفسرت عن مصير منصب الرئيس ذاته. وهى الأسئلة التى لابد أن صداها وصل إلى أسماع المقامات العليا، التى تبين أنها بدورها كانت مشغولة بالموضوع وتعد لتوفير الإجابات اللازمة.
وهو ما تجلى فى التعديلات الدستورية التى أعلنت فى سنة 2005 وكان واضحا فيها الالتفاف على ترتيب مستقبل الحكم فى مصر. إذ فتحت الباب للتنافس على منصب الرئاسة، فى حين أغلقته عمليا على مرشح الحزب الوطنى الحاكم.
ومنذ ذلك الحين انفتح ملف الرئاسة القادمة والانتخابات التى ستجرى لأجلها فى سنة 2011. وما إن دخلنا فى هذه المرحلة حتى بدأ تسويق وتلميع جمال مبارك، حيث جرى تصعيده فى الحزب وأصبح أمينا للسياسات فى بر مصر.
وأدرك الجميع أنه صار لاعبا أساسيا فى الساحة ومشاركا فى القرار السياسى. بدأ الأمر تلميحا ثم صار تصريحا، استصحب طرحا للسؤال:
هل يوجد بديل غيره؟
وكان السؤال مقنعا فى ظل الجدب الحاصل الذى أصاب الحياة السياسية بالعقم.
التطور الذى حدث فى مصر أخيرا لم يكن فى الحسبان.، إذ ثم ترشيح آخرين للرئاسة. على رأسهم الدكتور محمد البرادعى. وكانت تلك مفاجأة أبطلت حجة عدم وجود البديل. ليس ذلك فحسب وإنما أدرك الناس أن الرجل له مواصفات تجب أى ميزة ذكرت لجمال مبارك. وكان ذلك هو السر فى أن الأبواق الرسمية أعصابها ووجهت ضده مدفعيتها الإعلامية الثقيلة التى استهدفت هدمه والتشكيك فى وطنيته. ولم يبق إلا أن تكفره وتخرجه من الملة.
إن الرجل لم يرشح نفسه، وقد قلت من قبل إنه ارتكب جريمة حين دعا إلى الإصلاح السياسى. ولكن تبين أن الجريمة الأكبر التى لم تغفر له أنه نبه الناس إلى أن فى الثمانين مليون مصرى أكثر من بديل لجمال مبارك، وأكثر كفاءة منه، ومن ثم أجدر بمنصب الرئاسة.
إذا اعتبرت أن هذه كوميديا أو تراجيديا فالأمر متروك لك، لكن يظل خيارك بين أمرين لا ثالث لهما:
أن تضحك أو تبكى.
...............

Delete this element to display blogger navbar