Subscribe:

Ads 468x60px

29 سبتمبر، 2009

الحجارة والأحذية هى الحل

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 11 شوال 1430 – 30 سبتمبر 2009

الحجارة والأحذية هى الحل – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_5883.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/947648.html

الجامعة العربية تابعت «بغضب شديد وقلق كبير العدوان الصارخ والمبيت على المسجد الأقصى»

والحكومة الأردنية «أدانت بشدة وشجبت واستنكرت»، واستدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي في عمان وطلبت إليه نقل الاحتجاج إلى حكومته.

مصر سكتت ولم تقل شيئا.

وغاية ما ذهب إليه بيان جامعة الدول العربية أنه طالب مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة والرباعية الدولية «بالتدخل الفوري لوقف الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة للمسجد الأقصى».

هذه أهم الأصداء التي اعقبت محاولة اقتحام المسجد الأقصى من جانب 150 من المتطرفين الإسرائيليين، عشيَّة عيد الغفران (يوم كيبور) التي تزامنت مع ذكرى اندلاع انتفاضة الأقصى في سنة 2000. وهي التي اعقبت اقتحام رئيس الوزراء الأسبق آريل شارون للمسجد وسط حراسة مشددة.

المقدسيون العزل هم الذين أوقفوا الاقتحام الأخير. حموا المسجد بأجسادهم وهاجموا المتطرفين اليهود بالحجارة والأحذية والكراسي. كما ذكرت التقارير الصحافية. لم ينتظروا تدخلا من الأمم المتحدة أو الرباعية الدولية، ولم يعلقوا أملا على أي موقف عربي، خرجوا منذ الصباح الباكر لحماية المسجد، بعدما دخل المتطرفون اليهود إلى باحته متنكرين على هيئة سياح. رشقهم الفلسطينيون بكل ما طالته أيديهم حتى صدوهم وردوهم على أعقابهم، وأمطرتهم الشرطة التي كانت تحمي المستوطنين بالرصاص المطاطي. مما أدى إلى إصابة 40 فلسطينيا، منهم اثنان في حالة خطرة، إضافة إلى تسعة من رجال الشرطة الإسرائيليين.

ما حدث للمسجد الأقصى جزء من حملة تهويد مدينة القدس التي تدعي إسرائيل أنها خارج المناقشة ولا مجال للتفاوض بشأنها. وهي المدينة التي أثبتت الدراسات أنه حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي لم يكن اليهود يملكون شبرا فيها. ومن وجد منهم بها كان مستأجرا فقط، سواء للدور أو الدكاكين، حتى مقابر اليهود كانت مؤجرة لهم من دائرة الأوقاف الإسلامية.

وللعلم، فإن شعار «إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يمينى» هو من العبارات الصليبية التي أطلقها حاكم عكا الفرنجي قبل رحيله، ولكن الحركة الصهيونية اختطفتها وزيفتها لمصلحة مشروعها في فلسطين.

إن عملية الحفر التي تهدد أساسات المسجد الأقصى مستمرة على قدم وساق. وحصار الحرم بمئة كنيس وسبع حدائق «توراتية» ومنتزهات من كل صوب يسهم في تهيئة المسرح لبناء ما يسمونه هيكل سليمان الذي فشلوا في العثور على أي دليل أو أثر له.

أما عمليات الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين وهدم ما بني منها فهي من تجليات التطهير العرقي الذي يمارس في المدينة على مرأى ومسمع من الجميع. في ذات الوقت تستمر إسرائيل في إقامة مستوطنة في قلب البلدة القديمة تحدثت عنها صحيفة «هاآرتس» هذا الأسبوع. وهذا التسارع والتصميم على تهويد القدس هو إحدى حلقات تصفية القضية التي تتابع أمام أعيننا، دون أن يستثير غضب السلطة الفلسطينية أو يحرك شيئا لدى النظم العربية أو الإسلامية.

إن استمرار الاستعانة بالمجتمع الدولي والرباعية سيئة الذكر هو في حقيقة الأمر ضوء أخضر للإسرائىليين لكي يستمروا في مخططاتهم، لأنه يعني أن «السلطة» مستعدة لغض الطرف عما يجري، وان الأنظمة العربية انسحبت من الموضوع ولم تعد مستعدة لفعل أي شيء، حتى على المستوى الديبلوماسي أو القانوني، رغم أنها تملك الكثير على هذين الصعيدين.

في زمن النخوة قامت الدنيا ولم تقعد حين جرت محاولة إحراق منبر المسجد الأقصى في سنة 69، مما استدعى عقد القمة الإسلامية وإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامى وتشكيل لجنة القدس. وبمضي الوقت ثبت أن الشيء الذي لم يعد متوافرا هو إرادة الدفاع عن القضية وعن أمن الأمة. ولذلك لم يكن غريبا أن يهب الفلسطينيون للدفاع عن المسجد الأقصى بأجسادهم، وبالحجارة والأحذية والكراسي.

إن الأنظمة العربية لم تعد مؤتمنة على قضايا المصير، ولم يعد أمام شعوبنا العزل التي لم تهزم بعد سوى أن تدافع عنها بأجسادها وصدورها العارية، على الأقل حتى يأذن الله بفرج من عنده.

............................

التطبيع وأفول الحركة الوطنيه المصريه – المقال الاسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 10 شوال 1430 – 29 سبتمبر 2009

التطبيع وأفول الحركة الوطنيه المصريه – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_29.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/947462.html

الضجة التى أثارتها زيارة السفير الإسرائيلى فى القاهرة لمؤسسة الأهرام أعادت فتح ملف التطبيع الملتبس، بقدر ما أنها سلطت ضوءًا كاشفا على أزمة الحركة الوطنية المصرية.

(1)
القصة احتلت مكانا بارزا فى الوسط الإعلامى على الأقل، فشغلت المثقفين طوال عشرة أيام كما أثارت غضب شباب الأهرام واللجنة النقابية بالمؤسسة. واستنفرت نقابة الصحفيين التى اتجهت إلى مساءلة الدكتورة هالة مصطفى رئيس تحرير مجلة الديمقراطية التى تصدرها المؤسسة، والتى استقبلت فى مكتبها السفير الإسرائيلى شالوم كوهين.

بدا المشهد مسكونا بالمفارقات، إذ فى حين أسرفت الصحف المستقلة فى متابعة الموضوع فإن الصحف القومية سكتت تماما إزاءه، بسبب التزامها بالموقف الرسمى المؤيد للتطبيع، من ناحية ثانية، فإن عددا غير قليل من الذين شاركوا فى الضجة انصب احتجاجهم على استقبال السفير الإسرائيلى فى مبنى صحيفة عريقة مثل «الأهرام»، فيما بدا أنه غضب للمكان وليس اعتراضا على مبدأ الزيارة، بمعنى أن الأمر كان يمكن أن يمر بسلام لو أن اللقاء تم فى مكان آخر.

من ناحية ثالثة فإن الذين سربوا الخبر ومن ثم أطلقوا الشرارة الأولى للحملة كانوا خليطا من أنصار التطبيع ومن المقربين إلى لجنة السياسات، مما أعطى انطباعا قويا بأنهم ليسوا ضد التطبيع وإنما هم بالدرجة الأولى ضد الدكتورة هالة مصطفى، كأنما صرنا بإزاء تصفية حسابات بين أعضاء الحزب الحاكم.. من ناحية رابعة فإن الضجة المثارة وضعت بعض القيادات الصحفية فى حرج بالغ، لأن رئيس مؤسسة الأهرام من أركان جماعة كوبنهاجن ومن أنصار التطبيع. كما أن نقيب الصحفيين من أوائل الذين زاروا إسرائيل فى عهد الرئيس السادات.

هذه الأجواء تعكس حالة البلبلة الحاصلة فى مصر بصدد موضوع التطبيع. فالمجتمع ضد التطبيع والسلطة معه، وفى أحسن أحوالها فهى ليست ضده، أما المثقفون فهم منقسمون بين مؤيد ومعارض له. ورغم أن المؤيدين قلة، فإن صوتهم أعلى، خصوصا أن السلطة احتضنت بعضهم ومكنتهم من تبوء مراكز متقدمة فى وسائل الإعلام التى تسيطر عليها، فأعطوا حجما أكثر مما ينبغى ومن ثم أحدثوا تأثيرا لا يمكن إنكاره.

(2)
حين يذهب السفير الإسرائيلى بنفسه للقاء رئيسة تحرير مجلة مغمورة ومحدودة التوزيع، فإن ذلك يكشف عن مدى الدأب والإلحاح الذى ىبذله الإسرائيليون لاختراق الساحة الإعلامية فى مصر. وهو ما يذكرنا بكلام وزير الأمن الداخلى الإسرائىلى آفى ديختر فى محاضرته الشهيرة التى استشهدت بها أكثر من مرة. وقال فيها إن إسرائيل لكى تثبت أقدامها فى مصر، فإنها تعتمد على ركائز أولها «إقامة شراكة مع القوى والفاعليات المؤثرة والمالكة لعناصر القوة فى البلد وهى: الطبقة الحاكمة ــ وطبقة رجال الأعمال ــ والنخب الإعلامية والسياسية». هذا الكلام الذى ردده الرجل فى معهد أبحاث الأمن القومى (فى 4 سبتمبر عام 2008)، تترجمه الممارسات الإسرائىلية فى مصر، التى لا يشك أحد فى أنها حققت نجاحات مشهودة فى أوساط النخب سابقة الذكر.

لقد بدأ اختراق الوسط الصحفى ــ الذى يعنينا فى الوقت الراهن ــ بموقعين أساسيين هما: مجلة أكتوبر تحت رئاسة الأستاذ أنيس منصور، ومركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام تحت رئاسة الدكتور عدالمنعم سعيد. ذلك أنه ما من صحفى أو باحث إسرائيلى جاء إلى مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلا وبدأ رحلته انطلاقا من أحد هذين الموقعين، حتى إن بعض الصحفيين وصفوا دار المعارف التى تصدر مجلة أكتوبر بأنها أصبحت دار «معاريف» (أحد محررى المجلة أعلن على شاشة التليفزيون أنه زار إسرائيل 25 مرة) وبات معلوما أن بعض باحثى مركز الدراسات يحتفظون بعلاقات وثيقة مع الباحثين الإسرائيليين.

المدى الذى بلغه الاختراق الإسرائيلى لأوساط النخب المصرية ليس مرصودا بوضوح عندنا، لأن ما يتم منه خارج الدوائر الرسمية يحاط بتكتم وحذر شديدين لأسباب مفهومة، لكن الصورة من الجانب الإسرائيلى أكثر وضوحا. وقد تحدث عنها ببعض التفصيل السفير الإسرائيلى فى القاهرة شالوم كوهين، فى حوار نشرته له صحيفة «الشرق الأوسط» فى 13 سبتمبر الحالى. إذ ذكر أنه خلال السنوات الأربع الأخيرة حدث تقدم كبير فى مسيرة التطبيع، تم من خلال الحوار المستمر مع وزارات الخارجية والتجارة والصناعة والزراعة والسياحة، وهو ما أدى إلى استئناف عمل اللجان العسكرية والأمنية المشتركة، وتحت هذه العناوين هناك تفصيلات كثيرة، منها مثلا أن اللجنة الأمنية المشتركة بين البلدين تجتمع بصفة دورية مرتين سنويا، مرة فى القاهرة والأخرى فى تل أبيب. منها أيضا أن إسرائيل استقبلت هذا العام 200 مبعوث من وزارة الزراعة للالتحاق بدورات دراسية تستمر ما بين شهر وشهر ونصف الشهر. منها كذلك أن حجم التبادل التجارى بين البلدين تضاعف ثلاث مرات ووصل إلى 400 مليون دولار. منها أيضا أن زيارات المسئولين الإسرائيليين لمصر كثيفة، إلى درجة فاقت زياراتهم لدول أوروبية صديقة مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا.

عن المثقفين والفنانين قال السفير الإسرائيلى إنه يحتفظ بعلاقات واسعة معهم. وقد التقى أخيرا بواحد من «كبارهم»، اعتذر عن عدم ذكر اسمه. كما اعتذر عن عدم ذكر أسماء الذين يحضرون الحفلات التى يقيمها ويتبادل معهم الزيارات أو الذين يرحبون بالمثقفين الإسرائيليين الذين يفدون إلى القاهرة، ولم يذكر من أسماء هؤلاء وهؤلاء سوى الدكتور عبدالمنعم سعيد والدكتورة هالة مصطفى.

(3)
تلاحق المفارقات فصول المشهد. إذ فى حين تنتعش العلاقات المصرية ــ الإسرائيلية، فإن أوروبا تشهد حملة متصاعدة تدعو إلى مقاطعة إسرائيل من جانب أناس شرفاء يعتبرون ذلك واجبا أخلاقيا يجب الوفاء به. وقد نشرت مجلة «لوموند دبلوماتيك» تقريرا ضافيا حول هذا الموضوع فى عددها الأخير الصادر فى أول سبتمبر الحالى، تحدث عن أن العدوان الإسرائيلى الوحشى على غزة استنفر قطاعات من المثقفين، الذين رأوا أن المقاطعة هى الرد الأخلاقى على جرائم إسرائيل وعنصريتها. وهؤلاء لم يجدوا فرقا يذكر بين النظام العنصرى الذى تطبقه إسرائيل فى فلسطين وبين ممارسات النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا، الذى أسهمت المقاطعة فى فضحه وإسقاطه.

ذكر التقرير أن المنتدى الاجتماعى العالمى الذى عقد فى «بيليم» بالبرازيل قرر يوم 30 مارس الماضى يوما عالميا لمقاطعة المنتجات المصنعة فى إسرائيل من الأزهار والفاكهة إلى الخضار والمعلبات وانتهاء بالأدوية ومستحضرات التجميل. وترددت فى أنحاء أوروبا أصداء تلك الحملة التى خاطبت المستهلكين وأصحاب المحال العامة، الذين دعوا إلى سحب البضائع الإسرائيلية من رفوف العرض، كما شنت بعض الجمعيات الأهلية حملة دعت إلى تعليق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبى، استنادا إلى أن الاتفاق بين الجانبين دعا إلى احترام حقوق الإنسان، وقد انتهكت إسرائيل هذا البند فى فلسطين.

قال تقرير المجلة إن 21٪ من المصدرين الإسرائيليين اضطروا إلى خفض أسعارهم بسبب المقاطعة، لأنهم خسروا جزءا كبيرا من أسواقهم، خصوصا فى الأردن وبريطانيا والدول الإسكندنافية.

إلى جانب المقاطعة الاقتصادية، أضاف تقرير المجلة، هناك تحركات أخرى تم اللجوء إليها للضغط على إسرائيل ومحاولة عزلها عن الساحة الدولية، منها المقاطعة الثقافية والأكاديمية والرياضية. وكان من نتيجة تلك الضغوط أن تم تأجيل معرض السياحة الإسرائيلية الذى كان مقررا إقامته فى باريس فى 15 يناير الماضى، وسحب اللوحات السياحية الإعلانية من مترو أنفاق لندن فى مايو 2009. ورفض شركة «هيرتز» الرائدة فى تأجير السيارات إدراجها فى عرض ترويجى لشركة الطيران الإسرائىلية «العال»، ورفض السويد الاشتراك فى مناورات جوية دولية بسبب اشتراك إسرائيل فيها، وفى بلجيكا شنت حملة جعلت 14 بلدية تلغى توظيفاتها المالية فى المصرف البلجيكى الفرنسى، لأن فرعه الإسرائيلى يشارك فى تمويل بلديات موجودة على الأراضى الفلسطينية المحتلة. وفى فرنسا خسرت شركتا ألستوم وفيوليا عقودا بملايين اليوروات لأنهما اشتركتا فى تشييد خط للترام فى القدس، وهو ما تكرر مع شركات أخرى فى بريطانيا وهولندا والسويد، إما حرمت من عقود تجارية، أو أجبرت على نقل مشروعاتها من الضفة الغربية المحتلة.

(4)
يشعر المرء بالخجل حين يقارن بين دعوات مقاطعة إسرائيل فى أوروبا لأسباب إنسانية وأخلاقية، وبين نظيراتها فى مصر والعالم العربى حيث تشكل إسرائيل تهديدا أمنيا ووجوديا. صحيح أن لجان المقاطعة نشطت فى مصر حينا من الدهر، (فى أعقاب الانتفاضة الثانية عام 2000)، إلا أنها هدأت بعد ذلك، ولم يعد يسمع لها صوت يذكر، فى حين تسارعت عملية التطبيع واتسع نطاقها.

حين يحاول الباحث أن يفسر تلك المفارقة، فإنه لا يستطيع أن يفصل بين تراجع وضعف حملة المقاطعة وبين الوهن والتشرذم اللذين أصابا الحركة الوطنية المصرية، على نحو أصابها بالتآكل وأدخلها فى مرحلة الأفول وهو ما يدفعنى إلى الزعم بأن الاختراقات الحاصلة ليست راجعة إلى قوة حركة التطبيع التى لا تزال مرفوضة شعبيا، ولكنها راجعة إلى ضعف الحركة الوطنية المصرية.

وحتى لا يلتبس الأمر على أحد، فإننى أسجل أن الساحة المصرية تحفل بالعناصر والتجمعات الوطنية لكنها لم تلتئم فيما بينها بحيث تشكل حركة فاعلة ومؤثرة. ذلك أن الحركة الوطنية كما أفهمها هى ذلك التجمع الذى يضم قوى سياسية عدة تلتقى حول المصالح العليا للوطن، بما يستحثها على الدفاع عن تلك المصالح من خلال التأثير فى المجال العام.

إذا صح ذلك الاستنتاج فهو يعنى أن تقدم مسيرة التطبيع عرضا لمرض أكبر يتمثل فيما أصاب الحركة الوطنية المصرية من وَهَن، يرجع إلى عدة عوامل فى مقدمتها الضعف الذى أصاب المجتمع جراء تهميش دوره وخضوعه لأكثر من نصف قرن لنظام سعى طول الوقت إلى تفكيك وتقويض مؤسساته المستقلة وتجمعاته المدنية وإلحاقها بسياسة السلطة القائمة.

وإذ تزامن ذلك مع تعاظم قوة وأدوات الدولة الحديثة وفرض قيود قانونية تقيد حركة المجتمع، فإنه أدى إلى إجهاض وإيقاف نمو قواه الحية. توازى ذلك مع تعاظم دور الأجهزة الأمنية، التى نذرت نفسها للدفاع عن النظام وسياساته، بأكثر مما انشغلت بالدفاع عن المجتمع أو الوطن. وفى سبيل ذلك فإنها لجأت إلى اختراق جميع مؤسسات المجتمع وخلايا العافية فيه لضمان إلحاقها بالسياسة والتحقق من مدى خضوعها والتزامها بخطوطها الرئيسية. وفى ذات الوقت فإننا لا نستطيع أن نغفل دور الإغراءات الشديدة التى باتت تترتب على التعلق بركاب السلطة، والثمن الباهظ الذى يتعين دفعه جراء التحليق خارج السرب. وإزاء طول أجل النظام الراهن فإنه نجح فى توسيع دائرة المستفيدين واحتواء شرائح غير قليلة من السياسيين والمثقفين.

وفى الوقت ذاته نجح فى تيئيس الذين رفضوا الالتحاق بالركب واختلفوا مع رؤيته السياسية ــ وترتب على ذلك كله أن السلطة أصبحت واثقة من أن المجتمع بات منزوع العافية، حتى أطلقت يدها فى كل شىء وهى مطمئنة إلى أنه لن يحدث أى شىء.

لست أشك فى أن غيرى قد يكون لديه اجتهاد آخر فى تفسير ما يجرى، لكننى أرجو أن نتفق على أن المجتمع الضعيف لا يستطيع أن يفرز حركة وطنية قوية، وأن فاتورة وهن الحركة الوطنية تخصم من أحلام الناس فى الحاضر والمستقبل.

.........................

28 سبتمبر، 2009

حزن سيناء المقيم

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 9 شوال 1430 – 28 سبتمبر 2009
حزن سيناء المقيم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_28.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/946785.html


أما من نهاية لمسلسل القمع والترويع الذي يتعرّض له أبناء سيناء؟
هذا السؤال يلحّ عليّ كلما وقعت على شيء من صفحات سجل الحزن المقيم في سيناء، الذي عمّق من مشاعر التوتر والرغبة في الثأر بين القبائل من ناحية وأجهزة الأمن والشرطة من ناحية أخرى.

أحدث صفحة في ذلك السجل تصدرها بيان موقع باسم «أبناء القبائل»، موجّه إلى الرئيس حسني مبارك، تمنى فيه من أصدروه أن يصل صوتهم إلى مسامع الرئاسة، بعدما بدا أن أبواب الأمل سُدّت أمامهم، وأن آذان بقية المسؤولين انصرفت عنهم وامتنعت عن استقبال نداءاتهم.

في البيان مطالب عدة، في مقدمتها أمران هما:
إطلاق سراح أكثر من ألف معتقل من أبناء القبائل محتجزين منذ أكثر من سنتين لدى أجهزة الأمن،
ووضع سيناء على خريطة التنمية، بما ينتشلها من التخلّف المخيّم عليها، ويطوي صفحة الإهمال الذي تعاني منه منذ عقود عدة.

ومن الواضح من استعراض بقية المطالب التفصيلية الواردة في البيان أن موقعيه يختزنون أحزانا كثيرة، وأن ثمة تراكما في تلك المشاعر المحبوسة تجلى هذه المرة في قائمة المطالبات المكتوبة، لكنه قد يعبر عن نفسه بوسائل أخرى يظل التمرّد والتصادم من خياراتها.

لا يشك أحد في مشروعية المطلبين الرئيسيين اللذين أشرت إليهما. ذلك أن اعتقال ألف شخص لأجل غير معلوم حدث جلل في المجتمع القبلي بوجه أخص، لأن كل فرد وراءه قبيلة تُستنفَر لأجله، وقد قيل لي من المتابعين لملف معتقلي سيناء أن جميعهم تم احتجازهم بمقتضى قانون الطوارئ.
بعضهم اعتقل لأسباب جنائية (تهريب مثلا)،
والبعض الآخر تم اعتقالهم للاشتباه فيهم بعد حدوث بعض التفجيرات في المنتجعات السياحية،
والفئة الثالثة من الناشطين السياسيين الذين تضيق بهم الأجهزة الأمنية ذرعا، وتستسهل احتجازهم في السجون للخلاص من «صداعهم»، كما حدث مع الناشط سعد أبوفجر، الذي لم يعرف أحد في سيناء لماذا هو معتقل منذ قرابة عشرين شهرا، وما تهمته بالضبط؟

إن الأجهزة الأمنية المصرية تلجأ بعد كل حادث يقع إلى أسلوب «التمشيط»، الذي بمقتضاه يتم إلقاء القبض على أكبر عدد من المشتبه بهم والمشكوك في أمرهم، وهؤلاء قد يصل عددهم إلى المئات وربما الآلاف، حسب الحالة، وبعد أن يصبحوا في قبضة الأجهزة تتم التحريات ويحدث الفرز لمحاولة العثور على المتهمين من بينهم، بعد استخدام الأساليب المعروفة في الاستنطاق، وهؤلاء عادة لا يزيد عددهم على عشرة أو عشرين شخصا.
في حين أن الدول التي تحترم حقوق البشر وكراماتهم تجري التحريات أولا، ثم تلقي القبض على من تتوافر ضده أدلة كافية لاتهامه، حتى إن الشرطة في إنجلترا لم تُلق القبض إلا على ثمانية أشخاص فقط في حادث التفجيرات التي هزت لندن عام 2005، فقتلت 50 شخصا وأصابت 700.

أما قضية إهمال تنمية سيناء وترك أهلها فريسة للفقر والبطالة، فهي مما لا ينبغي الاستهانة به، لأن هذه هي البيئة التي فرّخت التطرف والإرهاب في الصعيد، وهي ذاتها المشكلة التي فجرت تمرد الحوثيين في شمال اليمن. وقد اعتبر بعض الباحثين أن ذلك الإهمال من قبيل ما سمّوه «تطرف التنمية»، الذي يهدي قطاعات من المجتمع إلى التجمعات الإرهابية، حيث تجد لديهم رصيدا كافيا للتمرّد والنقمة والقطيعة مع السلطة والمجتمع.

أضيف من جانبي مسألة أخرى جوهرية لا تمسّ سيناء وحدها، وإنما تحوّلت إلى إحدى مشكلات المجتمع المصري المستعصية، التي لا يوجد لها حل في الأجل القريب، أعني بذلك التعامل مع المشكلات الاجتماعية بعقلية أمنية، وهو ما سميته من قبل إدارة المجتمع
بعقلية المطرقة، التي لا تعرف التفاهم أو السياسة ولا تخاطب الآخرين إلا بلغة الهراوة أو المطرقة. وهو ذات النهج الذي لا يؤمن بالتنمية أو المشاركة أو محاولة كسب القبائل واحترام خصوصيتها، وإنما يعتبر أن القمع هو الحل. ولا يحتاج المرء إلى عراف أو قارئ كف لكي يخلص إلى أنه طالما ظل القمع هو الحل، فإن المجتمع لن يعرف الاستقرار، سواء كان قبليا أم حضريا، وهو درس قديم ظل المستبدون محصّنين ضد تعلّمه، بالرغم من أن أغلبهم دفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك.
.....................

27 سبتمبر، 2009

قنبلة ليبرمان التي تجاهلوها

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 8 شوال 1430 – 27 سبتمبر 2009
قنبلة ليبرمان التي تجاهلوها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_27.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/946288.html

أستغرب تجاهل الإعلام العربي تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي طالب فيه السلطة الفلسطينية بأن تسحب دعواها التي قدمتها إلى المحكمة الجنائية الدولية.. واتهمت فيها إسرائيل بارتكاب جرائم حرب أثناء الحرب على غزة.
وبرر ذلك بقوله إن السلطة التي طلبت من إسرائيل أن توجه ضربة قاصمة إلى حماس في غزة ليس لها أن تدعي عليها بعد ذلك بأنها ارتكبت جرائم حرب بحق القطاع.

هذا الكلام الخطير الذي أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست» في 23 /9، لم يثر اهتمام وسائل الإعلام العربية المعروفة، باستثناء قناة «الجزيرة» التي أوردت الخبر،
وهو موقف يبعث على الحيرة ويثير الشك، من حيث إنه يعطي انطباعا بمحاولة التستر على المعلومة وطمسها، لأسباب غير مطمئنة.
مع ذلك يظل مضمون الكلام هو الأهم، وهو يستحق التدقيق والتحقيق، على الأقل لكي نفهم ما يجري.
صحيح أن السيد ليبرمان على المستوى الشخصي رجل سيئ السمعة، وهو من جانبنا لا يحظى بأي احترام.
أما على مستوى الموضوع، فحين يقول كلاما كهذا وهو في منصب وزير الخارجية، فإننا لا ينبغي أن نغض الطرف عنه، وإذا كنا لم ننس له تهديده بقصف السد العالي وهو مجرد زعيم حزب يزايد على غيره، فأجدر بنا ألا نتجاهل ذلك الكلام الخطير الذي قاله وهو مسؤول في الحكومة.

عند الوهلة الأولى فإن ادعاء ليبرمان يبدو أقرب إلى المستحيلات، حيث لا يتصور عقلا أن تطلب قيادة السلطة الفلسطينية من إسرائيل أن تجهز على حماس في غزة، رغم ما تكنه لها من خصومة وما تختزنه من مرارات، لكن هذا اللامعقول صار معقولا في ممارسات عدة حاصلة على الأرض، يجسدها مثلا التنسيق الأمني بين الأجهزة الفلسطينية والإسرائيلية، ذلك أن هذا التنسيق يتم بين الطرفين في مواجهة عناصر المقاومة، ويراد به في حقيقة الأمر القضاء على المقاومة تماما.

والفرق بينه وبين العدوان، أن الإجهاز في ظل التنسيق الأمني يتم بالتقسيط، في حين أنه «فوري» ودفعة واحدة في حالة الحرب
يكمل الصورة من هذه الزاوية ما ذكره رئيس الموساد السابق «إفرايم هاليفي» في مقال نشرته له «يديعوت أحرونوت» (في 25 مايو الماضي) تحت عنوان «الفلسطيني الجديد»، من أن الاعتقالات التي تقوم بها إسرائيل في الضفة في صفوف قادة حماس تستهدف تعزيز حكم أبومازن وجماعته.
ومن المفارقات أن الرجل عارض في مقاله سياسة القضاء على حماس التي تنبأ لها بالفشل، ودعا إلى ضرورة الحوار معها.

ثمة قرائن أخرى يفيدنا استحضارها أثناء بحث الموضوع، منها على سبيل المثال،
أن بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كانوا يزودون الإسرائيليين أثناء الحرب بمعلومات عن الأوضاع في غزة. وقد سمعت من أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي أن أحدهم اتصل به هاتفيا في اليوم الثاني للعدوان. لكي يلفت نظره إلى أن الإسرائيليين قصفوا أهداف حماس ولم يوجهوا صواريخهم إلى أهداف الحركة، ساعيا بذلك إلى استمالته وإغراء مقاومي الجهاد بعدم التضامن مع حماس في المعركة.
وحين سمع الرجل ما لا يرضيه بادرت الطائرات الإسرائيلية إلى قصف مقار «الجهاد» في اليوم التالي مباشرة! وما كان لذلك أن يتم إلا من خلال انتظام الاتصال المباشر بين الطرفين أثناء العمليات.

من تلك القرائن أيضا أن بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تمركزوا في العريش منذ الساعات الأولى لبدء العدوان الإسرائيلي، وكانوا متأهبين للدخول إلى غزة مقدرين أن الحكومة القائمة في القطاع ستسقط، وأن قادتها سيحاولون الاحتماء بالأراضي المصرية.

حين تشيع هذه المعلومات في أوساط المتابعين للشأن الفلسطيني، ثم يخرج ليبرمان على الجميع ليقول ما قاله، فإنهم لا يفاجأون، وإنما يهزون رؤوسهم قائلين إن ظنونهم كانت في محلها حقا وهو ما يدعوني إلى القول بأن الخطر على القضية لم يعد من إسرائيل وحدها، لأن الأخطر هو سلوك الممسكين بالملف في البيت الفلسطيني ذاته.
........................

26 سبتمبر، 2009

الحكومة متهم أول

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 7 شوال 1430 – 26 سبتمبر 2009
الحكومة متهم أول – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/945898.html

هذه قصة من ذلك النوع الذي تصيبك وقائعه بالكآبة في عز العيد.

الشخصية المحورية فيها مزارع يبلغ من العمر ثلاثين عاما، اسمه شعبان سعد، يعيش في إحدى القرى المجاورة لمدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية،
هذا الرجل أنجب طفلا في أواخر شهر رمضان، وقيل له إنه يحتاج إلى جهاز للتنفس الصناعي. فحمله وذهب به إلى حضانة تابعة لمستشفى خاص في طنطا. وما إن عرض عليهم الأمر حتى طلبوا منه إيداع مبلغ 2400 جنيه كمقدم للسماح للطفل بالدخول.
دفع الرجل المبلغ صاغرا، وظل يتردد على طفله كل يوم لكي يتابع حالته. وفي اليوم الخامس طالبته إدارة المستشفى بسداد مبلغ ألفي جنيه إضافية، أسقط في يده، فخرج من المستشفى لكي يبحث عن حضانة مجانية تستطيع استقبال ابنه الرضيع. وبعدما حفيت قدماه ولم يعثر على ضالته عاد إلى المستشفى مرة أخرى ليجد أنهم رفعوا جهاز التنفس الصناعي، وأن الطفل فارق الحياة،

جن جنون الرجل وذهب إلى أقرب مركز للشرطة حيث حرر محضرا ضد إدارة المستشفى، متهما إياها بقتل طفله. الأدهى من ذلك والأمر أنه حين أراد أن يتسلم جثمان الطفل لكي يدفنه فإن إدارة المستشفى رفضت تسليم الجثة إلا بعد أن يسدد الرجل بقية الحساب!

في القصة التي نشرتها «الأهرام» (عدد 22سبتمبر الجاري) أن وكيل وزارة الصحة بمحافظة الغربية اهتم بالموضوع، وأن الطبيب الشرعي سيحدد ما إذا كانت وفاة الطفل حدثت بسبب رفع جهاز التنفس الصناعي عنه، أم أنه كان قد مات ثم تم رفع الجهاز بعد ذلك. وفي ضوء ذلك البحث ستتحدد الإجراءات التي يتعين اتخاذها في مواجهة الأطراف المسؤولة.

تثير القصة أكثر من ملاحظة.
فأنا لا أريد أن أصدق أن تكون إدارة المستشفى قد قررت رفع جهاز التنفس عن الطفل الرضيع مما أدى إلى موته. لأننا نصبح بإزاء جريمة قتل عمد، ينبغي أن يجرم كل من شارك فيها بالتحريض والتنفيذ.
مع ذلك فلا مفر من الاعتراف بتعدد حالات طرد المرضى من بعض المستشفيات لعجزهم عن تدبير نفقات العلاج مما أدى إلى وفاة بعضهم، الأمر الذي يسلط الضوء على ثلاثة أمور،
أولها فشل الدولة في تدبير الرعاية الطبية اللازمة للمعوزين،
وثانيها جشع بعض أصحاب المستشفيات وعزل الضمير عن المهنة في تلك الحالات،
أما الأمر الثالث فيتمثل في حجم الانقلاب الذي حدث في منظومة القيم السائدة، وطغيان قيمة الاتجار بأي شيء وتحقيق الكسب السريع بصرف النظر عما هو مشروع أو غير مشروع.

من ناحية أخرى، فإن ما جرى يسلط الضوء على عذابات الفقراء في هذا البلد، وعدم وجود أي غطاء يوفر لهم الحق في الحياة.
وللعلم فإن الرجل الذي فقد ابنه الرضيع ليس من المعدمين. لأنه استطاع أن يوفر 2400 جنيه لعلاج ابنه في يوم دخوله إلى المستشفى، وهو مبلغ يعجز عن تدبيره ملايين المصريين إذا ما طولبوا به فجأة. كما أنه يفوق قدرة ثلاثة أرباع موظفي الحكومة، إذا ما تعرض أي واحد منهم لمثل هذا الموقف.

في الوقت ذاته فإن ما جرى يثير سؤالا كبيرا حول القاتل الحقيقي لابن المزارع شعبان سعد. لأن مختلف الشواهد تشكك في صدق المعلومات التي روجت لها الصحف حول توفير التأمين الصحي للأطفال منذ ولادتهم. إذ الثابت أن الصحف زفت تلك الأخبار للناس وأشادت بها، لكن الحكومة اكتفت بالنشر في الصحف، ولم تعتمد أي مبلغ لتنفيذ المشروع. وهو ما يعني أن المتهم الأول في جريمة قتل الطفل الرضيع ليس مستشفى مدينة طنطا.
وإذا ما أثبت تقرير الطبيب الشرعي مسؤولية إدارة المستشفى عن وقوع الجريمة، فإنها يجب أن تضم إلى لائحة الاتهام كمتهم ثان.

والمشكلة في هذه الحالة أن المتهم الأول الذي هو فوق القانون سيفلت من العقاب، إذ بامتناع الحكومة عن التأمين على الأطفال بعد ولادتهم، فإن حالات قتل أبناء الفقراء سوف تستمر، وسيظل المسؤول الأول عن القتل مطلق السراح.
............................

23 سبتمبر، 2009

لا فشله هزيمة ولا فوزه انتصار

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 5 شوال 1430 – 24 سبتمبر 2009
لا فشله هزيمة ولا فوزه انتصار – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_9024.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/944777.html

هذه خمس ملاحظات على ما حدث في انتخابات مدير عام اليونسكو، التي أسفرت عن خسارة السيد فاروق حسني وفوز المرشحة البلغارية ايرينا بوكوفا:

* الملاحظة الأولى أن هذه من المرات النادرة التي يخوض فيها وزير مصري تجربة انتخابية حرة، لا مجال فيها للتلاعب أو التزوير. صحيح أن الأمر لم يخل من تربيطات ومناورات، وهو ما يحدث في كل انتخابات، ولكن ذلك كله يتم خارج قاعة الاجتماع ولا علاقة له بفرز الأصوات. وهو ما لم يألفه رجال السلطة في مصر، الذين اعتادوا أن يخوضوا «المعارك الانتخابية» وهم مطمئنون إلى نتيجتها، والمناسبة تثير السؤال التالي:
كم واحدا منهم يمكن أن يحقق فوزه «الكاسح» في أي انتخابات حرة؟

* الملاحظة الثانية أن فشل السيد فاروق حسني لا يشكل خسارة لمصالح العرب أو المسلمين، كما أن فوزه لم يكن ليعد مكسبا لهم. ذلك أن مدير اليونسكو يظل محكوما في سياساته ومواقفه بحسابات ومصالح الدول الكبرى المهيمنة. ولا ينسى أن المسلم الوحيد الذي شغل ذلك المنصب الوزير السابق والمثقف السنغالي البارز أحمد مختار امبو الذي انتخب عام 1974. وحين اقترب الرجل من خطوط الغرب الحمراء، مثل نزع السلاح وإسرائيل والنظام العنصري في جنوب أفريقيا. فإن الدول الأوروبية ناصبته العداء، وانسحبت الولايات المتحدة من المنظمة، وقطعت تمويلها لأنشطتها. الأمر الذي أصاب اليونسكو بالشلل وأضعف دورها، إلى أن تركها الرجل غير مأسوف عليه من جانب العواصم الغربية، وهو ما يسوغ لي أن أقول إن نجاح صاحبنا لم يكن ليفيد في شيء العالم الذي ينتمي إليه، كما أن فشله لا يمثل خسارة لمصالح ذلك العالم.

* إن قرار التنافس على منصب مدير اليونسكو لم يكن اختيارا صائبا لأن سمعة مصر السياسية والثقافية لا تشكل رصيدا إيجابيا يقوي مركز مرشحها ويعززه. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن فشل السيد فاروق حسني ليس راجعا لكونه معاديا لإسرائيل كما قيل، ولكن من الأسباب المهمة التي أسهمت في الفشل أنه يمثل بلدا يصنف ضمن الدول الفاشلة سياسيا، حيث تُحتكر فيه السلطة ويحكم بقانون الطوارئ منذ أكثر من ربع قرن وتُقمع فيه الحريات العامة، وهو ما يجرح صورة مرشحها، ويجعل من انتخابه لإدارة اليونسكو اعتداء على قيمها وإضعافا لرصيدها الأدبي والمعنوي. وهي ذاتها الأسباب التي أدت إلى فشل الدكتور غازي القصيبي المرشح السعودي لذلك المنصب قبل أربع سنوات، حيث قيل وقتذاك كيف يمكن أن يصبح الرجل مديرا لليونسكو وهو يمثل بلدا يعادي الديموقراطية.

* الملاحظة الرابعة أن مصر بذلت جهودا كبيرة لمساندة فاروق حسني، حتى ان الرئيس مبارك تدخل بشخصه لمساندته فضلا عن ترشيحه. وبات معلوما أنه لم يلتق رئيسا خلال العام الأخير إلا وحدثه في الموضوع. وهو ما أسهم في وقوف الحكومة الفرنسية إلى جواره، وفي تغيير الموقف الإسرائيلي الرسمي منه. وقد استمرت جهود الرئيس لمساندته أثناء جولات التصويت، ونشرت الأهرام في 9/22 أنه أجرى اتصالا هاتفيا مع ملك إسبانيا عبر خلاله عن تقدير مصر لموقف بلاده في أمرين هما: قضية السلام في الشرق الأوسط وترشيح فاروق حسني لليونسكو (لاحظ أن الأمرين وضعا على قدم المساواة). وما يثير الانتباه في هذا الصدد أن الرئاسة المصرية لم تلق بهذا الثقل في مواجهة ملفات أخرى مهمة داخلية وخارجية، من مكافحة الغلاء وانهيار التعليم والبحث العلمي إلى أزمة الخبز واختلاط مياه المجاري بمياه الشرب وصولا إلى مشكلات توزيع مياه النيل وتنقية الأجواء العربية وإنهاء حصار غزة.

* الملاحظة الأخيرة أن السيد فاروق حسني لم يخرج خاوي الوفاض من المعركة، ولكنه عاد «ضحية» وكسب نقطتين من حيث لا يحتسب.
إذ اتهم بالعداء لإسرائيل
وحسب عليه انتماؤه العربي والإسلامي،
والحقيقة أنه بريء من «التهمتين». إذ علنًا بذل الرجل المستحيل لكي ينفي عن نفسه التهمة الأولى،
وعمليا فإنه لم يدع حماسا لذلك يوما ما، كما أنه لم يقصر في محاولة استبعاد التهمة الثانية، تشهد بذلك حسابات توزيع جوائز الدولة التقديرية للعام الحالي.
لكن المرء يثاب في الدنيا أحيانا رغم أنفه!
........................

آخر أخبار «الجنس اللطيف»

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 4 شوال 1430 – 23 سبتمبر 2009
آخر أخبار «الجنس اللطيف» - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/944388.html


الكويتية المطلقة التي قامت بإحراق خيمة نصبت لعرس زوجها السابق، وتسببت في قتل أكثر من 40 شخصا جعلتني أستعيد مقالة فرنسية عن تنامي دور المرأة في عالم الجريمة.

فاجأتني معلوماتها فاحتفظت بها بين أوراقي. صحيح أن هناك فرقا، فالسيدة الكويتية لم تكن زعيمة عصابة، وفيما قرأت فليس لها سجل في عالم الجريمة، ولكنها فعلت فعلتها مدفوعة بمشاعر الانتقام والغيرة والحقد، إلا أنها كانت واعية بأن من شأن الحريق لا أن يقتل طليقها وعروسه الجديدة فحسب، ولكن أن يقتل الذين احتفلوا به أيضاً، وعمدًا أرادت أن تحول الفرح إلى كارثة.
المقال الذي أتحدث عنه نشرته «الاكسبريس» الفرنسية (في 13/8)، واشترك في إعداده ثلاثة من الصحفيين، لفتوا الانتباه إلى قول المدعي العام الإيطالي: إن النساء لم يعدن ضحايا في عالم الإجرام، وإنما صار بعضهن مجرمات كبيرات يرأسن عصابات ومافيات في أنحاء العالم. وهؤلاء متعلمات ويتمتعن بجرأة فاقت كثيراً جيل الأمهات.
ذكرت المقالة أن أول زعيمة مافيا في إيطاليا هي جيزى فيتال «37 سنة» التي أعلنت توبتها في سنة 2005، وكانت قد رأست أحد فروع مافيا «كوزا نوسترا» ذائعة الصيت لمدة خمس سنوات (بين عامي 1998 و2003) وشهد لها الجميع بالحزم والقسوة.

ومن الشائع في نابولي أن تمسك شقيقة زعيم العصابة أو خليلته بزمام العصابة بعد سجنه. وفي بعض الأحيان فإنها ترفض أن تتخلى عن دورها بعد الإفراج عنه،
وفي رأي خبراء الجريمة أن النساء اللاتي يتقلدن هذه المواقع عادة ما يتسمن بالجرأة المفرطة والوحشية. وقد ذاع صيت واحدة من هذا الصنف في الخمسينيات (اسمها بوبيتا ماريكا) ذلك أنها وهي بنت 16 عاماً، وحامل في شهرها السادس، قامت بإطلاق 15 رصاصة على رجل أثناء تناوله الطعام في مطعم.
وطوال عشرين عاماً هيمنت سيدة أخرى متوحشة اسمها آن ماتسا أو «الأرملة السوداء» على مدينة أفراتمولا الصغيرة بضواحي نابولي.
في المكسيك تتولى سيدات أنيقات، هن بمثابة نجوم في وسائل الإعلام رئاسة عصابات المخدرات، ومنذ التسعينيات إلى اليوم يتعاظم دور هؤلاء النسوة في عمليات بيع المخدرات وترويجها، وبعضهن بلغن مواقع قيادية في العصابات.

وأكثر الزعيمات شهرة واحدة اسمها ساندرا افيلا يلتران، أما أكثرهن نفوذاً فهي أندينا اريلانو فيليكس، التي رأست عصابات «تيخوانا» منذ القبض على عدد من أشقائها ومقتل بعضهم. ومعروف عن هذه السيدة التي درست المحاسبة أنها كتومة وحذرة ولا تهتم بالمظاهر أو بالحياة الباذخة. وقد استثمرت أرباحها في مشروعات عقارية وفندقية.

وهناك زعيمة أخرى اشتهرت باسم «الفهد» (اسمها ايفون سوتوفيجا) أسست مكاتب صرف عملة ووكالات عقارية، وقامت بتبييض أكثر من 100 مليون دولار في تلك الشركات، قبل إلقاء القبض عليها في سنة 2001، وتشير الإحصاءات إلى أنه خلال عامي 2007 و2008 لقيت أكثر من 50 مكسيكية مصرعها في حروب تصفية الحسابات بين العصابات،

وفي عام 2005 إثر القبض على زوج ماريا ليتشيادى مديرة إحدى عصابات المافيا، كان عنوان صحيفة «ايل ماتينو» الذى أُبرِز على الصفحة الأولى هو: إلقاء القبض على زوج الرِّيسة.
وفي بعض المدن الأوروبية، تدير نساء نيجيريات شبكات دعارة تنتشر في إسبانيا، وميلانو، وباريس وإدارة مثل الشبكات هذه كانت إلى وقت قريب حكراً على «قوادين» رجال، ويسمى رجال الشرطة الفرنسيون هؤلاء النسوة «لى ماما» (الأمهات) ونظراؤهم البلجيكيون يسمونهن «لى مدام» (السيدات) ويعود تأنيث إدارة شبكات الدعارة إلى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، إثر وصول مومسات نيجيريات «مستقلات» إلى أوروبا واستقرت المومسات بإيطاليا وإسبانيا. واستثمرن أرباحهن في بلدهن الأم. وبعضهن اخترن الاستفادة من الخبرة التي راكمنها في عالم البغاء للإشراف على عدد من الشابات، وتشتري النسوة هذه «قوة عمل» شابة فتية.
وفي2009، بلغ سعر استقدام شابة من نيجيريا إلى أوروبا 10 آلاف يورو، ويسدد المبلغ لشبكات هجرة غير مشروعة تنقل المهاجرين إلى القارة الأوروبية، وتتولى «المدام» تفاصيل استقبال الشابة، وتؤمن مكان إقامتها، وعملها، وتختار زبائنها، وتحتسب «مردودها» ويفترض بالشابة الجديدة تسديد نحو 60 ألف يورو لـ«المدام»، وهو مبلغ يمكن تحصيله من «الشغل» خلال عامين أو ثلاثة

ـ إن وجه «الجنس اللطيف» يتغير حيناً بعد حين ـ وتمكين المرأة يحقق قفزات لم تخطر على البال!
.....................

22 سبتمبر، 2009

الهندي الجديد يستنسخ في فلسطين – المقال الأسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 3 شوال 1430 – 22 سبتمبر 2009
الهندي الجديد يستنسخ في فلسطين – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/944050.html

انتابني شعور بالهلع حين سمعت مصطلح الفلسطيني الجديد لأنه بدا استعادة لتجربة صناعة الهندي الجديد، التي تعد احدى الجرائم التاريخية الكبرى.
- 1 -
الذي تحدث عن الفلسطيني الجديد هو الجنرال كيث دايتون الذي يتولى رسميا وظيفة المنسق الأمني وهو يقيم في تل أبيب ملحقا بالسفارة الأمريكية هناك. أما وظيفته الفعلية فهي الاشراف على تهيئة الأوضاع في الضفة الغربية بحيث تتوافق تماما مع الرغبات والمخططات الاسرائيلية. وهي المهمة التي يحتل رأس أولوياتها تهدئة الهواجس الأمنية الاسرائيلية. من خلال تخليق جيل من الفلسطينيين نافر من المقاومة ومتصالح مع الاسرائيليين.
من هذه الزاوية يغدو الفلسطيني الجديد كائنا ممسوخ الذاكرة، لا تاريخ يحثه ولا حلم يشده ولا أمل يتعلق به، وانما هو مشغول بالتوافق مع المحيط المفروض عليه، ومهجوس بالدفاع عن سلطة منفصلة عن الأمة، ومحتمية بعدوها التاريخي.
المقاومة عنده ارهاب، وفصائل النضال من بقايا عهد بائد عفا عليه الزمن. و»التعاون« مع الاسرائيليين اسهام مرغوب في الاستقرار، وليس مجلبة للعار.
هذا الفلسطيني الذي يريدونه كائنا غير الذي نعرفه. ومهمة الجنرال دايتون هي العمل على الاسراع بانتاجه، كي يتسلم الزمام ويريح بال الاسرائيليين. والجهد الذي يبذله يتوزع على دوائر ثلاث هي:
سلطة الادارة
والأجهزة الأمنية
والمواطنون العاديون.
ومن الواضح أن كل التركيز في الوقت الراهن موجه الى الدائرتين الأوليين. لأن ترويض الفلسطيني العادي مهمة بالغة المشقة وتحتاج الى وقت طويل.
لقد كانت الرسالة الشهيرة التي وجهها ياسر عرفات باسم منظمة التحرير الى رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحاق رابين (سبتمبر 1993) - بداية مرحلة ترويض القيادة الفلسطينية واستسلامها في أوسلو للضغوط الاسرائيلية. ولعل كثيرين يذكرون أن عرفات أعلن وقتذاك الاعتراف باسرائيل ونبذ الارهاب (في ادانة صريحة للمقاومة) مؤكدا أن كل القضايا العالقة ستحل بالمفاوضات، الأمر الذي أغلق الأبواب أمام أي بدائل أخرى في حسم الصراع.
وهذه البداية شقت منحدرا انتهى الى حيث اعتبر خلفه أبومازن أن المقاومة عمل »حقير«، والى حيث أصبح التنسيق الأمني قائما بين السلطة الفلسطينية وبين سلطة الاحتلال للقضاء على المقاومة واستئصال عناصرها.
وهي القرائن التي دلت على أن ثمة سلطة »جديدة« نالت رضا الاسرائيليين وتأييدهم. الأمر الذي هيأ مناخا مواتيا للتقدم نحو تخليق الفلسطيني الجديد في الأجهزة الأمنية. وهي المهمة التي تصدى لها الجنرال دايتون، وساندته فيها بقوة الرباعية الدولية.
-2 –
في مطلع شهر مايو الماضي ألقى الجنرال دايتون محاضرة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تحدث فيها عن جهوده في انتاج الفلسطيني الجديد المنخرط في الأجهزة الأمنية. فقال ان عناصر تلك الأجهزة تم انتقاؤهم من خارج الفصائل، أي من خارج السياسة والدوائر ذات الصلة بالنضال (الارهاب). بحيث يتحول الواحد منهم الى شرطي ينتمي مهنة أكثر من انتمائه الى وطن أو قضية. وعلى حد تعبيره فان الشرطي يلقن ابتداء أنه يعد لكي لا يحارب اسرائيل، ولكن لكي يحفظ النظام ويطبق القانون لهدف أساسي هو: العيش بأمن وسلام مع الاسرائيليين.
الى جانب الاعداد العسكري لأجهزة الأمن، فهناك الاعداد النفسي الذي يستهدف تغيير طريقة تفكير ذلك الجيل الجديد من الجنود، الذين يعملون تحت قيادة ضباط سبقوهم في التعاون والتنسيق الأمني مع الاسرائيليين، وهذا التنسيق له هدفان أساسيان هما
ملاحقة عناصر المقاومة واجهاض عملياتها.
والحيلولة دون تصعيد التوتر بين الجماهير الفلسطينية وقوات الاحتلال.
الجندي الفلسطيني »الجديد« أصبح لا يتردد في تنفيذ تعليمات مطاردة أو خطف واغتيال المقاومين. والضابط الجديد أصبح على تنسيق يومي مع الاسرائيليين. حتى تباهى الجنرال دايتون بأن التعاون بين الضباط الفلسطينيين ونظرائهم الاسرائيليين حقق نجاحا كبيرا أثناء العدوان على غزة، لأنه ساعد على تهدئة الأمور في الضفة، لدرجة أن الضباط الفلسطينيين كانوا يطلبون من الاسرائيليين الاختفاء عن الأنظار لساعة أو ساعتين من بعض المواقع، كي تمر المظاهرات دون أن يستفزها وجودهم. وذكر أن ذلك »التفاهم« حقق نتائج مدهشة في بيت لحم لدرجة أن القائدين الفلسطيني والاسرائيلي تبادلا ثقة أدت الى رفع حظر التجول في المدينة على الرغم من أنه مطبق في الضفة كلها منذ عام 2002. كما أنها سمحت للفلسطينيين بادارة نقاط التفتيش الخاصة بهم لوقف عمليات التهريب.
عملية انتاج الفلسطيني الجديد منزوع العداء لاسرائيل اعتمدت لها الولايات المتحدة 161 مليون دولار ويديرها الجنرال دايتون حقا، ولكن بمساعدة فريق أمني من كندا والمملكة المتحدة وتركيا.
أما معسكرت تأهيل أولئك الضباط والجنود فتتم في الأردن. وهذا الفريق الأمني على صلة يومية مع فريق من رجال الشرطة الأوروبيين الذين يساعدونهم في تنفيذ مخططهم.
في ختام محاضرته قال دايتون ان الاسرائيليين مهتمون للغاية بعملية اعادة تأهيل الأجهزة الأمنية، معتبرين أن نجاح جهود انتاج الفلسطيني الجديد هو الضمان الحقيقي لاستقرار السلام في المنطقة.
- 3 –
اذا أضفنا الى ما سبق تغير أسماء المدن الى العبرية، والضغوط التي تمارسها اسرائيل لمحو تاريخ النكبة والنضال الفلسطيني من مناهج التعليم في الضفة، بما يؤدي الى محو الذاكرة الفلسطينية، فاننا نكون بازاء »سيناريو« احلالي يطبق في فلسطين ما سبق تطبيقه مع الهنود الحمر منذ ثلاثة قرون تقريبا. ذلك أن ما يجري الآن هو صورة طبق الأصل لما فعله المهاجرون البروتستانت الانجليز حين وفدوا الى بلادهم التي عرفت فيما بعد باسم الولايات المتحدة الأمريكية.
وهي التجربة المثيرة التي وثقها بمختلف فصولها المروعة الباحث سوري الأصل منير العكش المقيم في الولايات المتحدة وهو مؤسس مجلة »جسور« التي تصدر بالانجليزية. وأستاذ الانسانيات بجامعة »سفك« في بوسطن. وقد صدر له في الموضوع كتابان. (عن دار رياض الريس ببيروت)
أحدهما سنة 2002 عن الابادة الجسدية الجماعية للهنود، كان عنوانه: حق التضحية بالآخر - أمريكا والابادات الجماعية.
أما الكتاب الثاني الذي عالج الجانب الذي نتحدث عنه فقد صدر في شهر يوليو من العام الحالي. تحت عنوان »أمريكا والإبادات الثقافية«.
الكتاب الأول تحدث عن استئصال الهنود، والثاني تحدث عن طمس هوية من بقي منهم على قيد الحياة، بحيث لا يصبح الهندي هنديا حقيقيا، وانما يغدو »مخصيا« ثقافيا، ومن ثم انسانا جديدا مقتلعا من جذوره ومنتميا الى غير أهله.
من النقاط المهمة التي أثارها الباحث أن الانجليز البروتستانت حين نزحوا منذ بدايات القرن السابع عشر الى ذلك العالم الجديد الذي أطلقوا عليه اسم اسرائيل، فانهم اعتبروا أنفسهم »يهود الروح« (العبرية كانت لغة المتعلمين منهم والعهد القديم اعتبر مرجعهم ومرشدهم). وقد تمثلوا في هجرتهم الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر الى أرض كنعان في فلسطين. وبدورهم اقتنعوا بأنهم »شعب الله المختار«، وأن مشيئة الله تجسدت في أرض كنعان الجديدة، كما جسدت فكرة اسرائيل مشيئة الله في أرض كنعان القديمة (فلسطين).
ولأنهم »الشعب المختار« فقد انطلقوا من أن معاملة السكان الأصليين في البلاد التي هاجروا اليها لا تخضع للقوانين الأخلاقية أو المبادئ العقلية، ومن ثم اسقطوا عليهم فكرة كراهية العبرانيين للكنعانيين، التي سوغت للأولين ممارسة القتل والاغتصاب والاستعباد بدعوى تنفيذ المشيئة الالهية التي فوضتهم في ذلك حين أمرت بذبح الفلسطينيين الكنعانيين.
المشهد لا يخلو من مفارقة، لأن المهاجرين الانجليز حين فعلوا ما فعلوه بحق الهنود الحمر، فأبادوهم واغتصبوا أرضهم فانهم استلهموا تجربة خروج العبرانيين من مصر الى أرض الكنعانيين في فلسطين. ثم دارت دورة الزمن ووجدنا أن الاسرائيليين »العبرانيين« في هذا الزمان استلهموا تجربة المهاجرين الانجليز بجميع مراحلها، من الاستيطان الى الاحتلال واستبدال شعب بشعب وصولا الى استبدال ثقافة بثقافة.
وفي هذا الشق الأخير فان فكرة أولئك المهاجرين في انتاج الهندي الجديد. جرى استلهامها في محاولة انتاج الفلسطيني الجديد. اذ ظل الهدف واحدا، على الرغم من اختلاف التفاصيل والأساليب.
- 4 -

تحدث المؤلف عن أنه فرح حين وجد بين طلابه في الفصل الدراسي الجديد فتاة من أصول هندية اسمها سنج سوك، لكنه دهش حين دعاها باسمها مرة ومرتين ولم تجب.وبعد انتهاء المحاضرة جاءته بوجه شاحب وشفاه مرتعشة، ورجته أن يناديها باسم جينيفر، قائلة انها لا تحب أن يناديها أحد باسمها الأصلي. واعتبر أن ذلك الخوف من الذات، الذي يستبطن كراهية للذات في الوقت نفسه، هو من ثمار عملية انتاج الهندي الجديد، الذي أريد له أن يخجل من هنديته في نهاية المطاف ويشعر بالعار حين يستعيد أيا من بقاياها.
عقب منير العكش على هذه الواقعة بقوله ان هناك شعوبا هندية كثيرة لم تفقد أسماءها الحقيقية فحسب، بل صارت لا تعرف سوى الاسم الذي فرضه عليهم غزاتها. واستطرد قائلا انه: في سياق هذا الاقتلاع والاخضاع والتعرية الثقافية، التي اعتبرها »المحرقة الأخيرة للوجود الهندي، مسخت فكرة أمريكا جسد ضحيتها الهندي وثقافته الى مادة ملوثة للانسان والطبيعة لابد من تطهيرها. وكانت برامج التعليم على رأس الوسائل التي استخدمت لكي«.. نزرع في الطفل الهندي ذاكرة الغزاة ولغتهم ومزاجهم وأخلاقهم ودينهم.. بحيث يتدرب ذلك الطفل الشقي على الاشمئزاز من نفسه ومن كل ما حوله، ويشحن بالخوف من هنديته، والنظر الى نفسه والى العالم بعيون جلادية.
في فصول الكتاب سجل المؤلف شهادات ومقولات منظر الابادة الثقافية التي تمت في ذلك الحين، واختزلت في عبارات مثل:
اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولابد من القضاء عليهما (الكابتن براد مؤسس مدارس الهنود 1840 –
1924) - ان الهنود قد يتعافون من مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تعلم الهندي وتغسله فانك ستقضي عليه حتما، عاجلا أم آجلا.. اقصف كل هندي بالتعليم والصابون ودعه يموت »مارك توين 1867«
- علينا أن نربي طبقة تترجم ما نريد للملايين الذين نحكمهم. طبقة من هنود الدم والبشرة، لكنهم انجليزيو الذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل »توماس مكولاي مؤسس السياسة التربوية في أوساط الهنود 1800 - 1859«.
من المفارقات أن عملية انتاج الهندي الجديد كانت من مهام مكتب الشؤون الهندية الذي تأسس في سنة 1806، وقال المؤلف انه يعد بلغتنا الحديثة »السلطة الوطنية الهندية«، التي قام عليها نفر من الهنود الذين تنكروا لأصولهم، وتسموا بأسماء انجليزية، وهؤلاء اتبعوا أساليب بعضها تم استنساخه في فلسطين، منها على سبيل المثال،
فرض حصار خانق على الجماعات الهندية المماثلة التي تمتنع عن تسليم أطفالها لمدارس التأهيل،
وقطع امدادات التموين عنها لفترة طويلة قبل اقتحامها واعتقال الآباء وخطف الأبناء وقتل الزعماء
- استخدام سياسة »السلام« لكي تكون الألة المثالية لسحق هندية الهنود وخلق جيل جديد من السماسرة الذين يسلمون بالأمر الواقع ويعترفون بشرعيته
- اقامة مدن للهنود »المتعاونين« الذين دخلوا في دين الغزاة، واعتبروا المجتمع الهندي الوحيد الذي تم الاعتراف بشرعيته، وجرى تمثيله بقيادات ثم اختيارها »ديموقراطيا« (!).
لا يحتمل الحيز المتاح مزيدا من التفصيل في المعلومات والشهادات المثيرة التي حفل بها الكتاب، لكن الأكثر اثارة فيه أنك حين تطالع فصوله لابد أن تستحضر الحاضر، حتى يخيل اليك أنك تقرأ رصدا لما يحدث في فلسطين هذه الأيام.
.................

Delete this element to display blogger navbar