Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2009

الرئاسة يجب أن تعتذر

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 10 رمضان 1430 – 31 أغسطس 2009
الرئاسة يجب أن تعتذر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_31.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/8/934023.html

لأن الزمّار يموت في حين تستمر أصابعه في اللعب، كما يقول المثل الشائع، فإن الحرفة تجعلني أراجع صياغة الأخبار المنشورة كما لو أنني مازلت سكرتيرا أو مديرا للتحرير، وهو ما جعلني أدقق في الكيفية التي نشر بها خبر مصرع مدير مباحث محافظة الجيزة، بعدما صدمته عربة طائشة قبل انطلاق مدفع الإفطار يوم الأربعاء الماضي، 26 أغسطس،

إذ نشرت «الأهرام» في اليوم التالي «27 أغسطس» أن اللواء مصطفى زيد، استشهد في أثناء تأدية واجبه، حيث كان الرجل ومعه مدير شرطة الطرق والمنافذ عند الطريق الدائري بمحور المنيب يشرفان على تسهيل حركة المرور قبل الإفطار، «من خلال المنهج الذي تنتهجه وزارة الداخلية بالدفع بضباط الشرطة والمرور لتسهيل حركة المرور» ـ هكذا ذكرت «الأهرام» بالنص، ثم أضافت أنه:
بعدما انفرجت حركة المرور وتحوّل الطريق من متوقف تماما إلى سهولة ويسر جاءت سيارة منطلقة بسرعة جنونية، فأطاحت بالرجلين، فقتلت اللواء مصطفى زيد وأصابت العميد مجدي عبدالله مدير شرطة الطرق والمنافذ.

في اليوم نفسه «27 أغسطس» قالت صحيفة الوفد: إن «العميد» مصطفى زيد مدير المباحث الجنائية بالجيزة كان يقف على وصلة الدائري الجديد بصحبة اللواء محسن حفظي مساعد أول الوزير لأمن الجيزة، واللواء كمال الدالي مدير الإدارة العامة للمباحث، وكان الثلاثة يقومون بمهمة معاينة المحور الجديد ووضع تصور لنقاط الخدمة عليه، تمهيدا لقيام الرئيس مبارك بافتتاحه خلال أيام، وفي أثناء وقوفهم على المحور جاء «أتوبيس» تابع لهيئة حكومية ودهسه مع ضابطين آخرين هما العميد مجدي عبدالله والرائد أشرف فودة، فقتل الأول وأصاب الآخرين.

أثار انتباهي في الخبر المنشور عدة أمور،
فقد لاحظت أن «الأهرام» أغفلت ذكر اثنين من كبار الضباط كانا مع الضابط الشهيد، أعني مساعد أول الوزير لأمن الجيزة، ومدير الإدارة العامة للمباحث،
كما أنني استغربت أن يخرج ثلاثة من أصحاب الرتب الرفيعة بسلك الشرطة لتسيير المرور الذي لا علاقة لهم به على المحور «وهي المهمة التي يستطيع أن يقوم بها أمناء الشرطة أو أي ضابط صغير، وقد جعلني ذلك أكثر ميلا إلى تصديق خبر صحيفة الوفد، الذي ذكر أن مهمتهم الحقيقية كانت ترتيب زيارة الرئيس للمحور.
دعك من اختلاف الروايتين في رتبة الضابط الشهيد، الذي لم أستبعد أن يكون وزير الداخلية قد أمر بترقيته بعد استشهاده.

لاحظت أيضا أن الأهرام تجاهلت هوية حافلة الركاب، التي ذكرت صحيفة الوفد أنها تابعة لإحدى الجهات الحكومية، لاحظت كذلك أن صياغة الأهرام أرادت أن تسجل نقطة لتلميع وزارة الداخلية، حين ذكرت أن الضباط كانوا يشرفون على حركة المرور، التزاما بنهج وزارة الداخلية الحريصة على استمرار تسهيله.

لفت نظري أيضا أن وزارة الداخلية بالغت في توديع جثمان الضابط الشهيد، فإلى جانب منحه رتبة لواء، فإن وزير الداخلية أصدر أمره بإقامة جنازة عسكرية مهيبة له، تقدّمها مندوب رئاسة الجمهورية وشيخ الأزهر ورئيس أركان القوات المسلحة ومساعدو وزير الداخلية.

ورغم اقتناعي بأن الموت له جلاله، وأن الضابط الشهيد يستحق التقدير، ليس فقط لأنه قتل في أثناء قيامه بواجبه، ولكن أيضا لأنه كان ضابطا متميزا ترك سيرة عطرة وعرف باستقامته وورعه «كان على موعد مع السفر لأداء العمرة في اليوم التالي لمصرعه»، إلا أن ترتيب الجنازة على النحو غير المألوف الذي تم، ظل جديرا بالملاحظة.

الخبر الذي نشرته «الشروق» يوم الجمعة 28 أغسطس بدد الشكوك وأظهر الحقيقة، حين ذكر أن حافلة الركاب التي قتلت الضابط الشهيد تتبع «جهة سيادية»، الأمر الذي يؤيد رواية صحيفة الوفد ويكمل الخبر، ذلك أن مهمة الضباط الثلاثة الكبار كانت معاينة المكان تمهيدا لزيارة الرئيس، وأن الحافلة القاتلة تابعة لرئاسة الجمهورية، ولكن وزارة الداخلية حرصت على عدم ذكر الحقيقة، فبالغت في إخراج الجنازة، واخترعت حكاية تسهيل المرور للناس لإخراج الرئاسة من الموضوع.

سألت من أعرف فأيدوا ما ذهبت إليه، وعندئذ قلت:
مادام الأمر ليس متعمدا، فماذا يضير لو أن الداخلية احترمت الحقيقة وذكرتها بشجاعة؟
ولماذا لم يصدر بيان من رئاسة الجمهورية ينعى الفقيد، ويعتذر عما جرى، ويقرر صرف تعويض مناسب لأسرته عن مصابها الفادح؟

سمعني صديق فأسكتني قائلا:
كيف تطالب الداخلية بذكر الحقيقة وهي التي احترفت التزوير وأدمنته، وأغلب الظن أن الصيام أثر عليك، فطالبت الرئاسة بالاعتذار لأسرة الفقيد وللشعب المصري الذي فقد في الحادث واحدا من أبنائه المخلصين.
..........................

30 أغسطس، 2009

طلائع جمال مبارك

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 9 رمضان 1430 – 30 أغسطس 2009
طلائع جمال مبارك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_30.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/8/933717.html

مادامت هذه مصر مبارك، فلا غرابة فى أن يخرج علينا أناس يسمون أنفسهم طلائع جمال مبارك. بالتالي فلم تعد مصر للمصريين كما كانت في العهد «البائد»،

لكن هذه ليست الملاحظة الوحيدة، لأننا لن نعدم مواطنا بريئا تستوقفه حكاية الطلائع هذه، فلا يفهم لماذا كانت مقصورة على الابن جمال دون غيره من الأسرة، بما يدفعه إلى التساؤل عن حظوظ بقية أفراد الأسرة. وهل لكل واحد منهم طلائعه أم لا ؟. حيث يبدو أنه ليس من العدل أن يستأثر فرد واحد في الأسرة بكل الطلائع في البلد.

وبعد الذي قاله الرئيس للتليفزيون الأميركي عن أن ابنه لم يفاتحه في موضوع الترشح للرئاسة، الأمر الذي يعني أنه لم يقرأ حتى الصحف المصرية التي تلوك القصة منذ سنتين، فيخشى أن يكون الأمر قد تكرر في حكاية طلائع الابن هذه، التي هي أهون بكثير من مسألة الرئاسة. وليس هذا هو التساؤل الوحيد، لأننا لا نعرف ما إذا كانت هذه الطلائع تنظيما سريا افتضح أمره بالصورة المنشورة.
ولا نعرف ما إذا كان جمال مبارك على علم به أم لا.
وهل هذه الطلائع مختلفة عن جمعية «المستقبل» التي يرعاها الابن، وتتلقى دعما ماليا خارجيا معتبرا،
وهل هي تضم معجبين متطوعين أم كوادر مدربة، أم جماعة من الأرزقية، أم أنهم من عناصر أمن الدولة التي يبدو أن لها باعها في عملية التوريث؟

للأمانة، فإنه بالرغم من كثرة الأسئلة المثارة حول طلائع جمال مبارك في عصر الرئيس مبارك، فإن شخصنة المسألة ليست جديدة تماما في الخبرة العربية. ذلك أن تاريخنا عرف نسبة الجماعات والأنظمة إلى أسماء أشخاص. فقد كانت هذه الدولة الأموية والعباسية، والغزنوية والبويهية والتيمورية والمرينية... إلخ. واستمر هذا التقليد إلى أن ظهرت في زمننا المعاصر المملكة العربية السعودية نسبة إلى آل سعود والمملكة الأردنية الهاشمية نسبة إلى بني هاشم. كذلك فإن في تاريخنا مذاهب وطرقا صوفية وجماعات سياسية، ارتبطت كلها بأسماء أشخاص.

ما جر هذا الحديث أننا رأينا صورة نشرتها «المصري اليوم» يوم الجمعة 28/8، لظهر شاب يرتدي قميصا أو فانلة كتبت عليها الكلمات التالية: «حب- إخلاص - وفاء- طلائع جمال مبارك».
وفهمنا من الكلام المنشور أن الطليعي المحروس طبع على صدر القميص صورة للرئيس مبارك وهو يحتضن حفيده الراحل.

وتبين أن المذكور كان ضمن مجموعة وزعت عليها القمصان ذاتها، حشدها عضو سابق لمجلس الشعب، وجاء بهم إلى قرية النجاح بمحافظة البحيرة، لاستقبال الابن والترحيب به، باسم أهالي إحدى الدوائر الانتخابية، والحكمة في ذلك ليست خافية.

الطريف أن مجموعة «طلائع مبارك» التي استقدمها عضو مجلس الشعب السابق لم يسمح لأفرادها بالدخول إلى اللقاء الذي عقده صاحبنا في القرية التي قيل إنها من أفقر قرى مصر، وقد زارها أمين لجنة السياسات ضمن جولاته التي يتفقد فيها مشروعات إصلاح وتطوير تلك القرى. أو هكذا قالت الصحف القومية على الأقل.

قال الراوي إن جمال مبارك عقد في القرية الفقيرة مؤتمرا كان الوجود الأمني الكثيف من أبرز معالمه، وحضرته أيضا قيادات محافظة البحيرة وأعضاء مجلس الشعب والمجالس المحلية وأمناء الوحدات المحلية. ولم يسمح لغير هؤلاء بالدخول، حيث وقف رجال الأمن على بابه، ومعهم قوائم بأسماء المدعوين للتدقيق في هوية الداخلين.

كانت النتيجة أن جمال مبارك والوزراء الخمسة الذين رافقوه جاءوا إلى القرية الأكثر فقرا ولم يلتقوا أحدا من أهلها. إن شئت فقل إن قرية النجاح كانت فقط مسرحا لذلك اللقاء، وإن الأهالي الأفقر كانوا مجرد كومبارس في الخلفية المتخيلة وليست المنظورة.

والأمر كذلك، فإن زيارة الأهالي الأكثر فقرا كانت افتراضية ولم تكن حقيقية، وأن ما تم كان حلقة فى المسلسل المعروض علينا الذي يهدف إلى تسويق جمال مبارك، وتحسين صورته باعتباره نصيرا للفقراء.
وكان صاحبنا الذي شكل التنظيم السري الذي حمل اسم «طلائع جمال مبارك»، من بين الذين أدركوا هذه المسألة، فحاول أن يسهم في عملية التسويق بالقدر الذي أسعفه به خياله.

وفي زحام المسلسلات المعروضة علينا في شهر رمضان، فإن ما حدث في قرية النجاح يرشح مسألة زيارة القرى الأكثر فقرا، لكى تكون واحدا من أكثر المسلسلات فشلا فى الموسم. لكن عرضه يستمر رغم أنف الجمهور، شأنه فى ذلك شأن غيرها من المسلسلات التي يعرضها التلفزيون.
.............

29 أغسطس، 2009

في زحف ثقافة النهب

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 8 رمضان 1430 – 29 أغسطس 2009
في زحف ثقافة النهب - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_29.html

هذه ظاهرة مؤرقة تحتاج إلى دراسة، ذلك أننا في هذا الزمن لم نعد نفاجأ بحوادث النهب التي يمارسها الكبار،

لكن يبدو أن النموذج الذي قدموه، والانقلاب الذي حدث في منظومة القيم السائدة في مصر، فتح شهية فئات أخرى لممارسة النهب، وبعض هذه الفئات كانت أبعد ما تكون عن الشبهة. خذ مثلا هذا الخبر الغريب الذي نشرته صحيفة «الشروق» في 11 أغسطس الجاري، الذي تحدث عن قيام جهاز التفتيش القضائي بوزارة العدل باكتشاف تشكيل عصابي يقوده لواء شرطة سابق، ومعه عشرة آخرون احتالوا على القوانين التي تقيد بيع الأراضي للأجانب في سيناء، وباعوا نحو ألفي قطعة أرض وفيللات وشققا سكنية للإسرائيليين، وتبين أن اللواء السابق زار إسرائيل لترتيب عملية البيع التي ظلت مستمرة لمدة 4 سنوات.

خذ كذلك ما نشرته «الشروق» أيضا في العدد نفسه، عن اشتراك ثلاثة ضباط شرطة في كفر الشيخ، أحدهم معاون المباحث، مع أحد الأشخاص في تجارة الآثار، ثم اختلافهم معه حول حصيلة البيع، الأمر الذي تطور إلى اشتباك انتهى بإطلاق النار عليه وقتله.

خذ أيضا الخبر الأغرب الذي نشرته صحيفة «الدستور» في 18 يوليو الماضي، وذكر أن النيابة أمرت بحبس ضابط شرطة برتبة رائد يعمل حاليا رئيسا لقسم التحقيقات بقسم شرطة بولاق الدكرور في قلب القاهرة، بعد اتهامه بتزعم تشكيل عصابي كان يتولى اقتحام الشقق المفروشة وإيهام شاغليها بأنهم من رجال أمن الدولة، ثم الاستيلاء على بعض محتوياتها.
في الخبر أن التشكيل ضم ضابط شرطة مفصولا، ومسجلا خطرا، وميكانيكيا، وتبين في التحقيق أن الضابط ذهب بثيابه العسكرية إلى شقة بمنطقة الهرم تسكنها آسيوية، قيل لها إن أمن الدولة تشك في تعاملاتها المالية وعلاقتها بالإرهاب، وأثناء التفتيش استولوا على جهازي كمبيوتر وهاتفين محمولين وكاميرا ديجيتال و٢٨٠٠جنيه مصري إضافة إلى 287 دولارا.

وقد كرر الأربعة نفس العملية مع مصري عائد من الإمارات واستولوا منه على مبلغ 25 ألف درهم وبعض المصوغات، وذهبوا إلى شقة ليبي وأوهموه باستدعائه لأمن الدولة، لكنهم لم يجدوا لديه ما يمكن سرقته.

الأمر ليس مقصورا على ضباط الشرطة بطبيعة الحال. لأن «الأهرام» نشرت في 26 أغسطس الجاري أنه ألقى القبض على ثلاثة من مفتشي التموين في محافظة 6 أكتوبر. نظموا حملة وهمية لحسابهم الخاص على محلات البويات، لابتزاز أصحابها والحصول منهم على رشاوى، إذ كانوا يخبرونهم بأنهم موفدون من قبل وزارة التضامن الاجتماعي التي يعملون بها. في حين يدخلون إلى المحلات لتحرير المخالفات بها، يساومون أصحابها على مبالغ يدفعونها لغض الطرف عن تلك المخالفات، ويستولون عليها.

لا يقل عما سبق غرابة ذلك التقرير الذي نشرته «الشروق» في 11 يوليو الماضي عن المخالفات التي رصدتها الرقابة الإدارية في مديرية التربية والتعليم بمحافظة المنيا، فقد كشفت عن أن أجهزة التصوير والفيديو والتسجيل والحواسب والشاشات الحديثة معطلة وملقاة في المخازن، رغم أن قيمتها تجاوزت مليوني جنيه. في حين كان مدير الشؤون المالية بالمديرية يستأجر أجهزة من الخارج في المناسبات المختلفة ـ

تبين أيضا أن المسؤولين بإحدى المدارس الثانوية قاموا بتأجير ملعبها وناديها (الكافيتريا) للحزب الوطني دون أن يودعوا قيمة الإيجار في حساب المدرسة، وتبين كذلك أن الموظفين استولوا على 200 ألف جنيه كانت مخصصة لصيانة الأثاث وأن المدرسين الذين يعطون دروسا خصوصية للتلاميذ استخدموا مقار المدارس لحسابهم، مدعين أنها فصول للتقوية.. إلخ.

وجاء في «أهرام» 26 أغسطس الجاري أيضا أن محكمة جنايات القاهرة أيدت قرار النائب العام بالتحفظ على أملاك سبعة من أعضاء مجلس إدارة جمعية لتقسيم الأراضي، كانوا يتسلمون الأراضي من وزارة الزراعة، وبدلا من أن يقوموا بتوزيعها على المواطنين، فإنهم كانوا يبيعونها لأنفسهم، وقد بلغت قيمة ما تم الاستيلاء عليه 80 مليون جنيه.

إن ثقافة النهب يتسع نطاقها حينا بعد حين، ويبدو أن كثيرين لم يعودوا يتورعون عن الاستيلاء على كل ما طالته أيديهم، بالوسائل المشروعة أو غير المشروعة، لذلك أزعم أننا بصدد «ظاهرة» تحتاج إلى دراسة لتحديد مصادرها الحقيقية.

وإذا كنت قد استبقت وأشرت في البداية إلى الدور الذي لعبه نهب الكبار في إفساد المناخ العام وإلى إسهام انقلاب منظومة القيم في تشكيل الظاهرة، فأغلب الظن أن أهل الاختصاص يستطيعون تقديم تحليل أفضل وأعمق.

وأخشى ما أخشاه أن يقول قائل إن المشكلة في الكبار، ومن أراد أن يستأصلها فليتصدَّ لهم أولا، وهي ملاحظة محرجة، لأننا حينذاك سنقف مكتوفي الأيدي، وسنسكت عن الكلام المباح.
.................

26 أغسطس، 2009

كرامة الرئيس أم مصالح الوطن؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 6 رمضان 1430 – 27 أغسطس 2009
كرامة الرئيس أم مصالح الوطن؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_8410.html

حين خُيِّر الرئيس السويسرى بين كبريائه وبين الدفاع عن مواطنيه ومصالح بلده، فإنه قبل أن يضحي بالأولى ليفوز بالثاني.

حدث ذلك حينما توجّه الرئيس هانز رودلف ميرتس إلى العاصمة الليبية يوم الخميس الماضي 20 أغسطس، لكى يقدم اعتذاره لرئيسها عن احتجاز ابن العقيد القذافي وزوجته في أحد مخافر الشرطة بجنيف في منتصف شهر يوليو عام 2008.
وكان الابن ـ هانيبال القذافي ـ قد استدعي من فندق كان يقيم فيه إلى المخفر، بناء على شكوى قدمها ضده اثنان من أفراد حاشيته، اتهماه فيها هو وزوجته بسوء المعاملة.
استغرق التحقيق مع هانيبال وزوجته يومين، ثم أطلق سراحهما بعد ذلك بعد سداد كفالة قُدّرت بنحو 300 ألف يورو، بعد تسوية الأمر خارج المحكمة. (للعلم: مجلة «فورين بوليس» اختارت هانيبال ضمن أسوأ خمسة من أبناء الرؤساء في العالم).

شرطة جنيف وسلطات التحقيق فيها تعاملت مع هانيبال وزوجته باعتبارهما شخصين وجّهت إليهما تهمة، ويجب التحقيق فيها طبقا للقانون. ولم ينتبه المحققون إلى أن «المتهم» ينتمي إلى عالم يعتبر الحكام وأسرهم كائنات فوق القانون. لذلك فإنه ما إن وصل الخبر إلى طرابلس، حتى اعتبر هذا التصرف «القانوني» عملا عدائيا ضد الجماهيرية العظمى، فقامت الدنيا ولم تقعد، وقرر العقيد أن يثأر لكرامة ابنه،
فأوقفت ليبيا إمدادات النفط إلى سويسرا،
وسحبت 5 ملايين يورو من ودائعها في بنوكها،
وفرضت قيودا على أنشطة الشركات السويسرية وحركة الطيران بين البلدين،
كما صدرت الأوامر باحتجاز اثنين من السويسريين في ليبيا بدعوى مخالفتهما لقوانين الإقامة.
وبدا كأن مصالح البلدين وعلاقاتهما باتت مرتهنة لعملية الثأر، التي لم ينقصها لكي تصبح حربا شاملة إلا أن تحرك ليبيا جيشها «ولجانها الثورية» لكي تؤدب حكومة سويسرا وشعبها.

حين راقب الرئيس هانز ميرتس المشهد، وجد أن الجمود أصاب علاقات سويسرا مع ليبيا، وأن الأضرار التي ترتبت على ذلك يجب أن توقف، فهناك مواطنان سويسريان محتجزان في طرابلس. وهناك العديد من المصالح الاقتصادية المعطلة

. في الوقت ذاته لاحظ الرجل أن السلطات الليبية مستمرة في تصعيد إجراءاتها ضد بلاده، وأن السلطات في جنيف متمسكة بموقفها فيما يخص الإجراءات القانونية التي اتخذتها. ولم يكن أمامه سوى أن يتدخل بصفة شخصية لكسر الجمود وحل الإشكال، فما كان منه إلا أن تحامل على نفسه وذهب إلى طرابلس، حيث اعتذر لرئيسها، وعقد اتفاقا لتسوية الأزمة وعودة العلاقات المقطوعة بين البلدين، وقضى هذا الاتفاق بإنشاء هيئة تحكيم من ثلاث شخصيات للاطلاع على جميع الأدلة التي لدى الطرفين بخصوص الإجراءات التي اتخذت بحق الأخ هانيبال، وستتولى الهيئة تقييم تلك الإجراءات والتأكد من سلامتها وخلوها من التعسّف ضد الابن المذكور.

الإعلام الليبي اعتبر ما تم «انتصارا»، في حين أن الأوساط السياسية والإعلامية في سويسرا هاجمت الزيارة والاعتذار، الذي اعتبرته «استسلاما مهينا» لـ«راعي الإبل» الليبي،
ورد الرئيس ميرتس في مؤتمر صحافى بأن تصرفه كان الوسيلة الوحيدة لكسر الجمود في علاقات البلدين وإعادة المواطنين المحتجزين في طرابلس، وتأمين مصالح سويسرا التي أضيرت.

ما فعله العقيد القذافي ليس تصرفا استثنائيا في العالم العربي، الذي لايزال منطق القبيلة هو السائد فيه. ولا تختلف في ذلك قبيلة عن أخرى إلا في أسلوب تعاملها مع الآخرين، فقد خاصمت مصر أفريقيا بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك قبل عشر سنوات، واكتشفنا حين أثير موضوع توزيع مياه النيل أن ثمة مصالح حيوية أهدرت بسبب ذلك الخصام،
وأراد الرئيس السادات أن يؤدب القذافي، فأصاب علاقات البلدين بالشلل لأكثر من عشر سنوات أخرى.
وتوترت علاقة إحدى دول المغرب العربي بفرنسا، لأن شقيق الرئيس العربي اتهم بالسرقة وتهريب المخدرات،
ولدىّ قصص أخرى من هذا القبيل يصعب نشرها، لأنها تتعلق بفضائح أخلاقية وجنسية تسببت في الإضرار بمصالح عربية حيوية لا تخطر على البال.

إن السؤال الذي يخطر على بال المرء حين يتابع المشهد هو:
هل يمكن أن يتحامل رئيس عربي على نفسه لكي يفرّج كربة بعض مواطنيه أو ليحل مشكلة لبلاده، كما فعل الرئيس السويسري؟
..................

السباب ليس شراً كله

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 5 رمضان 1430 – 26 اغسطس 2009
السباب ليس شراً كله – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_26.html

ليس عندي دفاع عن ضيق صدر البعض بسبب الصيام. والاحتجاج به في تبرير سرعة الانفعال وتوجيه السباب للآخرين، ولا أستطيع أن أتجاهل النص القرآني الذي نهى عن التنابذ بالألقاب، وذلك الذي قرر أن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم.
وأذكّر بأن المؤمن الحق لا ينبغي له أن يكون «لعّانا» كما يقول الحديث النبوي.

لكن يبدو أن بعض التعبير عن الانفعال لا يخلو من فائدة، على الأقل فهذا ما يقول به بعض علماء النفس في الولايات المتحدة، ومنهم الطبيب النفسي تيموسي جي، الذي يقرر أن إطلاق العبارات الغاضبة، أو حتى الشتائم، التي تندفع بصورة فجائية كرد فعل يعجز المرء عن تداركه، قد يساعد في التنفيس عن شحنات الغضب والغيظ. ومن شأن ذلك أن يقلل من الاندفاع في الاشتباك الجسدي، بالأيدي أو بغير ذلك.

هذه الفكرة أيّدها نفر من الباحثين في كلية علم النفس بجامعة «كيل» البريطانية، الذين أجروا تجربة على طلاب الكلية، خلصوا منها إلى أن توجيه السباب يزيد من معدل ضربات القلب، ويسمح بالتعامل على نحو أفضل مع الأوضاع المزعجة، أشرف على التجربة ثلاثة من أساتذة علم النفس، هم ريتشاد استيفنز واندرو كينجستون وجون اتكينز. إذ طلبوا من 64 متطوعا أن يضعوا أيديهم في أوعية مثلجة مرتين، مرة وهم يطلقون السباب، وأخرى وهم يرددون كلمات عادية. ولاحظوا أنهم حين أطلقوا السباب كان بمقدورهم أن يبقوا على أيديهم في المياه المثلجة فترة أطول.

أغلب الظن أنه لا علاقة لهذا البحث بنتائج المسح الذي أجري في بريطانيا وبيّن أن الإنجليز لا يترددون في توجيه الشتائم إلى غيرهم في الأماكن العامة، ولا يتحفّظون في ذلك كما يفعل أغلب الأوروبيين.
وكانت صحيفة «ديلي ميل» قد نشرت نتائج ذلك المسح الذي أجرته شركة «نولون» وتبين من نتائجه أن البريطانيين يستخدمون يوميا ما معدله 14 شتمة، وأن 87 % منهم يرددون الشتائم على أساس يومي، وأن 98 % يذكرون أنهم يتلفظون بكلمات سيئة في حالات الغضب.
أما الذين اعتبروا أن استخدام الكلمات النابية أمر سيئ، فلم تتجاوز نسبتهم 8 % فقط من مجموع الذين استطلعت آراؤهم (2319 شخصا).
في التعليق على نتائج المسح الذي أشرف عليه وليام فايندلاي قال الرجل إن البريطانيين أصبحوا شعبا شتاما، واستند في ذلك إلى أن جميع المستطلعين تقريبا لا يترددون في توجيه الشتائم والكلمات النابية عند غضبهم.

بهذه المناسبة، قرأت تقريرا عن تجربة أميركية للتخلص من استخدام الألفاظ النابية، فقد قررت مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا تخصيص الأسبوع الأول من شهر مارس في كل عام، ليكون خاليا من استخدام الألفاظ البذيئة، واستهدفت الحملة تشجيع الناس على عدم التنابذ وتداول الشتائم والألفاظ البذيئة، خاصة بين المراهقين الذين يعتقدون أن إطلاق بعض الشتائم بصورة دارجة يجعلهم يبدون أكثر «عصرية».

وكان المشروع الذي أعلنه عمدة المدينة. ميخائيل جاسوستي، قد بدأ كفكرة صغيرة بين مجموعة من الشباب، ابتدروها كتحد فيما بينهم: أن تخلو جلساتهم ونقاشاتهم من أي ألفاظ جارحة، حتى البسيط منها الذي أوشك أن يصبح تداوله أمرا عاديا. وتوسّعت الفكرة بعد ذلك ليحتضنها عمدة المدينة، التي يسكنها نحو 25 ألف نسمة.

الفكرة تطوّرت إلى مشروع له شعارات وصفحة إلكترونية وملصقات وقمصان كتبت عليها عبارات مثل: منتدى الرافضين للسباب وأوقفوا البذاءات. وقد وصل عدد المنضمين إلى الحملة نحو عشرة آلاف شخص، ثم إنها تعدت حدود المدينة لتصل إلى مدينة سانت لويس بولاية ميسوري، حيث تقدم مجلس المدينة بمشروع قرار يمنع تنابذ وإطلاق الألفاظ الجارحة للشعور العام، خاصة في البارات والمطاعم.

من جانب آخر، أشارت صحيفة «الكورنة» النمساوية، التي أوردت الخبر، إلى أن عمدة مدينة جدانسك البولندية، سبق الجميع بتشريع قانوني فرض غرامة مالية على كل من يُقبض عليه متلبسا بجرم «التنابذ وتداول ألفاظ فاحشة»، ويغرمه بمبلغ 50 زلوتي أو ما يعادل مبلغ 12.50 يورو، ما أشاع حالة من التهذيب، وحسّن من لغة التخاطب، خاصة بأماكن التجمعات وسط المدينة، كما أضاف إلى المدينة مصدر دخل لا يمر يوم دون أن يزداد.
....................

25 أغسطس، 2009

مصر لاعب أم ملعوب به؟ – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 4 رمضان 1430 – 25 أغسطس 2009
مصر لاعب أم ملعوب به؟- فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_25.html

باستثناء أن الرئيس حسنى مبارك عاد من واشنطن سالما معافى والحمد لله، فلست أجد فى أخبار الزيارة شيئا يسر أو يشرح الصدر، وإنما حدث العكس تماما.
(1)
من البداية قلنا إن الرئيس أوباما «يتطلع» للقاء الرئيس مبارك. ووصف إعلامنا الرسمى الزيارة بأنها تاريخية قبل أن تبدأ. وناجحة قبل أن تظهر نتيجتها.
وجاملتنا السفيرة الأمريكية فى القاهرة مارجريت سكوبى بكلمتين أبرزهما الأهرام فى عناوينه. فقرأنا على لسانها أن الزيارة فرصة لسماع «نصائح» مبارك حول مختلف القضايا.
وشارك السيد صفوت الشريف فى المزاد بعبارات رفع فيها السقف، فقال فى اجتماع لإحدى أمانات الحزب الوطنى إن النجاح المشهود الذى حققته الزيارة أعاد قوة الدفع إلى العديد من القضايا المهمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ولم يفته أن ينوه إلى أن الرئيس بحكمته ودوره التاريخى فى المنطقة أكد (فى الزيارة) على المبادئ الأساسية التى تتمسك بها مصر «الأهرام 20/8». تحت هذا السقف قيل كلام كثير حول استعادة الدور التاريخى لمصر، والدروس التى لقنها الرئيس المصرى لنظيره الأمريكى، والانطلاقة المرتقبة لعملية السلام، والتحذيرات التى وجهتها الزيارة لأى دولة إقليمية تلعب بذيلها فى المنطقة (لا تخطئ وتتصور أن إسرائيل هى المقصودة، لأن الرسالة موجهة إلى إيران)،
قرأنا أيضا سيلا من التعليقات التى تحدثت عن مفاتيح القوة والنفوذ التى تملكها القاهرة، التى ظلت البوابة الوحيدة للمنطقة وحجر الزاوية فيها.. الخ.
وذلك كله كلام طيب يعبر عما نتمناه حقا، لكن ينقصه شىء واحد، هو أن يجد الدليل الذى يؤيده ويترجمه على أرض الواقع.
(2)
إن الكلام عن أهمية الدور المصرى لا شك فيه، فذلك أمر الجغرافيا ودرس التاريخ. لكن مفهوم الأهمية هو الذى يكتنفه بعض الغموض والالتباس،
فثمة أهمية تنطلق من تأثير مكتسب من قوة البلد السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية،
وثمة أهمية تتكئ على دور يقوم به البلد فى إطار استراتيجيات الدول الكبرى.
إن شئت فقل إن الأهمية فى الحالة الأولى تخدم مشروع الوطن والأمة.
أما فى الحالة الثانية فهى تخدم استراتيجيات الدول سابقة الذكر.
من هذه الزاوية فحين يتحدث المسئولون فى واشنطن مثلا عن أهمية الدور المصرى ويشيدون به، فينبغى أن نتمهل فى الحفاوة بتلك الشهادة. حتى نجيب عن السؤال: فى أى إطار يمارس ذلك الدور، وفى أى وعاء يصب؟

من الملاحظات التى لا تخفى دلالتها فى هذا السياق أن أغلب الإشارات التى تتحدث عن أهمية الدور المصرى تصدر عن المسئولين الأمريكيين وبعض نظرائهم الغربيين،
فى حين أن الإعلام الغربى يتحدث عن مصر بشكل مختلف تماما. ومن يقرأ مثلا مقالات «الواشنطن بوست» فى الولايات المتحدة، والدراسة الأخيرة التى نشرتها مجلة «الإيكونوميست» البريطانية ــ وكل منهما له ثقله واحترامه ــ يقلقه الكلام المكتوب عن مصر، خصوصا أوضاعها السياسية والاقتصادية.
ولم يعد سرا أن سمعة مصر فى مجال الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لم يعد ممكنا الدفاع عنها، ناهيك عن أن مسألة توريث السلطة (السر المعلن) أصبحت موضوعا للتندر والتنديد (لا تنسَ أن زيارة الرئيس رتبت أثناء عطلة الكونجرس لتجنب إحراجه من جانب أعضائه)،
باختصار فإنهم فى العالم الخارجى صاروا يعرفون عن أوضاعنا السياسية مثلما نعرف. والكلام الطنان الذى قد ينطلى على البعض منا لم يعد ينطلى عليهم. ولذلك لم يكن مستغربا أن تصنف مصر ضمن الدول «الفاشلة» سياسيا.
أما من الناحية الاقتصادية، فيكفى أن تعرف أن الدخل الفردى لمصر يصنف الآن فى المرتبة 112 (البعض يضعها فى المرتبة 127) بين دول العالم (190 ـ 195). وفى حين وصل متوسط دخل الفرد فى عالمنا المعاصر إلى 9 آلاف دولار فى السنة، فهو فى مصر يتراوح ما بين 1600 و2000 دولار، أى إنه أقل من ربع المتوسط العالمى.

لا تسأل عن خدمات الصحة والتعليم والإسكان، لأن قارئ الصحف الصباحية صار يتابع كل يوم أخبار الفضائح التى تحدث فى تلك المجالات، وما شرب المياه المختلطة بالمجارى، ورى زراعات الخضراوات والفواكه بمياه الصرف الصحى، إلا أحدث لقطة فى ذلك المسلسل.

مثل هذه «العورات» لا يسترها التاريخ أو الجغرافيا. ثم إنها لا تنال من هيبة البلد وسمعته فقط، ولا تهدد أمنه القومى فحسب، وإنما هى تفقد البلد قدرته على التأثير، ولا أبالغ إذا قلت إنها تجعل استعداده للتأثر أكبر وأقوى من أهليته للتأثير.
فى ضوء هذه الخلفية فإن الحديث عن «التحالف الاستراتيجى» بين الولايات المتحدة ومصر، يصبح أمرا مقلقا يثير عديدا من الأسئلة حول دقة التعبير من ناحية، وموقع كل من البلدين فى هذا التحالف من ناحية أخرى، الذى يوحى المصطلح فيه بأنه واقع بين أفعال، وليس بين أوزان مختلفة، على هيئة أشبه بالقاطرة والمقطورة.
لقد شعرت بغصة فى حلقى حين قرأت على لسان الرئيس أوباما فى المؤتمر الصحفى الذى عقد فى ختام الزيارة (يوم 18/8) قوله إن الولايات المتحدة ومصر عملا معا وبشكل وثيق طوال الثلاثين سنة الأخيرة، وأن «الرئيس مبارك كان طوال هذه الفترة قائدا ومستشارا وصديقا». وهو كلام يحتاج إلى تدبر وتفكير عميقين، لأنه يثير السؤال المزعج التالى:
هل كان الدور المصرى شريكا بهذه الصفات فى الممارسات الأمريكية التى تمت فى المنطقة العربية طوال تلك الفترة؟
ولأن الرئيس الأمريكى لا يلقى الكلام على عواهنه، فأى قدر من المرارة والألم يستشعره المرء حين تصدمه هذه الحقيقة؟

(3)
لا نعرف شيئا عما دار فى «الخلوة» التى تمت بين الرئيسين مبارك وأوباما. ويتعين لنا أن ننتظر معلومات الصحف الأمريكية حتى نقف على ما جرى فى ذلك الشق الغاطس والمسكوت عليه من المباحثات، وإلى أن يتحقق ذلك، فليس أمامنا سوى أن نتعامل مع ما تم إعلانه من مواقف، بعضها يتعلق بالشأن المصرى، والبعض الآخر يتصل بالملف الإيرانى، والثالث بالشأن الفلسطينى،


ما خص الشأن المصرى جاء مختصرا وعاما، فقد ذكر الرئيس مبارك أن المباحثات تناولت مسألة الإصلاح فى مصر، وأنه أوضح أنه خاض الانتخابات الأخيرة على أساس برنامج للإصلاح جارٍ تنفيذه، وذكر تقرير للشرق الأوسط أن الرئيسين بحثا أيضا قضايا التنمية والتعليم (فى مصر وليس فى أمريكا طبعا). من ثم فقد أحطنا علما بالعناوين ولم نعرف شيئا عن التفاصيل.
التفصيلة الوحيدة التى ذكرت أثناء الزيارة جاءت غامضة للغاية. ذلك أن الرئيس مبارك حين سئل عن المستقبل فى مصر أثناء الحوار التليفزيونى الذى أجرى معه، قال إنه ليس معنيا بمن سيأتى بعده، لأنه مشغول بتنفيذ برنامجه الانتخابى. وأن ابنه جمال لم يفاتحه فى مسألة ترشحه للرئاسة. وهو كلام يحير المواطن المصرى الذى يصعب عليه تصديقه، خصوصا إذا ما قارن محتواه بما يشاهده يوميا على أرض الواقع. ولم تكن الحيرة من نصيبنا وحدنا، لأن «الشروق» نشرت فى عدد الخميس 20/8 أن أحد الخبراء الأمريكيين فهم من كلام الرئيس أنه لن يتقاعد، وسيرشح نفسه للانتخابات القادمة.
الموضوع الإيرانى، الذى أرجح أن نصيبه من المباحثات يعادل الشأن الفلسطينى إن لم يكن أكثر، ولا أستبعد أن يكون أحد الموضوعات الأساسية التى نوقشت فى الخلوة سابقة الذكر، تم تناوله أيضا بشكل مقتضب وعام فى كلام الرئيسين.


فقد قال أوباما فى المؤتمر الصحفى إنه بحث مع مبارك «القلق المشترك لانتشار الأسلحة النووية فى المنطقة، بما فيها تطوير إيران لأسلحة نووية، وكيف يمكن التعاون على تلك الجبهات»،
أما الرئيس مبارك فقد نقلت عنه وكالة يونايتدبرس قوله فى لقائه مع زعماء الطائفة اليهودية :إن هناك انشقاقا داخل القيادة الإيرانية. والطريقة الأفضل للتعامل «مع البرنامج النووى الإيرانى» هى الانتظار.. وأن الهجوم العسكرى «على إيران» لن يؤدى إلا إلى الالتفاف حول قيادتهم.
لا أجد فى هذا الكلام أى إيحاء بنجاح الزيارة ولا بفشلها. ولكنك لابد أن تلاحظ أن الشق المعلن منها فى الشأن الإيرانى تجاهل تماما إسرائيل النووية (كأنها لا تشكل خطرا)، وركز على كيفية التعامل مع المشروع النووى الإيرانى، بما قد يعد تمهيدا لإثارة موضوع الأمن الإقليمى والمظلة النووية المزمع إقامتها فى المنطقة، بدعوى تبديد مخاوف منطقة الخليج ومصر من الخطر الإيرانى. وهو خبر سار لإسرائيل. ليس فقط لأنه يشكل تأمينا إضافيا لها وردعا لإيران، ولكن أيضا لأنه يصرف الانتباه عن مشروعها النووى وما تمثله أطماعها من خطر حقيقى على المنطقة.
(4)
لو أن متحدثا قال فى أى جمع عربى إن جهود عملية السلام فى فلسطين «تمضى فى الاتجاه الصحيح»، لسخر منه السامعون واتهموه إما بالكذب أو بالهبل.
لكن حين يردد المقولة الرئيسان المصرى والأمريكى، فإن ذلك يفاجئنا، لأنها تظل غير قابلة للتصديق.


لقد بنى الرئيس أوباما كلامه على أساس معلومات ذكرت أن نتنياهو قرر تجميد الاستيطان، فيما بدا أنه استجابة للمطلب الأمريكى الداعى إلى التجميد من قبل الإسرائيليين، مقابل التطبيع من جانب العرب. ويفترض فى هذه الحالة أن يكون ذلك إيذانا بإطلاق المفاوضات التى تحقق التسوية النهائية،


لكن بعد ساعات من تصريحات الرئيس الأمريكى التى امتدحت نتنياهو بسبب ما نقل عنه، أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بيانا أعلن فيه أنه لم يصدر بيانا بهذا الخصوص، وأن الإجراءات القانونية السارية حاليا لوقف التوسع الاستيطانى قائمة من الحكومة السابقة.
وأن حكومته لم تتخذ قرارا جديدا فى الموضوع، وكل ما هنالك أنه لم تكن هناك مشاريع بناء جديدة للبت فيها. وفى التقرير الذى نشرته «الشرق الأوسط» حول الموضوع (فى 20/8) ذكرت أن كل الكلام الدائر عن تجميد الاستيطان ينصب على تصاريح البناء الجديدة، ولا يتطرق إلى المشروعات التى يتم بناؤها حاليا، أو التى هى فى طور الإعداد، وعددها يقدر بآلاف الوحدات السكنية. فى هذا الإطار نشرت صحيفة هاآرتس فى ملحقها الاقتصادى (يوم 19/8) أنه سيتم تنفيذ مشروع «قديم» لبناء 450 مسكنا فى حى استيطانى بالقدس. وقالت إن عملية البناء فيها ستبدأ فى مستهل العام الجديد.


لا تقف المفارقات عند ذلك الحد، لأن مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية فى الأرض المحتلة، أصدر تقريرا فى بداية الشهر الحالى رصد فيه جهود المستوطنين لتهويد القدس، التى أدت إلى إصدار ١٥٠٠ قرار لإزالة منازل الفلسطينيين، وطرد 53 أسرة فلسطينية من بيوتها، تمهيدا لإقامة مستوطنة جديدة.
لقد تم تجاهل كل ذلك، وجرى التعلق بما نسب إلى نتنياهو خاصا بتجميد الاستيطان، لإيهام الرأى العام العربى بأن الأمور تمضى فى الاتجاه الصحيح. وكنت قد ذكرت فى حديث سابق أن التوسع فى الاستيطان يشكل أحد بنود البرنامج الذى انتخب على أساسه نتنياهو رئيسا للحكومة، ولذلك فإن الرجل اتهم من قبل اليمين الإسرائيلى بخيانة ناخبيه حين شاع خبر التجميد، الأمر الذى اضطره إلى إصدار بيان النفى الذى سبقت الإشارة إليه.
إننا بصدد فضيحة سياسية يساق العرب فيها إلى التطبيع مقابل تجميد مؤقت للاستيطان تصر إسرائيل على أن يكون لمدة ستة أشهر فقط، ويطالب المبعوث الأمريكى بأن يستمر لمدة سنة (هو تجميد رمزى فى الحقيقة لنبتلع الطعم بما يؤدى إلى التطبيق ويطلق المفاوضات التى خبرناها ونعرف أنها يمكن أن تستمر للأبد، فى حين تنفتح أبواب العالم العربى لإسرائيل على نحو تدريجى).

لا تقف الفضيحة عند ذلك الحد. لأن هذا الذى يحدث يعد تنفيذا للأجندة الإسرائيلية، والتزاما بموقف نتنياهو الذى تبنى منذ تولى رئاسة الحكومة قبل خمسة أشهر فكرة «الالتزامات المتبادلة»، وقال إن إسرائيل لن تتقدم خطوة إلى الأمام إلا أخذت مقابلا لها من العرب. وهذا الكلام ترجم إلى موقف مشترك أثناء الزيارة، أبرزته صحيفة الأهرام فى 19/8 فى عنوان على ثمانية أعمدة نقل عن متحدث باسم الخارجية الأمريكية قوله: القاهرة وواشنطن تتفقان على ضرورة اتخاذ خطوات عربية إسرائيلية متوازية لتحقيق السلام(!).
ينتاب المرء شعور بالخزى والخجل، حين يطالع عنوانا بهذا القبيل، ثم يقرأ فى اليوم ذاته (19/8) تصريحا لوزير الخارجية التركى أحمد داود أوغلو بثته وكالة أسوشيتدبرس قال فيه إن على إسرائيل أن تتخذ من جانبها خطوات تثبت رغبتها فى إنهاء صراعها مع العرب. لقد تجنب الرجل الوقوع فى مصيدة التنازلات المتبادلة، وطالبها هى بأن تثبت حسن نيتها أولا. وكان فى ذلك مصيبا تماما، كما أنه أكثر استقامة ونزاهة.
إن الملابسات التى أحاطت بالزيارة والتصريحات التى صدرت عن حصادها تستدعى سؤالا كبيرا هو:
هل مصر لاعب كبير حقا أم أنها ملعوب به؟.
..................

23 أغسطس، 2009

مادامت الخيول بخير

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 3 رمضان 1430 – 24 أغسطس 2009
مادامت الخيول بخير – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_4909.html

فى جلسة تطرّق الحوار فيها إلى أحوال البلد، لم يقل أحد رأيا إلا وعبّر فيه عن سخطه وعدم رضاه،

وبعدما أدلى كل واحد بدلوه، انبرى أحد الجالسين قائلا إن السؤال الذى يتعين الإجابة عنه بعد الذي قيل هو:
هل هذا يضر بالخيل أم لا؟

وإذ لاحظ أن العيون تطلعت إليه حائرة ومستاءة، فإنه لم ينتظر تعليقا من أحد، وروى الحكاية التالية:

في زمن المماليك، عاد أحدهم من رحلة طويلة، فأطلق خيوله ترعى في الزراعات المحيطة بقصره، الأمر الذي أفسد الزراعات وأزعج الأهالي، فتحلقوا حول القصر وراحوا يتصايحون غاضبين ومحتجين، وحين وصلت صيحاتهم إلى مسامع المملوك الذي كان شركسيا لا يعرف العربية، فإنه سأل المحيطين به عن سبب غضب الأهالي، فحاولوا أن يشرحوا له الموضوع، إلا أنه لم يستوعب الكلام، وبعد جهد أوصلوا إليه جوهر الرسالة، وحينئذ أطرق الرجل لحظة، ثم ألقى على من حوله السؤال التالي:
هل هذا الضجيج الذي يحدثونه يضر بالخيل؟
فردّوا بصوت واحد مجيبين بالنفي، فما كان من المملوك إلا أن قال: دعوهم يصيحون إذن، ولا تشغلوا أنفسكم بالموضوع.

لأن جو الجلسة كما ذكرت، فإن عبرة القصة وصلتنا على الفور، إذ أراد صاحبنا أن يحسم الجدل الذى دار، قائلا إن كل كلام يقال لا جدوى منه، وسيظل من قبيل الثرثرة التي لن تقدّم أو تؤخّر، وسيقتصر أثرها على مجرد التنفيس عما في الصدر، وطالما أن الخيول بخير، ترعى وتمرح كيفما شاءت ودون أن يصيبها أي أذى، فلن يتغير شيء في الواقع الذي نضيق به ونشكو منه.

هذا التشخيص حوّل مجرى المناقشة، بحيث أصبح موضوعها هو تحديد أوجه التطابق أو التشابه بين قصة المملوك الشركسي والواقع الذي نعيشه، ولم يتطلب ذلك وقتا طويلا، لأن الوقائع كانت واضحة كالشمس، ذلك أننا رصدنا عددا كبيرا من خيول السلطان التي ترتع في البلد، مستبيحة مختلف مقومات الحياة فيه، من أموال البنوك إلى ثروة البلد العقارية إلى ثرواته الطبيعية وموارده الصناعية وحتى مستقبله السياسي.
ولا أحد يحاسبهم ولا قانون يوقفهم، في الوقت نفسه فإن غضب الناس وسخطهم لا حدود له، ولا تخطئه عين في أي موقع، صحيح أن الغضب مختزن ومكتوم، لكنه ظهر على السطح خلال السنتين الأخيرتين، فالصحف المستقلة المعارضة لم تكف عن نقد المظالم وفضحها طوال الوقت، ووجد هذا الغضب ترجمته في الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات، كما ترجمته الهبّات المختلفة التي تجلت في حركة «كفاية» وجماعة «6 أبريل»، والومضات التي تمثلت في ظهور تجمعات «مصريون ضد الفساد» و«ضد الغلاء»، و«ضد بيع مصر.. وضد.. وضد.. إلخ.

ذلك كله لم يوصل رسالة الغضب والاحتجاج، ولم يغير من الأمر شيئا، وإذا كان المملوك لم يتسلم الرسالة لأنه لا يجيد اللغة، ثم إنه لم يكن مكترثا برضى الناس أو سخطهم، فليسوا هم الذين أوصلوه إلى ما وصل إليه، كما أنه ليس بمقدورهم أن يخلعوه من موقعه، فإن الأمر لم يختلف كثيرا في حالتنا،
فأبواب السلطات موصدة ومحصّنة ضد تلقي رسائل المجتمع، والحاشية حريصة على بقاء الوضع كما هو عليه، لأنهم مستفيدون، ومصالحهم ومصائرهم معلنة باستمرار،
أما رضا الناس أو سخطهم، فلا يغير من الأمر شيئا، لأن إرادتهم لا تزيد ولا تنقص، وهناك من يتولى التحكم فيها وتزييفها عند اللزوم.

قال أحد الجالسين، دعونا نكون عمليين، فلا نفكر في الإضرار بالخيول أو إيذائها، وإنما علينا أن نحاول على الأقل أن نوقفها عند حدّها، وهو ما أثار خلافا شديدا في الرأي،
بين قائل إننا ينبغى ألا نلوم الخيول إذا انطلقت، وإنما المشكلة فيمن اقتناها وأطلقها،
وآخر يقول إنه إذا كان الحل الأمثل بعيد المنال، فعلينا أن نفكر في الحل الممكن،
واعترض ثالث قائلا إن الإعلام المستقل في مصر لم يتصرّف في فضح الخيول وملاحقة صور الفساد والإفساد حيثما وجدت،
ومع ذلك فإن التنديد والصياح لم يسفرا عن شىء، لأنها استمرت وتمكنت وتوحّشت، وتحوّل بعضها إلى ذئاب وغيلان ـ ولاتزال المناقشة مستمرة
ـ ما رأيك؟!
..................

نيران صديقه

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 2 رمضان 1430 – 23 أغسطس 2009
نيران صديقه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_9984.html

طالبت إسرائيل السويد باعتذار رسمي، لأن صحافيا سويديا فضح بعضا من جرائمها، فقد نشرت صحيفة «افتوبنلاديت» كبرى الصحف المسائية في استوكهولم استطلاعا قام به الصحافي دونالد بوستروم كان عنوانه: «إنهم يسرقون أعضاء أبنائنا»،

انطلق فيه من قصة اليهودي الأميركي الذي اعتُقل في بروكلين بالولايات المتحدة مع مجموعة من الحاخامات بشبهة الاتجار بأعضاء البشر. وذكر أن ثمة شكوكا تراود الفلسطينيين منذ تسعينيات القرن الماضي بأن شبانا منهم اعتقلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتبين أنهم تعرّضوا لعمليات جراحية لانتزاع أعضاء من أجسادهم قبل إعدامهم. وخلص إلى أن هذه الشكوك يجب أن تقود إلى تحقيق تقوم به المحكمة الجنائية الدولية بشبهة قيام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.

نقل الصحافي السويدي عن فلسطينيين أن شبانا «يُرغمون قبل إعدامهم على التوقيع بالسماح بالتخلي عن أعضائهم البشرية»، وأورد شهادات لعائلات فلسطينية تحدّثت عن اختفاء أبنائها في منتصف الليل، ثم إعادتهم جثثا بعد انتزاع أعضاء من أجسادهم في عمليات جراحية، كما تبين ذلك لذويهم خلال دفنهم.

ونشر معد التحقيق صورة لجثمان شاب من مدينة نابلس أطلق جيش الاحتلال النار عليه وأصابه بجروح خطيرة، ثم نقل بمروحية عسكرية للعلاج، لكن بعد خمسة أيام أعيد جثة هامدة، وأظهرت الصورة جرحا يمتد من الوجه إلى المعدة.

ما إن نشر الاستطلاع حتى قامت الدنيا ولم تقعد في تل أبيب، إذ نددت به الصحف، ووصفه نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون بأنه بمنزلة «الفرية الدموية للقرن العشرين»، وقال: إنني لا أتحدث فقط عن أن الصحيفة لم تتأكد من المعلومات التي أوردتها لتتحرى الحقيقة قبل النشر، وإنما عن ظاهرة معاداة السامية، ولذلك فلا يمكن تبرئة الحكومة السويدية من المسؤولية.

وإزاء هذا الضغط أصدرت سفيرة السويد في تل أبيب بيانا استنكرت فيه نشر الاستطلاع الصحافي الذي اعتبرته «مثيرا للصدمة وفظيعا أيضا للسويديين بقدر فظاعته بالنسبة للإسرائيليين». وأضافت أن حرية الصحافة وحرية التعبير المتاحتان في السويد كما في إسرائيل، تعنيان أيضا مسؤولية كبيرة على عاتق المحررين والمراسلين في أي صحيفة، وخلصت إلى أن حكومة السويد لا تستطيع أن تنأى بنفسها عن النشر الذي تم.

مازالت القضية تتفاعل في إسرائيل، رغم أن الصحافي السويدي قال لصحيفة «هاآرتس» إنه لم يطلب أكثر من إجراء تحقيق دولي في الشبهات المنسوبة إلى الجنود الإسرائيليين. خصوصا أن الفلسطينيين طرحوا عليه تلك الشبهات منذ تسعينيات القرن الماضي، كما أنه سبق أن سمع عنها من بعض موظفي الأمم المتحدة العاملين في الأراضي المحتلة.

هذه الضجة ذكّرتني بأمرين:

الأول قصة الرسوم الكاريكاتورية التي أهانت نبي الإسلام ومقدسات المسلمين في الدنمارك منذ سنتين (الرسوم مازالت تُنشر في بعض الصحف الأوروبية بين الحين والآخر حتى الآن) ولم تطلب أي جهة رسمية عربية أو إسلامية اعتذارا من حكومة الدنمارك، التي أيد رئيسها النشر بدعوى حرية الصحافة (انتُخب الرجل لاحقا أمينا عاما لحلف الناتو)، وادعوا حينذاك أن تلك الحرية لا حدود لها، أما حين تعلق الأمر باتهامات لإسرائيل، فإن سفيرة السويد شددت على أهمية التحلي بالمسؤولية في ممارسة تلك الحرية.

الأمر الثاني وقع في مصر، ذلك أنه في الوقت الذي كانت إسرائيل تطالب فيه حكومة السويد بالاعتذار، قام الجنود الإسرائيليون بإطلاق النار على جندي مصري، ولم تطلب القاهرة اعتذارا، وتولى الإعلام التعتيم على الموضوع. حدث ذلك يوم 18 أغسطس الجاري، حين اشتبهت دورية إسرائيلية في الجندي، فأطلقت النار عليه لقتله، ولكنها أصابته برصاصة نافذة في صدره ولم تقتله. وبدا واضحا في مصر الحرص على احتواء الحادث بسرعة، حيث نشرت «الأهرام» الخبر على يومين متتاليين (18 و19) مشيرة إلى أن الأمر كان مجرد «خطأ» من جانب الإسرائيليين، ثم سكتت عنه تماما بعد ذلك،

كما لم يتجاوز رد الفعل المصري حدود تشكيل لجنة مصرية إسرائيلية للتحقيق، الأمر الذي يعني إماتة الموضوع، ولم يستنكر الحادث سوى مجلس محافظة شمال سيناء، أما الحكومة ووزارة الخارجية، فلم يكترثا به. رغم أن إطلاق الرصاص الإسرائيلي على الجنود المصريين وقتلهم تكرر عدة مرات في سيناء.

ملحوظة: لا وجه للمقارنة بين رد الفعل الرسمي والإعلامي على الحادث، وبين الضجة الكبرى والتحريض العلني اللذين حدثا في مصر حين قتل أحد الفلسطينيين بالخطأ أيضا أحد ضباط الشرطة، أثناء محاولة جموع المحاصرين في غزة اجتياز بوابة رفح في شهر يناير الماضي، لكن تلك مسألة أخرى على أي حال.

تُرى، هل سكتت مصر عن الموضوع، لأن الرصاص الذي أُطلق على جندي الأمن المركزي كان من قبيل النيران الصديقة؟
...................

عابدون أم عابثون؟

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 1 رمضان 1430 – 22 أغسطس 2009
عابدون أم عابثون؟ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_23.html

أخشى على رمضان هذا العام من طوفان المسلسلات، التي إذا تابعها المصريون على مدى اليوم، فلن يجدوا وقتا لأداء الصلوات الخمس، ولا أقول التراويح. بل قد لا يجدون وقتا يتناولون فيه طعام الإفطار والسحور، ولن يذهب أحد إلى عمله، وإذا ذهب فبهدف النوم في مكتبه، لتعويض السهر على المسلسلات الذي يستمر حتى الصباح الباكر.

ولا مبالغة في هذا الكلام، لأننا طوال الأسبوع الماضي على الأقل، غرقنا في بحر الإعلانات التي ظلت تزف إلينا أخبار المسلسلات الحصرية وغير الحصرية، في الصحف اليومية وعلى شاشات التلفزيون، بل لاحقتنا ملصقاتها في الشوارع، حتى أصبحت مسلسلات رمضان هي «القضية المركزية» التي شغلت مختلف وسائل الإعلام وشغلت معها الناس بطبيعة الحال.

حين سألت عن تفسير لهذه اللوثة غير المألوفة، فقيل لي إنها المنافسة القوية بين القنوات التي تكاثرت، فالتلفزيون المصري وحده له عشرون قناة، وهناك عشر محطات تلفزيونية أخرى مستقلة نسبيا، ولا تتبع اتحاد الإذاعة والتلفزيون. ومجموعة المسلسلات التي ستُعرض على شاشات التلفزيونات المصرية في حدود 30 مسلسلا. قيل لي أيضا إن تراجع الإقبال على المسلسلات المصرية في المحطات العربية، دفع المنتجين إلى التركيز على السوق المحلية، وبسبب الكساد النسبي في سوق الإعلانات، فقد خفضت الصحف ووكالات الإعلان من أسعارها، ما شجع شركات الإنتاج على التوسع في نشر الإعلانات، التي قد يكون بعضها سدادا لديون ومستحقات سابقة. وبسبب التنافس القوي أصبح الفائز الأول هو الممثلين والممثلات، الذين ارتفعت أسعارهم، حتى وصل أجر نجوم الصف الأول في المسلسلات إلى ما يتراوح بين 5 و7 ملايين جنيه، علما بأن متوسط ميزانية المسلسل أصبح في حدود 20 مليون جنيه. وقرأت أن مسلسلا واحدا وصلت ميزانيته إلى 35 مليون جنيه، وأن تصوير اليوم الواحد تكلف 35 ألف جنيه، واقتضى الإخراج بناء «فيللا» في الصحراء تكلفت مليونين من الجنيهات.

لم يكن ضجيج المسلسلات هو شاغلنا الوحيد، لأننا تابعنا على هامشها اللغط الذي أثير حول مآل «الخيام الرمضانية» ومصيرها في ظل التحذير من انتشار الإنفلونزا ومخاطرها، وحول أماكن إقامتها واتجاه أصحابها للنزوح إلى المدن الساحلية لإحياء لياليها «المباركة» بعدما أدركوا أن شهر رمضان سيظل في قلب الصيف خلال السنوات الخمس المقبلة.

إذا احتفظت بهذه الصورة في جانب، ووضعت في مقابلها صورة الألوف الذين يسعون لأداء عمرة رمضان ويملأون المطارات والموانئ، فستدرك أن ثمة ازدواجية حادة في المجتمع المصري، بين شريحة تملأ الفضاء ضجيجا وتلوح بمختلف صور الإغراء وتضغط بكل ما تملك من عناصر الجذب والإبهار، لتحويل رمضان إلى شهر للسهر والعبث والفرفشة، ومن ثم تفريغه من مضمونه الروحي، بحيث يغدو نسخة أخرى من «الكريسماس» في العالم الغربي، وهو المناسبة التي بدأت موصولة بذكرى ميلاد السيد المسيح، وانتهت منفصلة عن جذرها وغارقة في كل ما هو دنيوي، وشريحة أخرى من المصريين مازالت تذكر أن رمضان شهر للصوم والعبادة والتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، إذكاء للروح وتطهيرا للنفس.
صحيح أن هؤلاء الأخيرين لا ينبغي التقليل من شأنهم، لأنهم الكتلة الأكبر التي لا يسمع لها صوت ولا ترى لها صور، لكنني أخشى على الأجيال الجديدة غير المحصنة التي غدت الثقافة التلفزيونية مصدرا أساسيا لتشكيل وعيها. إذ لا أستبعد أن ينجح الإبهار التلفزيوني بمضي الوقت في محو صورة رمضان الرباني من أذهانهم، والإبقاء على رمضان التلفزيوني الذي يرتبط في الأذهان باللهو والعبث، وغير ذلك من صور المجون التي تحفل بها الخيام، وما أدراك ما الخيام!

الذي لا يقل سوءا عن ذلك أن السياسة الإعلامية الرسمية تبدو منحازة إلى العابثين والماجنين، وليس العابدين في شهر رمضان، على الأقل من حيث إن قنوات التلفزيون الذي تملكه الدولة هي التي تعرض أكبر عدد من المسلسلات والبرامج التي لا ترجو للشهر الفضيل وقارا.

لقد حذرت في وقت سابق من علمنة الحج، من خلال نزع ما هو روحي فيه وتحوله إلى طقوس وعادات فلكلورية وموسم للتسوق، وهذا الذي يحدث الآن يستدرج شهر رمضان إلى العلمنة، حين يقبض روحه فيجعله اغترافا من الدنيا وليس إقبالا على الله.
ولأن الذين ينسون الله ينساهم الله، فأخشى أن نكون ماضين حثيثا إلى طريق الندامة.
......................

19 أغسطس، 2009

تغيير بسيط 
في عنوان الحقيقة

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 29 شعبان 1430 – 20 أغسطس 2009
تغيير بسيط 
في عنوان الحقيقة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_2198.html

أخطأ جماعة حزب الوسط ثلاث مرات،
مرة لأنهم أرادوا أن يشكلوا حزبا مدنيا،
والمرة الثانية لأنهم أرادوه بمرجعية وسطية إسلامية،
والمرة الثالثة لأنهم ظنوا أن قرار مفوضي مجلس الدولة بتميز برنامجهم عن غيره من الأحزاب يعني أنهم حصلوا على ضوء أخضر يضمن لهم الانتقال من الحظر إلى الإباحة.

لا أعرف إلى أي مدى فوجئوا بقرار عدم التصريح لهم للمرة الرابعة بإقامة الحزب، لكن الذي أعرفه أن الوضع الراهن في مصر لا يريد حزبا حقيقيا، ولكنه يفضل هياكل كاريكاتورية شبيهة بالأحزاب الــ 24 المتوافرة لدينا، وهي التي تتمتع بـ«مرونة» تسمح لها بأن تتحول عند اللزوم إلى أجنحة مساعدة للحزب الوطني الحاكم، ثم إن حكاية الوسطية الإسلامية باتت تثير حساسية لدى أجهزة الأمن، لأن انتشار تلك الدعوة سواء من خلال الحزب أو غيره من شأنه أن يغلق دكاكين كبرى تعيش على التطرف الذي أصبح المبرر الوحيد لوجودها.

وإذا طويت صفحته فإن تلك الجهات ستصبح بلا عمل، وأشخاصا كثيرين سيبحثون عن مورد رزق آخر، هذا إذا لم يعثروا على «فزاعة» أخرى تثير قلق النظام وتقتضي الاستنفار المستمر.

أما إحسان الظن بقرار هيئة مفوضي مجلس الدولة وتوهم أن إنصافه لبرنامج الحزب يشكل وثيقة يمكن أن تحسم مصيره وتؤدي إلى إجازته، فهو تعبير عن براءة مفرطة، ودليل على أن بين الراغبين في الاشتغال بالسياسة أناسا لم يستوعبوا بعد قواعد اللعبة السياسية في مصر المحروسة. ولديهم قدر من حسن النية جعلهم يصدقون بعض الأقوال الشائعة التي تدعي مثلا أن حكم القضاء هو عنوان الحقيقة، وهذه الأخيرة من بين المقولات التي رددها أهل «السلف» من رجال القانون يوما ما، ممن يدركون أن الدنيا اختلفت وأن «العنوان» فقط هو الذي تغير، فانتقل من القضاء إلى الأمن والذين قرأوا كتابات جورج أورويل الأديب البريطاني أقدر على استيعاب هذا التحول لأنه في إحدى رواياته وصف وزارة الداخلية والأمن بأنها وزارة الحقيقة.

حتى بعض القضاة عندنا لايزالون يعيشون في ظل ذلك الوهم، فقد قرأت في جريدة «الشروق» (عدد 6-8) أن محكمة القضاء الإداري بالفيوم أمرت باعادة مدرس إلى عمله، وإلغاء قرار وزير التعليم بفصله بناء على تعليمات أمنية، بدعوى أن المدرس منضم إلى جماعة الإخوان،

وجاء الحكم الذي أصدره المستشار محمد حسين خالد أن المدرس (جمعة أحمد) فوجئ بصدور قرار يمنعه من التوقيع ومن دخول المدرسة التي يعمل بها، حتى لا يختلط بالتلاميذ بدعوى (الحفاظ على الأمن العام)، وهو ما اعتبرته المحكمة عاريا عن الشرعية، فقضت بأن فصل المدرس من عمله إجراء غير قانوني، لأنه استند إلى تحريات جهات الأمن التي جاءت للتعبير عن هوى شخصي، في حين أنه ليس في نصوص القانون، ما يتطلب أخذ موافقة الجهات الأمنية لتعيين المواطنين في الوظائف الحكومية.
لا تسأل عن مصير الحكم، في ظل أجواء الحرية الراهنة التي تتيح للقضاء، كما تتيح للصحافة، أن يقول ما يشاء كما أن للأمن أن يفعل ما يشاء.

هذا الكلام ليس فيه أي مزح أو مبالغة، آية ذلك أن مجلس الدولة أصدر حكما منذ شهرين بالإفراج عن 13 شخصا من الإخوان، بعد أن قضوا ثلاثة أرباع المدة (كل واحد كان عليه حكم بالسجن لمدة 3 سنوات)، ورغم أن أحكام مجلس الدولة طبقا للقانون نافذة المفعول وواجبة النفاذ ولا يوقف تنفيذها أي إشكال، فإن الداخلية رفضت إطلاق سراحهم، واحتالت لعدم تنفيذ الحكم، فقدمت بالمخالفة للقانون استشكالا أمام محكمة غير مختصة لمعارضة خروجهم، ولعدم اختصاص المحكمة، فإن نظر القضية تأجل، وبقي الجميع في السجن لم يغادروه.

تحدي الأحكام القضائية بلغ ذروته حين قررت محكمة جنايات القاهرة هذا الأسبوع إطلاق سراح معتقلين من سراي المحكمة في مقدمتهم الدكتور محمود حسين الأستاذ بكلية الهندسة، وهو ما كان يعني أنه لا توجد بحقهم أي شبهة إدانة، والأمر الذي فاجأ الأجهزة الأمنية التي لم تكترث بالحكم، ولم تأبه به فحملت المجموعة إلى سجن طرة، فيما يعد «اختطافا» لأنهم كان ينبغي أن يعودوا إلى بيوتهم مباشرة.

هؤلاء جميعا كانوا بدورهم دعاة الإسلام الوسطي، لذلك فلم يفاجئني قرار لجنة شؤون الأحزاب رفض طلب إنشاء حزب الوسط، لأن المفاجأة الحقيقية أن وكيل مؤسسيه المهندس أبوالعلا ماضي استدعي لحضور اجتماع اللجنة، ولم يستدع إلى نيابة أمن الدولة، ثم عاد إلى بيته ولم يلحق بسابقيه إلى سجن طرة، وهي مكرمة لم يقدرها الرجل، الذي سمعته محتجا في بعض الفضائيات، في حين كان ينبغي عليه أن يبعث إلى «جماعتنا» ببرقية شكر. وربما كان ذلك خطأ رابعا أرجو ألا يحاسب عليه!
..............................

إنها حقاً زيارة «تاريخية»

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 28 شعبان 1430 – 19 أغسطس 2009
إنها حقاً زيارة «تاريخية» - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_19.html

للوهلة الأولى، لم أسترح للغة الإعلام الرسمي المصري، الذي ظل يسوّق لزيارة الرئيس حسني مبارك للولايات المتحدة الأميركية، ويصفها بأنها «تاريخية»‏،

وكان دافعي إلى ذلك أننا سئمنا وصف كل تحركات الرئيس بأنها تاريخية، وكل كلامه بأنه تجسيد للحكمة وبُعد النظر، وكل خطبة باعتبارها خطة عمل تسترشد بها الحكومة والأجيال القادمة. إلى آخر تلك المبالغات التي لم تعد تقنع أحدا حتى باتت تشعرنا بالسأم‏، لأن من حق أي مواطن عادي أن يسأل عن سر ذلك «الإعجاز»، الذي مكّن الرئيس من أن يستمر في صنع التاريخ واصطحابه معه حيثما ذهب.

كانت وجهة نظري أننا حين ننسب كل قول أو فعل ينسب إليه للتاريخ. فإن ذلك قد يصيب الناس بالملل، بما يفقدهم الرغبة في متابعة تحركاته، لأنها ستبدو دائما على شاكلة واحدة.
ليس ذلك فحسب، وإنما الأهم من ذلك أن تلك المبالغة بما قد تستصحبه من ملل، ربما صرفت انتباه الناس عما هو تاريخي حقا في أقوال الرئيس وممارساته.

ولنا عبرة في القصة الشهيرة التي تحدثت عن رجل ما برح يخيف أهله بين الحين والآخر بادعائه أن ذئبا في الطريق إليهم‏، وحين تكرر ذلك منه فإن الناس لم يعودوا يكترثون بصياحه. إلى أن ظهر في الأفق ذئب حقيقي، فظل صاحبنا يصيح محذّرا منه، ولكن الذين خبروه لم يأبهوا به، إلى أن هاجمهم الذئب فعلا ووقعت الفأس في الرأس.

تكرر ذات الشعور بالسأم عندي حين قرأت في عناوين «الأهرام» أن الرئيس أوباما «يتطلع» إلى لقاء الرئيس مبارك، ولأنني لم أكن مطلعا على خلفيات الزيارة، فقد استكثرت ذلك الإيحاء بأن أوباما بات يترقب اللقاء وينتظره بفارغ الصبر، وأنه أجّل مواعيده وأزاح كل الملفات الموضوعة على المكتب البيضاوي، لكي يركز على ما سيقوله للرئيس المصري، وما سوف يسمعه منه.

سقت هذه المقدمة لكي أمهد لاعتراف واعتذار أخلص بهما ضميري بعدما اكتشفت منذ يومين فقط أن الزيارة كانت تاريخية فعلا، الأمر الذي لا يستغرب معه أن يتطلع إليها الرئيس الأميركي.

أرجو ألا تفهمني خطأ. إذ لم يخطر على بالي أن أصدّق حكاية «تاريخية الزيارة»، بناء على ما ذكرته التصريحات الرسمية عن مناقشة المقترحات الأميركية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، التي يعتزم الرئيس أوباما إعلانها. ولا غير ذلك من الموضوعات التي قيل إن الرئيسين بحثاها، بدءا بالأمن الإقليمي وانتهاء بالسلم العالمي، وبدءا بالمشروع النووي الإيراني وانتهاء بمشكلة ثقب الأوزون وانضمام الولايات المتحدة إلى اتفاقية «كيوتو» لمكافحة الانبعاث الحراري‏،

لا شيء من كل ذلك خطر على بالي ودفعني إلى الاعتراف والاعتذار، إنما ما اعتبرته تاريخيا في الزيارة هو التصريحات التي أدلى بها الرئيس مبارك في الحوار الذي أجراه معه على محطة PBC النجم التلفزيوني اللامع تشارلي روز‏، وهو الذي قال فيها الرئيس كلاما في منتهى الأهمية‏،

فحين سئل عما إذا كان سيرشح نفسه لرئاسة جديدة، كان رده أنه مشغول بإكمال برنامجه الانتخابي. ولا يفكر في أن يحدد أو لا يحدد. ولا يفكر فيمن سيأتي بعده‏،
وحين سئل عن توريث ابنه جمال قال إنه لم يفاتحه في الموضوع ولم يناقش الأمر معه، ولا يفكر في أن يكون ابنه خلفا له‏،
وحين سئل عما إذا كان يعتبر وجود الإخوان أمرا مفيدا لمصر‏، رد الرئيس قائلا: طالما أنهم لم يقوموا بأي أعمال إرهابية، فإن أمرهم لا يعنيه في شيء.

حين قرأت هذا الكلام الكبير أنَّبني ضميري‏، وهتفت قائلا: إنهم صدقوا إذن، وهي حقا زيارة تاريخية،
لكني استغربت حين طالعت الصحف القومية، ولم أجد فيها إشارة إلى كلمة واحدة مما قاله الرئيس‏،
وهو ما أقنعني بأن التاريخ عندهم غيره عندنا!
...................

18 أغسطس، 2009

محاكمة مثيرة لقيم المصريين – المقال الاسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 27 شعبان 1430 – 18 أغسطس 2009
محاكمة مثيرة لقيم المصريين – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_18.html
هاتان مفاجأتان مثيرتان.
الأولى وفرت لنا شهادة خلت من المجاملة لمؤشرات السير والسلوك فى المجتمع المصرى.
والثانية أنها ــ للغرابة ــ صدرت عن مركز تابع لمجلس الوزراء فى مصر.
(1)

قليلة فى مصر والعالم العربى دراسات القيم السائدة فى المجتمع، ليس فقط لأننا نؤثر تضخيم الذات وليس نقدها. ولكن أيضا لأننا ــ خصوصا حين نتحدث عن التغيير ــ نتجه بأبصارنا إلى السلطة بأكثر مما نرصد واقع المجتمع.


ولست أجادل فى أهمية ومركزية دور السلطة خصوصا فى مصر. لكنى أتحفظ على التهوين من شأن متابعة متغيرات المجتمع، بحيث لم نعد نعرف الناس مع ماذا أو ضد ماذا. ويبدو الأمر مفارقا حين يكون هذا مبلغ علمنا، فى حين نعرف الكثير عن اتجاهات الرأى العام فى بلد مثل الولايات المتحدة و فرنسا و إنجلترا، بما يحيطنا علما بموقف مجتمعات تلك الدول إزاء مختلف القضايا العامة ومدى شعبية حكامها، كل أسبوع أو شهر. فى حين كل ما نعرفه عن بلادنا أن «كله تمام». وأن شعبية حكامنا فى عنان السماء طوال الوقت.

فى حدود علمى فإن دراسة تطور السلوكيات والقيم السائدة فى مصر عمرها خمسون عاما تقريبا، وأن أول من أجرى بحثا فى هذا الموضوع كان الدكتور محمد إبراهيم كاظم رحمه الله، الذى كان أستاذا بكلية التربية آنذاك. إذ أجرى بحثه وقتذاك على قيم شباب الجامعات. وبعد عشر سنوات تابع دراسته على عينة أخرى من شباب الجامعات لرصد اتجاهات التغيير فى سلوكياتهم وتطلعاتهم.

وكنت قد عرضت لنتائج هذه الدراسة فى حينها، لكنى لا أعرف أن أحدا اعتنى بها. وأرجح أنها انضمت إلى غيرها من الأبحاث التى تجرى ثم تحفظ فى خزائن الكتب بعد ذلك. وهو ذات المصير الذى لقيته دراسات أخرى لاحقة حول الموضوع.

لأن الأمر لم يكن مأخوذا على محمل الجد من جانب الحكومة، فقد استغربت أن يتبنى مركز المعلومات ودعم القرار بمجلس الوزراء البحث الذى أعده مركز الدراسات المستقبلية حول الموضوع. واستغربت أكثر مدى الجرأة التى اتسم بها البحث، الذى حاول أن يجيب عن عدة أسئلة مثل:
ماذا حدث للإنسان المصرى؟
وما مواطن الخلل فى سلوكه ومنظومة قيمه؟
وما السبيل إلى علاجها؟.


وفهمت من مقدمته المنشورة أنه أجرى فى إطار الرؤية المستقبلية لمصر عام 2030، باعتبار أن نجاح تلك الرؤية يقتضى التعرف على طبيعة القيم السائدة بإيجابياتها وسلبياتها. دعك الآن مما إذا كان ذلك سيحدث أم لا. ولا تسأل عن مصير الدراسة بعد رحيل الحكومة الحالية، لأن الأهم هو أن الشهادة التى حاكمت سلوك المصريين أصبحت بين أيدينا. وأن فيها ما يستحق القراءة والرصد.
(2)
فى الخمسينيات سادت قيم العدالة الاجتماعية والمساواة. هذه هى الخلاصة التى انتهى إليها البحث فى رصده لتطور قيم المجتمع المصرى منذ منتصف القرن الماضى، مشيرا إلى أن التوسع فى التعليم ساعد على إزالة الحواجز الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية، خصوصا فى ظل مجانية التعليم الجامعى التى تمت على يد الدكتور طه حسين، والتى فتحت الباب واسعا لتحسين أوضاع الطبقات الدنيا. وهذا التحسن قطع شوطا أبعد فى ظل المرحلة الناصرية. التى بدأت بقيام ثورة يوليو سنة 1952. ذلك أن الخطوات الإصلاحية التى اتخذت على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، التى بدا فيها تحيز السلطة للطبقات المتوسطة والفقيرة، أدت إلى خلخلة مواقع الطبقات الاجتماعية بصورة نسبية، مما دفع بقيم العدالة الاجتماعية والمساواة إلى صدارة منظومة القيم السائدة.

تغير الحال فى السبعينيات والثمانينيات. وكان ذلك فى صالح الإسراع بمعدل الحراك الاجتماعى. إذا اختلفت سياسة الدولة من التقييد إلى الانفتاح. ومن التدخل فى شئون الاقتصاد إلى الانفراج والحرية. مما ساعد على بروز قيم الفردية والأنانية.

(هكذا ذكر البحث). مضيفا أنه فى تلك الفترة برزت قنوات أخرى ساعدت على حدة الصعود والهبوط للطبقات الاجتماعية. فظهرت الشركات الانفتاحية والبنوك الخاصة ومكاتب التصدير والاستيراد، والمكاتب الاستشارية الأجنبية.
وأصبح العمل فى خدمة كل ما هو أجنبى طموحا وتميزا، ليس فقط على المستوى الرسمى (من قبل الدولة) بل أيضا على مستوى الثقافة الشعبية. وهو ما أدى إلى ظهور مؤشرات للتميز الاجتماعى استصحبت اتجاها إلى استخدام لغة الأجنبى وعاداته.


فى الوقت ذاته زادت طموحات الأفراد، واتجهت الأنظار نحو البحث عن جميع الوسائل الشرعية وغير الشرعية للعمل فى القطاع الخاص والأجنبى، الذى يدر دخلا أعلى ومكانة أرفع. مما ساعد على ظهور قيم التملق والنفاق وإحلال الولاء محل الكفاءة فى العمل.

تلك المرحلة شهدت هجرات واسعة من جانب العمال والحرفيين المصريين إلى دول النفط، مما أدى إلى تراجع قيم الاستقرار وهيبة الغربة. وأسهمت الهجرات فى زيادة دخول فئات كثيرة، سعت إلى تغيير مراكزها فى السلم الاجتماعى، مما أدى إلى زيادة حدة الطموح الاستهلاكى. وحرص هؤلاء على إثبات التميز الاجتماعى. وساعد ذلك على ظهور المباهاة الاجتماعية والنَّهم فى اقتناء الغالى والثمين. كما ساعد على بروز التعالى والأنانية حين زادت السيولة النقدية بمعدل أكبر من الزيادة فى السلع والخدمات. وهو ما عمَّق ذلك من التضخم الانفتاحى الذى أدى إلى ظهور شرائح جديدة مثل: ملاك العقارات الجدد وأصحاب الملكيات الزراعية وأرباب الصناعة وتجار الجملة وأصحاب مكاتب التصدير والاستيراد. وهؤلاء تقاطعوا مع شرائح أخرى كانت تنتمى إلى الطبقات الدنيا، مثل الحرفيين وعمال البناء والعمال الزراعيين، الذين أفادوا من ندرة العمل الناجمة عن الهجرة. هذا المناخ أسهم فى ظهور الفساد بأشكاله المختلفة، وعلت قيمة الشطارة وانتهاز الفرص. وتنمية العلاقات الشخصية بأصحاب النفوذ. وهانت فضائل احترام الكلمة والتمسك بالكرامة الشخصية، وظهور أنواع جديدة من الجرائم كانهيار العمارات حديثة البناء وشيوع الرشوة وقتل الوالدين.. إلخ.
هذا المعدل غير المسبوق فى الحراك الاجتماعى أحدث تقلبات عنيفة فى المركز النسبى للطبقات، كما أحدث خللا فى القيم السائدة تجلى فيما يلى:
انتشار الرموز التى تدل على الصعود الطبقى «المظهرية» ــ الاندفاع فى الاستهلاك ــ انتشار الاستثمار غير المنتج الأسرع فى العائد والأقل فى المخاطرة
ــ التهرب من الضرائب لعدم الثقة فى أداء السلطة ــ ضعف التمسك بالأخلاق، وتقدم قيم الشطارة والفهلوة واهتبال الفرص
ــ تفكك روابط الأسرة بسبب الحرص على الكسب السريع وتنامى التطلعات الطبقية ــ ذيوع التغريب والتعلق بما هو أجنبى فى المظهر والسلوك
ــ تغير المناخ الثقافى وتدهور لغة الخطاب التى دخلت عليها العامية المبتذلة، والمفردات الإنجليزية.

(3)
بهذه الهيئة المثيرة للقلق والرثاء، دخل المواطن المصرى فى حقبة التسعينيات، التى رصد فيها البحث متغيرات فى القيم والسلوك أختزلها فيما يلى:

* انتفاء قيمة الخير والحب. إذ أصبح الخير والسعى إليه والعمل على تحقيقه سواء للذات أو للآخرين من الأمور النادرة. وكأنه أصبح معقودا على الذات فقط. فكل شخص يتمنى الخير لنفسه ولذويه فقط. فإذا كان بمقدوره أن يساعد الآخرين فيه ويوفره لهم، ضن به وبخل عن تقديمه حتى لا ينعم الآخرون به.

* تراجع قيمة الإحساس بالأمان والطمأنينة. ففى عهد عبدالناصر كان ميل المصرى للطمأنينة قويا، لاعتماده على شخصه وعلى الدولة التى وفرت له كل شىء. وفى عهد السادات بدأ القلق والاكتئاب يتسربان إليه. واستمر ذلك خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم. إلى أن لوحظ أن المصرى أصبح مسكونا بالانفعالات المختفية تحت بعض الصمت والسكينة، الأمر الذى يعبر عنه بالمجاملة حينا وبالنفاق حينا آخر. وانتهى الأمر به أن هرب إلى الغيبيات. حيث الطمأنينة المزيفة، وامتزجت عنده روح الفكاهة بالاكتئاب. حتى أصبحت الفكاهة تعبيرا عن المرارة والسخرية وليس عن المرح.

* انتفاء قيمة العدالة. فعلا شأن لاعبى الكرة والفنانين، فى حين تراجعت حظوظ المفكرين والعلماء، وغابت العدالة الوظيفية بسبب المحسوبية، والعدالة السياسية جراء تزوير الانتخابات، والعدالة الاقتصادية بسبب الرشوة والفساد، والعدالة الاجتماعية بسبب تصعيد المنافقين والمؤيدين وكتاب السلطة. ومن ثم باتت قيم النفاق والوصولية والنفعية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين هى الصفات الغالبة. وغدا التفانى فى العمل أو العلم والابتكار وتعليم الأجيال من الأمور غير المرحب بها.

* تراجع القدوة. إذ أصبح الناس يفتقدون النموذج الذى يقتدون به، خصوصا فى ظل انتشار أخبار فساد أصحاب المناصب العليا والزعماء السياسيين والروحيين، ولأن المصرى مرتبط منذ عصور الفراعنة بفكرة الشخصية «الكاريزمية» الموحية والمؤثرة، فإن شيوع تلك النماذج كان له تأثيره السلبى المباشر على قيم الأجيال الجديدة.
* تراجعت قيم العلم وازداد احتقار اللغة، كما تراجع التفكير العلمى، ومعهما تراجعت قيمة العمل، الذى أصبح مقصورا إما على أصحاب الواسطة أو خريجى الجامعات الأجنبية. وإزاء انتشار الفساد تراجعت قيمة الأمانة وشاع التسيب واللامبالاة.

* تراجعت قيمة الأسرة التى أصبحت تواجه خطر التفكك، فى ظل غياب التراحم، وزيادة مؤشرات الفردية والأنانية والاستغراق فى المظهرية والتطلعات الشخصية.

* تراجع قيمة الانتماء للوطن، إذ أصبح المواطن المصرى جزيرة منعزلة مستقلة عن الوطن، يشعر بوحدة غريبة، وانكفاء على الذات. وذلك نتيجة لإقصائه عن أى مشاركة، إضافة إلى أنه لم يعد يشعر بأن الدولة تحتضنه وترعاه. ولذلك لم يعد غريبا أن تتزايد معدلات الهجرة إلى الخارج، وأن يغامر الشباب بالتسلل عبر الحدود والتعرض لمخاطر ركوب البحر واحتمالات الغرق، لكى يصلوا إلى الشواطئ الأوروبية التى يحلمون بأن يحققوا بعض أحلامهم على ضفافها.

(4)
فى الدراسة كلام آخر عن التحولات التى طرأت على الشخصية المصرية خلال العقود الأخيرة، بسبب التحولات الجذرية التى طرأت على بنية المجتمع. فأصبحت أكثر سلبية وعدوانية، وصارت أقل ثقة بالنفس وأكثر اعتمادا على الآخرين.
ولجأت إلى تضخيم الذات والمبالغة فى التعبير عن المشاعر. كما تميزت بالتمركز حول الذات وعدم المثابرة، مع الاستسلام للحماس المؤقت والانفعال وردود الأفعال.

أيا كان رأيك فى هذا الكلام، فلابد أن تقدر شجاعة الباحثين الذين أعدوا الدراسة ولم يترددوا فى نقد الذات وتسليط الأضواء على عيوب المجتمع بغير مجاملة أو تسويف.

الملاحظة الأخرى المهمة أن مؤشرات الدراسة تعطى انطباعا قويا بأن منظومة القيمة فى المجتمع المصرى تتدهور حينا بعد حين، الأمر الذى يجعل شعار الحزب الوطنى فى مؤتمره الأخير «مصر بتتقدم بينا»، بمثابة شائعة كاذبة فضحتها الدراسة.

أما ملاحظتى الأخيرة فهى أن بعض المثقفين كانوا يتندرون قائلين إن تغيير الشعوب فى العالم العربى أصعب من تغيير الأنظمة والحكومات. والتقرير أثبت أن هذه المقولة لم تعد مزحة، وإنما صارت حقيقة ماثلة أكدتها شهادات توزعت على 160 صفحة بالتمام والكمال.
لقد تغيرنا كما رأيت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولكن نظامنا حماه الله لا يزال ثابت القدم.
لم يتغير فيه شىء. لا فى شخوصه ولا فى عقليته أو أساليبه. وإزاء إصرار الحزب الحاكم على أننا «نتقدم»، فلا أعرف كيف يمكن أن نقنع قيادته بأننا لم نعد نحتمل مزيدا من هذا التقدم، حتى صرنا نحلم بيوم نذوق فيه طعم التخلف!
..........................

16 أغسطس، 2009

فزورة القواعد العسكرية

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 26 شعبان 1430 – 17 أغسطس 2009
فزورة القواعد العسكرية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_16.html


في مفاجأة من العيار الثقيل، كشف د.علي الدين هلال أمين الإعلام بالحزب الوطني عن وجود 3 قواعد عسكرية لطائرات أجنبية على أرض مصر، عند تولي الرئيس مبارك الحكم.
وقال إن مبارك خاض معركة شرسة للحفاظ على أرض واستقرار البلد. وأكد أن مصر هي الدولة العربية الوحيدة حاليا التي لا توجد بها قواعد عسكرية أجنبية.

الفقرة السابقة منقولة نصا من خبر نشرته صحيفة «الوفد» على صفحتها الأولى، يوم الجمعة (7/ 8)، حول لقاء د.هلال مع شباب الجامعات بالإسكندرية، وحديثه عن القواعد العسكرية الثلاث غير مسبوق.
إذ إنها المرة الأولى التي يعلن فيها أمين الإعلام بالحزب الوطني هذه المعلومة الخطيرة. ورغم أنه لم يشر إلى هوية القواعد، إلا أننا لا نحتاج إلى بذل جهد لكي نعرف أنها أميركية، ليس فقط لأن الرئيس السادات هو الذي أخرج الروس من مصر بتشجيع وترحيب أميركيين، ولكن أيضا لأنه القائل بأن 99 % من الأوراق بيد الولايات المتحدة.

بعد أن مضى أكثر من أسبوع على نشر هذا الكلام، ولم يكذبه أو يصوبه د.علي الدين هلال. فإننا نصبح في حل من الحذر في تصديقه، مما يسوغ لنا أن نتعامل معه باعتباره خبرا صحيحا. فضلا أن أمين الإعلام في الحزب الحاكم ما كان له أن يتطوع بإذاعة معلومة بهذه الأهمية إلا إذا كان واثقا من صحتها. ولا مفر من الاعتراف بأنها تصدم القارئ من عدة أوجه.

من ناحية فهي دالة على أن ثمة أسرارا تتعلق بممارسات السلطة في تلك المرحلة لم يكشف النقاب عنها بعد، الأمر الذي يفتح الباب لتصديق الشائعات التي تحدثت عن أمور أخرى تمت خلالها، منها حكاية الملاحق السرية لاتفاقيات كامب ديفيد حملت مصر بالتزامات غير معروفة تجاه إسرائيل.

ومن ناحية ثانية، فإن وجود تلك القواعد يعد تفريطا في السيادة الوطنية، يثير أكثر من سؤال حول حدود ذلك التفريط ومداه. وحين يتم ذلك التفريط على يد الرئيس السادات فإنه يعزز فكرة الانقلاب على ثورة يوليو، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إن عصر الثورة انتهى برحيل الرئيس جمال عبدالناصر.

هذا الإعلان شبه الرسمي لخبر القواعد الأجنبية الثلاث يثير سؤالين مهمين.
الأول يتعلق باستخدامات تلك القواعد في المرحلة الساداتية،
والثاني ينصب على مصيرها بعد تولي الرئيس مبارك السلطة في عام 1981.

ولأن الأول يتعلق بالماضي والثاني موضوعه الحاضر والمستقبل. فإنني استشعر قلقا أكبر على الحاضر والمستقبل، مؤجلا بحث إجابة السؤال الأول في الوقت الراهن.

لقد أدى إخراج السوفييت من مصر إلى مواجهة مع النظام السوفييتي. أسفرت عن قطيعة نسبية بين القاهرة وموسكو. وإذا كان الرئيس مبارك قد خاض معركة شرسة لتخليص مصر من القواعد الأجنبية كما ذكر د.علي الدين هلال. فإن ذلك موقف يجب أن يقدر لكن لا ينسينا البحث عن توقيت حدوث تلك المعركة المهمة التي لم نسمع بها، وعن التداعيات التي استصحبتها، وإلى أي مدى أثرت على العلاقات المصرية - الأميركية. ولابد هنا من الإشادة بعبقرية إدارة هذه المعركة التي كانت نتيجتها طرد القواعد الأميركية من مصر، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية بين القاهرة وواشنطن. مما يمكن أن يوصف بأنه «غرام بعد الخصام».

تنتاب المرء حالة من البلبلة حين يقرأ الكلام الذي يعتبر أن مصر هي الدولة الوحيدة التي لا توجد على أرضها قواعد عسكرية أجنبية، ثم يقع على كلام مغاير صادر على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين.
ما أعنيه هنا هو تلك المعلومات التي تمنيت أكثر من مرة أن ينفيها أي مسؤول مصري، والتي صرح بها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق آفي ديختر في محاضرته الشهيرة التي ألقاها في معهد أبحاث الأمن القومي بتاريخ 4 اغسطس 2008 وهي التي قال فيها ما نصه:
إن الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان بتدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها نظام الرئيس مبارك في مصر، ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس والقاهرة.
من الركائز أيضا الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بالعاصمة، ومرابطة قطع بحرية وطائرات أميركية في قواعد داخل مصر وبجوارها. في الغردقة والسويس ورأس بيناس.

بمناسبة قدوم شهر رمضان، هل يستطيع أحد أن يحل لنا هذه «الفزورة»؟
...................

15 أغسطس، 2009

استقالة عمرو موسى

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 25 شعبان 1430 – 16 أغسطس 2009
استقالة عمرو موسى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_882.html

تحيرنا تصريحات السيد عمرو موسى، وتحزننا في الوقت ذاته. تحيرنا لأنها تقدم لنا صورة أخرى لموقفه، مختلفة عن تلك التي استقرت في أذهاننا له، بحيث لم نعد نعرف ما هو الوجه الحقيقي له.
وهي تحزننا أيضا لأن عمرو الأخير يمثل تراجعا عن عمرو الأول. حتى بتنا نخشى أن يكون الذي قدرناه واحتفينا به في الرجل كان الصورة الملونة وليس الأصل. ولا أحد يستطيع أن ينسى موقفه في مؤتمر دافوس، حين انسحب في إحدى الجلسات العلنية رئيس الوزراء التركي الطيب أردوجان غضبا لفلسطين بعد حديث الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، في حين ظل السيد عمرو موسى قاعدا، مستجيبا لإيماءة من الأمين العام للأمم المتحدة. وإن بدا المشهد محرجا له، فإنه كان أيضا معبرا عن الموقف العربي الهزيل، الذي ظل الأمين العام للجامعة العربية حريصا على الالتزام به وعدم التمايز عنه.

الذي جر هذا الكلام وذكرنا بالذي مضى. هو التصريحات التي أبرزتها «الأهرام» له على الصفحة الأولى من عدد الأربعاء الماضي (12/ 8) بخصوص القضية الفلسطينية، وذكر فيها السيد عمرو موسى النقاط التالية:


ــ إن الإيقاف الكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية يشكل خطوة حاسمة لا يمكن الاستغناء عنها لإيجاد سلام دائم في الشرق الأوسط.

ــ إن الحكومة الإسرائيلية الحالية مطالبة بإعلان موقف واضح وصريح من الدولة الفلسطينية، والاعتراف بعاصمتها المستقبلية.

ــ إن الموقف العربي معلن من المبادرة العربية، وأن الدول العربية مستعدة للوفاء بالتزاماتها وفقا لهذه المبادرة.

ــ إن العرب لن يقدموا قربانا مجانيا لإسرائيل دون الوقف الكامل للاستيطان (الإشارة مقصود بها دعوة التطبيع قبل الحل التي يصر عليها أعضاء الكونجرس الأميركي).

ــ إن الالتزامات المتقابلة هي الطريق الصحيح لإحلال السلام العادل والدائم في المنطقة.

لا أخفي أنني شعرت بالغيظ وخيبة الأمل، حين قرأت هذا الكلام، وأسبابي في ذلك هي:


ــ إن الأمين العام لجامعة الدول العربية لم يشر بكلمة إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ولا إلى الحصار الذي تفرضه إسرائيل على مليون ونصف مليون فلسطيني في غزة.

ــ إنه جعل وقف الأنشطة الاستيطانية هو الموضوع الأساسي، بما أعطى انطباعا بالموافقة على بقاء المستوطنات الموجودة المقامة فوق الأرض المحتلة، والتركيز فقط على الأنشطة المستجدة، وهو في ذلك تنازل عن فكرة تفكيك المستوطنات استنادا إلى قرار محكمة العدل الدولية ونصوص القانون الدولي التي تنص على بطلان إجراءات تغيير الأوضاع الجغرافية للأراضي المحتلة.

ــ إن حديثه عن مبادرة قمة بيروت انصب على التزامات الدول العربية، وسكت عن شرط الوفاء بالالتزامات الذي نصت عليه المبادرة، المتمثل في الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 ومن الجولان والأراضي اللبنانية. وحين أراد أن يبدو حازما فإنه قال إن العرب لن يقدموا شيئا دون الوقف الكامل للاستيطان، متراجعا عن شرط الانسحاب الكامل الذي نصت عليه المبادرة.

ــ إن كلامه عن الالتزامات المتقابلة كطريق لإحلال السلام، يكاد يقترب من الموقف الإسرائيلي الذي يدعي أن إسرائيل لن تعطي إلا بقدر ما تأخذ، وهو المنطق الذي يساوي بين الجاني والمجني عليه، والقاتل والقتيل.

ــ إن مطالبته إسرائيل بضرورة إعلان موقف من الدولة الفلسطينية خلا من أي إشارة إلى حقوق وحدود تلك الدولة التي تريدها إسرائيل منزوعة السلاح ومشلولة الحركة ومقامة ضمن حدود مؤقتة، ثم إنه ضنّ على فلسطين بذكر كلمة القدس (حتى الشرقية منها) كعاصمة للدولة، واكتفى بالحديث عن الاعتراف بالعاصمة «المستقبلية» في تجهيل غير مبرر، يمثل تراجعا جديدا عن الموقف العربي المتعارف عليه.

هذه الخلفية تعني أمرين،
أولهما أن السيد عمرو موسى خفض كثيرا من سقف تطلعاته على نحو بدا فيه أقرب إلى سقف الموقف الأميركي الذي ابتدع تجميد المستوطنات مقابل التطبيع، منه إلى مستوى الطموح العربي.
أما الأمر الثاني فهو أن الرجل بخطابه هذا قدم استقالته من المكانة التي حفرها في ضمير الأمة، التي رأت فيه أملا ورمزا يوما ما، وآثر أن يعبر عن وهن حكوماتها، متشبثا بموقفه في واجهة النظام العربي المتهالك.. واأسفاه.
....................

قبل انقراض المصريين

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 24 شعبان 1430 – 15 أغسطس 2009
قبل انقراض المصريين – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_15.html


أصبحت أشك في نوايا الحكومة المصرية وهي تتحدث عن الاحتياطات والتدابير التي تتخذها لمكافحة إنفلونزا الخنازير، ومن قبلها إنفلونزا الطيور، لا أعرف كم أنفقت حتى الآن، لكنني لم أعد أفتح صحيفة إلا وأطالع فيها كلاما عن تقييد العمرة ومنع الموالد، وأخبارا عن حملات للمكافحة والأمصال، وصورا لوزير الصحة في جولاته، وأخرى لموظفين ارتدوا الكمامات في المطارات، وراحوا يتفرسون في وجوه وأوراق القادمين من الخارج.

ليس لديَّ أي اعتراض على هذه الإجراءات، وأرجح أنها تمت بحسن نية، لكن الشواهد والقرائن التي توافرت لديَّ أثارت شكّي في جديتها، وجعلتني أفكر في أن يكون ما تنشره الصحف حول غيرة وزارة الصحة والحكومة على حياة الناس ليس سوى تمثيلية، أرادت بها السلطة أن تبرئ ذمتها وتحسّن صورتها. وتخلي مسؤوليتها عن التداعيات التي تترتب على انتشار أمثال تلك الأوبئة. وحين تسللت جرثومة الشك في النوايا، لم أستبعد أن تكون الحكومة حرصت على أن تبالغ في الموضوع، لكي تلهينا عن التفكير في أمور أخرى تثير غضب الناس وسخطهم في البلد، وما أكثرها.

لا أعرف ما إذا كنت تشاركني هذا الشك أم لا، لكنني سأضع بين يديك الصورة كما بدت لي، لكي تفهمني أو تعذرني فيما ذهبت إليه،

فقد نشرت الصحف المصرية أن خمسين شخصا قُتلوا في حوادث الطرق في مصر خلال الأسبوع الماضي وحده،
وفي الوقت نفسه تحدّثت الصحف عن انتشار مرض التيفود، وانتقاله من محافظة القليوبية إلى محافظات الدقهلية والمنوفية والسويس،
وتحدّثت مصادر أخرى عن أن وباء الملاريا بدأ يطرق أبواب مصر،
وفوجئنا بأن 36 قرية في محافظة الفيوم لم تصلها مياه الشرب النقية منذ تسعة أشهر، ما اضطر أهلها إلى كسر مواسير الصرف الزراعي للشرب من مياهها المختلطة بالمبيدات والسموم،
أما المفاجأة الأكبر فهي اكتشاف مزارع للخضر والفاكهة في محافظة 6 أكتوبر تُروى بمياه الصرف الصحي (المجاري).

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الصحف نشرت أخبارا أخرى عن تسريب قمح مسرطن إلى الأسواق،
وعن أن 60 ٪ من الألبان الموجودة بالأسواق تحتوي على مواد خطيرة مثل الفورمالين والصودا الكاوية وغيرهما من المواد التي تؤدي إلى الفشل الكلوي والكبدي وبعض أنواع السرطانات.

السؤال الذي ظل يلح عليَّ طوال الوقت وأنا أطالع تلك الأخبار والتقارير هو:
لماذا تعلن الحكومة الطوارئ في البلد لمواجهة إنفلونزا الخنازير والطيور، في حين تتعامل بمنتهى الاسترخاء والهدوء مع كل تلك البلاوي؟

السؤال جرّ كلاما آخر من قبيل أن ضحايا إنفلونزا الطيور والخنازير حتى الآن أقل من ضحايا حوادث الطرق خلال أسبوع واحد.
وإن الحكومة التي تتشدد في مكافحة إنفلونزا الخنازير أو الطيور وتتراخى في التعامل مع الكوارث الأخرى لا يمكن أن تكون جادة فيما تفعل،
وإنما هي في الأغلب حريصة على الاستعراض لا أكثر، وربما كانت مهتمة بسمعة البلد السياحية، رغم أنه لا وجه للمقارنة بين الكارثتين، فضحايا الإنفلونزا في نهاية المطاف قد يكونون من الجيل الحالي،
أما ضحايا البلاوي الأخرى فهم ضحايا الحالي والقادم والذي بعده، لكل ذلك قلت إن الحكومة لو سكتت عن الإنفلونزا بصنفيها ولم تثر ذلك الضجيج الذي ملأ الفضاء وشغل الناس، ومن ثم وفرت الجهد والمال اللذين صُرفا في الموضوع، لما غيّر ذلك من الواقع كثيرا.

كبرت الشكوك في دماغي فقلت:
هل يمكن أن نُحسن الظن بحكومة تستعرض عضلاتها وتستنفد طاقات البلد لمواجهة البلاء الأصغر، في حين تتثاءب وتراوغ في مواجهة حزمة بلاياها الكبرى؟
ألا يعد ذلك من قبيل التمويه والتستّر على مخطط وقف نمو الشعب المصري والتمهيد لانقراضه؟

إن الحفاظ على حياة الناس حزمة واحدة لا تقبل القسمة. ولا يحسبن أحد أنني أدعو إلى تجاهل الإنفلونزا، ولكني أدعو إلى توجيه نفس القدر من الاهتمام إلى قائمة الكوارث الأخرى،
وأرجو ألا يتصوّر أحد في الحكومة أن الأولى أولى بالرعاية لأنها مستوردة، وأن الكوارث الأخرى أقل قيمة لأنها محلية التدبير والصنع!
.....................

12 أغسطس، 2009

في ظل السلطة المطلقة

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 22 شعبان 1430 – 13 أغسطس 2009
في ظل السلطة المطلقة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_12.html


في أول يوليو الماضي نشرت مجلة «فورين بوليسي» قائمة بأسوأ خمسة من أبناء الحكام في العالم.

أثارت القائمة فضولي لأسباب أثق في أنك تعرف أهمها. وحين انتهيت من قراءتها، أثار انتباهي أن المجلة لم تذكر من العرب سوى اثنين فقط من أبناء العقيد القذافي والشيخ زايد رحمه الله.
أما الثلاثة الآخرون فكانوا أبناء الرئيسين الصيني والكوري وابن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة السيدة مارجريت تاتشر،

لم أفهم لماذا اكتفت المجلة بذكر اثنين فقط من أبناء الحكام العرب، لأن ما نعرفه في بلادنا يرشح قائمة طويلة من أولئك الأبناء بمنتهى الجدارة لاحتلال موقع متقدم في القائمة.
لست متأكدا مما إذا كانت المجلة قد أرادت تمثيل العالم العربي فقط في القائمة،
أم أنها جاملت بعض الأسر الحاكمة لسبب أو لآخر فلم تشر إلى أحد من أبنائها.
أو أنها اكتشفت بعد الدراسة التي أجرتها أنها لو نشرت القائمة الكاملة لأسوأ أبناء الحكام العرب، لاستغرق ذلك كل صفحات المجلة، ومن ثم حلت الإشكال بإجراء «قرعة» فاز فيها الاثنان المذكوران.

في عدد أول أغسطس الحالي نشرت المجلة الأميركية قائمة بأسوأ خمس فتيات من بنات العائلات الحاكمة في العالم، لم أقبل على قراءة التقرير بنفس الدرجة من اللهفة التي استشعرتها في المرة السابقة، لذات الأسباب التي تعرفها. ومن ثم أقبلت عليها بفضول عادي خلا من الحماس. وأثار انتباهي أن القائمة تضمنت اسما عربيا واحدا للسيدة رغد ابنة الرئيس السابق صدام حسين وقد صنفت ضمن الأسوأ لأن أباها طلقها من زوجها ثم أعدمه. ولم تبد أي حقد أو إنكار لما حدث، كما أنها اتهمت بدعم المقاومة العراقية، وهي تهمة يحاكم عليها القانون العراقي بالإعدام لكن الحكومة الأردنية رفضت تسليمها، أما الأخريات فقد كن حقا نماذج سيئة لبنات الحكام. ثلاث منهن بنات لرؤساء أذربيجان وبورما ونيجيريا، والرابعة ابنة رئيس وزراء تايلاند السابق.

حين تساءلت عن السبب في أنهم ركزوا على الأبناء والبنات ولم يذكروا الحكام الأسوأ، خطرت لي ثلاثة ردود،

أحدها أن يكون ذلك مدعاة لحرج حرصت المجلة على تجنبه،
والثاني أن الحكام الأسوأ في العالم معروفون ويستطيع أي واحد أن يشير إليهم دون عناء.
أما السبب الثالث فهو أن الأبناء والبنات لا تسلط عليهم الأضواء عادة. لانهم يتحركون في ظلال الآباء، وبالتالي فانهم قد يكونون معروفين على المستوى المحلي، لكنهم لا يذكرون عادة خارج الحدود إلا إذا ارتكبوا فضائح مدوية يتعذر احتواؤها في الداخل.

الملاحظة الأهم على الأسماء التي وردت في القائمتين أنها لأبناء وبنات حكام دول غير ديموقراطية، وأن المسوغ الأساسي لإدراجهم هو استغلالهم لنفوذ الآباء سواء في تحقيق الثراء الفاحش أو في ارتكاب أفعال أخرى غير مشروعة (ابن السيدة تاتشر مارس فساده في بعض الدول الأفريقية).

لست مضطرا لذكر الوقائع المنسوبة إليهم أو إليهن، لأنها من قبيل الأفعال التي تنشرها صحفنا باعتبارها أخبارا «عادية».
عن الذين نهبوا المال العام وهربوا،
أو الذين وضعوا أيديهم على ثروة البلد العقارية، وحصلوا على آلاف الأفدنة بالملاليم، ثم باعوها شبرا شبرا بالملايين،
أو غيرهم ممن احتكروا السوق وانقضوا على مصانع القطاع العام التي بيعت بأثمان بخسة،
أو استخدموا قوة السلطة لتصفية المنافسين، بطردهم من البلاد أو تلفيق التهم لهم وإيداعهم السجون.. الخ.

القائمتان تؤيدان القول بأن السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
وإذا قال أي أحد إن الفساد موجود في كل بلاد الدنيا. فهو محق لا ريب.

لكن الفرق بين بلد وآخر يكمن في أن ثمة دولا يستعلي فيها أهل السلطة وأعوانهم من الفاسدين ويعتبرون أنفسهم فوق القانون،
وهناك دول أخرى تنكسر فيها شوكة الفساد مهما علا مقامهم لأن الجميع يخضعون للقانون،

وأرجو ألا يستعبط قارئ ويسألني: إلى أي الفئتين ننتمي؟
................

11 أغسطس، 2009

يهزلون في موضع الجد

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 21 شعبان 1430 – 12 أغسطس 2009
يهزلون في موضع الجد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_2134.html

مؤتمر حركة فتح الذي انعقد في بيت لحم يثير من علامات الدهشة والإحباط أكثر مما يثير من أسباب الثقة والتفاؤل، ذلك أنه من عجائب عالم السياسة أن تعقد حركة تحرير مؤتمرها تحت مظلة الاحتلال، وبموافقة العدو، بل وتذهب إلى أبعد، فتنتخب مجلسا «ثوريا» وتتحدث في بيانها عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الأشكال.
وهو كلام كبير، إذا أخذ على محمل الجد، فإنه يعني إطلاق شرارة المقاومة فور انتهاء جلسات المؤتمر، خصوصا أن الظرف مهيأ تماما لذلك. فلا المفاوضات أوصلت إلى شيء. ولا الاستيطان توقف. ثم إن عملية تهويد القدس مستمرة يوما بعد يوم، أما الحكومة الإسرائيلية الراهنة، فقد أغلقت الأبواب أمام أي احتمال للتفاهم حول أي عنوان من عناوين القضية، وتلك ملابسات توفر للمجلس «الثوري» فرصة نموذجية لكي يؤدي واجبه ويثبت جديته وشرعيته، لأنه إذا تشكل ثم سكت فمن حق أي مواطن أن يسأل: إذا لم يثر أعضاؤه في هذه الظروف، فمتى يثورون إذن؟

لست أبالغ. فمثل هذه التوقعات تُعد ترجمة عادية جدا للكلام الذي صدر عن المؤتمر، يخطر على بال المرء إذا أحسن الظن به، وتصور أنه يعني حقا ما يقول،
لكن هذا الأمل لا يلبث أن يتراجع حين يفتح المرء عينيه على حقيقة الرعاية الإسرائيلية للمؤتمر، والجهد الحثيث الذي تبذله أجهزه السلطة «الوطنية» لملاحقة المقاومين واعتقالهم وتعذيبهم، إضافة إلى التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، لإحكام عملية الملاحقة والاعتقال، فضلا عن إجهاض أي عمليات فدائية، وهو ما يدعونا إلى القول إن حكاية مقاومة الاحتلال بكل الأشكال كانت تعبيرا إنشائيا وليست موقفا حقيقيا، وأن المجلس الثوري لا يراد له أن يفعل أكثر مما يفعله مجلس الأمومة والطفولة في مصر!

من العجائب أيضا أن يعقد مؤتمر حركة فتح للمرة الأولى منذ عشرين عاما، دون أن تعرض عليها أي وثائق أو تقارير عن الأنشطة المختلفة خلال الفترة السابقة، وهذا تقليد معمول به في جميع التنظيمات السياسية والمؤسسات الأهلية، من الأحزاب السياسية إلى التعاونيات والاتحادات الطلابية، وقد قرأت أن خمسة أو ستة تقارير أعدت بالفعل، ولكنها استبعدت جميعا، واعتبرت كلمة رئيس السلطة في افتتاح المؤتمر هي الوثيقة التي يتعيّن على المشاركين أن يهتدوا بها في مناقشاتهم وتحديد مواقفهم. وهو ما ذكرنا بالتقليد المتبع في أنظمتنا الذي بمقتضاه يتحول كلام أي رئيس إلى خطاب تاريخي وخطة عمل، وفي غيبة تقرير سياسي حقيقي يقدم إلى المؤتمر، فإن اللقاء فقد عموده الفقري، وتحول مؤتمر الحركة إلى شيء أقرب إلى مجرد كلمة موسمية.

من العجائب كذلك أن الأعضاء الذين حضروا مؤتمر الحركة، جرى حشد أعداد كبيرة منهم بواسطة الأجهزة الأمنية، التي تخيرت أناسا بذاتهم للوصول إلى نتائج محددة سلفا، في مسلك هو صورة طبق الأصل لمؤتمرات الاتحاد الاشتراكي في مصر ومؤتمرات اللجان الثورية في ليبيا،

وفيما علمت، فإن لجنة تحضيرية للمؤتمر تشكلت في عمان، كان يفترض أن تتولى مسائل العضوية والتقارير التي ستعرض على «كوادر» الحركة، ولكن السيد أبومازن ألغى اللجنة بعدما بدأت أعمالها بالعاصمة الأردنية، واستبدلها باجتماع عقد برئاسته في رام الله لطبخ مسألة العضوية وفتح الباب لتحضيرها. وكانت النتيجة أن المؤتمر الذي كان يفترض أن يشارك فيه ما بين 1200 و1600 عضو، حضره أكثر من 2250 عضوا، لم يعرف أحد من أين جاءوا ولا من الذي رشحهم للعضوية، وإزاء ذلك لم يكن مستغربا أن ترتفع أصوات شككت في هوية أعداد كبيرة من الحاضرين، كما شككت في دوافع اختيارهم.

العجيبة الرابعة أن المؤتمر الذي يفترض أن يضم كوادر «فتح»، كان طوال الوقت تحت مراقبة صارمة من الأجهزة الأمنية، التي لم تتردد في قمع أي عضو يشك في تجاوبه مع المخطط المرسوم، وكلمة «قمع» هذه لا مبالغة فيها، لأن الأخبار تحدثت عن قيام عناصر الأجهزة البوليسية بالاعتداء بالضرب على شخصيات مهمة محسوبة على خط أبومازن. ومن هؤلاء اللواء توفيق الطيراوي رئيس المخابرات السابق والعميد أبوحسن الشيوخي (75 سنة) والعميد ماجد حيمور الذي قدم من الأردن، وقد نقل الثلاثة إلى المستشفى لتلقي العلاج من آثار الضرب المبرح، الذي ما كان يخطر على بال أحد.

في ظل استمرار هذا الوضع أخشى أن يعاني الفلسطينيون مما عانيناه في أغلب الأقطار العربية، حين ذهب الاستعمار الأجنبي وحلت محله نخبة «وطنية» كانت أسوأ منه، ما جعل كثيرين يتحسّرون على زمن الاحتلال، وها هي سلطة رام الله التي مازالت تتمسح في التحرر الوطني، تبشرنا بما تمارسه من «قمع وتدليس» بأنها بصدد تكرار السيناريو البائس الذي خبرناه.

إن أحلامنا لم تعد تؤجَّل فحسب، وإنما أصبحت تُجهَض واحدا تلو الآخر.
...............

حين لا نفهم ولا نصـدق – المقال الاسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 20 شعبان 1430 – 11 أغسطس 2009
حين لا نفهم ولا نصـدق – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_11.html


إذا جاز لنا أن نضع عنوانا للأسبوع الفائت، فأزعم أنه قمين بأن يسمى أسبوع الحيرة والبلبلة، لأننا سمعنا خلاله بخصوص قضايا المصير كلاما طيّب خاطرنا من بعض القيادات العربية، ثم ما لبثنا أن سمعنا نقيضه الذي خيب آمالنا من المصادر الغربية المعنية، بحيث لم نعرف بالضبط من نصدق ومن نكذب.


(1)

يوم الخميس 30/7 كان من بين عناوين الصفحة الأولى لكل من صحيفتي »الحياة« و»الشرق الأوسط« اللندنيتين ما يلي: السعودية: لا تطبيع إلا بعد السلام الشامل ــ لا تطبيع قبل الانسحاب من كل الأراضي وقبول مبدأ الدولتين ــ مسؤول خليجي: رسائل أوباما لم تطلب تطبيعا.

ومما ذكرته »الشرق الأوسط« أن السعودية جددت التأكيد على موقفها الثابت إزاء التطبيع مع إسرائيل، والذي لن يكون قبل الانسحاب الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، وقبول تل أبيب لمبدأ الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. هذا ما صرح به لوكالة الصحافة الفرنسية أسامة نقلي مدير الإدارة الإعلامية بالخارجية السعودية. في حين أكد مسؤول خليجي كبير للشرق الأوسط بأن بلاده تلقت رسالة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشأن اتخاذ خطوات ملموسة تجاه إسرائيل. لكن المسؤول أكد في الوقت ذاته أن هذه الرسائل لم تحمل معها أي دعوة للتطبيع في العلاقات مع إسرائيل، على الأقل في الوقت الحاضر.

في اليوم نفسه، ذكرت صحيفة »الحياة« أن واشنطن تحاول منذ ثلاثة أسابيع عبر رسائل الرئيس أوباما إلى بعض القيادات العربية وخطاب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الضغط على الحكومات العربية لاتخاذ خطوات تتعلق بإعادة فتح مكاتب المصالح التجارية الإسرائيلية في قطر وسلطنة عمان والمغرب، إلى جانب فتح المجال الجوي أمام طائرات تجارية آتية من إسرائيل ومتجهة صوب آسيا.

يوم3-8 نشرت صحيفة »نيويورك تايمز« حوارا مع المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشيل ــ تجاهلته أغلب الصحف العربية ــ نفى فيه أن تكون الدول العربية رفضت طلب الرئيس الأمريكي باتخاذ خطوات للتطبيع مع إسرائيل، وقال إن هناك انطباعا خاطئا بهذا الخصوص، لأن الولايات المتحدة حصلت بشكل عام على موافقات سرية من جانب الدول العربية التي خاطبتها على التحرك نحو التطبيع. واعتبر أن الردود التي تلقتها واشنطن »إيجابية وجيدة جدا« وهو ما تم في اللقاءات الخاصة والعلنية التي تمت مع الزعماء العرب، ومنهم مسؤولون سعوديون، وهؤلاء جميعا أبدوا استعدادا للنظر في إمكانية اتخاذ خطوات جديدة باتجاه إسرائيل، وخص السعوديين بالإشارة قائلا إنهم يريدون أن يساعدونا، وشأنهم في ذلك شأن بقية الدول العربية يتطلعون إلى إبرام اتفاق سلام يضع الأسس لإنهاء الصراع.

ما يحير المرء ويضاعف من الشكوك والهواجس لديه، أن هذا الكلام تم تداوله بعد أيام من النشر المفاجئ لمقالة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي عهد البحرين في صحيفة واشنطون بوست (يوم 17/7)، التي دعا فيها الزعماء العرب إلى مخاطبة وسائل الإعلام الإسرائيلية لإقناع الشعب الإسرائيلي بالمنافع التي تعود عليهم جراء إحلال السلام مع العرب. وهي المقالة التي قيل إنها نشرت بموافقة سعودية مسبقة.

أليس من حقنا أن نتساءل من نصدق ومن نكذب في هذه الحالة؟

(2)

خذ أيضا حملة التعبئة الراهنة التي تهيئ المسرح لإطلاق مقترحات الرئيس أوباما لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، التي يفترض أن تعلن قبل حلول شهر رمضان. وفي أعقاب زيارة الرئيس حسني مبارك المقررة في 17 أغسطس الحالي. فقد قرأنا في مقال الدكتور عبدالمنعم سعيد بالأهرام (الجمعة 8/8) دعوة طالبتنا بالاستعداد وربط الأحزمة لكي نشهد انطلاقة جديدة لعملية البحث شبه المستحيلة لتسوية مشكلة الشرق الأوسط. وقد شبه المرحلة التي نحن مقبلون عليها بجولة السبعينيات التي أعقبت حرب أكتوبر، وجولة التسعينيات التي جرت بعد حرب الخليج الثانية. وقال إن الجولة الراهنة سوف تشهد حركة محمومة من الدبلوماسية والحركة السياسية، يكون للولايات المتحدة فيها الدور الأساسي. كما ستكون هناك أدوار مشاركة قوية لدول الاتحاد الأوروبي ومصر والاتحاد الروسي ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى إسرائيل وسوريا والسلطة الفلسطينية ولبنان.

فهمنا من مقال رئيس مؤسسة الأهرام أنه منذ وصول باراك إلى البيت الأبيض، بدأت الحركة المحمومة، فوق السطح وتحته، وكان البحث جاريا عن أسئلة صعبة من نوعية:


من أين نبدأ، هل على الجبهة السورية الإسرائيلية، أم على الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية؟
وهل تبدأ المفاوضات من جديد أو تبدأ من حيث انتهت في السابقات؟
وهل تقدم الأطراف المختلفة نوعا من إجراءات حسن النية، أو أن المفاوضات في حد ذاتها، بدلا من السلاح، هي أهم علامات النيات الحسنة؟

إذا صح هذا الكلام، فإنه يثير أكثر من سؤال حائر. ذلك أنه حين يتم تشبيه الحاصل الآن بما جرى في أعقاب حرب 73 وحرب الخليج الثانية، فينبغي أن نتساءل عن الحدث المهم الذي استوجب التحرك الحالي. يحشد لأجله العالم، وإذا كان وجود رئيس أمريكي جديد لا يعد مبررا كافيا لذلك، خصوصا في ظل الكارثة الاقتصادية المخيمة على بلاده، فهل يكون المطلوب هو »تنظيف الطاولة« وتسكين الموقف في المنطقة العربية، ليتيسر الانصراف إلى الاهتمام بتوجيه ضربة عسكرية لإيران قبل أن تقطع شوطها الحاسم في مشروعها النووي؟

ما الذي أسفر عنه التحرك المحموم حتى الآن؟

لقد تمخض الجبل فولد فأرا. ذلك أن ثمة اجماعاً في التقارير الصحفية، الأمريكية والإسرائيلية، على أن الذي فاز حتى الآن هو خيار مطالبة الطرفين بتقديم ما يثبت حسن النية. للدخول في مفاوضات التسوية النهائية، وبات معلوما للجميع أن المطروح هو تجميد المستوطنات من جانب إسرائيل، مقابل الشروع في إجراءات التطبيع من جانب العرب. وذلك طرح خبيث من ناحيتين:


الأولى أن العرض لم يشر بكلمة إلى جوهر القضية المتمثل في الاحتلال.
والثانية أنه يثبت وضع المستوطنات التي تمت إقامتها، وكلها باطلة طبقا لقرار محكمة العدل الدولية، ويطالب فقط بوقف التوسع في الاستيطان. بما يعني أنه يطالب إسرائيل بموقف سلبي يدعوها إلى الامتناع عن التوسع، في حين يطالب العرب بخطوات إيجابية تتمثل في بدء التطبيع مع الدولة العبرية.

الأدهى من ذلك والأمر، أننا اكتشفنا من الأخبار المنشورة في الصحافة الإسرائيلية أن الكلام كله يتحدث عن وقف »مؤقت« للاستيطان، مقابل القيام بخطوات لتطبيع دائم مع الدول العربية، قبل أي تقدم على الأرض في مسألة إنهاء الاحتلال. بل ذكرت »هاآرتس« في 6-8 أن المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل يتحدث عن وقف الاستيطان لمدة سنة، في حين أن نتنياهو وافق على ستة أشهر فقط! ــ فهل تكون هذه هي البداية المبشرة للتحرك الأمريكي »الجبار«، الذي نطالب بالاستعداد للاحتفاء به؟

(3)

خذ كذلك مسألة المظلة الدفاعية الأمريكية للشرق الأوسط. التي فاجأتنا بها السيدة هيلاري كلينتون في تصريحات لها في بانكوك يوم 11-7. وقالت إنها تستهدف تبديد مخاوف دول المنطقة من التهديد الإيراني، وحماية مصالح الولايات المتحدة التي قد يشملها التهديد. وقد هونت أغلب الصحف العربية شأن المفاجأة الكبيرة التي تعيد العالم العربي إلى عصر الحماية الأجنبية (الأمريكية هذه المرة)، في تطوير مثير لحالة الوصاية المخيمة. لكن صحيفة »الشروق« كانت أكثرها اهتماما بالموضوع، الذي كان المانشيت الرئيسي لصفحتها الأولى في يومي 3 و5 أغسطس الحالي، فيما تم نشره خلال هذين اليومين وردت المعلومات التالية:

* إن المظلة ستتخذ شكل نصف قوس كامل، يمتد من غرب إيران عند بحر قزوين إلى منطقة بحر العرب. مرورا بالبلقان والبحر الأحمر وباب المندب وشرق أفريقيا.

* ستتوفر للمظلة جميع الإمكانات المطلوبة عسكريا. من قواعد عسكرية دائمة إلى قواعد مستأجرة، وتسهيلات عسكرية تخدم المرور البحري، فضلا عن اتفاقيات دفاع مشترك، كتلك التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة والعراق (وداعاً لاتفاقية الدفاع العربي المشترك).

* الدول المرشحة لتمويل هذه الترتيبات هي السعودية والإمارات والكويت والبحرين.

* إن المظلة الدفاعية تتكون من مجموعة من نظم البطاريات المضادة للصواريخ »باتريوت«، ومراكز تحميل معلومات رئيسية وقواعد اتصالات مركزية. كما ستتضمن أيضا طائرات »أواكس« من النوع بعيد المدى، وستتولى الولايات المتحدة تزويد القاهرة والرياض بهذه المنظومات الحديثة، حيث تعد الدولتان عضويين أساسيين في المظلة.

* في سياق ترتيب الوضع المستجد، أجرت الولايات المتحدة وإسرائيل مناورات بحرية مشتركة سرا في شهر يوليو الماضي، عند آخر نقطة بحرية في المثلث الجنوبي للحدود المصرية، على بعد 120 ميلا بحريا. ولأجل ذلك سمحت مصر بعبور المدمرتين الإسرائيليتين من قناة السويس.

نقلت »الشروق« عن خبراء استراتيجيين قولهم إن لمصر مصلحة في إقامة تلك المظلة، بالنظر إلى حرصها على أن تكون مشاركة في أي ترتيبات لأمن الخليج. وبالنظر إلى رغبة مصر الأكيدة في موازنة النفوذ الإيراني في منطقة الخليج.

في هذه الأجواء، أبرزت الصحف المصرية الصادرة في 4 - 8 تصريحات الرئيس حسني مبارك التي قال فيها: إن مصر »هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا توجد على أرضها قوة أجنبية، وترفض سياسة القواعد الأجنبية على أراضيها، بما يجنبها أي تدخلات أو فرض نفوذ أجنبي عليها«. وهو كلام مهم بطبيعة الحال، يثير أسئلة عدة تتعلق بالدور الذي تقوم به مصر في ظل الوضع المستجد.

علما بأن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر كان قد ذكر في محاضرته الشهيرة والخطيرة التي ألقاها في 4/8/2008 في معهد أبحاث الأمن القومي ما نصه:
إن الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان بتدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام في مصر. ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس والقاهرة.

من الركائز أيضا الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بالعاصمة، ومرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها. في الغردقة والسويس ورأس بيناس. إلى غير ذلك من المعلومات التي كانت تستحق نفيا في حينها، وفي غيبة النفي فإنها تبقي على الحيرة وتعمقها.

(4)

الحلقة الرابعة في مسلسل البلبلة والحيرة محورها مياه النيل، التي هي بالنسبة لمصر ليست قضية أمن قومي وإنما قضية وجودية بالدرجة الأولى. ذلك أن التصريحات الرسمية تجمع على أنه لا توجد مشكلة حقيقية بين مصر والسودان من ناحية، وبين دول حوض النيل السبع. هذا ما قاله الرئيس حسني مبارك وهو ما ردده وزير الري، الذي أضاف أن الأزمة ستنتهي في شهر فبراير المقبل، بتوقيع اتفاقية دول حوض النيل في شرم الشيخ، بعد الاتفاق بين اللجان الفنية على تقريب وجهات النظر فيما يتعلق بالنقاط الخلافية،


وهذه النقاط تتركز في ثلاث نقاط هي:
الحفاظ على الحقوق التاريخية في مياه النيل (المتعلقة بحصة مصر والسودان)
ــ والإخطار المسبق قبل إقامة أي مشروعات على النيل
ــ والتصويت على القرارات بالإجماع وليس بالأغلبية.

هذا الكلام المطمئن يتعارض مع التصريحات الصادرة عن المسؤولين خصوصا في إثيوبيا وأوغندا، الذين يرون ضرورة تعديل اتفاقية توزيع مياه نهر النيل، التي تعطي مصر حق الاعتراض على استخدامات مياه النهر. وقالت وزيرة المياه والبيئة الأوغندية ماريا موتا جامبا في تصريح نشرته صحيفة الدستور (عدد 9-8) إنها أخبرت دول المنابع الست بأنه يجب التوصل إلى اتفاقية جديدة لتوزيع المياه خلال ستة أشهر، وأن التركيز في التعديل ينصب على المادة 19 من اتفاقية مياه النيل التي تمكن مصر والسودان من الهيمنة على استخدامات النهر ومياهه.

في الوقت ذاته، فإن الكلام الرسمي المطمئن يتعارض مع الأخبار الواردة من السودان التي تتحدث عن دور لإسرائيل في إثيوبيا لإفشال المفاوضات الجارية حول اتفاقية دول حوض النيل، والتي تحفظ لمصر حقوقها التاريخية، وتمكنها من الاحتفاظ بحصتها في المياه (55.5 مليار متر مكعب سنويا).

وإزاء هذه البلبلة، فإن الحقيقة ستظل تائهة، في حين سيضاف فصل جديد إلى سجل الحيرة وأزمة الثقة، بحيث يظل المستقبل العربي مسكونا بالغموض المختلط بالإحباط وخيبة الأمل.
...................

09 أغسطس، 2009

كومبارس فيلم البطل الأوحد

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 19 شعبان 1430 – 10 أغسطس 2009
كومبارس فيلم البطل الأوحد - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/08/blog-post_09.html

أخيرا وجدنا مسؤولا آخر استقال من موقعه، لأنه وجد نفسه أنه غير قادر على أداء مهمته بسبب المشكلات، التي يواجهها. وهو خبر مفرح لا ريب، رغم أن المسؤول هو رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، د.نبيل درويش.

أدري أن هناك من سيلوي شفته قائلا إن الرجل ترك موقعا صغيرا، وإن عائده عليه ربما لم يكن مجزيا، وأنه حين وجد المشكلات في طريقه، ووازن بين المكاسب والخسائر، وبين راحة البال والصداع الذي يتحمله جراء تلك المشكلات، فإنه قرر ترك منصبه غير آسف عليه، هذا كله لا أستبعده،

ولكن أكثر ما يهمني هو إثبات مبدأ الاستقالة حين يتعذر الإنجاز، وهو ما تمنيته يوما ما، وكتبت فيه أكثر من مرة متسائلا: متى يستقيل المسؤول العربي؟.. بعدما لاحظنا أن كل مسؤول لا يكاد يحتل منصبا حتى يعمر على كرسيه، إلى أن يقصف عمر أحدهما، فيقوم عزرائيل بوظيفته في قبض روح المذكور، أو ينزع الكرسي بالعافية أو بالأمر المباشر الصادر من القاعد في الكرسي الأكبر والأرفع.

طالما تمنيت أن نطبق في عالم السياسة وفي العمل العام الأعراف المستقرة في أندية كرة القدم، فالمدرب يستقيل إذا فشل في تحقيق الإنجاز المطلوب منه، واللاعب لا يستمر في الملعب إلا إذا كان محتفظا بلياقته وأدى ما عليه بأفضل صورة ممكنة.
ولكن يبدو أن ذلك سيظل حلما بعيد المنال مادام المسؤول مقتنعا بأنه خادم للسلطان وليس خادما للشعب. إذ في هذه الحالة سيصبح كل جهده منصبا على تعزيز ثقة السلطان فيه واستجلاب رضاه. ولن يهمه الفشل أو الإنجاز، ورضاء الناس عنه أم سخطهم عليه.

إذا قلت إن ما أقدم عليه رئيس اتحاد الدواجن هو تصرف فرد لا يعول عليه ولا حكم له، فأنت على حق.
وإذا قلت أيضا إن الأهم هو القيم الثقافية السائدة في مجال العمل العام. وهي لا تسمح بتكرار النموذج فقد عداك العيب.
لكنك إذا اخترت ألا تبالي بالخبر وتشيح ببصرك عنه، أو تقرأ منه سطرا وتتجاهل الباقي، فأنت تخطئ في حق نفسك، وتحرمها من لحظة تفاؤل لا أحد يعرف متى ستتكرر.

لقد استقال أحد عشر وزيرا من حكومة جورج براون في بريطانيا، بسبب إساءة استخدام المال العام، والمخالفات المالية التي ارتكبوها.
وعندنا تبجح أحد وزرائنا السابقين قبل أيام، وقال على شاشة التليفزيون إنه وهو في منصبه وزع الأراضي والعقارات المملوكة للدولة على أفراد أسرته بسخاء لم يتردد فيه. وامتلأ سجله بما لا حصر له بالمفاسد. ورغم ذلك تمت مكافأته واستعاد نجوميته، لسبب جوهري، أنه لم يقصر يوما في خدمة السلطان.

مع ذلك ومن باب الرياضة الذهنية فقط، حاول أن تستثمر لحظة التفاؤل التي رجوتك أن تتعلق بها،
وتخيل أن ما فعله رئيس اتحاد الدواجن أحرج آخرين ممن هم على شاكلته، فقرر أحدهم أن يستقيل بدوره، مما شجع مسؤولا آخر على أن يفعلها، ثم كبرت المسألة حين أبرزت صحف المعارضة أخبار الاستقالات وشجعت عليها.
الأمر الذي حول الخبر إلى ظاهرة،
فاستقال محافظ القليوبية بسبب انتشار التيفود بين أهل محافظته نتيجة انتشار اختلاط مياه الشرب بالمجاري،
واستقال بعد ذلك وزير الصحة لأنه لم يستطع أن يحمي البلاد من إنفلونزا الطيور أو الخنازير.
واستقال وزير البيئة لأنه لم ينجح في القضاء على السحابة السوداء،
ثم استقال وزير التعليم بسبب انهيار العملية التعليمية، وتحول الناس عن مدارس الحكومة إلى المدارس الخاصة،
واستقال بعد ذلك وزير المالية بعدما أسهم في إشعال نار الغلاء بالبلد،
واستقال وزير الخارجية حين اكتشف أن البلد فقد هيبته وسمعته،
كما استقال وزير الداخلية بعدما انتشرت ظاهرة توحش الشرطة، واشتراك بعض عناصرها في تهديد الأمن بدلا من حمايته.. إلخ.

إذ استرسلت في الخيال، ستدرك في لحظة أنه لم يبق مسؤول في موقعه، وقبل أن تسود الدنيا في عينيك إزاء خلو مواقع السلطة من شاغليها،
لن ينقذك من اليأس سوى انتباهك إلى أن شيئا لم يتغير، لأن واحدا فقط ستجده ثابتا في مقعده لم يتزحزح عنه، واكتشافك أنه ممسك بكل الخيوط في يده. وأن الذين رحلوا لم يكونوا سوى «كومبارس» في فيلم البطل الأوحد.
..................

Delete this element to display blogger navbar