Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2009

في الاستعباط السياسي

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 10 شعبان 1430 – 1 أغسطس 2009
في الاستعباط السياسي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_31.html

هذ ه صدفة خير من أي ميعاد. إذ في اليوم الذي نشر لي فيه تعليقي على ظاهرة التدخل الرسمي في نتائج الامتحانات لرفع نسبة الناجحين، أعلنت نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه الحزب الوطني في مصر. ولم تخيب النتائج الظن والرجاء. وإنما جاءت مؤكدة على أن الحزب أمتن مما نتصور وأن الإعلام المصري «زي الفل»، وأن أغلب المتفائلين بمستقبل البلد، امسكوا الخشب، هم من الفقراء والمطحونين والأميين (!).

ليس فيما ذكرته شيء من الهزل والمبالغة. لأن بعض صحف الأربعاء 7/29 نشرت هذه المعلومات على صفحاتها الأولى باعتبارها خبرا مهما، هلل له حملة المباخر قائلين ما معناه هكذا تكون الاستطلاعات وإلا فلا.

أما الصحف «المستقلة» فلم ألحظ أنها أوردته ضمن رسومها الكاريكاتورية أو في باب العجائب والطرائف، ولا حتى تحت عنوان «صدق أو لا تصدق». وإنما قالت الصحف بكل جدية إن المجلس الأعلى للسياسات بالحزب الوطني عقد اجتماعا برئاسة جمال مبارك. وفيه تمت مناقشة نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه الحزب وتناول أداء الحكومة والشأن السياسي العام.

ومن النتائج التي أثارت الانتباه في الكلام المنشور أنه في الإجابة عن سؤال تعلق بثقة المواطنين في الأحزاب كانت النتيجة كالتالي:
الحزب الوطني احتل المرتبة الأولى ووصلت نسبة الواثقين فيه إلى حوالى 58 %.
أما حزب الوفد فإن حظه من الثقة لم يتجاوز 4 %،
وحزب التجمع «فاز» بنسبة 3 %.
أما المستقلون (الذين يدخل فيهم الإخوان) فلم تزد نسبة الثقة فيهم على 2 %.
من النتائج التي لفتت الانتباه أيضا في ذلك الاستطلاع أن نسبة عالية من المتفائلين بمستقبل البلد (64 %) ينتمون إلى طبقة الفقراء والأميين في مصر.

هذه النتائج تثير على الفور السؤال التالي: إذا كان الحزب الوطني بهذه القوة والمتانة في الشارع المصري، فلماذا يستعين بالأمن وبجهاز الإدارة للتزوير وترهيب المنافسين في الانتخابات النيابية والمحلية،
وإذا كانت تقارير اللجنة العليا للانتخابات، والدراسات التي أصدرها المتخصصون في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام قد أكدت أن نسبة التصويت للحزب الوطني في انتخابات مجلس الشعب لسنة ألفين كانت 38 %،
وان هذه النسبة تراجعت في انتخابات عام 2005 بحيث لم تتجاوز 32.5 %،
فكيف يقال في 2009 إن نسبة الثقة في الحزب في حـدود 58 %؟

عندي تفسير من واقع الخبرة العملية التي أكدتها معلومات
مقالتي التي تصادف نشرها في نفس اليوم. خلاصة ذلك التفسير أن النسبة كانت كما هي عليها في الانتخابات الأخيرة، ولكن الذي حدث أن القائمين على أمر الاستطلاع رفعوها إلى 58 %. ذلك أنه إذا كان من أهل السلطة من تجرأ ورفع نسبة النجاح في الثانوية العامة، وإذا كان أحد العمداء لم يتردد في رفع نسبة نجاح طلاب الهندسة من 60 إلى 80 %، فما الذي يمنع من رفع نسبة الثقة في الحزب الوطني من 32 إلى 58 %؟ وألا يعد ذلك إعمالا للعرف السائد والتزاما بالتقاليد المرعية في الشأن العام؟

ربما اعتبر الذين حددوا تلك النسبة أنهم تواضعوا وجعلوها 58 % فقط. رغم أن البلد كله مرهون للحزب ومكتوب باسمه. ولكن ذلك التفاوت الهائل بين حظ الحزب وحظوظ الأحزاب الأخرى يدين النظام القائم ولا يحسب له. لأن من حق أي باحث أن يتساءل قائلا: أي ديموقراطية هذه التي جعلت من الحزب الحاكم فيلاً بعد 30 سنة من ممارسة التعددية السياسية في حين أن الأحزاب الأخرى لا يتجاوز حضورها حجم النمل أو الصراصير؟ وألا يذكرنا ذلك بالحياة الحزبية المغشوشة في الدول الشيوعية؟

بقية النتائج المعلنة أثبتت أن خبراتنا في تزوير استطلاعات الرأي أضعف منها في تزوير نتائج الانتخابات، بما يجعلنا نشك في أن الاستطلاع تم تحت إشراف مباحث أمن الدولة ولم يقم به خبراء قياس الرأي العام.
وإلا كيف يقال إن قناتي التليفزيون الأولى والثانية هما الأعلى مشاهدة؟
وهل يعقل أن يقال إن أغلب الفقراء هم المتفائلون بالمستقبل؟
وكيف يقال إن 40 % فقط لم يسمعوا بالأزمة الاقتصادية العالمية، في حين أن 80 % تطحنهم الأزمة ولم يعرفوا غيرها طيلة حياتهم.

إن أخطر ما في الاستطلاع الذي تم، أن نتائجه دلت على أن الحزب مُصِر على ألا يعرف شيئا عن الواقع المصري، الأمر الذي يرشحه بجدارة لأن يكون شهادة تفوق في الاستعباط السياسي.
.....................

29 يوليو، 2009

فصل من كتاب الدهشة

صحيفة الرؤيه الكويتيه الخميس 8 شعبان 1430 – 30 يوليو 2009
فصل من كتاب الدهشة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_8566.html

من عجيب أمر الفرنجة أن رؤساءهم يمرضون، وأن الصحافيين يخوضون في الأمر ولا يُحبسون، أما الأعجب فإن رؤساءهم لا يُسألون فقط عما يفعلون وإنما أيضا عما ينفقون. وإذا لم تصدقني فعد إلى الصحف التي صدرت هذا الأسبوع، ودقق في أخبارها المدفونة في الزوايا والأركان. هناك ستجد تلك الأعاجيب منشورة على استحياء، كأنما أريد بطريقة النشر ألا ينتبه الناس في بلادنا إلى أن ذلك يحدث في بلاد أخرى، فيعن لبعض «الطائشين» تقليدهم، وربما خشي القائمون على تلك الصحف أن يصاب البعض بالفزع، ظانين أن تلك من علامات الساعة الصغرى، التي تمهد للعلامات الكبرى التي تؤذن بنهاية العالم.

ذكرت تلك الأخبار أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أصيب بالإغماء أثناء ممارسته لرياضة الجري الصباحية، وأنه نُقل بسبب ذلك إلى مستشفى «فال دو جراس» العسكري، وبعد فحصه اطمأن الأطباء إلى سلامة قلبه وأعصابه. وأدركوا أن المجهود الذي بذله الرئيس الفرنسي كان زائدا وأن الحر كان شديدا، من ثم فإنهم نصحوه بالراحة لعدة أيام ولم يكتبوا له علاجا محددا.

حين يقرأ الواحد منا هذا الكلام ينتبه إلى أن الرئيس شخص عادي، يتعب كما يتعب الآخرون، وتلم به العوارض التي تلم بغيره من البشر. وأن إغماءه ونقله إلى المستشفى ليس سرا من أسرار الدولة. وأن من حق الناس أن يتعرفوا على حالته الصحية، ليس تعلقا به بالضرورة، ولكن لأن الرجل صاحب قرار في شأن حاضرهم ومستقبلهم. وهو ما يعني أن مرضه أو مشكلاته الصحية ليست شأنا عائليا فقط، ولكنه شأن عام أيضا، يلاحظ الواحد منا أيضا أن الصحافيين الفرنسيين الذين تطرقوا للموضوع، دخلوا فيه وخرجوا سالمين، لا أحد منهم اتُّهم بهتك أسرار الدولة أو «التلقيح» على الرئيس أو تمنى له الشر. وللدهشة فإن البنك المركزي الفرنسي لم يُشر إلى تأثير نشر هذا الكلام على أسعار البورصات والاستثمار الأجنبي.

هذا كله في كفة، والخطاب الرسمي الذي تلقاه الرئيس وزوجته، يطالبهما بخفض نفقاتهما في كفة أخرى، وتلك عجيبة أخرى أرشحها لأن تصنف في بلادنا بحسبانها من علامات الساعة الصغرى حقا، لم تذكر الصحف الفرنسية من فعلها، ربما لأنها لم تجد في الأمر غرابة، لكن الشاهد أن الرئيس أُبلغ بأن نفقاته هو وزوجته تجاوزت الحدود. فهما يشتريان زهورا للقصر الرئاسي بما يعادل 660 جنيها إسترلينيا (نحو ألف دولار) يوميا، وهو رقم مبالغ فيه يحتاج إلى ضبط وربط. وكانت مراجعة حسابات الرئيس قد طالبته في العام الماضي برد مبلغ 12 ألف جنيه إسترليني للدولة، لأنه استخدم المبلغ لتسديد فواتير خاصة به وبزوجته، ومن هذا المبلغ 3 آلاف إسترليني غرامة له، لأنه تأخر في دفع بعض الفواتير المستحقة.

في الوقت ذاته نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية على موقعها على الإنترنت أن تحت تصرف الرئيس الفرنسي 61 سيارة خدمة وطائرتي إيرباص وست طائرات فالكون. وعندما يسافر في رحلات خاصة، فإن طائرة ترافقه دائما ليتمكن من العودة إلى باريس في أي وقت إذا حدث أي طارئ. وذكرت الصحيفة على موقعها الإلكتروني أن الرئيس الفرنسي ينفق سنويا مليون يورو على المشروبات وربع مليون يورو على الخضراوات والفاكهة ونحو 200 ألف يورو على اللحوم، أما جهاز العاملين في الرئاسة ومقر الرئيس، فيضم ألف موظف، بينهم 44 سائقا و87 طباخا.

لم تُتهم الصحيفة بإفشاء أسرار الدولة، ولا بتهديد الأمن القومي الفرنسي، وعرف الفرنسيون كيف تدار الأمور داخل قصر الرئيس في نوع من الشفافية يختلف عن تلك التي نعرفها ونتغنى بها، وغاية ما «تشف» عنه أنها ترينا صور الرئيس واستقبالاته في مكتبه بالقصر الجمهوري.

وخارج هذه الدائرة ليس مسموحا لنا بأن نعرف موارد الرئيس وأسرته أو تكلفة رحلاته أو قيمة بدلات السفر التي يتقاضاها، ولا عدد السيارات أو الطائرات التي يمكلها أو الاستراحات التي تحت تصرفه، وما يسري على الرئيس ينطبق على غيره من أركان الحكم في مصر.

وهناك سبب وجيه لهذا الاختلاف، ذلك أنهم في فرنسا يعتبرونها أموال المواطنين الذين يدفعون الضرائب، لكنها في بلادنا أموال خاصة تمت جبايتها من الرعية وشاءت المقادير أن تصبّ في جيوب بذاتها.

وفي أعرافنا أن ملك الملوك إذا وهب فلا تسألن عن السبب، ولا تنس أنهم ـ جزاهم الله خيرا ـ احتملونا كثيرا طوال السنوات التي خلت. وليس من المروءة أو الشهامة أن ندس أنوفنا في خصوصياتهم، وبدلا من أن نشكرهم على حمل همنا فلا يليق أن نسائلهم بما يعد تطاولا على مقاماتهم العليَّة.
........................

نكذب لكي نتجمّل

صحيفة الرؤيه الكويتيه الأربعاء 7 شعبان 1430 – 29 يوليو 2009
نكذب لكي نتجمّل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_29.html


لم أصدق ما قرأته ذات صباح عن صدور تعليمات بتعديل نسبة النجاح بين طلاب الثانوية العامة، رغم أن الخبر نشرته «الأهرام» على صفحتها الأولى (عدد 15 يوليو الجاري) بصورة بدت مؤكدة. إذ تحدّث عن أن «تعليمات مشددة قد صدرت في اللحظات الأخيرة بإدخال تعديلات جوهرية في نسب النجاح الخاصة بالمرحلة الأولى، بعد أن تبين أنها حققت أدنى معدلاتها على مدى السنوات الأخيرة».
ولأن الخبر مهم وغريب في دلالته، فقد توقعت تعقيبا عليه من أي مسؤول في وزارة التربية والتعليم. وتمنيت أن يجيء التعقيب بالنفي، ذلك أن التعديلات الجوهرية في نسب النجاح ليس لها إلا تفسير واحد، هو إعادة النظر في نسب الراسبين. «والتسامح» معهم على نحو يُدخلهم في زمرة الناجحين. وهو ما ينفي أمورا عدة، منها أن هؤلاء سيُمنحون ما لا يستحقون. وسيوهمهم ذلك بأنهم ناجحون، بينما هم راسبون، ثم إن من شأن ذلك أن يدفع إلى التعليم العالي بأعداد من الطلاب غير مؤهلين لهذه المرحلة، الأمر الذي ينتهي بتخريج أجيال لم تتعلم شيئا ولا تجيد شيئا، تضاف إلى طوابير العاطلين الذين أصبحوا يملأون الأرصفة في بر مصر.

لم يحدث شيء في ذلك، بل مر الخبر وكأن التدخل في نتائج امتحانات الثانوية العامة أمر عادي. شأنه في ذلك شأن التدخل في نتائج الانتخابات النيابية والبلدية، والتلاعب في المسابقات والمناقصات، إلى غير ذلك من الشرور والرذائل التي لم تعد محل استغراب في زماننا. أستثني من ذلك تعليقا واحدا على الخبر العجيب كتبه د.طارق الغزالي حرب أثبت أن بيننا من لايزال يحتفظ بتوازنه، ولايزال قادرا على الدهشة.

بعد أيام قليلة من نشر الخبر تلقيت رسالة من د.صلاح عز الأستاذ بهندسة القاهرة أكملت الصورة، فالرجل يقوم بتدريس مادة «الفلزات الفيزيائية» لطلاب السنة الثالثة، فيضع المنهج ويحاضر ويعد الامتحان ويصحح الأوراق ويقدم النتيجة، التي وصلت نسبة النجاح فيها هذا العام إلى 60٪، ولكن الذي حدث أن عميد الكلية دعا «لجنة الممتحنين» وقرر رفع نسبة النجاح إلى 80٪، لم يحضر د.عز الاجتماع بسبب ظرف عائلي طارئ، وحين فوجئ بما حدث، واستفسر من العميد، قيل له إن إعلان النتائج لا يحتمل انتظار الظروف الخاصة. الأدهى من ذلك والأمرّ أنه أُبلغ بأن النتيجة كانت ستُرفع سواء حضر أم لم يحضر، لأنها أقل من نسب النجاح المقررة في المواد الأخرى.

قال د.عز إن العميد وأعضاء لجنة الممتحنين لم يخالفوا لائحة تنفيذ قانون الجامعات، التي أهدرت حق أستاذ المادة في تعديل نتيجة مادته. لكنهم بما أقدموا عليه أساءوا إلى الجامعة وإلى الأستاذ، وإلى مستقبل الطلاب الذين اعتبروا ناجحين وهم يستحقون الرسوب، ذلك أنه من الخطير للغاية أن يتحوّل التدخل غير المستحق في النتائج إلى «عُرف»، الأمر الذي يُعد فضيحة في التقاليد الجامعية. ثم إن هذه الخطوة تسيء إلى مركز الأستاذ وسمعته بين الطلاب، الذين عرفوا أنه ليس صاحب قرار في مادته،
وتساءل في هذا الصدد قائلا: من سيأخذ المادة على محمل الجد بعد ذلك؟ وكيف يتفانى الأستاذ في تدريس مادته وهو يشعر بأن الجهد الذي يبذله والامتحانات التي يضعها غير ذات قيمة، لأن «لجنة الممتحنين» هي التي ستقرر النتيجة رغما عنه؟ ولمصلحة من تُزوَّر النتيجة وتُرفع من 60 إلى 80٪؟ ولماذا نعمد إلى خداع أنفسنا وإخفاء حقيقة أوضاعنا التعليمية؟ وإذا كان ذلك يحسِّن صورة الكلية لدى مراجع السلطة، فهل يحقق ذلك مصلحة المجتمع أم لا؟

إن رفع نسبة النجاح في الثانوية العامة فضيحة لا ريب، والتدخّل لرفع تلك النسبة في الجامعات فضيحة أخرى، أما أم الفضائح فتتمثل في أننا نكذب ونخدع أنفسنا في العديد من المجالات لكي نتجمّل، وهي خلاصة تسوغ لنا أن نقول إن أحدا من هؤلاء لم يأخذ المسألة الأولى أو الثانية على محمل الجد،

الأمر الذي يسلط الضوء على أحد أهم وأخطر مشكلات مصر الراهنة، التي تتمثل في أن أغلب المسؤولين لم يعودوا جادين في أدائهم مهامهم، حيث صاروا يهتمون بالصورة وليس بالحقيقة.
ولأن الفوز برضا المراجع العليا هو الأهم. ولأن أحدا لا يراقب أو يحاسب، فقد تركز الاهتمام على عملية التجمّل الذي لم يعد يتورّع عن الغش والتدليس.
.....................

28 يوليو، 2009

مصر من الدولة إلى القبيلة – المقال الاسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 6 شعبان 1430 – 28 يوليو 2009
مصر من الدولة إلى القبيلة – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_28.html

أرأيت الذي جرى لمصر خلال العقود الأخيرة. التي تراجعت فيها فكرة الدولة بصورة تدريجية، الأمر الذي أعادها إلى عصر القبيلة من أوسع أبوابه?
(1)
حين أثير موضوع حل مجلس الشعب طوال الأسابيع الماضية كان الرد الرسمي الذي صدر على لسان أكثر من مسؤول أن القرار بيد الرئيس. إن شاء حله وإن شاء أبقاه.

للعلم فقط: في ظل ولاية الفقيه بإيران لا يملك المرشد قرار حل مجلس الشورى المنتخب. وحين تظاهر خبراء وزارة العدل مطالبين بإنصافهم فإن اللافتة التي رفعوها ونشرت صورتها مختلف الصحف تضمنت عبارة واحدة هي: أغثنا يا سيادة الرئيس.

العبارة ذاتها كتبت على لافتة أخرى رفعها نفر من المحامين صدر لصالحهم 45 حكما من المحكمة الإدارية العليا قضت بأحقيتهم في التعيين بهيئة قضايا الدولة. وحين اختلفت هيئة المجتمعات العمرانية مع هيئة الآثار حول مد طريق في إحدى مناطق الساحل الشمالي.

فإن الإشكال لم يحل إلا حين تدخل الرئيس ووافق على شق الطريق. وحين ثارت مشكلة بين محافظ الإسكندرية والبابا شنودة بسبب هدم مبنى غير قانوني تابع للكنيسة في منطقة كنج مريوط. فإن الرئاسة تدخلت لاحتواء الأزمة وأمرت بترميم البناء.
ليست هذه حالات استثنائية ولكنها ظاهرة مستمرة. كل فئة تواجه مشكلة مع الإدارة فإنها لا تجد سبيلا لحلها إلا باللجوء إلى الرئيس. وهذا يحدث على مستوى الأفراد أيضا حين تصل مشكلاتهم إلى مسامع الرئاسة. وقصة تلميذة الدقهلية «آلاء» التي ألغي امتحانها لأنها انتقدت الحكومة في موضوع للإنشاء، لم يسمح لها بالاستمرار في الدراسة إلا بعد أن صدرت الإشارة من رئاسة الجمهورية.
حتى الوزراء الذين يدخلون أو يخرجون. فإن مصيرهم تحدده الرئاسة. ولايزال الخروج المفاجئ لوزير الري الدكتور محمود أبوزيد سرا مفتاحه هناك. ذلك يسري بذات القدر على تمسك الرئاسة بترشيح وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب مدير اليونسكو رغم ضعف حظوظه. وهو قرار حير الجميع وأثارت أسبابه- ومازالت- لغطا كثيرا. وهو يسري بقدر أكبر على التعيين المفاجئ لوزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان في منصب رئيس شركة خدمات البترول البحرية. وهو ما بدا لغزا صادما وعصيا على الفهم خصوصا في ظل سجل التجاوزات الحافلة المنسوبة إليه، تلك التي دفعت 48 نائبا بمجلس الشعب إلى تقديم بلاغ ضده إلى نيابة الأموال العامة، لم يعرف مصيره.

وخطورة هذا القرار ليست فقط في كونه يعيد إلى الأضواء وزيرا لاحقته السمعة السيئة التي بسببها خرج من الوزارة، وإنما أيضا في أنه يعبر عن الاستهانة الشديدة برأي الناس. إذ تبعث إلى الجميع برسالة تقول إن الرأي رأي الرئاسة وحدها، ولا قيمة أو وزن للرأي العام.
ليس الأمر مقصورا على شخص الرئيس. وإنما أدرك كثيرون أن أسرته باتت مركز القوة والقرار، حتى تحدث العنوان الرئيسي لصحيفة «الدستور» (عدد 12 ــ 7) عن «انتشار ظاهرة التوسل بجمال مبارك». وبعض المناشدات التي توجه إلى الرئيس تعمد أحيانا إلى إيراد اسم الابن جمال والسيدة قرينة الرئيس، التي تلجأ جهات عدة إلى استخدام اسمها وربما بغير علمها. لإنجاز مصالحها وتجاوز ما يصادفها من عقبات.
إن وظيفة «كبير العائلة» التي ابتدعها الرئيس أنور السادات ولم يمهله القدر لكي يمارسها، أصبحت واقعا في عهد خلفه. واستقر ذلك الواقع حين طالت سنوات حكم الرئيس مبارك. بفضل التعديل الذي أدخله السادات على الدستور، وأطلق بمقتضاه فترات ولاية رئيس الجمهورية، التي كانت محددة بمدتين فقط. وحين يكون المرجع «هو كبير العائلة» فذلك يعني أننا صرنا في واقع لا يحتكم فيه الناس إلى نظام أو قانون يقرر الحقوق والواجبات.
(2)
ما جرى مع مجلس الشعب يوضح الصورة أكثر. ذلك أن دور «كبير العائلة» مورس بذات القدر على مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها السلطة التشريعية التي يفترض أنها منتخبة من الناس. ففي العام الماضي (2008) تقدم نقيب المحامين السابق (سامح عاشور) بمشروع لتعديل تشكيل مجلس نقابة المحامين، تقضي مادته الأولى بأن يضم مجلس النقابة أعضاء المجلس القديم ومعهم النقباء الفرعيون. تبنى المشروع ومرره بليل الدكتور عبدالأحد جمال الدين زعيم الأغلبية في المجلس. وهو ما أثار جدلا كبيرا داخل المجلس من جانب ممثلي المستقلين الذين قالوا بعدم دستورية المادة المذكورة. ولكن الحزب الوطني أيد المشروع وصوتت الأغلبية لصالحه بعد موافقة اللجنة التشريعية عليه. وبعد أن تم ذلك كله جاءت التعليمات من الرئاسة بحذف المادة التي أثارت الجدل في المشروع. وهو ما تم على الفور في جلسة 16/ 6 / 2008. من ثم فإن الأغلبية التي صوتت لصالح الإبقاء على المادة. هي ذاتها التي صوتت على حذفها، امتثالا لرأي رئاسة الجمهورية.
في العام الذي سبقه (2007) حدثت قصة مماثلة. إذ قدم مشروع بخصوص تقرير عقوبة الحبس في الجرائم التي تقع بطريق النشر. (كان من بينها التشكيك في الذمة المالية) وكانت الأغلبية مع فرض تلك العقوبة. الأمر الذي أدى إلى تمرير المشروع أمام اللجنة التشريعية وفي الجلسة الأخيرة التي كان يفترض أن تتم فيها الموافقة النهائية عليه، أعلن الدكتور فتحي سرور رئيس المجلس أنه تلقى اتصالا من رئيس الجمهورية طلب فيه إلغاء العقوبة. وهو ما استجاب له المجلس على الفور، بحيث انقلب موقف الأغلبية بنسبة مائة في المائة. حيث تحول رأيها من الموافقة على المشروع والحماسة له، إلى معارضته ورفض تمريره. الطريف أن الدكتور سرور قال في الجلسة إن الرئيس باعتراضه على تلك المادة «أعطى درسا للحكومة»، ولم يشر إلى المجلس الذي يدخل التشريع في صميم اختصاصه وليس الحكومة.
في عام 2006 حدث ما هو أفدح وأفصح. ذلك أنه بعد صدور قانون إلغاء محاكم أمن الدولة وتوزيع اختصاصاتها (في سنة 2003) قدم إلى مجلس الشعب مشروع يقضي بإضافة نص إلى قانون الإجراءات الجنائية يعطي النيابة العامة سلطة حبس المتهم لمدة ستة أشهر بدلا من 45 يوما دون أن يعرض على قاضيه الطبيعي. وهو نص معيب تضمنه قانون محاكم أمن الدولة الاستثنائي. هوجمت المادة المقترحة (206 مكرر) من جانب أغلب الأعضاء. وكان الدكتور سرور من بين الذين اعترضوا عليها. وقال في جلسة عامة (عقدت فى ١١ / ٦/ ٢٠٠٦) إن هذه المادة لا تتفق مع روح القانون، وأن مكانها قد يكون قانون الطوارئ أو قانون الإرهاب، لكنها لا ينبغي أن تكون جزءا من القانون العادي.
أسفر الجدل في مجلس الشعب على موافقة الأغلبية على حذف المادة. وحين أرسل المشروع إلى الحكومة لإصداره، فإنها ردته إلى المجلس مرة أخرى في 3 /7 وطلبت إعادة المداولة في المادة المحذوفة. وهو ما دفع الدكتور سرور إلى طلب إعادة التصويت عليها مرة أخرى.
كان واضحا أن هناك تعليمات عليا بإعادة المادة وتوسيع سلطة النيابة العامة في الحبس، فما كان من الأغلبية إلا أن غيرت موقفها، وأيدت المادة التي سبق أن اعترضت عليها. في هذه الحالات الثلاث لم يكن مجلس الشعب مشرعا ولا «سيد قراره» كما يشاع. لكنه في حقيقته كان يؤدي وظيفة الامتثال للرغبات «العليا». وإذا كان ذلك شأن من يفترض أنهم منتخبون من الناس، فلك أن تتصور النفوذ الذي أصبح يمارسة كبير العائلة في أوساط السلطتين الأخريين التنفيذية والقضائية.
(3)
في كتابه المهم «مصر بين العصيان والتفكك» عرض المستشار طارق البشري بالتفصيل كيف تمت السيطرة على مختلف سلطات الدولة، مشيرا إلى مساعي القضاة للدفاع عن استقلالهم والمعارك التي خاضوها لأجل ذلك. ولأن الكتاب طبع في عام 2006 (عن دار الشروق) فإنه لم يتطرق إلى التطورات الأخيرة التي أدت إلى تراجع تيار استقلال القضاء والنجاح النسبي الذي حققته السلطة في بسط هيمنتها على أهم عناصر المرفق. (المستشار يحيي الرفاعي شيخ القضاة له دراسة مستفيضة حول هذه المسألة. أصدرها بمناسبة قراره الاحتجاجي باعتزال المحاماة).

تحدث المستشار البشري أيضا عن عملية تفكيك أجهزة السلطة التنفيذية وإعادة تشكيلها بحيث يتم التحكم فيها. فذكر أن النظام السياسي نجح في السيطرة على القيادات العليا للدولة، من خلال ما ابتدعه من نظم وقوانين تقرر مددا قصيرة لهذه القيادات في وظائفهم وأعمالهم. ثم منح نفسه بهذه النظم والقوانين سلطة المد لهم في أعمالهم سنة بسنة أو سنتين بسنتين أو ثلاثًا بثلاث. وذلك بالمشيئة الذاتية لرئيس الجمهورية أو من يمثله. وقد وضع هذا النظام لقيادات الدولة المدنية ولقيادات القطاع العام وللقيادات العسكرية ولقيادات الشرطة، وذلك إحكاما للقبضة الفردية. وبهذا الأسلوب تم هدم النظم القائمة، بما تضمنته من تراتب وهياكل وأبنية. لصالح تكريس الإرادة الفردية. وهو ما وصفه بأنه مسعى لشخصنة الدولة، التي في ظلها «اندمج النظام القانوني في المؤسسات القائمة على التنفيذ والخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة على قمة الدولة». والقائم عليها «يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزته كلها تحت إمرته. ولا يقيده إلا الإمكانات المادية للدولة وأجهزتها في الحركة والنفوذ». وهو ما يسلط الضوء على الكيفية التي تم بها تهميش المؤسسات بعد إضعاف دور النظام والقانون.
(4)
تختلف الدولة عن القبيلة في أمرين جوهريين هما القانون والمؤسسة. في الدولة يتراجع دور الفرد بصورة نسبية في تسيير شؤون المجتمع. لأن القانون يحكمه والمؤسسات المدنية تحمله. والقانون ينبغي أن يكون معلوما سلفا للكافة بحدوده ودرجاته المختلفة، سواء كان دستورا أو قانونا أو لائحة. وعند عالم الاجتماع ماكس فايبر فإن القانون كان ضروريا للرأسمالية لأنها تقوم على التوقع. حيث العجز عن التوقع يؤدي إلى إصابة النشاط الاقتصادي بالشلل.

كما أن المؤسسة ضرورية لتجنب شرور الحكم المطلق. وحين تغيب أو تضعف سلطة القانون بحيث تصبح إرادة الفرد هي الفاصلة أو هي التي تتلاعب بالقانون. وحين تفرغ المؤسسات من مضمونها، بحيث تصبح هياكل خاوية بلا دور حقيقي، حينئذ تصبح الدولة اسما على غير مسمى. ويغدو النظام أقرب إلى القبيلة منه إلى الدولة. بل ربما أصبحت الدولة مماثلة للقبيلة في أضعف حالاتها. لأن القبيلة في صورتها الحية، لها مجلس من أعيانها ولها أعرافها التي غدت قانونا يحكمها مسلَّما به.

أما القبيلة الأضعف فهي تلك التي يغيب فيها العرف والقانون ويصير شيخها هو صاحب الأمر والنهي فيها، وتصبح الأسرة هي المؤسسة الوحيدة المعترف بها. وإذا استمر الوضع الراهن فأخشى أن يستمر تراجعنا بحيث ننسى تماما فكرة الدولة ويصبح أملنا يوما ما أن نستعيد صورة القبيلة في عافيتها وحيويته
.......................

26 يوليو، 2009

مراكز القوى تحييكم

صحيفة الرؤيه الكويتيه الاثنين 5 شعبان 1430 – 27 يوليو 2009
مراكز القوى تحييكم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_26.html

أصدر اتحاد الأطباء العرب بيانا انتقد فيه التسريبات والتقارير الأمنية التي دأبت إحدى الصحف اليومية المصرية على نشرها طوال الشهر الأخير لتشويه صورة الأمين العام للاتحاد د.عبدالمنعم أبوالفتوح (المحتجز حاليا)، والإساءة إلى الاتحاد الذي يضم عشرين نقابة عربية للأطباء.

ووصف البيان الذي نشرته صحيفة «الدستور» أمس الأول (السبت 25/7) تلك التقارير بأنها مذكرات تحريات (أعدتها أجهزة أمن الدولة) فضلا عن أنها من قبيل «الاتهامات المرسلة» التي اعتادت بعض الجهات توجيهها ضد أساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء والمدرسين وغيرهم.

المعلومة يعرفها المشتغلون بالمهنة. وهم أكثر من لاحظ أن الاختراقات الأمنية لوسائل الإعلام أصبحت قاعدة تحتمل استثناءات محدودة للغاية. ذلك أنه كلما زادت سطوة الإعلام وقدرته على التأثير حرصت الأجهزة الأمنية على توسيع نطاق انتشارها وإحكام قبضتها على مختلف منابر البث والتوجيه، يعرف المشتغلون بالمهنة أيضا أن الالتحاق بأجهزة الأمن والتنسيق المستمر معها أصبح من شروط الترقي في المهنة والصعود في مراتبها. وهو ما أكدته تجارب عديدة أثبتت أن القرار الأمني حاسم في شغل المناصب القيادية في وسائل الإعلام، المقروءة والمرئية والمسموعة.

لقد أدركت الأجهزة الأمنية أن الصحف القومية أصبح وجهها مكشوفا عند نشر التسريبات الأمنية. الأمر الذي يقلل من صدقية ما تنشره. لذلك فإنها ركزت على اختراق الصحف «المستقلة»، التي تعطي لقرائها انطباعا بالحياد. وقد نجحت في ذلك، الأمر الذي فتح أفقا جديدا أمام تلك الأجهزة. لكي توسع من نطاق حملاتها الإعلامية. بما يمهد أو يغطي أو يبرر ضرباتها الأمنية.

اللافت للنظر أنه في الوقت الذي شنت فيه الأجهزة الأمنية حملتها بواسطة الإعلام لإدانة وشيطنة د.عبدالمنعم أبوالفتوح، فإن بعض وسائل الإعلام تبنت حملة أخرى لتحسين صورة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى وإثارة التعاطف معه، وقد برزت تلك الحملة بعد صدور الحكم بإعدامه وشريكه الضابط السابق بعد إدانتهما في جريمة قتل المطربة سوزان تميم.

إذ لجأت بعض الصحف إلى استعراض الأيادي البيضاء لرجل الأعمال الذي أسهم في إعمار مصر، كما دغدغت مشاعر القراء بإجراء حوار مع أمه، تخللته إشارات إلى تدهور حالتها الصحية بسبب ما حل به. وإلى اللهفة على رؤيته ومشاعر الخوف والفزع التي سكنت فؤادها بعد تأييد الحكم بإعدامه،
في الوقت ذاته فإن بعض البرامج التلفزيونية استضافت نفرا من المحامين الذين ترافعوا عن الرجلين أمام الرأي العام، وأرادوا إقناعنا بأنهما ظلما وأن آخرين ارتكبوا جريمة القتل.
وأكملت إحدى الصحف الأسبوعية الصورة حين نشرت على صفحتها الأولى أن «نيابة دبي «فبركت» القضية ونزعت (من ملفها) 17 صفحة تضمنت أدلة البراءة». وهو كلام نقل على لسان محسن السكري المتهم الثاني في جريمة القتل. من هذا الكلام أيضا، الذي أبرز على الصفحة الأولى قول السكري إنه سمع أصواتا في شقة سوزان تميم وإن هناك بصمات مجهولة (لآخرين) على جثتها.

ليس سرا أن هذه الحملة المنظمة ليست لوجه الله، ولا هي لخدمة العدالة، ولكنها مدفوعة الأجر، ولها مقابلها الذي لا نعرف قيمته أو طبيعته. وان المقصود بها هو التأثير على قضاة محكمة النقض التي أحيلت إليها القضية، والتأثير على الرأي العام سواء لممارسة ضغط على المحكمة، أو لتهيئته لاستقبال أي تراجع عن الإعدام.

ما يهمنا في الموضوع أن الإعلام صار الساحة التي تلجأ إليها مراكز القوى في البلد:
السلطة بنفوذها لشيطنة من تريد،
ورجال الأعمال بأموالهم للتستر على أفعالهم وتبريرها.

وفي الحالتين فإن الإعلام تُنتهك براءته، ولا يصبح وسيلة للإخبار والتنوير، وإنما يتحول على أيدي هؤلاء بوقا للتضليل والتدليس، ويصبح الضحية هو القارئ والحقيقة، الأمر الذي يحول الإعلام في هذه الحالة إلى نقمة وليس نعمة، لا تخفف من البلوى فيها سوى الأطباق اللاقطة، التي تسمح لنا بأن نتحول إلى منابر أخرى، نتحرى فيها الحقيقة، أو نتلهى بأمور أخرى تنسينا ما نحن فيه.
.....................

25 يوليو، 2009

المعتدلون القابعون في الظل

صحيفة الرؤيه الكويتيه الأحد 4 شعبان 1430 – 26 يوليو 2009
المعتدلون القابعون في الظل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_25.html

المقال الحميم الذي كتبه المحامي مختار نوح عن أستاذه أحمد نبيل الهلالي ونشرته صحيفة «الدستور» في 22 يوليو الحالي يسلط ضوءا قويا على وجه آخر محجوب عن الرؤية للعلاقات بين عناصر النخبة المصرية. فالأول محام معروف بتوجهه الإسلامي، والثاني قيادي ماركسي مرموق توفاه الله. (كان المقال بمناسبة مرور ثلاث سنوات على رحيله)،

وبالنسبة لكثيرين، فإن العلاقة الإنسانية والمهنية بين الرجلين تبدو مفاجئة وغير معهودة، ذلك أن التناقض الفكري بينهما يرشح تلك العلاقة للاشتباك والخصام والتنابذ، لكن الذي حدث بينهما كان شيئا معاكسا تماما، إذ من الواضح أنها اتسمت بالمودة الشديدة والرقي، بدا فيها أن الأستاذ الهلالي نموذج إنساني رائع بادله مختار نوح بما يستحقه من احترام ووفاء، حتى وصفه بأنه «قديس».

حين قرأت المقال تذكرت رموزا من عقلاء اليسار اتسموا بذات القدر من الرقي والنبل، أعرف منهم الأساتذة الذين توفاهم الله محمد سيد أحمد وإبراهيم سعد الدين وعبدالعظيم أنيس، ومن الأحياء عبدالغفار شكر وحلمي شعراوي وغيرهما. تذكرت أيضا ما قاله ذلك القيادي الماركسي قبل أيام من أن أعداءه هم (الإخوان الإسلاميون عموما بطبيعة الحال). وأضاف إليهم الحكومة من باب التمويه، وجاء كلامه معبرا عن تيار الغلاة الذين لم تعد تشغلهم سوى خصومة الإسلاميين.

الملاحظة الجديرة بالانتباه أن مواقف المعتدلين من التيارين الإسلامي والماركسي، التي اتسمت بالاحترام على الصعيد الفكري والانسجام على الصعيد الوطني والسياسي، لا تكاد تظهر في الفضاء السياسي والإعلامي. أما مواقف الغلاة وخطابهم فهو الأقوى حضورا والأوفر حظا من الأضواء، ليس ذلك فحسب، وإنما يتلقى رموز الغلاة المخاصمين رعاية رسمية مشهودة، حولتهم إلى نجوم في الدوائر الإعلامية والسياسية.

هذه الملاحظة وجدتها مكررة في علاقات الإسلاميين بالفئات الأخرى، بالأقباط والعلمانيين والقوميين والناصريين والليبراليين وغيرهم من المخالفين، إذ تظل الأضواء والرعاية الرسمية من نصيب الغلاة والمخاصمين، أما المعتدلون بشخوصهم وخطابهم فإن الأضواء تنحسر عنهم، رغم أن ما بينهم من علاقات إنسانية راقية، لا تقل عما كان بين نوح والهلالي من مودة واحترام، حتى يبدو كأن العراك والاحتقان مرحب بهما، في حين أن التفاهم والتصالح أمر غير مرغوب فيه ولا مرحب به.

هل هي مصادفة أم أن لها دوافع أخرى؟ أفهم أن تتوتر العلاقات بين العوام في هذه الفئات جميعها، لكني لا أستطيع أن أبرئ تماما موقف النخبة التي نعول عليها، إذ بين عناصرهم من تمكنت منهم المرارات السياسية والخلافات العقائدية، مقدمين ما هو أيديولوجي على حسابات المصلحة الوطنية.

ومنهم من يتاجر بتلك الخلافات، ويسعى إلى تعميقها وتفجيرها ليس تنفيذا لحسابات وأجندات جهات أخرى، داخلية في حدها الأدنى، باعتبار أن تفجير الخلافات يشغل القوى السياسية بصراعاتها، ويحول دون اصطفافها في موقف وطني أو سياسي واحد.

قبل سنوات قليلة جاء شاب إلى مكتبي ليروي القصة التالية: أنه قرأ إعلانا في إحدى الصحف طلب متخصصين في الصف الإلكتروني، فحمل أوراقه وذهب إلى الجهة البحثية التي صاحبت الإعلان، وحين اطلع عليها الموظف المختص فإنه هز رأسه مرحبا وقال للشاب إن خبرته جيدة، كما أن هويته باعتباره نوبيا تعطيه أولوية على غيره، سأله الشاب ببراءة، لماذا تفضلون النوبيين، فقيل له لأنهم مضطهدون والمركز يتبنى قضايا المضطهدين. حينئذ رد صاحبنا قائلا إنه من النوبة حقا لكنه لا يشعر بأنه مضطهد. وحينئذ رد الموظف مؤكدا أن النوبيين مضطهدون، حتى وإن لم يلاحظ هو ذلك، فاستغرب الشاب وجمع أوراقه وانصرف، وقصد مكتبي ليروي القصة وليفصح عن شكه في دوافعها.

إن العابثين بالنسيج الاجتماعي والصف الوطني كثيرون، وهم ينشطون في ظل المناخ السائد الذي يغذي مثل هذا التقاطع ويستفيد منه.
والمشكلة الحقيقية أن العقلاء والمعتدلين لم ينجحوا في أن يصطفوا في جبهة واحدة تحترم الخلافات وتستعلي فوقها، ليصبح الهم الوطني هو القاسم المشترك الأعظم بينهم، وما لم تمتد الجسور بين هؤلاء، فإن الساحة ستظل متروكة للغلاة العابثين والمتاجرين ومن لف لفهم، وسيدفع المعتدلون والوطن قبلهم ثمنا باهظا جراء ذلك.
...................

24 يوليو، 2009

ضحايا كيد النساء

صحيفة الرؤيه الكويتيه السبت 3 شعبان 1430 – 25 يوليو 2009
ضحايا كيد النساء – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_24.html

تلقيت استغاثة من مجموعة رجال يعتبرون أنفسهم ضحايا كيد الزوجات المطلقات. وتحيز المشرع لمصلحتهن، وغاية ما يطمحون إليه أن يكون لهم حظ من الإنصاف. يؤدي إلى تمكين الرجل بما يتوازى مع ما حصلت عليه المرأة من تمكين.

الموضوع الذي ركزوا عليه في استغاثتهم يتعلق بموقف المشرع من مسألتين هما النفقة والحضانة، يقولون إن الزوج المطلق مطالب قانونا بالنفقة والمصروفات الدراسية والعلاج وتوفير السكن، وكل مستلزمات ومصروفات الابن أو الابنة حتى يبلغ الصغير خمسة عشر عاما، وإن توقف عن دفع النفقة فإنه يُحكم عليه بالحبس الفوري، ويظل ملزما بأداء ما تقاعس عن دفعه، الذي لا يسقط بأي تقادم.

في حين يحمّل الأب بهذه المصروفات، ويواجه بعقوبة رادعة إذا قصّر فيها، فإنه إذا أدى واجبه المادي نحو طفله، لا يتلقى سوى الحد الأدنى من الحقوق. فالقانون يسمح له بأن يلقي نظرة عابرة على الطفل لمدة ساعتين أسبوعيا في مكان عام. وإذا امتنعت المطلقة عن ذلك، فغاية ما يمكن أن يحدث أن تصدر المحكمة قرارها بانتقال الحضانة إلى الجدة للأم. وهو إجراء شكلي لا يغيّر من الواقع شيئا.

في الوقت ذاته فإن الأب الذي منع من رؤية طفله لفترة تطول أو تقصر، لا يعوض عن ساعات الحرمان التي عاشها، الأهم من ذلك والأخطر أن هذا الوضع يضعف رابطة الأب بطفله. في الوقت ذاته فإنه لا يمكّن الأب من توجيه طفله ورعايته من الناحية التربوية. وحين يمكّن من حضانته بعد سن الخامسة عشرة، فإن الطفل يكون قد تشكل بالفعل، ولا تكاد تجدي معه رعاية الأب.

يتساءلون: لماذا تشدد المشرع في معاقبة الأب إذا قصر في واجباته، في حين تساهل كثيرا مع المطلقة إذا لجأت إلى الكيد ومنعت الأب من حقه إزاء طفله، وإذا كان قد لجأ إلى ردع الطرف الأول، فلماذا لم يتعامل بنفس المعيار مع الطرف الثاني؟

أضافوا في رسالتهم أن هذه القضية برزت بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة التي أعقبت صدور قانون إنشاء محاكم الأسرة (سنة 2004)، الذي تزايدت بسببه معدلات الطلاق، ذلك أن القانون يسَّر إتمام الطلاق بإرادة منفردة من جانب الزوجة، وأحيانا، على خلاف رغبة الزوج.
وأسهم المحامون في تشجيع الزوجات على إساءة استخدام ذلك الحق، إذ أصبح بمقدورهن طلب الطلاق من خلال وسيلتين، ادعاء الضرر الزوجي. خصوصا أن القانون أباح إثبات ذلك الضرر بعد سماع شهادة شهود الزوجة، (وهو أمر ميسور يمكن أن يرتبه بعض المحامين). وذلك على عكس المتبع في دوائر الجنح والجنايات التي تشترط وجود أدلة مادية ملموسة لثبوت الاتهام
ـ أما الوسيلة الثانية فهي طلب الزوجة «الخلع» لبغضها الزوج وعدم احتمالها استمرار العيش معه.

في ختام الرسالة، وجّه الآباء غير الحاضنين التهنئة لنساء مصر لصدور القانون الذي خصص لهن 64 مقعدا في مجلس الشعب، وتمنوا عليهن التخلص من عقدة الصراع الخفي بين الرجل والمرأة، الذي ينطلق منه البعض في بعض الأحيان بما يوفر أسبابا لتوتير العلاقة بينهما.

لا أخفي تعاطفا مع قضية المحرومين من رؤية أطفالهم رجالا كانوا أم نساء، لكنني لا أكتم حيرة إزاء تحديد سبب المشكلة، وهل هو حقا كيد النساء وتواطؤ المحامين،
أم أنه رد على غلظة الرجال وكيدهم أيضا،
أم أنه راجع إلى تدهور الثقافة العامة والقيم الحاكمة للعلاقات الأسرية، بما أدى إلى تراجع التراحم والإيثار وترجيح كفة المنفعة والأنانية.

في الوقت ذاته فإنني أتشكك في جدوى تدخل القضاء والقانون في تنظيم العلاقات الأسرية، ولا أعرف ما إذا كان ذلك التدخل هو الذي عقد المشكلة أم أنه كان ضرورة لحماية أطرافها؟.

أراحني في نهاية المطاف أنه كان مطلوبا مني أن أعرض المشكلة لا أن أحلل عناصرها أو أحلها، وقد أبرأت ذمتي ونفذت المطلوب.
......................

22 يوليو، 2009

براءة تريحنا ولا تطمئننا

صحيفة الرؤيه الكويتيه الخميس 1 شعبان 1430 – 23 يوليو 2009
براءة تريحنا ولا تطمئننا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_22.html

يريحنا ولا يطمئننا قرار تبرئة المدرس الذي اتهم بإهانة الرئيس. يريحنا لأنه ألغى حكما بحبس الرجل لمدة ثلاث سنوات مع كفالة تعجيزية قيمتها مائة ألف جنيه، لمجرد أنه كتب ستة أبيات شعرية انتقد فيها الأوضاع الحالية في مصر. وجاء في حكم البراءة أن الرجل حين كتب ما كتب فإنه كان يسجل خواطر شخصية كتبها لنفسه، وأنه لم يقم بتوزيعها، الأمر الذي يعني انتفاء ركن العلانية وقصد الرغبة في الإشهار، وينفي القصد الجنائي. وإلى جانب ذلك فإنه لم يستهدف بما كتبه إهانة رئيس الجمهورية.

دعك من أن توجيه التهمة إلى المدرس سعيد منير حنا هو الذي وفر ركن العلانية لما كتبه، وأن ما كان خواطر شخصية احتل مكانه في الصحف اليومية، وحقق له شهرة لم يكن يحلم بها بفضل ذكاء وحسن تدبير الأجهزة الأمنية التي قدمته إلى المحاكمة، وسعت إلى سجنه وقطع لسانه. وفي هذه الحالة فإنه يحق لصاحبنا لا أن يوجه الشكر فقط إلى محكمة الاستئناف التي برأته، ولكن أيضا إلى جهاز أمن الدولة الذي جعل صورته وسيرته وشعره على تواضعه متداولا في مختلف الأوساط الثقافية والحقوقية وربما السياسية أيضا. ثم إلى وسائل الإعلام التي حولته من مدرس مغمور في إحدى مدارس محافظة المنيا في صعيد مصر، إلى نجم تصدرت صورته الصفحات الأولى للصحف.

أما الذي لا يطمئننا في المسألة فأمور عدة منها ما يلي:
- أن الرجل كتب خواطر شخصية بخط يده، ولكنها وقعت بين يدي مسؤول الأمن بالإدارة التعليمية في بلده «العدوة»، فما كان من صاحبنا إلا أن أقام دعوى قضائية ضد المدرس، اتهمه فيها بإهانة رئيس الجمهورية، وهو ما يثير السؤال التالي: كيف وصلت تلك الخواطر الشخصية إلى يد مسلاول الأمن؟.. وألا يعني هذا أن هناك من يحاول أن يتلصص على موظفي الحكومة إلى الحد الذي يمكِّن مسؤول الأمن من الوصول إلى أوراقهم الشخصية؟

- من حقنا أيضا أن نتساءل: لماذا يوجد مسؤول للأمن أصلا في الإدارة التعليمية؟.. ألا يدل ذلك على المدى الذي بلغه انتشار ممثلي الأجهزة الأمنية في مفاصل الدولة، ووجودهم في مختلف الوزارات والإدارات، حتى إذا كانت صغيرة وفي مكان بعيد عن الأعين مثل بلده العدوة؟

إن آخر ما يمكن أن يخطر على البال أن يكون للجهاز الأمني مندوب يحتل وظيفة رسمية في بلدة صغيرة مثل «العدوة»، الأمر الذي يفسر بحسبانه محاولة لرصد ما يجري في الوسط التعليمي، بمدرسيه ومشرفيه وطلابه. وإذا صح ذلك فكم يصل عدد مسؤولي الأمن في جميع مديريات وزارة التعليم؟ وما هو عددهم في بقية وزارات وهيئات الحكومة. وإذا أضفنا هؤلاء إلى عدد العاملين في أجهزة وزارة الداخلية فكيف يصبح حجم هذا الجيش العرمرم؟. وهل يكون ذلك مصدرا لاطمئناننا أم سببا في قلقنا ودهشتنا؟

- أثلجت البراءة صدورنا حقا، لكننا لم نعرف لماذا كانت هناك قضية أصلا. وألا يثير ذلك شكنا في أن الهدف من العملية إخافة الناس وتحذيرهم من توجيه أي نقد للسلطة. عملا بالمثل القائل: اضرب المربوط يخاف «السايب».

- وإذا لم تكن هناك قضية كما أكد حكم الاستئناف فإننا قد نفهم ادعاء مسؤول الأمن، لأن الأصل عند هذه الأجهزة أن المواطن متهم حتى تثبت براءته. فلماذا حولت النيابة المدرس إلى القضاء؟ ولماذا أصدر القاضي الابتدائي حكمه القاسي ضد الرجل، وقرر حبسه ثلاث سنوات وفرض عليه مائة ألف جنيه كفالة لكي يستأنف الحكم؟.. أليس ذلك دالا على أن رياح الخوف ومداهنة الحكومة ضربت أيضا مرفق العدالة، فجعلت بعضا من رجال النيابة والقضاء يزايدون على أجهزة الأمن؟

لا ننسى واقعة الطالبة آلاء مجاهد التي انتقدت الحكومة عام 2006 في موضوع للإنشاء فعاقبتها الإدارة التعليمية بالدقهلية بتعليق نتيجتها وحرمانها من استكمال الامتحان (الرئيس تدخل لانقاذ مستقبلها). وها هو مدرس فعل نفس الشيء في أوراقه الخاصة فقُدِّم إلى المحاكمة، الأمر يدل على أننا نتراجع خطوات إلى الوراء كلما تقدمت بنا السنون.

وسأترك لك الإجابة عن السؤال: هل هذا مما يطمئننا أو يقلقنا؟
.......................

21 يوليو، 2009

سكتت الحكومات ـ أين الشعوب؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 29 رجب 1430 – 22 يوليو 2009
سكتت الحكومات ـ أين الشعوب؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_7601.html

إذا كانت حكومات العالم العربي والإسلامي قد
خذلتنا في مسألة التضامن مع مسلمي الصين الذين يتعرّضون للقمع والسحق، فأين الشعوب؟ لقد كان مفاجئا وصادما حقا أن نكتشف أن تلك الحكومات تقاعست عن المشاركة في الاجتماع الذي دعت إليه منظمة المؤتمر الإسلامي لمناقشة مأساة مسلمي الأويجور واتخاذ موقف منها.

ولم يخطر على بال أحد منا أن تمتنع حكومات الدول الإسلامية حتى عن مناشدة السلطات الصينية أن تحقق في الصدامات المروعة التي حدثت في سينكيانج، ولا أقول توجيه العتاب إليها بسبب إهدار حقوق المسلمين واستمرار التنكيل بهم،

ولكن الذي حدث أن الدول الإسلامية، بما فيها تلك التي نحسن الظن بها، مثل إيران وباكستان والسعودية ومصر، قدمت حساباتها السياسية على مؤازرة ملايين المسلمين المقهورين في الصين ومساندتهم في محنتهم، أستثني من ذلك موقف الاحتجاج والغضب الذي أعلنته الحكومة التركية وعبّر عنه رئيسها الطيب أردوجان على نحو خفف من شعورنا بالخزي والحزن.

أدري أن السؤال عن دور الشعوب الإسلامية يبدو صعبا ومحرجا، على الأقل في العالم العربي، الذي لم يعد يسمع فيه صوت الشعوب إلا في حالات استثنائية ونادرة.
بعدما تم فيه تدمير مؤسسات المجتمع المدني أو تطويعها وإلحاقها بالسياسات الحكومية. لم تسلم من ذلك المرجعيات الدينية مثل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي، التي ضُمت إلى الأبواق الرسمية، بحيث أصبح تعبيرها عن السياسات المحلية مقدما على تمثيلها للأمة،
ولابد أن نحمد الله على أنمنظمة المؤتمر الإسلامي استطاعت أن تتبنى موقفا نزيها ومستقلا في الموضوع الذي نحن بصدده. كما نحمده على أن اتحاد علماء المسلمين لم يخيب ظننا فيه، وأصدر بيانا أدان فيه المظالم التي يتعرّض لها مسلمو الصين.

يبدِّد شعورنا بالإحباط أن شعوبنا لم تفقد حيويتها وغيرتها بعد، رغم كل جهود التحكيم والتكبيل والإخصاء. فجماهيرنا التي هبّت غاضبة دفاعا عن كرامة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) واحتجاجا على الرسوم الدنماركية، أحسبها مازالت جاهزة للاستجابة لأي دعوة تطلق دفاعا عن كرامة ملايين المسلمين الأويجوريين، ولا يُنسى أن تلك الجماهير ذاتها خرجت عن بكرة أبيها لنصرة شعب غزة أثناء العدوان الإسرائيلي على القطاع، وهي التي ما برحت تقدم الدعم والقوت للمحاصرين هناك، بعدما تقاعست عن ذلك أغلب حكوماتنا، على النحو الذي يعرفه الجميع.

لايزال الأمل معقودا على موقف هذه الشعوب وعلى الرموز والجماعات والمنابر التي تمثلها، في أن تعرب عن احتجاجها على قمع شعب الأويجور وقهره، وتضامنها مع إخوانهم المسلمين هناك. ولأن مؤسسات المجتمع المدني في بعض الدول الإسلامية أقوى وأنشط منها في العالم العربي، فإن دور تلك المنظمات في المساندة والدعم مطلوب ومؤثر لا ريب.

إن غاية المراد من التضامن المطلوب هو إعلان غضب جموع المسلمين الأويجور، والإعراب عن الاستياء إزاء الاستمرار في قمعهم والتنكيل بهم وحرمانهم من أبسط الحقوق المدنية والدينية. وحبذا لو استطعنا أن نبعث برسالة إلى السلطات الصينية تقول بوضوح إن ذلك البلد الكبير لا يستطيع أن يحتفظ بمودة شعوب العالم الإسلامي وتقديرها في الوقت الذي يقهر فيه مسلمو الصين وتدمر حياتهم، وإن من شأن استمرار تلك السياسة أن تؤثر على مصالح الصين في العالم الإسلامي. خصوصا أن العالم العربي يشكل أكبر سوق للبضائع الصينية (حجم التبادل التجاري في عام 2008 وصل إلى 133مليار دولار تزيد بمعدل 40 ٪ كل عام).

وإذا استمر الموقف الصيني الراهن كما هو، فقد يشجع ذلك الأصوات الداعية إلى مقاطعة البضائع الصينية. وهو أمر قد يبدو متعذِّرا من الناحية العملية، لأن أسواقنا أصبحت مشبعة بتلك البضائع، إلا أن إطلاق تلك الدعوة سيكون موجعا للصين، التي قلّت صادراتها إلى الخارج بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.

وفي كل الأحوال ينبغي أن يكون واضحا أننا نحرص على الصين، لكنها ينبغي أن تحرص على مشاعرنا أيضا.
...................

المسكوت عليه في ملف قتل عرفات – المقال الاسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء 28 رجب 1430- 21 يوليو 2009
المسكوت عليه في ملف قتل عرفات – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_21.html

القنبلة التي أطلقها أبو اللطف بخصوص التآمر على قتل عرفات تفتح أكثر من ملف مسكوت عليه، ليس فقط فيما يخص الذي جرى منذ خمس سنوات، وإنما أيضا فيما يجرى الآن.

١
لست في موقف يسمح لي بتأييد الوثيقة التي تحدث عنها السيد فاروق القدومي أو استنكارها ونقضها. ولا أخفي أنني أستغرب أن يكون أبو مازن شريكا في المؤامرة مع دحلان والإسرائيليين والأميركيين، رغم أن القاصي والداني يعلم أن خلافه السياسي مع أبو عمار استحكم ووصل إلى حد القطيعة خلال الأشهر الستة الأخيرة التي سبقت وفاة أبو عمار.
وفي تلك الفترة كانت الضغوط الأميركية شديدة لصالح أبو مازن، متوسلة في ذلك بانتزاع صلاحيات عرفات واحدة تلو الأخرى ونقلها من رئيس السلطة الوطنية إلى صاحبنا الذي كان رئيسا للوزراء، وهو المشهد الذي شاءت المقادير وسخرياتها أن ينقلب رأسا على عقب بعد وفاة أبو عمار إذ سعى أبو مازن الذي تولى رئاسة السلطة لسحب الصلاحيات التي كان قد انتزعها، من رئيس الوزراء المنتخب إسماعيل هنية، لردها مرة أخرى إلى رئيس السلطة.

وحده أبو مازن يستغرب المرء وجوده في اجتماع كهذا. أما الآخرون فالتآمر والتواطؤ هو أبرز عناوين صفحتهم، ووقائعه متداولة في المحيط الفلسطيني.
وقد سمعت من بعض أركان فتح قصصا مثيرة عن محاولات الاغتيال التي تعرضوا لها، في سياق تصفية الحسابات الداخلية بين رموز المنظمة وتياراتها، وهو ما يجعلني على استعداد للقبول بفكرة التآمر مع الآخرين على الخلاص من عرفات، الذي أصبح وجوده عقبة في طريق تحقيق التسوية السلمية بالشروط الإسرائيلية.
أيا كان الأمر، فالذي لا شك فيه أن الاتهام الذي أطلق خطير للغاية، خصوصا أنه صادر عن أحد مؤسسي حركة فتح وأمين سرها. وهو رجل له وزنه واحترامه وصدقيته بين القادة الفلسطينيين.
ولأنه كذلك، فغاية ما يمكن أن نقوله أن الوثيقة تحتاج إلى تحقيق يأخذ المسألة على محمل الجد. وما لم يتم ذلك فإننا سنصبح في موقف صعب، وكذلك الجماهير الفلسطينية بطبيعة الحال، إذ لن يكون بمقدورنا أن نسلم بصحة الوثيقة، كما لن يكون بمقدورنا أن نرفضها ونعتبر أنها لم تكن.

على صعيد آخر، فإنني أستغرب حملة بعض الصحف القومية المصرية على السيد فاروق القدومي، واتهامه بالعمل لصالح إيران والحصول على تمويل شهري منها (الأهرام 17/7) في كلام مرسل لا دليل عليه، استخدم ذات الأسلوب الكيدي المتبع في الإعلام الرسمي الذي يسعى إلى "تكفير" الآخرين سياسيا عند أول خلاف معهم، بحيث تصبح إما منحازا إلى جماعة محظورة كالإخوان، وإما إلى بلد محظور كإيران.

٢
لكي نوضع في صورة الملفات المسكوت عليها، أستأذن في استعادة بعض فقرات مقال نشرته الأهرام لي بعد وفاة أبو عمار، كان عنوانه "لا تغلقوا ملف عرفات"، في مستهل المقال الذي نشر في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، قلت ما نصه "الذي لا يقل سوءا عن غياب عرفات، أن تطوى صفحته ويغلق ملفه، رغم ما أحاط بأسباب موته من غموض وشكوك، إذا لم يتم استجلاؤها. فإن لعنة الاتهام ستظل تلاحق الذين أحاطوا به حتى تقوم الساعة".

في سياق المقال ذكرت ما يلي:- إن عناد الرجل وتشبثه بالخطوط الحمراء للقضية، أثار استياء بعض الرموز الفلسطينية المحيطة به، التي كانت أكثر "مرونة" منه، ومن ثم أكثر تجاوبا مع مشروعات الحل المطروحة. وقد مارس الرجل دهاءه مع عناده في قطع الطريق على تحركات تلك الرموز، والحيلولة دون تمكينها من القرار الفلسطيني، وهو ما دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ممارسة ضغوط هائلة لتقزيم دوره وتقليص صلاحياته.
ولكنه لم يبق صامدا فحسب، وإنما عمل أيضا على إفشال جهودهم، فاضطر نفرا منهم إلى الاستقالة ونجح في تقييد وتأديب آخرين، ولذلك فإن تلك الأطراف جميعها، الداخلية فضلا عن الخارجية، اعتبرت أن عرفات بات يمثل عقبة تقف في طريقها، ولا مفر من إزاحتها.
- إن أصوات التخلص من عرفات لقيت ارتياحا في أوساط بعض القيادات الفلسطينية الطموحة، وإن أطرافا منها تحركت مبكرا لتهيئة المسرح للتعامل مع مرحلة "ما بعد عرفات". وهذا التوجه لقي قبولا من جانب بعض الأطراف العربية ذات الصلة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
الخلاصة أن ظروفا عدة تجمعت وأحدثت نوعا من التوافق -وليس بالضرورة الاتفاق- بين أغلب أطراف اللعبة، على ضرورة الخلاص من عرفات. وكان الرئيس (السابق) بوش أعلاهم صوتا وأكثرهم صراحة، حين اعتبر رحيله "فرصة تاريخية" للخروج من الأزمة.
- أوردت شهادة الدكتور أشرف الكردي طبيب الأعصاب المعروف ووزير الصحة الأردني الأسبق، الذي ظل يشرف على علاج أبو عمار طوال ربع القرن الأخير من حياته. كنت قد استطلعت رأيه في اتصال هاتفي أجريته معه في عمان، ووجدته مندهشا ومرتابا لأنهم لم يخبروه بحالته إلا في الأسبوع الثالث من مرضه، وكانت العادة أن يتلقى اتصالا من مكتب أبو عمار فور إصابته بأي عارض، حتى وإن كان "زكاما".
-
في شهادته قال الدكتور الكردي إنه حين ذهب إلى رام الله لاحظ أن حول أبو عمار أربعة أطباء مصريين وخمسة تونسيين كانوا يرونه لأول مرة. وإذ أدرك أن الإمكانيات المتوافرة هناك لا تسمح بتشخيص حالته، فقد اتفق الجميع على ضرورة سفره إلى الخارج. ومنذ ذلك الحين انقطعت صلته بحالته إلى أن توفاه الله.
سألته هل يمكن أن يكون ما جرى معك مجرد مصادفة؟
قال لا أظن أن تكون كلها مصادفات، لأنني ما زلت متعجبا من عدم إبلاغي بمرض الرئيس الفلسطيني إلا في الأسبوع الثالث، وهو ما لم يحدث من قبل قط. كما أنني مندهش لأن أحدا لم يسألني بعد سفره عن حالته وخلفيته الصحية، وأنا طبيبه الذي لازمته خلال 25 عاما. ولم أجد تفسيرا مقنعا لاستبعادي من الفريق المعالج له.
- استطلعت أيضا رأى السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي سبق أن أفلت بمعجزة من محاولة قتله بالسم في عمان سنة 1997. فقال لي إن سيناريو التسميم لم يغب عن كثيرين ممن عنوا بأمره، فقد طلبت فرنسا من الولايات المتحدة أن تتدخل لدى إسرائيل لكي تحصل منها على كاشف للسم، ولكن الإسرائيليين أنكروا علاقتهم بالموضوع. كما أن أحد رجال عرفات اتصل بكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة ونقل إليه نفس الرسالة، التي قابلتها إسرائيل بذات الإنكار.

مما ذكره أبو الوليد أيضا أنه حين قويت لديه شكوك تسميم (أبو عمار)، أجرى اتصالات هاتفية مع مختلف قيادات السلطة الفلسطينية مطالبا إياهم بالتحرك والضغط على إسرائيل لإنقاذ حياة الرجل من براثن السم، وقد أدهشه أنه تلقى ردا ضعيفا وداعيا إلى التهدئة.
- بعد ما عرضت الآراء التي حصلتها قلت ما نصه "إن كل الذين حدثتهم أو سمعت منهم أبدوا دهشتهم البالغة من التسرع في دفن جثة الرئيس عرفات قبل تشخيص سر مرضه، ومن ثم دفن ذلك السر معه.
ومع افتراض أن الفحوص والتحاليل لم تسفر عن شيء محدد، فإن ذلك يقوى الشك في عملية التسميم ولا ينفيها. والإجراء المتبع في هذه الحالة الذي يتفق عليه الأطباء، أن تشرح الجثة لفض غموض لغز الوفاة.
وما يضاعف من القلق والشك في الموضوع أن ضغوطا قوية مورست على الذين أحاطوا بالرئيس عرفات في مرضه لكي يكفوا عن الحديث في شأن أسباب وفاته".
- كانت آخر كلمات المقال كالتالي "إن دفن جثة عرفات لن يعني بحال دفن سر مرضه، لأن ملف الرجل سيظل مفتوحا حتى تنكشف غوامضه. وإذا كان علماء الآثار يبحثون إلى الآن -بعد ثلاثة آلاف سنة- في الأسباب الحقيقية لوفاة توت عنخ آمون، وما إذا كان قد مات مقتولا أم أن موتته كانت طبيعية، فنرجو ألا ننتظر طويلا حتى نقف على حقيقة ما جرى للزعيم الفلسطيني. وحتى إشعار آخر فإننا نحسبه عند الله -كما تمنى هو- شهيدا.. شهيدا، رحمه الله وغفر لمن حوله!
-
3
أهم ما تحقق حتى الآن أن أحدا لم يعد يشك في أن الرئيس عرفات مات مقتولا بالسم الإسرائيلي. وهذه الحقيقة كان مسكوتا عليها قبل خمس سنوات. والذين عاصروا تلك المرحلة يذكرون أن الخطاب الإعلامي والسياسي العربي ظل يتحدث وقتذاك عن "موت عرفات" وليس قتله.
وقد تعرض مقالي الذي أشرت إليه توا للنقد والاستهجان من قبل كاتب كبير بالأهرام، عبر عن استيائه في عموده اليومي وغمز فيما ذكرته قائلا "إننا لم نتخلص من سيناريو المؤامرة، وإن الشكوك التي عبرت عنها دليل على أننا لم نتخلص بعد من تلك العقدة المذمومة".
حين يقال بملء الفم إن قائد الثورة الفلسطينية قتل بالسم الإسرائيلي، فإن لفلفة الموضوع والتستر عليه طوال السنوات الخمس الماضية تثير أسئلة عديدة، سواء فيما خص المعلومات الفرنسية حول السم الذي قتله، والتسرع الفلسطيني في دفن الرجل دون تشريح جثته، أو فيما خص كيفية الاختراق الإسرائيلي الذي أوصل السم إلى أبو عمار، والمتعاونون الفلسطينيون الذين كان لهم دور في الجريمة، والأطراف الفلسطينية التي كانت لها مصلحة في إتمامها.

إن كثيرين سألوا لماذا سكت أبو اللطف طوال السنوات الخمس على المعلومات التي تضمنتها الوثيقة. وهو سؤال مشروع يستدعى بالمقابل سؤالا آخر هو: لماذا سكتت السلطة الفلسطينية أيضا على التحقيق في الجريمة طوال تلك الفترة؟
لقد قامت الدنيا ولم تقعد حين قتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وشكل فريق دولي للتحقيق، ومحكمة دولية للنظر في القضية، لكن قتل أبو عمار لم يأبه به أحد، رغم أن دوره في فلسطين يتجاوز بكثير دور الرئيس الحريري في لبنان.
ولا تفسير لذلك سوى أن قتل أبو عمار كان مطلوبا من قبل الأطراف الدولية المعنية -الولايات المتحدة وإسرائيل تحديدا- بقدر ما إن بقاء الحريري كان مرغوبا من جانب تلك الأطراف.
وكما أن حملة التحقيق في مقتل الحريري أريد بها استدراج وتأديب جهات معينة سوريا على رأسها (البعض أراد إقحام حزب الله في الموضوع) فينبغي أن نقر بأن تجاهل التحقيق في قتل عرفات أريد به التستر على ضلوع جهات معينة فلسطينية وإسرائيلية بالدرجة الأولى.
٤
أختم بملاحظتين مهمتين، الأولى أن الصراع في الساحة الفلسطينية، الذي استدعى قتل عرفات، لم يكن في جوهره بين زعامات بقدر ما إنه كان ولا يزال بين مواقف سياسية بعضها مع الخطوط الحمراء والثوابت والبعض الآخر في المربع المعاكس. وقد سبقت الإشارة إلى أن الخلاص من عرفات أريد به إزاحة العقبة التي وقفت في طريق التسوية التي كان التفريط في الثوابت من شروطها.
بالتالي فلا ينبغي أن يصرفنا التحقيق في مقتل أبو عمار الرمز عن تسليط الضوء على انعكاسات ذلك على الموقف والمنهج، باعتبار أن المطلوب لم يكن رأس الرجل فقط وإنما رأس القضية ذاتها.
الملاحظة الثانية المهمة أن التواطؤ على قتل عرفات للخلاص من الموقف الذي يجسده لا يختلف كثيرا عما يسمى الآن بالتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية في رام الله وبين السلطة الإسرائيلية. ذلك أنني لا أرى فرقا كبيرا -إلا في الدرجة- بين أن يكون هناك تفاهم بين عناصر فلسطينية وإسرائيلية على التخلص من أبو عمار وبين أن يتم ذلك التفاهم بين رجال أمن فلسطينيين ونظراء إسرائيليين لهم، لملاحقة عناصر المقاومة وتصفيتها، وهو ما يدعونا للاعتراف بأن التواطؤ لم يتوقف، وإنما استمر تحت مسميات أخرى.

وإذا كان "التنسيق الأمني" من عناوينه المبتكرة، فإن "الحصار" لا يختلف عنه كثيرا، الأمر الذي يعنى أن مشروع "رأس القضية" لا يزال ينفذ بخطى وئيدة وثابتة.
...................

20 يوليو، 2009

خذلتنا الدول الإسلامية

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 27 رجب 1430 – 20 يوليو 2009
خذلتنا الدول الإسلامية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_20.html

خذلتنا وفضحتنا الدول الإسلامية والعربية في موضوع اضطهاد مسلمي الصين الذين تعرضوا للمذبحة الشهيرة في شيبنجيانج.
ذلك أنها لم تكتف بالصمت إزاء ما جرى وأدى إلى قتل 150 مسلما طبقا للأرقام الرسمية (مصادر الأويجور تحدثت عن 400 قتيل إضافة إلى 600 مفقود)، فلم يصدر أي تعليق رسمي من أي عاصمة عربية أو إسلامية، باستثناء تركيا. لكن حدث ما هو أسوأ، إذ تحفظت أهم الدول الإسلامية والعربية عن اجتماع دعت إليه أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي غدا (الثلاثاء) لمناقشة الموضوع وتحديد موقف إزاءه. وهو ما أدى إلى تأجيل الاجتماع إلى موعد لاحق، أو بتعبير أدق إلغاؤه في الوقت الراهن على الأقل.

القصة الأصلية باتت معلومة للكافة، بعدما تناقلت وكالات الأنباء صور ووقائع ما جرى في المقاطعة التي كانت تسمى تركستان الشرقية يوما ما، وكانت نسبة المسلمين فيهـا 100 ٪، ثم ضمتها الصين بالقوة وسمتها شيبنجيانج، وقامت بتهجير بعض مسلميها الأويجور،
وفي الوقت ذاته استقدمت أعدادا كبيرة من أبناء قومية «الهان» الصينية. وهو ما أدى إلى تخفيض نسبة المسلمين إلى 60 ٪، وهناك من يقول إن نسبتهم لم تعد تتجاوز 40 ٪، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما مورست بحق المسلمين صور مختلفة من التمييز والقمع والتضييق في ممارسة الشعائر والعبادات.
وكانت تلك أسبابا كافية لإشاعة الاحتقان بينهم، الأمر الذي أدى إلى انفجار الغضب المخزون والمكتوم في أكثر من مناسبة خلال نصف القرن الماضي، وكانت انتفاضة بداية شهر يوليو الحالي أحدث مواجهة من هذا القبيل.

حين وقعت الواقعة لم يسمع سوى صوت واحد لرئيس الوزراء التركي الذي أدان موقف السلطات الصينية ووصف ما حدث بأنه جريمة إبادة للمسلمين في شيبنجيانج. وكما سكت الرسميون العرب لم تحرك المؤسسات والمنظمات العربية ساكنا. وحده الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي د.أكمل إحسان الدين أوغلو وهو تركي أيضا تحرك على أربعة مستويات.
فوجه رسائل إلى المنظمات الدولية المعنية المختصة بحقوق الإنسان والأقليات والحريات الدينية، طالبها فيها بتحمل مسؤوليتها تجاه ما يتعرض له المسلمون في الصين.
من ناحية ثانية فإنه أصدر بيانين في 6 و8 يوليو الحالي أعرب فيهما عن القلق إزاء ما يجري للأويجور، ودعا الحكومة الصينية إلى التحقيق فيما جرى ومعالجة الموقف بما يحمي حقوق الأقلية المسلمة ويلتزم بمبادئ حقوق الإنسان.
من ناحية ثالثة فإنه طلب مقابلة سفير الصين لدى الرياض للتشاور معه حول الأمر.
من ناحية رابعة فإنه دعا إلى اجتماع يعقد في جدة غدا (الثلاثاء) لممثلي الدول الإسلامية لدى المنظمة لبحث الأمر.

ما الذي حدث بعد ذلك؟!.. معلوماتي أن المنظمات الدولية المعنية سكتت ..
في حين ردت سفارة الصين في الرياض بأن السفير غير موجود، والقائم بالأعمال مشغول، وأنها ستوفد نائب القنصل للقاء د.أكمل والاستماع إليه،
لكن حين علمت السفارة أن اجتماعا سيعقد يوم الثلاثاء لممثلي الدول الإسلامية، فإن القائم بالأعمال (المشغول!) سارع إلى لقاء د.أوغلو، وأمضى معه ثلاث ساعات على مدى يومين متتالين، برر خلالها موقف حكومته، ونقل إليه دهشتها لصدى الأحداث لدى أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي. ثم قال إن لدول المنظمة الإسلامية رأيا آخر نقل إلى بكين، خلاصته أن حكوماتها لا تؤيد تصعيد الموقف والاشتراك في الاجتماع الذي دعا إليه الأمين العام يوم الثلاثاء.

أسقط في يد د.أكمل الذي بدا كأنه يقف وحيدا في الساحة، وكلف من أجرى اتصالات مع أبرز الدول الأعضاء، في المنظمة، وكانت المفاجأة أن كلام القائم بالأعمال الصيني صحيح. وتأكدت الأمانة العامة للمنظمة من ذلك أثناء انعقاد مؤتمر قمة عدم الانحياز الذي عقد في شرم الشيخ.
إذ تبين أن على رأس الدول المعترضة على الاجتماع المفترض باكستان والسودان وإيران والسنغال التي ترأس القمة الإسلامية.
ومن بين تلك الدول أيضا مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية واليمن. حيث بدا أن لكل دولة حساباتها وتوازناتها الخاصة.

إزاء ذلك لم يكن هناك مفر من إلغاء الاجتماع. وكان الحل الوسط الذي أريد به ستر الفضيحة أن الصين وافقت على أن يزورها الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ليتابع الموقف على الطبيعة. على أن ينظر في الخطوة التالية بعد عودته من الزيارة التي يفترض أن تتم في أوائل شهر أغسطس..

لقد كسفونا وقصروا رقابنا أخزاهم الله!
.............................

18 يوليو، 2009

في موسم الترهيب والتخويف

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 24 رجب 1430 – 19 يوليو 2009
في موسم الترهيب والتخويف – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_18.html

تكاثرت علينا قضايا أمن الدولة في مصر، حتى بدا كأننا في موسم التخويف وتكثيف الضربات الأمنية. إذ إلى جانب العرض المستمر بنجاح «ساحق» لمسلسل القبض على أعضاء جماعة الإخوان، فإن هذا «الإنجاز» أغرى أجهزة الأمن بالانتقال إلى تقديم عروض أخرى أكثر تطورا، وهو ما أدخلنا في مرحلة إنتاج «الأفلام»، فمن فيلم خلية حزب الله، إلى «عصبة تفجيرات الحسين»، ومذبحة الزيتون، وتنظيم الإخوان الدولي، ثم خلية القاعدة في محافظة الدقهلية.. والبقية تأتى.

لا يعني ذلك بالضرورة أن القضايا التي أصبحت تحتل مكانا ثابتا في صحف الصباح كلها من وحي الخيال، ذلك أن الوقائع الأصلية قد تكون صحيحة، ولكن الجهد الذي يبذل ينصب على كيفية تحويل الواقعة إلى فيلم، وقد أثبتت التجربة أن الأجهزة المعنية تتمتع بكفاءة عالية في «التمشيط» واصطياد البشر،
لكن كفاءتها محدودة للغاية في نسج القصص وحبك وقائعها، وهي الثغرات التي يركز عليها المحامون وسلطت عليها الأضواء في بعض الصحف المستقلة التي لا يخضع التحرير فيها للتوجيه الأمني.

فقد كشف المحامون عن أن من وصف بأنه «زعيم» لتنظيم إرهابي مصاب منذ 18 شهرا بشلل رباعي يقعده عن الحركة. وأن جهاز الكمبيوتر الذي قيل إنه يحتوي على أسرار التنظيم لا يخصه، ووصف مدير مركز «عقل» لحقوق الإنسان بالدقهلية أن عملية القبض على أبناء قرية «تلبانة» في المحافظة واتهامهم بتكوين خلية إرهابية بأنها فيلم «هندي».
إذ ألصقت التهمة بهم انتقاما من أهل القرية الذين تحدَّوا الشرطة في وقت سابق حين قامت بتعذيب واحد منهم حتى الموت، المحامون قالوا أيضا إن الأحراز التي ضبطت في القضية واعتبرت أجهزة تفجير عن بعد كانت مضحكة للغاية، إذ كانت عبارة عن «تابلوه» كهرباء ومفتاح دراجة وسماعات للهاتف وكاميرات ديجيتال وأجهزة كهرباء،
تبين أيضا أن السيارة التي تم ضبطها وقيل إنها استخدمت في حادث قتل أحد الصاغة تم شراؤها بعد وقوع الحادث بثمانية أشهر.

تحدث المحامون أيضا عن تلاعب أجهزة الأمن ببيانات احتجاز المتهمين، حيث تخفيهم في أماكن مجهولة وسراديب تحت الأرض، في حين تبلغ النيابة العامة بأنهم محتجزون في سجن طرة العمومي. حتى ناشد هؤلاء المحامون النائب العام أن يتدخل لمنع افتراس أولئك المتهمين وإجبارهم على الإدلاء بأقوالهم تحت التعذيب، وطالبوه بوقف التحقيق معهم طوال الليل في مقار نيابة أمن الدولة.

الأستاذ منتصر الزيات أحد المحامين البارزين في هذه القضايا عقد في الأسبوع الماضي مؤتمرا صحافيا مهما فضح فيه بعض الأساليب المتبعة في تلفيق القضايا، ومما قاله إن أجهزة الأمن لديها بصفة دائمة معتقلون احتياطيون كرهائن يجري توزيعهم على القضايا حسب الطلب، وأكثر هؤلاء من المصريين والفلسطينيين.
أما الأجانب «الذين لهم ظهر» فإنهم يرحلون إلى بلادهم. أشار إلى واحدة من هؤلاء مواطنة فرنسية اسمها دودي هوكسا اتهمت في قضية تفجيرات حي الحسين، وكانت كل «جريمتها» أنها دخلت في الإسلام وجاءت إلى مصر لدراسة الفقه واللغة ثم تبرعت بمبلغ 50 ألف جنيه لإغاثة أهالي غزة، فجرى الزج بها في القضية، ولما لم يكن هناك دليل على اتهامها فإنها رحلت إلى بلادها، ضمن 11 من الأجانب شاء قدرهم أن يفلتوا من عملية التلفيق والتنكيل.

ثمة أسئلة عديدة تثيرها هذه الشواهد منها على سبيل المثال:
ماذا وراء هذه الحملة من الترهيب والتخويف؟
ولماذا حرص وزير الداخلية على أن يهدد ويتوعد المغضوب عليهم في أحدث خطاب له أمام رئيس الجمهورية الذي ألقاه أثناء تخريج دفعة جديدة من ضباط الشرطة؟
وهل تمهد هذه الحملة لشيء ما يجري طبخه،
وهل لذلك علاقة بالانتخابات النيابية في العام المقبل أو الرئاسة في العام الذي يليه؟

ليست لدي إجابة عن هذه الأسئلة، لكنني أعرف ثلاثة أمور،
الأول أن ذلك كله يدلل على أن «
عقلية المطرقة» تتحكم في حركة المجتمع وتهيمن على أداء السلطة،
والثاني أن من طالت عصاه قلَّت هيبته، كما يقول العرب
أما الأمر الثالث فهو أن شدة الضغط تولد الانفجار.
...........................

17 يوليو، 2009

مراهنة اليائسين

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 25 رجب 1430 – 18 يوليو 2009
مراهنة اليائسين – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_17.html

من يُرد أن يعرف حقا حجم اليأس والإحباط وعدم الثقة في النفس المنتشر في مصر، فليقرأ التعليقات التي تلقيتها على ما كتبته في هذا المكان تحت عنوان «قرار سيادي مرشح للتعريب»، ولعلك تذكر أن القرار كان افتراضيا، واستهدف قياس قدرة الشعب على الصبر والاحتمال، في نكتة خلاصتها أنه مهما فعلت السلطة بالناس وفيهم، فإنهم سيصبرون ويتكيّفون، ويمتثلون في نهاية المطاف، بعدما فقدوا القدرة على الفعل الإيجابي.

ما أثار انتباهي في الأصداء التي تلقيتها أن نسبة عالية من أصحاب الرسائل لم تعتبر تلك الخلاصة أمرا مفاجئا. إذ رأت «الأغلبية» أنه لا ينبغي أن ننتظر صدى من الجماهير التي جرى ترويضها حتى أصبحت عاجزة عن الغضب، حتى لكرامتها، وفي الوقت ذاته تم إشغالها بمتطلبات الحياة، التي أصبحت الأسرة مهمومة بها وتركض من أجل توفيرها طوال الوقت، وفي ذات الوقت جرى إشغال الناس وإلهاؤهم بمباريات كرة الأقدام، بحيث أصبح حماس الناس منصرفا إلى تشجيع الفرق الرياضية، وتزايد عزوفهم عن تشجيع الأحزاب السياسية.

في أحد اللقاءات تطرّق الحوار إلى الموضوع، فوجّه أحد الجالسين الحديث إليّ قائلا: إنك كتبت عن موت السياسة، لكن الحقيقة أن المجتمع هو الذي مات وليست السياسة وحدها. والناس لم يعودوا مشغولين إلا بمشكلات الخبز والمياه والمعاشات، وقد وجدناهم يتظاهرون أكثر من مرة لهذه الأسباب. والكل يعلم أن الغضب الشعبي الشهير في 18 و19 يناير عام 77، لم يكن من أجل الديموقراطية، وإنما كان سببه رفع الأسعار آنذاك.
قال آخر إنه لم يعد في البلد قوى فاعلة ولا نشطاء يعمل لهم حساب، فها هو مجدي حسين الصحافي والأمين العام لحزب العمل، حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات عقابا له على أنه ذهب إلى غزة عبر أحد الأنفاق لكي يعبر عن تضامنه مع أهلها المحاصرين،
وهاهو الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب والقيادي الإخواني، يتم الزج به الآن في قضية يجري تلفيقها تمهيدا لمحاكمته أمام القضاء العسكري.
في الوقت ذاته، فعمليات الاعتقال والتعذيب تتم بصورة يومية في أقسام الشرطة، مع ذلك كله فلا شيء يتحرك في البلد. حتى يبدو وكأن السلطة اعتبرت المجتمع جثة هامدة، لا تملك القدرة على الحراك أو الفعل.

كان رأيي، ولايزال، أن غضب الناس لمشكلاتهم الخاصة أمر طبيعي، وأن الغضب للشأن العام هو مهمة الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني، التي يفترض أن تجسّد عقل المجتمع وضميره، إذ إنها بصفتها تلك وحدها المؤهلة لترشيد الإدراك العام وتوعية الجماهير وتبني مطالبها، علما بأن أي غضب شعبي يندلع دون عقل سياسي، يفتح الباب للفوضى التي تفسد أكثر مما تصلح، وحريق القاهرة في عام 1951 دليل على ذلك.

إن أحد «إنجازات» النظام في مصر أنه نجح في إضعاف أو تدمير خلايا المجتمع المدني،
فالأحزاب السياسية أريد لها أن تولد كسيحة ومشوّهة،
والنقابات المهنية أغلبها مجمّد أو تحت سيطرة الحزب الوطني.
والنقابات العمالية أصبحت مدجنة، وتمثل الحزب الحاكم أو الأمن بأكثر مما تمثل العمال.
أما منظمات المجتمع المدني، فهي إما تحت السيطرة أو تحت الملاحقة،
الأمر الذي يعني أنه خلال العقود الأخيرة تم من الناحية العملية إجراء جراحة سياسية استهدفت إخصاء المجتمع ونزع فتيل العافية فيه. وحين ضعف المجتمع، فإن المراهنة على التغيير فيه أصبحت تنتظر معجزة من السماء، بقدر ما أن احتمالات الفوضى فيه أصبحت تتزايد حينا بعد حين.

قال أحد الجالسين، إن الحسابات يمكن أن تنقلب رأسا على عقب إذا ارتفع سعر الرغيف في مصر من خمسة إلى خمسة عشر قرشا، وهو ما يمكن أن يحرّك الركود في بحيرتنا الساكنة، في اليوم التالي قرأت في صحف الصباح أن الحكومة تدرس رفع سعر الرغيف إلى 15 قرشا، الأمر الذي جعلني أتوجّس شرا، وأتابع نشرات الأخبار ساعة بعد ساعة.
..................

15 يوليو، 2009

موقف مصري لا يصدق

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 23 رجب 1430 – 16 يوليو 2009
موقف مصري لا يصدق – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_15.html

إذا لم يكن المسؤولون المصريون قد سمعوا بأصداء الأخبار التي تنشر بين الحين والآخر عن منع وصول المساعدات إلى المحاصرين في غزة، فتلك كارثة لا ريب. أما إذا كانوا قد تلقوا تلك الأصداء، ومع ذلك استمروا في المنع، فإن الكارثة في هذه الحالة تصبح أكبر وأعظم. ذلك أن أحدا في العالم العربي والإسلامي لا يريد أن يصدق أن يكون هذا هو موقف الإدارة المصرية. إذ لا تزال الدهشة تعتري كثيرين حين يعرفون أن مصر تشترك في حصار غزة، وتتضاعف تلك الدهشة حين يعلمون أن ثمة معبرا يصل مصر بالقطاع، لكنه مغلق بأيد مصرية، وأن صحفنا تنشر أخبارا عن إلقاء القبض على أناس يجمعون أموالا لمساعدة أهل غزة، ويمنعون آخرين يحاولون توصيل المعونات الإغاثية إليهم.

منذ وقعت الواقعة وتم الحصار، فإنني ما ذهبت إلى بلد عربي إلا وانهالت عليّ الأسئلة التي تستفسر عن مدى صحة تلك الأخبار المنشورة، وعن حقيقة الدوافع التي تجعل مصر الرسمية تتصرف على ذلك النحو. وأمثال تلك الأسئلة تصبح ملحة وتقترن بدرجات متفاوتة من الاستنكار والاستهجان، حين يكون السائلون من الأجيال التي تعرف قدر مصر الحقيقي وتحسن الظن بسياساتها التي خبروها في السابق.

لأنني أشاركهم في شعورهم بالحيرة والدهشة، فإنني لم أخف تضامني معهم في استنكار الموقف، وكنت أقول إنني لا أجد تفسيرا له سوى أنه يكمن في الحسابات الأمنية، إلى جانب حرص مصر على أن تتجنب الضغوط الدولية، الأميركية والإسرائيلية خصوصا، وكنت أذكّر في كل مرة بأن الأسئلة المثارة حول الموضوع، ينبغي أن توجه إلى المسؤولين في الحكو مة أو المتحدثين باسمها. لم أكن مقتنعا بهذا الكلام، لكنني قلته التزاما بحدود المباح. واهتداء بشعار عدم الكذب وتجنب قول الحقيقة. في الوقت ذاته فإن أحدا لم يقتنع بهذا التفسير، حتى سمعت من البعض انتقادات قاسية للموقف المصري، لا أستطيع أن أذكرها لأنها تزج بنا في دائرة غير المباح. وقد صدرت تلك الانتقادات عمن أعرفهم أكثر الناس حبا لمصر وغيرة عليها وثقة في قدراتها واعتزازا بتاريخها.

أسوق هذا الكلام بمناسبة الصعوبات والعراقيل التي وضعتها السلطات المصرية أمام القافلة التي قادها جورج جالاوي، الناشط البريطاني وعضو مجلس العموم، التي انطلقت من نيويورك قاصدة غزة. وضمت 190 ناشطا أميركيا بينهم 4 من حاخامات اليهود، وهؤلاء اصطحبوا معهم مئة حافلة وشاحنة محملة بالمساعدات الطبية. ولم تسمح السلطات المصرية للقافلة التي حملت اسم «شريان الحياة» بعبور قناة السويس في طريقها إلى غزة مرورا بالعريش ومعبر رفح. وقيل في هذا الصدد إن القافلة لم تستكمل الأوراق القانونية اللازمة. في الوقت الذي انتقد فيه النائب جالاوي السلطات المصرية التي منعتهم من إحضار مواد غذائية معهم أو مواد بناء، وسمحت فقط بالمساعدات الطبية.

هذا بدوره موقف غير مفهوم ويصعب تبريره. لأنني أفهم أن تصدر مثل هذه الذرائع عن السلطات المالطية أو القبرصية أو اليونانية، ولكنها تُستغرب حين تصدر عن القاهرة وتُنشر في الصحف المصرية، وتتناقلها وكالات الأنباء لكي تعمم الفضيحة على الكرة الأرضية. ذلك أن المواطن العادي، عربيا كان أو مسلما، لن يصدق أن «أم الدنيا» بجلالة قدرها، تعطل وصول قافلة الناشطين القادمين من الولايات المتحدة إلى غزة، بسبب عدم استكمال أوراقها القانونية، رغم دخولهم إلى مصر بصورة قانونية.

هو مخجل أن يتولى النائب البريطاني قيادة حملة إغاثة المحاصرين في غزة، فيأتي على رأس قافلة أولى قادمة من بريطانيا، وهذه هي الثانية القادمة من الولايات المتحدة. وفي القاهرة أعلن عن قافلة ثالثة ستأتي من فنزويلا بأميركا اللاتينية. أما المخزي حقا فهو تلك العراقيل التي توضع أمام أمثال تلك الحملات والمحاولات من جانب السلطات المصرية.

لا أعرف إن كان ذلك قرارا أمنيا أم سياسيا، لكن الذي أعرفه أن صداه في العالم العربي والإسلامي يشين مصر ولا يشرفها، فضلا عن أنه يكشف عن مدى القصور في الرؤيتين الأمنية والسياسية. وهو ما يجعلنا نستشعر حسرة بالغة تضاف إلى الخجل والخزي.
..................

14 يوليو، 2009

لأن الهوى غلاب

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 22 رجب 1430 – 15 يوليو 2009
لأن الهوى غلاب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_5649.html

أخشى أن تكون رئاسة حركة عدم الانحياز التي يفترض أن تنقل إلى الرئيس مبارك اليوم شبيهة بتنصيب العقيد القذافي ملكا على ملوك أفريقيا. ذلك أنه إذا كانت حركة عدم الانحياز قد أصبحت كيانا أثريا لا دور له في زماننا، فإن ملوك أفريقيا لا يختلفون عنها كثيرا. إن شئت فقل إن الأولى وهم وفولكلور سياسي. في حين أن مسألة ملوك القارة أقرب إلى النكتة والفولكلور الاجتماعي، والاثنان من بقايا عصور اندثرت وبادت.

وإذا قال قائل إن ملك ملوك أفريقيا يملك هامشا من حرية الحركة على الأرض بأكثر مما هو متوافر لرئيس حركة عدم الانحياز، فلن اختلف معه، لأن الجميع يعلمون أن الأخ العقيد اشترى المنصب بفلوسه، وبمقدوره أن يجعل منه مهرجانا دائما بفلوسه أيضا، ثم إن الجغرافيا تخدمه إلى حد كبير، باعتبار أن ليبيا واصلة إلى غرب أفريقيا ووسطها، وهي أمور لا تتوافر للرئيس مبارك، فليس لديه عوائد نفطية ينفقها على طموحاته السياسية، كما أن قائمة الدول المنخرطة في حركة عدم الانحياز تصل إلى 118 دولة موزعة على أرجاء الكرة الأرضية، وهو عبء يتعذّر على بلد مأزوم اقتصاديا كمصر أن يتحمّله.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنه لولا أن الدور حل على مصر في رئاسة الحركة، ولولا أن مدينة شرم الشيخ اختيرت مكانا للقاء القمة التي يفترض أن تعقد اليوم، لما ذكر اسم حركة عدم الانحياز في وسائل الإعلام المصرية. وليس ذلك راجعا بالضرورة إلى تقصير من جانب الصحف، وإنما لأن العمر الافتراضي للحركة قد انتهى،
بل إن مصطلح عدم الانحياز ذاته بات غريبا أو مستهجنا، بعدما صار الانحياز (التبعية إن شئت الدقة) عنوانا للمرحلة بأسرها، بل أصبح من أسباب التباهي والاعتزاز. وليس سرا أن العالم العربي يعيش الآن مرحلته الأميركية (البعض يضيف الإسرائيلية أيضا)، وإن ما يسمى بـ«التعاون الإستراتيجي» بين الولايات المتحدة والدول الرئيسية في المنطقة أصبح واقعا يشيد به المتحدثون الرسميون ولا يخجلون من الحفاوة به أمام الملأ.

هذا الإدراك يكشف لنا عن حقيقة أن عدم الانحياز في زماننا أصبح ادعاء لا دليل عليه، واستدعاء للافتة تجاوزها الزمن. وهو ما يدفعنا إلى التعبير عن الدهشة إزاء استمرار اجتماعات قمة تلك الدول، ومن ثم تضييع الوقت والجهد والمال لإقامة ذلك المهرجان الفولكلوري كل ثلاث سنوات، إذ عادة ما ينتهي إلى قرارات وتوصيات لا يأخذها أحد على محمل الجد. الأمر الذي يعني أن قدوم القادة إلى شرم الشيخ والإقامة في ضيافة مصر ليست سوى ممارسة، مما يسمى الآن بالسياحة السياسية، التي تعتبر الوجود في المكان والاستمتاع بجمال الطبيعة فيه هي أهم إنجاز للمؤتمر.

مع ذلك فهناك ما هو أغرب وأكثر إثارة للدهشة. ذلك أن المهرجان لم يكتف بعقد ذلك الاجتماع الفولكلوري المذكور، لكنه تضمن فقرة أخرى تمثلت في «قمة» موازية لزوجات رؤساء الدول المشاركة في القمة الرجالية، الأمر الذي يعني أننا إزاء سباق في اللاجدوى، يفتح أعيننا على أمرين مهمين

أولهما سذاجة معيار تقييمنا للحدث، إذ نكتشف أننا نقع في الخلط حين نتساءل عن الجدوى، لأن السؤال ليس واردا من الأساس، في حين أن الحضور الإعلامي وصور التلفزيون هي الأهم، وهي الهدف،
أما الأمر الثاني فهو الآلية التي يتم من خلالها تبني مثل هذه الأفكار، ذلك أنها فيما يبدو ليست ثمرة دراسة جادة قامت بها الجهات المعنية، وإنما هي أفكار وأهواء طارئة تلوح في ساعات الصفا، فتتلقفها الحاشية وتحول التهويمات فيها إلى أوامر، والخواطر العابرة إلى أخبار تتصدر الصفحات الأولى للصحف،

وطالما أن الهوى غلاب، وأهل القرار فوق الحساب، والإنفاق له ألف باب وباب، فلمَ لا تعقد قمة رجالية، وأخرى نسائية، وثالثة للأبناء أيضا؟!
....................

منسيون ومعذبون في الصين – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

صحيفة الخليج الاماراتيه الثلاثاء 21 رجب 1430 – 14 يوليو 2009

منسيون ومعذبون في الصين – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_14.html

لا شيء إيجابياً في أحداث الصين الأخيرة، سوى أنها ذكرتنا بعذابات ملايين المسلمين المنسيين في أنحاء المعمورة، الذين لم يعودوا يجدون أحداً يعنى بأمرهم.

لم أفاجأ كثيراً بانفجار غضب المسلمين في شينجيانج. ذلك بأنني أحد الذين عرفوا معاناة الأويغوريين منذ زرت بلادهم قبل ربع قرن، ووقفت على آثار الذل والقهر والفقر في حياتهم. وقتذاك نشرت عنهم استطلاعات في مجلة “العربي”، طورتها في وقت لاحق وصدرت ضمن سلسلة “عالم المعرفة” بالكويت في كتاب عنوانه: “الإسلام في الصين”.

كانت تلك الزيارة بداية علاقة لم تنقطع مع الأويغوريين، سواء في باكستان المجاورة، أو في تركيا التي لايزالون يعتبرون أن ثمة نسباً يربطهم بها، رغم أن بلادهم صارت شينجيانج (المقاطعة الجديدة)، بعد شطب الاسم الأصلي وحظره، بحيث لم يعد أحد يجرؤ على أن يذكر اسم تركستان الشرقية الذي كان معترفاً به قبل أن تبتلعها الصين في أواخر القرن التاسع عشر.

هذه العلاقة وفرت لي بشكل شبه منتظم كماً من المعلومات، اعتمدت عليها في كتابة مقالات عدة، نشرت خلال العقدين الأخيرين في الصحف العربية، خصوصاً مجلة “المجلة” التي كانت تصدر من لندن.

وكان رجاء الأويغوريين المقيمين في باكستان بالذات، ألا أشير إلى أسمائهم، لأن ذلك يعرضهم للخطر حين يذهبون إلى بلادهم بين الحين والآخر، وهو ما قدرته واستوعبته، بعد درس قاسٍ وبليغ تلقيته من تجربة مماثلة مررت بها في وقت سابق، حين زرت الاتحاد السوفييتي وكتبت عن أوضاع المسلمين هناك، وكان أحد مصادري شاب من النشطاء لم أذكر اسمه، ولكن أحد رفاقه وشى به. وعلمت في ما بعد أنه حوكم وأعدم. وهي الواقعة التي مازالت تشعرني بالحزن حتى الآن. حيث لم أعرف بالضبط ما إذا كانت لقاءاته معي هي تهمته الوحيدة، أم أن هناك اتهامات أخرى نسبت إليه.

أول إشارة فتحت عيني على حقيقة معاناة المسلمين الأويغور وقعت في اليوم الأول لوصولي إلى عاصمتهم “أورموشي”. إذ سألت عن فرق التوقيت لكي أضبط ساعتي، وفوجئت بأن كثيرين هناك ضبطوا ساعاتهم على توقيت باكستان وليس الصين. وهو ما أثار فضولي، لأنني طوال الوقت ظللت أتحرى إجابة السؤال: لماذا يعتبر الأويغوريون أنهم جزء من العالم الذي تمثله باكستان، وليسوا جزءا من البلد الذي يعيشون في رحابه منذ نحو 150 عاما؟

كنت قد حملت معي من الكويت حقيبة ملأتها بالمصاحف متوسطة الحجم، بعدما أدركت من زيارة سابقة للاتحاد السوفييتي (وقتذاك) أن المصحف هو أثمن هدية يمكن أن يقدمها القادم من العالم العربي أو الإسلامي إلى من يصادفه من أبناء البلاد الشيوعية. لاحظت في شينجيانج أن المساجد التي زرتها لم تكن فيها مصاحف. وكل ما شاهدته هناك كان بعض الأواني الخزفية التي كتبت عليها بحروف عربية عبارات مثل “لا إله إلا الله” و”محمد رسول الله” و”الله أكبر”، ولا أنسى منظر أحد الأئمة حين قدمت إليه نسخة من المصحف، فظل يقبله وهو يبكي، ولا مشهد الشاب الذي جاءني ذات مرة ليتوسل إلى أن أعطيه مصحفاً لكي يقدمه مهراً لمحبوبته التي ينوي الزواج منها.

التواصل مع الناس كان مستحيلاً ليس بسبب اللغة فقط، ولكن أيضاً لأن الصينيين ممنوعون من الحديث للأجانب. والحصول على المعلومات كان صعباً للغاية. ولم ينقذني من المشكلة سوى اثنين من الأويغور. أحدهما عمل في السعودية والثاني كان أبوه قد درس في الأزهر، ويعرف بعض الكلمات العربية المكسرة.

ذهبت إلى صلاة الجمعة في المسجد الكبير بأورموشي، ولاحظت أن أغلب المصلين يرتدون الثياب البيضاء وأغطية الرؤوس من ذات اللون، لكن الواحد منهم يؤدي الحركات من ركوع وسجود وهو صامت تماماً، وقيل لي إن أغلبهم لا يعرف كلمة واحدة من القرآن، وإنهم يعتبرون الجمعة يوم عيد، فيتطهرون ويستحمون ويرتدون الثياب البيضاء، ويتعطرون قبل ذهابهم إلى المسجد، ثم يصطفون ويؤدون الحركات بكل خشوع من دون أي كلام. وأذكر أنني قلت وقتذاك إن هؤلاء أكثر ورعاً من كثيرين يحفظون الكلام. لكن صلواتهم تخلو من أي أثر للخشوع.

كنت أعرف أن الإسلام وصل إلى الصين في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان عن طريقين، الأول طريق البر الذي عرف لاحقاً باسم طريق الحرير، وكان الفرس هم الذين أوصلوا الإسلام إلى مناطق الشمال، ومن بينها تركستان الشرقية، ولذلك فإن الكلمات الفارسية تستخدم في المصطلحات الدينية (الصلاة عندهم تسمى “نماز” والوضوء “وظوء”). الطريق الثاني عبر البحر، وقد سلكه التجار العرب الذين جاءوا من حضرموت ومناطق جنوب اليمن، وأوصلوا الإسلام إلى الجزر الاندونيسية وكانتون في جنوب الصين، وقد شاهدت بعضاً من مقابر أولئك العرب الذين كتبت على شواهدها آيات القرآن الكريم.

وقتذاك كان المسلمون في شينجيانج يشكون من التضييق عليهم في العبادة ومنعهم من الحج. كما كانوا يشكون من حرمانهم من الوظائف الحكومية وتفضيل الصينيين من عرق “الهان” عليهم. وهؤلاء الأخيرون أصبحوا يتحكمون في كل شيء. هم أصحاب السلطة وأصحاب القرار. في الوقت ذاته فإنهم كانوا يعبرون عن القلق الشديد إزاء استمرار تلاعب الحكومة بالتركيبة السكانية للإقليم. إذ في الوقت الذي كانت تستقدم فيه أعداد كبيرة من “الهان” من أنحاء الصين، فإنها كانت تقوم بتهجير الأويغور من مقاطعتهم إلى المدن الصينية الأخرى. وهو ما أدى في الوقت الحاضر إلى تراجع نسبة المسلمين الأويغور في شينجيانج، إذ وصلت نسبتهم إلى 60% فقط من السكان بعد أن كانوا يمثلون 90%.

لم تتوقف السلطات الصينية عن محاولة تذويب المسلمين الأويغوريين في المحيط الصيني الكبير وطمس هويتهم. آية ذلك مثلاً أنها قررت منذ سنتين نقل مائة ألف فتاة أويغورية من غير المتزوجات (أعمارهن ما بين 15 و25 سنة) وتوزيعهن على مناطق مختلفة خارج شينجيانج. الفتيات كن يجبرن على السفر، من دون أن تعلم أسرهن شيئاً عن مصيرهن، وكان ذلك من أسباب ارتفاع نسبة الاحتقان ومضاعفة مخزون الغضب بينهم. وفي الأسبوع الأخير من شهر يونيو/ حزيران الماضي قام العمال الأويغور بتمرد في مصنع للألعاب مقام قرب مدينة شنغهاي في جنوب البلاد، وهؤلاء عددهم 700 شخص، كانوا قد هجروا إلى مناطق “كونجدوج” التي أقيم المصنع بها. وقد أعلنوا تمردهم لسببين،

الأول أن أجورهم لم تصرف منذ شهرين،

والثاني أن إدارة المصنع رفضت أن تخصص مساكن تؤوي المتزوجين منهم،

التمرد أخذ شكل الإضراب عن العمل. لكن رد الفعل من جانب إدارة المصنع كان عنيفاً. إذ تجمعت أعداد كبيرة من العمال الآخرين الذين ينتمون إلى أغلبية الهان (قدر عددهم بخمسة آلاف) واقتحموا مكان تجمعهم “لتأديبهم”، واشتبك معهم الأويغوريون الغاضبون. وحسب شهود عيان فإن الاشتباك استمر من التاسعة مساء إلى الخامسة صباح اليوم التالي، حين تدخلت الشرطة وفضته.

البيان الرسمي ذكر أن اثنين من الأويغوريين قتلا، ولكن الأويغوريين أصروا على أن الذين قتلوا من شبابهم يتراوح عددهم ما بين خمسين ومائة، أما الذين تم اعتقالهم أو فقدوا فقد قدر عددهم بالمئات. المهم أن هذه الأخبار حين وصلت إلى شينجيانج، فإن أهالي العمال بدأوا يسألون عن أبنائهم وبناتهم الذين لم يعرف مصيرهم. وحين مر أسبوع واثنان من دون أن يتلقوا جواباً، فإنهم خرجوا في مظاهرة سلمية رفعت فيها صور المفقودين، وحين تصدت لهم جموع “الهان” ورجال الشرطة حدث الصدام الدموي الذي قال البيان الرسمي إن ضحاياه كانوا 150 من الأويغوريين، في حين ذكرت تقديرات الطرف الآخر أن عدد القتلى يزيد على 400 منهم.

لم تكن هذه بداية غضب سكان الإقليم الأصليين. ولكنها كانت حلقة في سلسلة الصدامات التي لم تتوقف منذ اجتاحت الصين تركستان الشرقية في عام 1933 وضمتها رسمياً في عام 1949. وظلت كل انتفاضة للأويغوريين تقابل بقمع شديد بدعوى أنهم انفصاليون تارة وإرهابيون أخيراً، حتى قيل إن ضحايا القمع الصيني قدر عددهم بمليون مسلم ومسلمة.

الانتفاضة هذه المرة كانت أكبر من سابقاتها، الأمر الذي اضطر الرئيس الصيني إلى قطع اجتماعاته في قمة روما والعودة سريعاً إلى بكين لاحتواء الموقف المتدهور في شينجيانج. إذ من الواضح أن المسلمين هناك ضاقوا ذرعاً بإذلالهم وحرمانهم من تولي الوظائف الرسمية، ومنعهم من صوم رمضان وأداء فريضة الحج ومصادرة جوازات سفر كل الأويغوريين لعدم تمكينهم من الحج إلا عبر الوفود التي تنظمها الحكومة، وتشترط أن يودع الراغب في الحج ما يعادل 6 آلاف يورو لدى الحكومة (وهو ما يعني إفقار أسرته)، وأن تتراوح سنه ما بين 50 و70 سنة.

مأساة شعب “الأويغور” (الكلمة في اللغة القديمة تعني المتحد أو المتحالف لأنهم كانوا في الأصل قبائل عدة ائتلفت في ما بينها) تكمن في ثلاثة أمور.

الأول أنهم يعيشون في قبضة دولة كبرى ظلت متماسكة عبر التاريخ، لم تتعرض للتفكك كما حدث مع الاتحاد السوفييتي مثلاً.

الثاني أن بلادهم الشاسعة (1.6 مليون كيلو متر مربع تمثل خمس مساحة الصين وثلاثة أضعاف بلد مثل فرنسا) تتمتع بوفرة ثرواتها الطبيعية. إذ يقدر احتياطي النفط لديها بنحو 8 مليارات طن، ويجري في الوقت الحاضر استخراج 5 ملايين طن منه كل يوم. هذا إلى جانب أنها تنتج 600 مليون طن من الفحم الحجري. وفيها ستة مناجم يستخرج منها أجود أنواع اليورانيوم، إضافة إلى وجود معادن أخرى على رأسها الذهب،

الأمر الثالث أنهم مسلمون، ينتمون إلى أمة منبوذة في العالم، وتمثلها أنظمة لاهية ومهزومة سياسياً وحضارياً.

هم ليسوا مثل البوذيين في التيبت الذين يتعاطف العالم مع قضيتهم. ولا مثل كاثوليك إيريان الغربية الذين وقفت الدول الكبرى مع استقلالهم عن اندونيسيا. ولا وجه لمقارنتهم باليهود، الذين واجهوا مشكلة في أوروبا فقررت الدول المهيمنة حلها عن طريق تمكينهم من اقتلاع شعب فلسطين وإقامة دولة لهم على أرضهم.

استطراداً من هذه النقطة وللعلم فقط فإن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية في العام الماضي (2008) وصل إلى 133 مليار دولار. وهذا الرقم يزيد سنوياً بمعدل 40%.

للعلم كذلك قال لي أحد المسلمين الصينيين الذين يجيدون العربية، إنه يكلف بمصاحبة وفود الحج الرسمية التي تزور الدول العربية بعد أداء الفريضة، وتلتقي قادتها ومسؤوليها. وقد فجع صاحبنا لأنه أثناء تلك اللقاءات فإن أحداً من القادة العرب لم يحاول أن يسأل الوفود التي رافقها عن أحوال المسلمين في الصين، الذين تقدرهم المصادر التركية بستين مليوناً نصفهم من الأويغور.

...............................

12 يوليو، 2009

قرار سيادي مرشح للتعريب

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 20 رجب 1430 – 13 يوليو 2009

قرار سيادي مرشح للتعريب – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_12.html

تقول النكتة إن الرئيس بعد أن أمضى ثلاثين سنة في منصبه واطمأن إلى استقرار الأمور في البلد، فإنه أراد أن يختبر قدرة الشعب على الاحتمال. وحين لجأ إلى مستشاريه فإن أحدهم اقترح أن يتعامل مع الفكرة من أبعد نقطة فيها، بحيث تكلف لجنة برئاسة ضابط أمن كبير بالوقوف عند مدخل أحد الجسور الرئيسية في البلد، لتعترض طريق كل قادم، وتخبره صراحة بأنه لن يمر قبل أن يتلقى صفعة على وجهه، بعدما صدر قرار سيادي بذلك من أعلى سلطة في البلد.لقيت الفكرة ترحيبا، وصدرت التعليمات بالتنفيذ الفوري لها، فاختارت اللجنة موقعها فوق الجسر الكبير ذات صباح وشرعت في القيام بمهمتها.

وبدأت تستوقف قائدي السيارات وتخبرهم بالقرار السيادي، الأمر الذي أثار دهشة البعض في البداية، وأدى إلى ارتباك المرور لبعض الوقت، ولكن صاحب السيارة الأولى امتثل. فتلقى الصفعة ثم ذهب إلى حال سبيله. وتكرر المشهد ذاته مع الراكب الثاني والثالث، إلى أن انتظم المرور على الجسر مع نهاية اليوم، بعد ثلاثة أيام اعتاد الناس على الوضع الجديد، وأصبحت صفعة الوجه جزءا من روتين عبور الجسر، وهو ما عبرت عنه التقارير التي كانت ترفع إلى الجهات العليا كل مساء، معبرة عن نجاح الفكرة، ومشيدة بانضباط الجماهير «وتجاوب» أصحاب السيارات مع القرار. بعد أسبوع عنَّ لصاحب الاقتراح أن يطور فكرته بحيث يضاعف من الصفعة لتصبح اثنتين، بعدما تبين أن الناس اعتادوا على الصفعة الواحدة، ولم يعودوا يبدون حرجا إزاءها. بعد المناقشة تمت الموافقة على ذلك الرأي وصدرت التعليمات بالتنفيذ، تكرر المشهد نفسه، إذ ارتبك المرور في البداية بسبب تمنع البعض واحتجاجهم على مضاعفة الصفعة، ولكنهم امتثلوا في نهاية المطاف، وما إن انتهى النهار حتى كان المرور قد انتظم، ورفعت اللجنة تقريرها الذي سجل ما جرى بالضبط، وطمأن القيادة العليا إلى أن الأمر استقر وأن الموقف تحت السيطرة الكاملة.

حين مر الأسبوع الثاني دون أن يحرك أحد ساكنا، فإن ذلك أدهش الجهات المعنية، التي ما برحت تتلقى التقارير المؤكدة أن الجماهير العابرة للجسر أكدت ولاءها للحكومة وثقتها في القرارات التي تتخذها، وهي الثقة التي تجلت حين لم يسأل أحد عن سبب صدور قرار فرض الصفعة الأولى، وحكمة إضافة صفعة إضافية.

في الأسبوع الثالث قال أحد المستشارين إن الصفعتين لا تشكلان اختبارا حقيقيا لقدرة الناس على الاحتمال. لأن صفعات الوجه لا تشعر المواطنين بالمهانة بشكل كافٍ، ولكن تلك المهانة تختبر حقا حين يضرب المرء على قفاه أيضا. وهو يعزز اقتراحه أضاف أن الإضافة التي اقترحها إذا نفذت مع بداية الصيف وكثافة المرور فوق الجسر، يمكن أن تشكل قياسا نموذجيا لقدرة الناس على الصبر والاحتمال، ولمدى تجاوبهم مع القرارات السيادية.

نوقش الاقتراح مطولا، ثم تمت الموافقة عليه، وأبلغت اللجنة المختصة بتنفيذه، تكرر السيناريو ذاته. استغرب قائدو السيارات وتمنعوا في البداية. وحين أدركوا أن أحدا لن يمر إلا بعد أن يتلقى الصفعتين مضافا إليهما ضربة القفا، استسلموا واحدا تلو الآخر، وهو ما تكرر في الأيام التالية، حتى حلت عطلة نهاية الأسبوع، وزادت حركة السيارات على الجسر، وحينئذ احتج أصحاب السيارات وتصايحوا غاضبين، وطالبوا بحضور رئيس اللجنة لمناقشته ورفع شكايتهم إليه.

وحين جاءهم الضابط الكبير واستمع إلى كلامهم، فإنه أبرق إلى الجهات العليا قائلا إن التعليمات تنفذ حرفيا، لكن أصحاب السيارات الذين لم يتخلوا عن تجاوبهم مع القرار احتجوا على بطء الإجراءات فى أوقات الذروة، وهم يطالبون بزيادة عدد اللجان التى تقوم بالصفع والضرب على الأقفية. رجاء الموافقة، خصوصا أن العبء أصبح أثقل من أن تنهض به لجنة واحدة.

(ملحوظة: للأمانة العلمية والتاريخية، أشير الى أن للنكتة روايات متعددة بعضها يخدش الحياء العام، لكننى اخترت أكثر الروايات تأدبا واحتشاما).

صحيح إن النكتة مصرية صرفة، لكنها مناسبة تماما للوضع العربي أيضا.

................

Delete this element to display blogger navbar