Subscribe:

Ads 468x60px

30 يونيو، 2009

أزمة إيران من الأرصفة إلى الأروقة - المقال الأسبوعى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 7 رجب 1430 – 30 يونيو 2009
أزمة إيران من الأرصفة إلى الأروقة- فهمي هويدي – المقال الأسبوعى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_30.html


صحيح أن الشارع هدأ فى طهران، لكن تداعيات الأزمة انتقلت من الأرصفة إلى الأروقة، مخلفة فى الفضاء الإيرانى، وفى المنطقة بأسرها، أسئلة كثيرة تبحث عن تفسير لما جرى وتقدير لما سيجرى.

١

هذه الأيام لن تعدم أصواتا تسمع فى شمال طهران عندما يحل الظلام تطلق الهتاف «الله أكبر»، وقد يتجاوب معها آخرون مرددين الهتاف ذاته، وربما أضاف البعض كلمات أخرى تقول (مرك بر خامنئى، أى الموت لخامنئى»، وهو ما يتلقفه المراسلون الأجانب فى تقارير قرأتها، لكى يدللوا به على أن جذوة التمرد على النظام والانقلاب عليه لم تهدأ، والخبر صحيح لا ريب، لكن تأويله فيه من التمنى بأكثر مما فيه من قراءة الواقع، لأن شمال طهران هو عالم الأثرياء والقادرين الذين ظل أغلبهم معارضين للثورة ونافرين منها ومتصيدين لها منذ قامت قبل ثلاثين عاما، مثل هذه الهتافات لا تسمع فى الأحياء الشعبية فى جنوب طهران، ولا أثر لها فى طهران الكبرى التى تضم عشر مدن ونواحٍ (طهران إسلام شهر ــ دماوند ــ رى ــ فيروزكوه ــ شهريار ــ كرج ــ رباط كريم.. إلخ).

لا أستبعد أن تكون القراءة المغلوطة لما شهدته طهران قد أسهمت فى إشعال نار الغضب الذى رأيناه، لأن النخبة تعارفت كما ذكرت قبلا على اعتبار مدينة طهران مرآة المزاج الإيرانى وبوصلته، الفائز فيها يحسم الأمر ويصبح فائزا فى كل إيران، وهذا ما حدث فى الانتخابات الأخيرة، فقد فاز مير حسين موسوى على أحمدى نجاد بثلثى الأصوات فى المدينة، لكن الموقف تغير حين تم فرز أصوات طهران الكبرى بمدنها العشر، إذ تفوق الثانى على الأول بمائتى ألف صوت، ولهذا فحين يقول أنصار موسوى إنه فاز بثلثى الأصوات فإنهم يسجلون حقيقة وقعت بالفعل، لكنهم حين يعممون النسبة على بقية مدن الإقليم، أو على بقية الأقاليم الإيرانية الثلاثين فإن ذلك يصبح بداية الخطأ فى الحساب، الأمر الذى يضع يدنا على شرارات الغضب الأولى.

لقد كان سكان الأحياء الشعبية والمناطق النائية هم الكتلة التصويتية التى رجحت كفة أحمدى نجاد، وهو ما يدفعنى إلى عدم التسليم بدعوى تزوير نتائج الانتخابات، لأن فارق الأصوات بين أحمدى نجاد وموسوى 12 مليون صوت لصالح الأول، وتزوير تلك الأصوات فى أكثر من 46 ألف لجنة انتخابية، وفى ظل وجود مندوبين للمرشحين أمر ليس سهلا، وهو يحتاج إلى قرار مركزى من المرشد السيد على خامنئى، وتلك خطوة إذا تمت فإنها تعد مغامرة كبرى من جانبه تهدد نزاهته وعدالته، فضلا عن أن الرجل لم يلجأ إلى هذا الأسلوب طوال العشرين سنة الماضية ــ هذا لا ينفى بالضرورة احتمال اللعب فى الفرز فى بعض الدوائر بسبب ضغوط محلية أيا كان مصدرها (كما حدث فى حالة بوش وآل جور مثلا)، لكن ذلك اللعب يتعذر له أن يحدث الفرق الكبير بين الرجلين، لكن يبدو أن التعبئة الإعلامية الهائلة التى أثارت مسألة التزوير، والتى أسهمت فيها أجهزة الإعلام الخارجية بدور كبير ومثير، نجحت فى أن تحول الادعاء إلى مسألة مسلم بها ومفروغ منها.

2

من هؤلاء الذين خرجوا فى المظاهرات؟ لا مفر من الاعتراف بأن هذه المرة الأولى منذ قيام الثورة التى تنطلق فيها مظاهرات بهذا الحجم معبرة عن الغضب والاحتجاج على الحكومة والمرشد، صحيح أن جامعة طهران شهدت مظاهرات قوية فى عام 99، أثناء رئاسة السيد محمد خاتمى، هتف فيها الطلاب ضد المرشد وهم يطالبون بمزيد من الحريات، ولكن تلك المظاهرات اقتصرت على الطلاب وتم احتواؤها حينذاك.

فيما يتعلق بما جرى هذه المرة، فإنه يتعذر تصنيف جميع المتظاهرين تحت عنوان واحد، وإن ظل «الغضب» يمثل قاسما مشتركا بينهم، سواء كان غضبا للبعض من النتيجة التى أسفرت عن خسارة موسوى، أو غضبا من الضغوط السياسية التى تضيق بها صدور الشباب الذين يتطلعون إلى توسيع هامش الحريات العامة، علما بأن نسبة غير قليلة من أولئك الشبان ولدوا بعد الثورة ولم يعيشوا عهد الشاه. وقيل لى إن منهم من لم يقتنع بأسباب اشتباك بلادهم مع السياسة الأمريكية. ثمة آخرون غاضبون من وطأة الغلاء وقسوة أعباء المعيشة أو البطالة.

وهناك مجموعات أخرى ليبرالية تعارض فكرة ولاية الفقيه وتسعى إلى إعادة النظر فى الأسس الدستورية للجمهورية، وفيما علمت فقد تبين فى وقت لاحق أن عناصر سنية وعربية وكردية قومية نشطة اشتركت فى المظاهرات، بعدما جذبتها وعود السيد موسوى التى ركزت على إعطائهم مزيدا من الحقوق، والذى لا شك فيه أن ضغوط الخارج كان لها دورها فى تأجيج الغضب وإشاعته. والخارج الذى أعنيه يتراوح بين المعارضين الإيرانيين وأنصار النظام السابق، الذين سلط عليهم الإعلام الغربى أضواءه القوية، وبين أوساط المخابرات الغربية التى ألقت بثقل كبير فى عملية التحريض ومحاولة تفجير الموقف فى الداخل. لذلك فإنها لعبت دورا نشطا فى تصعيد وتشجيع الحركة الاحتجاجية، سواء بواسطة دس العملاء أو من خلال حملة التعبئة والتشبيك واسعة النطاق التى استخدمت أحدث تقنيات الاتصال «تويتر ــ فيس بوك ــ يوتيوب». وهى الحملة التى توازت مع إطلاق سيل البرامج المقدمة باللغة الفارسية التى شرعت الإذاعات والفضائيات الغربية فى تقديمها فى اليوم التالى مباشرة لإجراء الانتخابات وقبل إعلان نتائج الفرز رسميا.

هذه الخلفية تسوغ لى أن أقول إن نتائج الانتخابات لم تكن السبب الوحيد لخروج المظاهرات، وإنما كانت المناسبة التى استدعت هذه الفئات جميعها إلى الشارع ــ ولذلك يتعذر اعتبار تلك المظاهرات قرينة لا على اتساع نطاق المقتنعين بتزوير الانتخابات، كما يتعذر اعتبارها معيارا لقياس حجم المؤيدين لمير حسين موسوى.

3

لأن المرشحين الثلاثة الذين نافسوا أحمدى نجاد «موسوى ــ كروبى ــ رضائى» من أبناء الثورة الشرعيين فقد اطلقت شائعة فى قم اتهمت أحمدى نجاد الذى هو من جيل لاحق بأنه من جماعة «المهدويين» الذين يسعون إلى تخريب الثورة، لعدم اقتناعهم بولاية الفقيه، وتمسكهم بانتظار الإمام المهدى الغائب. وهى جماعة نشطت بعد قيام الثورة، ولكنها لوحقت حتى اختفت ولم يعد لها دور يذكر منذ ربع قرن. الذين أشاعوا الحكاية أرادوا فيما يبدو أن يؤلبوا الحوزة العلمية على أحمدى نجاد، ويدفعوا أركانها إلى الانقلاب عليه. وهى الحيلة التى نجحت فى خمسينيات القرن الماضى عقب انقلاب رئيس الوزراء محمد مصدق على الشاه، حين اتهمه اثنان من الصحفيين بأنه من أعضاء الحزب الشيوعى. وأدى الترويج للتهمة إلى انقلاب فقهاء قم وعلى رأسهم آية الله كاشانى المرجع الكبير على الرجل، وسحب تأييدهم له، مما ترتب عليه سقوطه وعودة الشاه من منفاه خارج البلاد.

يقول البعض فى طهران إن انتشار الشائعة كان أحد الأسباب التى شجعت السيد على خامنئى على أن يلقى خطبة الجمعة يوم 19/6 التى أعلن فيها تأييده لأحمدى نجاد، وهو ما اعتبر تكذيبا لدعوى انتمائه إلى «المهدويين»، حيث لم يكن معقولا أن يؤيد مرشد الثورة عضوا فى جماعة تسعى إلى تخريبها.

ليس معروفا مصدر الشائعة، وإنما دلالتها هى المهمة. ذلك أن الأضواء سلطت منذ إعلان نتائج الانتخابات على المتظاهرين فى الشارع الإيرانى، لكن التفاعلات الحاصلة فى دوائر صناعة القرار، خصوصا المراجع والفقهاء، لم تنل حظها من الاهتمام، وقد بدأت تلك التفاعلات تطفو على السطح حين هدأت المظاهرات، وبدا واضحا أن كل طرف لا يريد أن يتزحزح عن موقفه (مجلس صيانة الدستور رفض دعاوى التزوير وفكرة إعادة الانتخابات وموسوى وكروبى يتمسكان بطعنهما فى النتائج ويطالبان بالإعادة)، وهو ما استدعى تدخل طرف ثالث للبحث عن مخرج من الأزمة.

ضاعف من أهمية تدخل الطرف الثالث أن الانقسام وصل إلى صلب المؤسسة الدينية، حيث أصبح بعض المراجع يؤيدون مير موسوى، فى حين أيد البعض الآخر أحمدى نجاد، الأمر الذى يعنى أن الانقسام انتقل من الشارع إلى النخبة، ومن المجتمع إلى السلطة صاحبة القرار. وهذا وضع لا سابقة له فى تاريخ الثورة الإسلامية.

من البداية التزم بعض مراجع قم الصمت إزاء ما جرى، وكان ذلك موقفا غير مألوف، وحين سألت عن السبب فى ذلك، قيل لى إن الصامتين هم المعارضون لأحمدى نجاد، ولكنهم فضلوا عدم الإعلان عن مواقفهم، لأنهم لا يريدون أن يظهروا فى العلن خلافهم مع المرشد الداعم له. الوحيد الذى جهر بموقفه كان آية الله منتظرى المعروف بنقده المستمر للأوضاع القائمة. أما الآخرون من أمثال آيات الله نورى همدانى ويوسف صانعى وموسوى اردبيلى وغيرهم فلم يتكلموا بشىء، وحمل سكوتهم على أنه من علامات عدم الرضا.

المعلومات المتوافرة تشير إلى أمرين،
أولهما أن العلماء والشخصيات من ذوى العلاقة الحسنة بالطرفين يواصلون السعى بين الجانبين للتوصل إلى مخرج سياسى يهدئ من الأوضاع ويحتوى الانقسام الراهن. ويؤدى الشيخ هاشمى رفسنجانى دورا محوريا فى هذه الاتصالات، ذلك أنه محسوب حقا على مجموعة مير موسوى، إلا أنه على تفاهم جيد مع السيد خامنئى. وفى هذا السياق يذكر أيضا أن رئيس لجنة الأمن القومى بمجلس الشورى، الدبلوماسى السابق علاء البروجردى ببذل جهدا موازيا فى الوساطة،
أما الأمر الثانى فهو أن الكلام كله يدور فى حدود ضرورة الالتزام بالقانون والعمل من خلال مؤسسات الدولة فى أى محاولة لتجاوز الأزمة، «رفسنجانى تدخل علنا لأول مرة، وأصدر بيانا بهذا المعنى يوم السبت الماضى (27/6) باسم مجمع تشخيص المصلحة».

٤

لا أحد يستطع أن ينكر أن ما حدث أثر على صورة النظام فى الخارج، وربما دفع الدول المشتبكة مع إيران إلى المراهنة على أوضاع وقوى فى الداخل يمكن استثمار موقفها فى ممارسة الضغوط على السلطة. بالمثل فإن أحدا لا ينكر أن التعبئة واسعة النطاق التى حدثت والإشارات التى أرسلت إلى المتظاهرين موحية لهم بأن الخارج يقف معهم ويؤازرهم، هذه التعبئة سلحت العناصر المحركة للمظاهرات بمزيد من الجرأة على النظام وعلى الولى الفقيه. بذات القدر فإن الشرخ الذى حدث فى صف النخبة ــ والعلماء بوجه أخص ــ أصبح يحتاج إلى حكمة شديدة ووقت طويل لعلاجه وإعادة لحمته.

على صعيد آخر، فثمة أوضاع داخلية عدة باتت بحاجة إلى إعادة نظر، فقد أبرزت الأزمة الحاجة الملحة إلى تقنين الأحزاب السياسية، لأن الأوراق اختلطت وتداخلت بحيث لم يعد يعرف من هم الإصلاحيون ومن هم المحافظون، علما بأن كل فريق يضم ما بين 10 و15 مجموعة، وكان واضحا أثناء الانتخابات أن الناس يصوتون لأشخاص وليس لأحزاب وبرامج سياسة، موسوى ليس له حزب، وكروبى استعان بجماعة رفسنجانى «كوادر البناء» لكى يقوموا بحملته، رغم أن له تجمعا صغيرا باسم «اعتماد ملى» (إرادة الأمة)، من ناحية أخرى فإن أسباب الغضب الذى تستشعره بعض الفئات ــ خصوصا قطاع الشباب ــ تحتاج إلى علاج.

أكرر أننا نتحدث عن الشأن الداخلى الإيرانى، فنفتح ملفات ونخوض فى أمور لا نستطيع أن نتطرق إليها فيما يخص أقطارا عربية أخرى، ومنها ما لا يجرؤ مواطنو الدولة أنفسهم على الحديث فيها. لكن أهمية التجربة الإيرانية ومواقفها الشجاعة فى مواجهة الهيمنة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلى، جعلت الشأن الإيرانى برمته شاغلا للجميع.

استوقفنى فى السياق الذى نحن بصدده مقال كتبه باتريك سيل الكاتب البريطانى المتخصص فى شئون الشرق الأوسط، قال فيه إنه لا يسع أحد الآن أن يصدق أن ذلك المجتمع الناضج والحى والشفاف الذى يناضل من أجل العدالة والديمقراطية يرغب فى أن يسيطر على الشرق الأوسط.. وعوضا عن أن تكون إيران مصدر خوف، قد تصبح مصدر وحى للشعوب فى الشرق الأوسط التى تعيش معظمها فى ظل أنظمة سياسية مستبدة ومتحجرة (الحياة اللندنية ــ 264/6) ـ
ـ ما رأيكم دام فضلكم؟.
....................

28 يونيو، 2009

الفهلوة وحدها لا تكفي

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 6 رجب 1430 – 29 يونيو 2009
الفهلوة وحدها لا تكفي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_28.html


حين قالت وزيرة القوى العاملة في مصر إنها تخوض حربا مع رجال الأعمال للحد من العمالة الآسيوية، فإنها كانت تعبّر عن نمط التفكير البيروقراطي، بأكثر مما تعبّر عن التفكير العملي والبراجماتي.

وإذ أفهم أن تكون حماية العمالة المصرية من مسؤوليات وزارة القوى العاملة، فإن هذه الحماية المفترضة لا تكون فقط بالإجراءات، وإنما تصبح فعالة أكثر إذا لجأت إلى رفع الكفاءة وتحسين القدرات. ذلك أن رجال الأعمال حين يلجأون إلى استقدام العمالة الأجنبية، الآسيوية أو غيرها، فإنهم لا يفعلون ذلك من قبيل الوجاهة والتباهي بأنه حتى العمالة عندهم مستوردة من الخارج، ولكنهم يلجأون إلى ذلك لأنهم يجدون في تلك العمالة ما يفتقدونه في مصر، وما يضيف إليهم شيئا أو أشياء لا توفرها العمالة المصرية.

وقبل أن استرسل في شرح وجهة نظري أنبه إلى أننى مع الوزيرة في موقفها وهدفها، ولكنني مختلف معها في الأسلوب الذي تخيّرته لبلوغ ذلك الهدف، ذلك أننا إذا تتبعنا تاريخ وجود العمالة الأجنبية في مصر، فسنجد أن استقدام الخبراء الأجانب كان عنصرا حاضرا على الدوام، من الصناعة إلى أطقم التحكيم في مباريات كرة القدم. ولكن دخول العمالة إلى البلاد أمر حديث نسبيا، بدأ بالعمالة المنزلية، وانتهى بالعمالة في المجالات الصناعية والمعمارية، وسيظل مثيرا للدهشة ولا ريب أن يحدث ذلك في بلد يعجّ بملايين العاطلين، الأمر الذى يعني أنه لا يوجد نقص في الأيدي العاملة، وإنما هناك مشكلة في كفاءة العامل ومهاراته. إن شئت فقل إن المفارقة تدل على أن هناك فشلا في استثمار الموارد البشرية المتاحة، دفع رجال الأعمال إلى توفير المهارات المطلوبة من مصادر بديلة في الدول الآسيوية.

قال لي صديق يملك مصنعا كبيرا للمنسوجات ويصدر جانبا كبيرا من إنتاجه لحساب بعض الشركات العالمية، إنه طلب استقدام 150 عاملا فنيا من بنجلاديش للاستعانة بهم في توسعاته والوحدات الإنتاجية الجديدة التي قرر تشغيلها، وسمعت كلاما مشابها من صاحب مصنع أدوية، وثالث يملك مصنعا للمسبوكات. حين سألت عن سبب لجوئهم إلى جلب عمال من الخارج قالوا إنهم بذلك يضربون عصفورين بحجر واحد: فمن ناحية يحصلون على مهارات فنية غير متوافرة في السوق المصرية، ومن ناحية ثانية يطمئنون إلى مستوى الانضباط والدقة في العمل، تكرر هذا الرد على مسامعي أكثر من مرة، حتى وجدت ما يشبه الإجماع على أن العمالة المصرية تعاني من عيبين أساسيين هما: نقص المهارة، والتراجع في قيم العمل وأخلاقياته.

سمعت امتداحا لذكاء العامل المصري وسرعة تعلمه وبديهته، وقدرته على «الفهلوة». كما سمعت انتقادا لتواكله وفرديته التي تعطل العمل الجماعي، وتساهله في إتقان العمل ومواعيده، وحرصه على أن يأخذ بأكثر مما يعطي. وفي رأي رجال الأعمال أن تلك النقائص أكثر ظهورا في محيط الأجيال الجديدة من العمال، وهي الأجيال التي أفرزها المناخ السائد في مصر الذي شهد تحوّلات كبيرة في منظومة القيم الاجتماعية، وكان السلبي منها أكثر من الإيجابي.

إذا صحت هذه المعلومات، فهي تعني أن كفاءة القوى العاملة في مصر تتراجع، الأمر الذي يدفع أصحاب الأعمال إلى محاولة تكملة النقص من خلال العمالة الأجنبية، ويؤدي في الوقت ذاته إلى تراجع سوق هذه العمالة في العالم العربي. وهي الظاهرة التي برزت بوضوح خلال السنوات الأخيرة، في منطقة الخليج بوجه أخص.

هذه الخلاصات تعني أيضا أن الحد من العمالة الآسيوية لا يتحقق بقرار تصدره وزيرة القوى العاملة، أو بعقبات تضعها أجهزة الدولة الأخرى، علما بأن هناك ما لا حصر له من الثغرات التي تسمح بالالتفاف على هذه القرارات وإبطال مفعولها، لكن هذا الهدف يمكن تحقيقه عن طريق علاج أسباب العزوف عن العمالة المصرية بالارتقاء بها وإعادة تأهيله، وهذه مهمة ينبغى أن تكون ضمن أولويات وزارة القوى العاملة والنقابات العمالية،

ذلك أن البشر يمكن أن يتحوّلوا إلى ثروة كبرى إذا أحسن استثمار طاقاتهم،
وكارثة كبرى إذا تحوّلوا إلى كمّ خامل وعاجز عن العطاء ويعول على «الفهلوة» أكثر من تعويله على المهارة.
.....................

27 يونيو، 2009

الأطباء حين يفتون

صحيفة الرؤيه الكويتيه الأحد 5 رجب 1430 – 28 يونيو 2009
الأطباء حين يفتون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_1397.html


«أجمع المسلمون قاطبة على أن من غلب على الظن إفضاء خروجه إلى الحج إلى تعرضه أو تعرض طوائف من المسلمين للغرر والخطر، لم يجز له أن يغرر بنفسه وبذويه، ومن يتصل به ويليه، بل يتعين عليه تأخير ما ينتحيه (يبتغيه)، إلى أن يتحقق تمام الاستمكان فيه».

هذه الفقرة مقتبسة من فتوى صدرت قبل ألف عام تقريبا، لأحد الأصوليين الكبار «أبوالمعالي الجويني إمام الحرمين المتوفى سنة 419 هجرية»، وقد وردت في ثنايا كتابه «غياث الأمم»، الذي حققه الدكتور عبدالعظيم درويش، ولم يكن مضمون الفقرة هو موضوع الفتوى، ذلك أنه وهو يتحدث عن عدم جواز الخروج إلى الحج إذا أدى ذلك إلى تعريض المسلمين للخطر، إنما أشار إلى أن ذلك ما أجمع عليه «المسلمون قاطبة»، الأمر الذي يعني أنه لم يأت بجديد فيما قرره واعتبره أمرا مفروغا منه، ولكن إشارته تلك جاءت في سياق فتوى أصدرها بخصوص اعتزام خليفة المسلمين في زمانه أداء فريضة الحج وقال فيها: إن كان ما صمم صدرالإسلام «الخليفة أو الحاكم» عليه الرأى والاعتزام، من ابتغاء تلك المشاعر العظام- يقصد أداء فريضة الحج- متضمنة قطع نظره عن الخليقة، فهو محرم على الحقيقة.

وهو كلام أفتى فيه إمام الحرمين بتحريم سفر ولي الأمر إلى الحج إذا ترتب على ذلك غيابه عن قضاء مصالح الناس ووقف حالهم، وهو يعرض حيثيات فتواه أورد الفقرة التي أشرت إليها في البداية، واستدل بها قائلا إنه إذا كان لا يجوز لعامة المسلمين الخروج لأداء فريضة الحج إذا كان من شأن ذلك تعريضهم للخطر، فأولى بذلك أن يحرم على الحاكم أن يخرج إلى الحج إذ أدى ذلك إلى إهدار مصالح المسلمين، حيث لا يجوز له «أن يقدم نسكا يخصه، على القيام بمناظم الإسلام ومصالح الأنام».

استعدت كلام الإمام الجوينى بمناسبة اللغط المثار هذه الأيام عن جواز الحج والعمرة، في ظل انتشار بعض الأوبئة مثل إنفلونزا الخنازير أو الطاعون، وهو الموضوع الذي تعددت فيه آراء الفقهاء، بين مؤيد لخطر السفر ومعارض له ومتحفظ إزاءه، وهو ما استغربت له، لأن الحكم الشرعي في الموضوع واضح، ولا يحتاج إلى فتوى بخصوصه، وقد رأيت في كلام الجويني الذي قاله قبل ألف عام إنه محل إجماع بين المسلمين قاطبة،

أما تنزيل ذلك الحكم على الواقع، وتقدير ما إذا كان الموقف يستوجب استصدار قرار تنفيذي بوقف الحج والعمرة هذا العام، فإن أهل الذكر فيه ليسوا رجال الإفتاء وعلماء الأصول، وإنما هم المتخصصون من أساتذة الطب وعلمائه، الذين هم «فقهاء» في تخصصاتهم، وللعلم فإن الفقيه في المفهوم الإسلامي ليس فقط من درس العلوم الشرعية وتخصص في الأصول، وإنما هو أيضا كل من حسن إسلامه وتعمق أو تفقه في أي فرع من فروع المعرفة، ذلك أن الأطباء وحدهم هم الذين يستطيعون أن يحددوا ما إذا كان السفر إلى الحج والعمرة فيه خطورة أم لا، وهم أيضا الذين يحددون ما إذا كان إغلاق الحدود ضروريا أم لا، وخوض الأصوليين وأهل الإفتاء في الموضوع هو حديث في غير اختصاصهم، واعتداء على اختصاص الآخرين.

بسبب ذلك، فإنني أعتبر أن الفتوى الحقيقية التي ينبغي اعتمادها في الشق العملي والإجرائي للموضوع تضمنها البيان الذي أصدرته نقابة الأطباء في مصر يوم الأربعاء الماضي 24/6، وقررت فيه أنه لا ضرورة علمية أو صحية لإلغاء رحلات الحج والعمرة هذا العام بسبب فيروس إنفلونزا الخنازير، وهو ما خلصت إليه بعدما استطلعت آراء الأطباء المتخصصين في علم الميكروبيولوجيا الإكلينيكية، الذين اتفقت كلمتهم على أن فكرة الإلغاء لهذا السبب في العام الحالي تعد إجراء علميا غير صحيح.

وإذا كان ذلك شأن إنفلونزا الخنازير، فإن جميع الاحتياطات التي ينبغي اتخاذها في التعامل مع الطاعون الذي لاحت بوادره في ليبيا ينبغي أن نسأل عنها نقابة الأطباء،
وفي كل الأحوال فإننا سنظل بحاجة إلى دعاء فقهائنا وسؤالهم الله أن يرفع عنا البلاء أو يلطف بنا فيه.
...........................

إنفلونزا الإسفاف اللفظي

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 4 رجب 1430 – 27 يونيو 2009
إنفلونزا الإسفاف اللفظي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_27.html


تلقيت رسالة مسكونة بالاستهجان والغضب من قارئة «صُدمت» حينما تابعت التعليقات غير اللائقة التي صدرت أثناء مناقشة البرنامج التلفزيوني «القاهرة اليوم» لما نسب إلى المنتخب المصري لكرة القدم من ممارسات ليلة فوزه على إيطاليا.

قالت صاحبة الرسالة إن شعورا بالقرف والخجل انتابها حين تابعت مع أولادها حلقة البرنامج، لأن المفردات والمصطلحات التي استخدمت في الحوار الذي دار حول الموضوع هبطت بمستواه وجاءت جارحة للذوق والحياء العام. هذا الانطباع سمعته من آخرين أعرفهم، لكنني لا أخفي أنني لم أفاجأ به كثيرا. صحيح أن دائرة الاستياء كانت كبيرة لأن البرنامج واسع الانتشار ومقدمه ذائع الصيت، لكنني تعاملت مع الواقعة باعتبارها من تجليات ظاهرة التدهور في الأداء الإعلامي بوجه عام.

ويحزنني أن أقول إن ذلك التدهور يعكس تدنيا مماثلا في لغة التعامل والحوار في مجالات أخرى. وقد وقعت على رسم كاريكاتوري معبر عن هذا المعنى نشرته صحيفة «الوفد» يوم الأربعاء الماضي 6/24، ظهر فيه مراسل إذاعي وهو يخاطب مقدم برنامج «القاهرة اليوم» قائلا له: يبدو أنك من المواظبين على متابعة جلسات مجلس الشعب التي عقدت في الآونة الأخيرة (وهي الجلسات التي تبادل فيها بعض أعضاء المجلس عبارات غير لائقة في التراشق اللفظي فيما بينهم).

إذا جاز لي أن أضيف شيئا إلى ذلك التعليق، فلعلي أقول إن صاحبنا ربما كان أيضا من مشاهدي الأفلام السينمائية الجديدة الحافلة بالعبارات النابية، ومن الحريصين على قراءة الصحف اليومية، التي أصبح بعضها مدرسة تلقن الناس أساليب الإسفاف والانحطاط في التعامل مع المفردات والمعاني. ولست أخفي من جانبي أن الصدمة التي استشعرتها القارئة حين جرحت أذنيها الكلمات التي سمعتها في البرنامج التلفزيوني، باتت تنتابني حين تقع عيناي على لغة الحوار بين الزملاء المشتبكين في بعض الصحف. ومما له دلالته في هذا الصدد أن من بين تلك الصحف ما هو محسوب على أجنحة الحزب الحاكم ورموزه، الأمر الذي يعني أن تلك اللغة الهابطة تحظى بالقبول والمباركة من بعض قيادات الحزب على الأقل.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، لأننا إذا وسعنا من زاوية الرؤية، بحيث لا يقتصر تركيزنا على ما تتداوله وسائل الإعلام رغم أنها الأكثر ظهورا والأقوى تأثيرا فستكون المفاجأة أكبر. فإذا تابعنا مثلا مستوى الحوار والتراشق اللفظي السائد في الجمعيات العمومية لبعض النقابات المهنية أو النوادي الرياضية، أو حتى بعض المؤسسات الاقتصادية، فسوف نكتشف أن البلاء أعم كثيرا مما نتصور، وإذا استخدمنا مفردات المرحلة فذلك يسمح لنا بأن نقول إن «إنفلونزا الإسفاف اللفظي» قد توطنت في مصر خلال السنوات الأخيرة. وما سمعه البعض في البرنامج التليفزيوني وما يصادفهم في غير ذلك من مجالات العمل العام هو مجرد أعراض لذلك الوباء، الذي استنبتناه في الداخل ولم يفد إلينا من الخارج.

هل نذهب بعيدا إذا قلنا إننا بصدد ظاهرة تداخل فيها الفلتان مع التحلل، أسفرت عن غياب الضوابط وانهيار تقاليد وآداب الخطاب؟.. وهل يجوز لنا أن نقول إن انقطاع سبل الحوار الرشيد بين السلطة والمجتمع، وبين فئات المجتمع بعضها مع بعض أسهم في ذلك التدهور؟.. وهل نذهب في تفسير الظاهرة مذهب عبدالرحمن الكواكبي في كتابه عن «طبائع الاستبداد» حين حمّل الاستبداد المسؤولية عن التدهور الذي يصيب علاقات الناس وأخلاقهم؟

يحتاج الأمر إلى دراسة معمقة. ربما اهتدينا فيها بمقولة ابن حزم إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال، الأمر الذي يدفعنا إلى سبر أغوار المشكلة. بما يمكننا من البحث عن حقيقة الذي اعوج في حالنا حتى اعوجت ألسنتنا وتدهور مستوى خطابنا، حتى صرنا نخجل من أنفسنا.
....................

25 يونيو، 2009

3 أسئلة أميركية

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 2 رجب 1430 – 25 يونيو 2009
3 أسئلة أميركية - فهمى هويدى
سألني مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الذي جاء إلى القاهرة ليتابع صدى أحداث إيران الأخيرة فيها، بماذا تفسر سكوت العواصم العربية إزاء تلك الأحداث، رغم أن بعضها مشتبك مع طهران ومخاصم لها؟ قلت إن الصمت ليس تاما، وإن الإعلام العربي خصوصا في مصر والسعودية قام باللازم، وبعض منابر الإعلام ليست بعيدة تماما عن السياسة، ويستطيع أي قارئ أن يرصد تعالي نبرة الهجاء والشماتة والتحريض فيما تنشره بعض الصحف وتبثه بعض الفضائيات. مع ذلك يظل السؤال صحيحا إذا انصب على التعبير الرسمي والمباشر الذي أحجمت عنه العواصم المذكورة، التي يعرف الجميع أنها كتمت ترحيبها بالاضطرابات التي حدثت في طهران، وهذا الكتمان له ما يبرره، ذلك أن الضجة أثيرت في إيران عقب الانتخابات الرئاسية، التي شكك غير الفائزين في نتيجتها، وطعنوا فيها بالتزوير. وذلك يحرج دولا عربية لم تعرف الانتخابات أصلا ودولا أخرى لا تتم فيها الانتخابات بغير تزوير، وفضلا عن هذا وذاك فإن الاحتجاج على النتائج تم من خلال المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع واشتبكت مع الشرطة وعناصر «الباسيج». وهذه ملابسات تجعل الحكومات العربية التي سرها ما حدث أن تتردد كثيرا في تأييد المحتجين، لأن من شأن ذلك أن يفتح أعين مواطنيها على أمور يتم تجاهلها وحظرها في بلدانهم. ومن حقهم إذا وجدوا أن حكوماتهم أيدت في العلن المتظاهرين ضد النظام أن يتساءلوا لماذا كل ذلك حلال على الإيرانيين وحرام علينا. لذلك كان الصمت الرسمي حلا لهذه الاشكالات.
سألني صاحبنا بعد ذلك هل تتوقع أن يكون لما جرى في إيران صدى في مصر، بحيث يتحرك الشارع محتجا إذا حدث أي تلاعب في الانتخابات التي يتم الإعداد لها الآن؟ قلت إن الشيء الوحيد الذي أتوقعه أن يتم التلاعب في نتائج الانتخابات، التي يتداول المهتمون بالشأن السياسي بعض نتائجها من الآن. على الأقل، في الشق المتعلق بعدد المقاعد التي «ستفوز فيها» الاحزاب المختلفة. أما موضوع تحرك الشارع فهو مستبعد إلى حد كبير أولا لأن الاحزاب الشرعية مدجنة ومتفاهمة مع السلطة، وثانيا لأن التجمعات السياسية الأخرى إما أنها محدودة القدرة والفاعلية في المجتمع أو أنها مقموعة بقسوة لا تمكنها من التعبير عن أي احتجاج سلمي. أما المجتمع في إيران فوضعه مختلف نسبيا، ذلك أنه لايزال محتفظا بحيويته وعافيته وتعدديته السياسية والعرقية والثقافية. صحيح أن الشرطة وعناصر الباسيج تدخلت لوقف المظاهرات، لكن ذلك تم بعد خمسة أيام من اندلاعها، وما أوقفها ليس الشرطة ولكنها بيانات ونداءات القادة السياسيين الذين تحركوا لاحتواء الموقف. وفي كل الأحوال فإن الإجراءات البوليسية التي اتخدت هي عشر معشار ما تشهده في بلادنا التي لا يسمح فيها أصلا بخروج المظاهرات وإذا خرجت فإن النهار لا ينتصف إلا وقد تم فضها بمختلف الأساليب.
السؤال الثالث كان كالتالي: ربما لاحظت أن الرئيس أوباما كان متحفظا في الحديث عن الوضع في إيران. وفي وقت لاحق دافع عن احترام إرادة الشعب هناك، هل تتوقع أن يتبنى هذا الموقف إذا ما حدث تطور مماثل في مصر في الانتخابات المقبلة؟
في ردي قلت إن الرئيس أوباما بحاجة إلى التفاهم مع إيران لخدمة المصالح الأميركية في العراق وأفغانستان. ودفاعه الضمني عن المعارضة الإيرانية مفهوم، لأنها متعاطفة مع الغرب والولايات المتحدة ومهادنة لإسرائيل لكن موقف المعارضة الوطنية المصرية مختلف، من حيث إنها ضد النفوذ الغربي والهيمنة الأميركية ورافضة للخضوع للابتزاز والعربدة الإسرائيلية، لذلك لا أستبعد أن يكون للرئيس أوباما موقف مغاير لا يتعاطف فيه مع المعارضة المصرية إذا ارتفع لها صوت وتعرضت للقمع جراء ذلك.
كانت هذه «عينة» مما شُغل به المراسل الأميركي، والعيِّنة بيِّنة كما نقول.

24 يونيو، 2009

المشترك بين ساركوزي والملا عمر

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 1 رجب 1430 – 24 يونيو 2009

المشترك بين ساركوزي والملا عمر - فهمى هويدى

وجدت تطابقا في النظر بين الملا عمر والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فالأول فرض النقاب على النساء في أفغانستان، والثاني فرض على المسلمات خلع النقاب في فرنسا. والقاسم المشترك بين الاثنين يكمن في تبني كل منهما منطق «الإكراه»، ذلك أن الملا عمر انحاز إلى إكراه النساء على تغطية وجوههن، في حين أن الرئيس الفرنسي أراد أن يكره المسلمات على كشف وجوههن، وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد، فسنكتشف أن الاثنين يستويان في قصر النظر، وفي درجة الغباء وضيق الأفق.
لسنا بحاجة إلى أن نثبت ذلك فيما يخص الملا عمر، الذي أخذ حقه من الذم، حتى لم يعد أحد خارج أفغانستان يذكره بخير، ولكن موقف الرئيس الفرنسي هو الذي يحتاج إلى تحرير، ذلك أنه ألقى خطابا أمام البرلمان يوم الاثنين 22 يونيو الجاري شن فيه حملة عنيفة ضد النقاب، ووصفه بأنه من بقايا عصور العبودية والانحطاط. وهذا الخطاب جاء تجاوبا مع الحملة الشرسة التي شنها عدد من البرلمانيين الفرنسيين ضد ظهور بعض المسلمات بالنقاب في المدن الفرنسية، الأمر الذي اعتبروه تهديدا للعلمانية ولقيم النظام الجمهوري، وهؤلاء جزء من تيار الغلاة الذين استصدروا في عام 2004 قانون منع الحجاب في المدارس الفرنسية، باعتباره رمزا دينيا اعتبروه بدوره تهديدا للعلمانية في فرنسا.
ليس معروفا عدد المنتقبات في فرنسا التي يعيش فيها نحو ستة ملايين مسلم، لكن التقارير الصحافية تحدثت عن محدودية أعدادهن بشكل عام. مع ذلك فإن مجرد وجودهن أثار غضب نفر من البرلمانيين الذين طالبوا بحظره، أسوة بحظر الحجاب قبل خمس سنوات.
لا يستطيع المرء أن يخفي دهشته من تلك الحساسية المفرطة إزاء مظاهر السيدات المسلمات وقهرهن، في بلد تمارس فيه الحريات العامة على أوسع نطاق. ذلك أنه يظل من غير المفهوم أن يحتمل المجتمع ويبيح القانون للمرأة أن تخلع ثيابها كيفما شاءت، في حين يضيق ذرعا بتغطية النساء وجوههن.
ليس عندي دفاع عن النقاب، وأزعم أن جذوره في التقاليد الشرقية أعمق من ارتباطه بالتعاليم الدينية، ذلك أنه يظل جزءا من المظهر الخارجي للنساء في بعض دول شمال أفريقيا (الجزائر والمغرب بوجه أخص)، وفي منطقة الخليج، كما في بعض الدول الآسيوية (أفغانستان وباكستان مثلا)، لذلك فإن دفاعي عنه ينطلق من الدعوة إلى الالتزام بحرية الزي واحترام تقاليد الآخر بأكثر منه غيرة على ما يراه البعض التزاما بالتعاليم الدينية.
إننا إذا حللنا المسألة سنجد أن التذرع بالدفاع عن العلمانية لا أساس له، لأن إنجلترا بلد علماني وكذلك إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة. ومع ذلك فإن النقاب لم ينتقص شيئا من علمانيتها، لكني أذهب في إرجاع ذلك إلى عاملين رئيسيين، الأول ضيق الفرنسيين التقليدي بالتنوع الثقافي، رغم دفاعهم المستمر عن التعدد في المجال السياسي. وهذا الضيق يدفعهم دائما إلى الإصرار على تذويب الآخر واشتراط تنازله عن هويته لكي «يندمج» في المجتمع وينال «شرف» المواطنة الفرنسية. العامل الثاني يتصل بالطبيعة الخاصة للعلمانية الفرنسية المخاصمة للدين وكل ما يتصل به، وهي التي تختلف في ذلك عن العلمانية البريطانية مثلا المتصالحة مع الدين (الملكة رئيسة الكنيسة)، وهو ما ينبهنا إلى أنه بين العلمانيين أيضا متطرفون ومعتدلون، وأنه لا يكفي أن يصف المرء نفسه بأنه علماني، لأننا صرنا مدعوين إلى التحقق من طبيعة وحدود تلك العلمانية التي يدعيها البعض، لكي لا يخدعنا المصطلح ويوقعنا في شر أعمالنا.

23 يونيو، 2009

إيران إذا اعتدلت – فهمي هويدي –المقال الاسبوعي

صحيفة الخليج الاماراتيه الثلاثاء 30 جمادى الاخر 1430 – 23 يونيو 2009
إيران إذا اعتدلت – فهمي هويدي –المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_23.html

ربما كان من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يسفر عنه الموقف في إيران، رغم مضي عشرة أيام على الانتخابات الرئاسية التي جعلت طهران محط أنظار العالم بأسره. لكننا نستطيع أن نسجل ملاحظات على المشهد في جملته، حتى الآن على الأقل.

* الملاحظة الأولى، أننا بصدد لحظة فارقة في مسيرة الثورة الإسلامية. إذ من الواضح أن حجم الاحتجاج والغضب في المدن الكبرى بوجه أخص، أكبر مما بدا سواء قبل التصويت أو بعده مباشرة. وكانت المؤشرات الأولى توحي بأن الفقراء وسكان الأقاليم صوتوا لأحمدي نجاد، وأن نسبة معتبرة من الأغنياء والمثقفين والشباب والنساء من سكان المدن الكبرى صوتت لصالح مير حسين موسوي. لكن ما حدث بعد ذلك بيَّن أن ثمة انقساماً في المجتمع، تجاوز الحدود الطبقية. ووصل بدرجة أو أخرى إلى محيط رجال الدين أنفسهم. وفيما فهمت من بعض المطلعين في طهران فإن الأزمة مرشحة للتصاعد، وأنه بعد الخطاب الذي ألقاه آية الله علي خامنئي يوم الجمعة الماضي، وأعلن فيه قبوله بالنتائج المعلنة ورفضه التشكيك فيها، فإن الإصلاحيين اعتبروه طرفاً في المشكلة وليس حَكماً. ومن ثم فإنهم شددوا الحملة ضده، بحيث أصبح هو المستهدف (في صلاحياته على الأقل) وليس أحمدي نجاد. وليس معروفاً المدى الذي يمكن أن تصل إليه تداعيات هذه المواجهة، ويرجح المطَّلعون أن الأمر سوف يحسم مع نهاية هذا الأسبوع، على الأقل في حدود إعادة التماسك بين القيادات الدينية، خصوصاً بعدما امتدح خامنئي رفسنجاني في خطبة الجمعة، في ما بدا أنه استرضاء له، بعدما اتهمه أحمدي نجاد علناً بالضلوع في الفساد هو وأولاده.

* الملاحظة الثانية، أن ما يقال عن تزوير الانتخابات هناك يظل وجهة نظر الطرف الخاسر، وهو ما يحتاج إلى إثبات من قبل جهة محايدة. وإذا ما ثبت فإنه يجرِّح القيمة الأخلاقية للنظام الإيراني لا ريب. مع ذلك فلا مفر من الاعتراف بأن موقف المجتمع هناك من دعاوى التزوير أفضل كثيراً من نظيره في العالم العربي. فقد خرجت الشرائح المعارضة إلى الشارع، وظلت طوال الأيام العشرة الماضية تواصل تحديها ورفضها واشتباكها مع الشرطة. في حين أن التزوير في أقطارنا العربية أصبح قاعدة في أي انتخابات محلية أو نيابية ولا تسأل عن الرئاسية. وثمة أحكام قضائية أثبتت التزوير في بعض الأقطار، ومع ذلك فإن المجتمع ابتلعها وسكت عليها، وتعامل معها بدرجة مدهشة من “التسامح” وغض الطرف.

* الملاحظة الثالثة، أننا شهدنا هناك انتخابات حقيقية وليست “تمثيلية” انتخابية. لا أقارن بالانتخابات في إنجلترا مثلاً، لكنني أتحدث عن الانتخابات التي تجرى في كل العالم العربي، نعم هي في إيران منقوصة في أولى حلقاتها، التي يتولى فيها مجلس صيانة الدستور إجازة مرشحين وحجب آخرين. لكنها في المراحل التالية تتسم بالجدية والنزاهة النسبية. فقد تنافس المرشحون بضراوة مشهودة، وظلت السلطة محايدة بين الجميع طول الوقت. إذ قام التلفزيون بعرض مسيرة كل منهم في أفلام وثائقية على الناخبين، ونقل على الهواء المناظرات التي جرت بينهم. وهو ما وضع الرأي العام الإيراني في الصورة بشكل متوازن وجيد قبل التصويت.

* الملاحظة الرابعة، تتعلق بالموقف العربي من الحدث الإيراني. ذلك بأن من يتابع بعض الصحف والفضائيات العربية يفاجأ بأنها تبنت موقفاً يتراوح بين الشماتة والتحريض على النظام الإيراني. ولا أعرف مدى صحة ما يقال عن تدخل مخابرات دول عربية وسعيها إلى تأجيج المشاعر ضد حكومة طهران.

* الملاحظة الخامسة، متفرعة عن السابقة، ذلك أن انتقاد الإعلام العربي للوضع الراهن في إيران ردد كلام الإصلاحيين عن الأوضاع الداخلية، والعرب ليسوا طرفاً فيها. أما السياسة الخارجية التي تهمهم أكثر، فلم يعتن العرب بالخوض فيها، رغم أنه إذا كان للعرب مشكلات مع إيران فليس السبب في ذلك هو التضخم هناك أو انتشار الفساد المالي في بعض القطاعات، وإنما مصدر المشكلات المفترضة يكمن في سياسة إيران الخارجية. ومن المفارقات التي تثير الاهتمام في هذا الصدد أن حفاوة الإعلام العربي بالإصلاحيين غيّبت عنهم حقيقة مواقفهم من العرب وقضاياهم. وإذ لا يشك أحد في أن بينهم عناصر وطنية مخلصة، إلا أن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن منهم عناصر لا يستهان بها “متغربة” وأخرى متعصبة. الأولون من دعاة الالتحاق بالغرب والآخرون قوميون لهم مشاعرهم غير الودية إزاء العرب.

وبهذه المناسبة فإن الإصلاحيين في حملتهم ضد أحمدي نجاد انتقدوه في سياسته الاقتصادية وفي تعامله مع الغرب بصورة أسهمت في عزلة إيران، خصوصا حين فتح ملف “المحرقة” بغير مبرر وألّب دولاً عديدة على إيران بسبب ذلك. لكن الشق المسكوت عنه أن بعض الأصوات الإصلاحية انتقدت الرجل بسبب اتهامه بأنه كان ليِّناً أكثر مما ينبغي مع العرب.

إذ أُخذ عليه أنه أول رئيس إيراني زار دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنه حضر اجتماعاً لمجلس التعاون الخليجي في الدوحة. وهو ما كان ينبغي له أن تقدم عليه الحكومة الإيرانية التي تمثل دولة كبرى في المنطقة. (مهدي كروبي في إحدى المناظرات التلفزيونية بينه وبين أحمدي نجاد).

هؤلاء ليسوا معنيين كثيراً بما يقال عن “تمدد شيعي” في المنطقة العربية، لكنهم معنيون أكثر بنفوذ الدولة الفارسية الكبيرة. وذلك التمدد الأول مقدور عليه خصوصاً أن فرصته محدودة. أما النفوذ الذي يتحدثون عنه، فهو ما يتطلب وعياً وحذراً.

على صعيد آخر، فموقف “الإصلاحيين” من الصراع العربي -”الإسرائيلي” متطابق مع ما يسمى في خطابنا المعاصر ب”الاعتدال”. بل أزعم أنه “معتدل جداً” بالنسبة لبعضهم على الأقل. وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى شعار “إيران أولاً” الذي دعا إليه المهندس مير حسين في إحدى جامعات طهران، وإلى الانتقادات التي وجهها بعض الإصلاحيين إلى حكومة أحمدي نجاد لدعمها لحزب الله وحركة حماس في فلسطين. وهؤلاء اعتبروا تلك المساعدات تبديداً لأموال الشعب الإيراني، إلى غير ذلك من الإشارات التي تهدف إلى نفض اليد من المقاومة والقضية الفلسطينية، وتأييد التسوية السياسية الراهنة. وحجتهم في ذلك بسيطة ويمكن تسويقها بسهولة. فهم يقولون إن إيران ليست دولة عربية، وينبغي عليها ألا تزايد على جيرانها بحيث تصبح عربية أكثر من العرب.

من “المعتدلين جداً” من يذهب إلى أبعد، معتبراً أنه لا توجد دول متقدمة وقومية ولها مستقبل في المنطقة سوى إيران و”إسرائيل”. ولذلك يتعين توثيق العلاقات بينهما، لكي يصبحا قاطرة التقدم التي تخرج المنطقة من حالة التخلف التي تعاني منها. وهناك أكثر من باحث في الشؤون الاستراتيجية الإيرانية عبر عن هذا المعنى في أوراق نوقشت في اجتماعات المتخصصين في الدراسات الاستراتيجية في إيران.

* ذلك يقودنا إلى الملاحظة السادسة، إذ إن هذه الخلفية كافية في تفسير الحفاوة الغربية غير العادية باحتجاجات ومظاهرات الإصلاحيين، والمساندة المكشوفة لهم التي أعلنتها بعض العواصم الغربية، خصوصاً بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وواشنطن بدرجة مختلفة، فضلاً عن “إسرائيل” بطبيعة الحال. ذلك أنه من حق أي مواطن أن يتريب في الإجماع غير العادي من جانب تلك الجهات على تأييد وتشجيع الإصلاحيين، خصوصاً أننا تعلمنا أنه إذا رضي عنك خصومك ومن لا يتمنون لك خيراً، فذلك يعني أنك وقعت في الغلط، وحدت عن طريقك القويم.

لقد نشرت جريدة “الشروق” في زاوية البريد (يوم 18/6) رسالة لقارئة هي إيمان محمود قالت فيها: إن الرئيس أوباما وغيره من القادة الغربيين أعلنوا عن تضامنهم مع المتظاهرين، وقالوا إن الإيرانيين أحرار في اختيار رئيسهم، وتساءلت القارئة بعد ذلك عن سبب إنكار الحكومات الغربية على الفلسطينيين أنهم مارسوا حريتهم في اختيار حكومتهم في عام 2006 وعاقبوا الشعب الفلسطيني بسبب ذلك الاختيار، فقاطعوا الحكومة المنتخبة وأيدوا حصار القطاع.

هو نفاق مكشوف أضيف إليه أن الغيورين على الديمقراطية في العواصم الغربية أغمضوا أعينهم، وأصيبت ألسنتهم بالخرس حينما قامت أنظمة عربية حليفة لهم بسحق المعارضين وقمع مؤيديهم، ولجأت إلى تزوير الانتخابات على ملأ من الناس.

لقد تحدث القادة الغربيون خصوصاً رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون بلغة الوصاية والتهديد لإيران. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الآلة الإعلامية الغربية وظفت كل إمكاناتها لتحريض المتظاهرين وتأجيج نيران الغضب في طهران، وتسويق شعارات ومدونات الغاضبين وتعميمها على مختلف أنحاء العالم.

لقد أعلنت محطة الإذاعة البريطانية في غمرة الأحداث أنها استخدمت قمرين صناعيين إضافيين لتقوية إرسالها الموجه باللغة الفارسية إلى إيران. وطلب من شركة جوجل إيرث (التي تنقل خرائط الأقمار الصناعية لمختلف أنحاء العالم) أن تعمم على أنحاء الكرة الأرضية صور مظاهرات طهران التي تلتقطها الأقمار الصناعية. كما طلب من محرك بحث جوجل أن يوفر على الإنترنت ترجمة النصوص من الفارسية إلى الإنجليزية، لنقل آراء الإيرانيين الغاضبين إلى العالم الخارجي. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الخارجية الأمريكية وجهت رسالة إلكترونية إلى الشبكة الاجتماعية “تويتر” أن تؤجل خطط الصيانة المقررة لها، حتى لا تتوقف لحظة عن تمكين الإيرانيين من تبادل المعلومات سواء فيما بينهم، أو بينهم وبين العالم الخارجي. وكان ذلك رداً على قرار الحكومة الإيرانية وقف خدمة رسائل الهاتف النقال.

إن الدول الغربية وهي تلجأ إلى تلك الضغوط والأساليب لا تعبر عن أي غيرة على الديمقراطية، وليست مشغولة بهموم المواطن الإيراني، ولكنها تسعى الى تحقيق مصالحها الاستراتيجية. ومن المذهل أن يجد المرء بعض وسائل الإعلام العربية وقد تبنت ذات المواقف الغربية و”الإسرائيلية”، من دون أن تطرح المصالح العربية العليا في الحسبان. وهي كارثة مضاعفة، من ناحية لأنها تعني أنه لا توجد لدى الدول العربية استراتيجية واضحة تحدد مصالحها، ومن ناحية ثانية لأن الإعلام العربي يسهم بطريقة غبية وغير قابلة للتصديق في تحقيق الطموحات الغربية و”الإسرائيلية”. وهو ما يطرح بقوة أسئلة كبيرة عدة، بعضها يتعلق بعلاقة تلك الأبواق العربية بالسياسة في العواصم المعنية. والبعض الآخر بطبيعة الجهة أو الجهات التي توظف لصالحها تلك السياسات.

ربما كشفت أحداث طهران عن ثغرات عدة في النظام الإيراني. وفي الوقت ذاته فإنها فضحتنا حتى رأينا أنفسنا في وضع سياسي مخلٍ للغاية.
..............

22 يونيو، 2009

بين كرة القدم والسياسة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأثنين 29 جمادى الآخر 1430 – 22 يونيو 2009
بين كرة القدم والسياسة - فهمى هويدى
منتشيا بأداء المنتخب المصري لكرة القدم أمام فريق البرازيل وفوزه على إيطاليا تساءلت: لماذا حظوظنا في كرة القدم أفضل منها بكثير في السياسة؟ لا تقل لي إننا جيدون في اللعب وفاشلون في السياسة، لأنه لكي تنجح ينبغي أن تكون جادا في الحالتين، وحين حاولت أن أبحث عن إجابة للسؤال وجدت أن ثمة فروقا مهمة بين الكرة والسياسة أجملها فيما يلي:
- في كرة القدم ينبغي أن يكون اللاعب موهوبا، وذلك في بلادنا ليس شرطا في السياسي، الذي تتدخل في اختياره عوامل أخرى مختلفة، عائلية أو مالية أو علاقات شخصية، وقد تكتشف في السياسي موهبة يوما ما، لكن ذلك يظل مزية لاحقة تبرز بمحض الصدفة، وإذا لم تتحقق تلك الصدفة، فإن ذلك لا يؤثر على مكانته أو استمراره.
- الأصل في لاعب كرة القدم أن يتم اختياره بعد أن يقطع شوطا طويلا في الملعب يثبت فيه جدارته، ومن ثم يتدرج في مستوى الفرق حتى يفرض نفسه على الصف الأول، أما الأصل في السياسي عندنا فإنه يحتل مكانته إذا حالفه الحظ وخدمته الصدف السعيدة. إن شئت فقل إن اللاعب لابد أن يكون له تاريخ في الملعب، أما السياسي فلا يهم أن يكون له تاريخ، وفي أحسن فروضه فقد يكون له تاريخ في موقع آخر، وفي كل الأحوال فإنه يظل واثقا في أنه في موقعه يصنع التاريخ ويكتبه.
- اللعبة في كرة القدم لها قواعد وقوانين وخطط ينبغي أن يلتزم الفريق بها حتى يضمن الفوز، أما السياسة عندنا فهي بلا قواعد أصلا، وكثيرا ما يكون مزاج السلطان هو الفيصل في أمور كثيرة، ثم لا تنس أنه سيد قراره، بمعنى أنه من يضع القواعد والقوانين التي تناسبه
- في الكرة لابد من وجود مدرب، وهناك تدريبات يومية، ولا عذر لأحد إذا تخلف عن التدريب ما لم تكن هناك ضرورة قصوى، والمدرب هو الذي يضع اللاعب المناسب في المكان المناسب، أما في السياسة فالأمر مختلف تماما، إذ لا حاجة إلى مدرب أو تدريب، لأن الإرادة السلطانية كفيلة بكل شيء، فهي التي تحدد خطة «اللعب» وتوزيع المهام على اللاعبين، أما تحديد المناسب وغير المناسب فهو يتم من خلال انطباعات ذاتية أولا وأمنية ثانيا.
- في الكرة لا مكان لواسطة أو وراثة أو أي اعتبار آخر غير الكفاءة، في حين أن هذه المعايير المستبعدة في الرياضة أصبحت هي الأصل في السياسة، لذلك فإن أي موهوب يمكن أن يكون لاعبا كبيرا، لكن ذلك ليس حاصلا في السياسة المحصورة في شرائح بذاتها.
في الكرة والرياضة عموما يتم اللعب على المكشوف، والجمهور هو الحكم والفوز يقاس بتحقيق الأهداف، التي يراها الناس بأعينهم. أما السياسة عندنا فهي تنتمي إلى عالم الأسرار والألغاز، وأهم قراراتها تطبخ في الظلام، والجمهور يتلقى ولا يشاهد، ولا رأي له فيما يحدث، أما الفوز فوسائل الإعلام هي التي تعلنه وتسجله وتصر عليه، حتى إذا لم ير الناس له أثرا.
- ليس هناك لاعب إلى الأبد في كرة القدم أو الرياضة عموما، وكل لاعب لابد أن يعتزل يوما ما. إذا لم يتخير هو موعد اعتزاله، فإن الجمهور قادر على أن يفرض عليه ذلك. أما في السياسة، فالقائم على الأمر يصر على أن يشغل موقعه حتى آخر نفس، وعزرائيل وحده هو الذي يمكن أن يجبره على الاعتزال.
- في كرة القدم استمرار المدرب في موقعه مرهون بقدرته على الإنجاز، وفشله يفقده منصبه وإنهاء عقده، أما في السياسة فالفشل لا يرتب أي مسؤولية أو حساب وإذا كان الطالب يتعرض للفصل إذا تكرر رسوبه في الامتحان، إلا أن تكرار الرسوب في السياسة لا يرتب هذه النتيجة بالضرورة، لأن العبرة في السياسة ليست بالإنجاز أو القدرة، لكنها بقوة السند.
- في كرة القدم يقتصر دور الأمن على حراسة الملعب، أما في السياسة فالأمن هو الحكم، وأحيانا يكون وحده الذي يلعب، والله أعلم.

21 يونيو، 2009

خدمة لهم ولنا

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 28 جمادى الآخر 1430 – 21 يونيو 2009
خدمة لهم ولنا - فهمى هويدى
هذه الأيام من شهر يونيو، تشهد المدارس الابتدائية في أنحاء كندا انتخابات لتشكيل مجالس محلية للأطفال، تهتم بالشؤون البلدية في كل حي. وهذه المجالس تكون صورة طبق الأصل في التشكيل والاختصاص من المجالس البلدية العادية. وتعد بمنزلة مختبرات يتعلم فيها الطلاب أساليب العمل الجماعي المشترك وفنون الممارسة الديموقراطية والعمل العام. لتترسخ في أذهانهم قيم الانتماء والمواطنة، لعلمهم أن أولئك الصغار هم كبار الغد وقادته.
بموجب النظام الداخلي لمجالس الأطفال يحق لكل مدرسة ابتدائية أن تمثل بعدد من تلاميذها يتراوح بين 8 و12عضوا. ولا يشترط في المرشح سوى أن يكون في السنة الخامسة أو السادسة الابتدائية، وأن يتراوح عمــره بـــين 9 و10 سنوات، وأن يحصل على إذن خطي من ولي أمره، وأن يلتزم بتخصيص وقت للعمل البلدي والخدمة العامة.
المرشحون يتولون الحملات الانتخابية في مدارسهم، التي تخصص لهم أمكنة محددة للصق الإعلانات والصور والشعارات والبرامج الانتخابية. كما توفر لهم صالات لإقامة المهرجانات والندوات والمناظرات التي تجرى بعد الدوام المدرسي. وحملات الأطفال الانتخابية تبدأ قبل أسبوعين من الموعد المحدد للتصويت، وبعد أن تكون المدرسة قد نظمت من جانبها حملة لتوعية الأطفال بمهمتهم والترتيبات المفترضة للعملية الانتخابية.
بعد الاقتراع وإبلاغ البلديات الرسمية ووسائل الإعلام بأسماء الفائزين، يعقد هؤلاء اجتماعا لتشكيل المجلس البلدي المكون من رئيس ونائبه وأمين سر، أما بقية الأعضاء فيتسلمون مناصب استشارية ويوزعون على لجان بلدية مختلفة. المجلس البلدي يجتمع في دورات عادية أثناء العطل الدراسية وفيها يطرح أعضاؤه مشروعاتهم ويناقشون العقبات التي تواجههم، وتؤخذ القرارات في تلك الدورات بالأغلبية المطلقة، وفي نهاية السنة يصدرون كتابا يتضمن جردا لما حققوه، والاقتراحات المؤجلة للعام التالي. (مدة المجلس سنتان).
المهام التي يقوم بها مجلس الأطفال توزع على مجالات الخدمات العامة وتنظيم الأنشطة الرياضية والترفيهية. بعضهم يقدمون المساعدات للمرضى والمعاقين وكبار السن، ويوفرون لهم الوجبات الغذائية التي تتبرع بها مخازن التموين الكبرى. والبعض الآخر ينظمون ورشا بيئية كتنظيف مجاري الأنهار والحدائق العامة وغرس الزهور على الشوارع الرئيسية.
كما يشتركون في تنظيف الملاعب الرياضية والإشراف على أحواض السباحة. ومن المشروعات التي اقترحها الأطفال وأقرتها البلديات الرسمية وضع سلال النظافة في الأحياء الداخلية، وزيادة المقاعد في الحدائق العامة. وتخفيض أسعار بطاقات النقل العامة الخاصة بالأطفال، وتزويد المكتبات العامة بمزيد من كتب الأطفال والكمبيوتر، وتخصيص قاعات شتوية في بعض المراكز الثقافية لمزاولة النشاطات الترفيهية والرياضية وغيرها.
أرجو ألا تفهمني خطأ، وتظن أنني أعرض الفكرة لكي تعمم في بلادنا، وإنما أصارحك بأنني بعدما وجدت أن البلد خطفه أناس معينون وحولوه إلى «وقف» لمصلحتهم منذ عدة عقود، وراحوا يتعلمون فينا أساليب الحكم والإدارة (وكانت النتيجة كما تعرف)، خطر لي أن أعرض عليهم هذه الفكرة التي تتيح لهم أن يعلموا أولادهم وأحفادهم أصول اللعبة في وقت مبكر، حتى إذا كبروا وورثوا مناصبهم، عرفوا كيف يديرون البلد على نحو ربما خفف عنا البلاء وجنبنا مزيدا من الكوارث. هي خدمة لهم صحيح، لكنها خدمة لنا أيضا.

20 يونيو، 2009

اختيار صادف أهله

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 27 جمادى الآخر 1430 – 20 يونيو 2009
اختيار صادف أهله - فهمى هويدى
هذه بشارة ينبغي ألا نمررها دون أن نعطيها حقها من التقدير. ذلك أنه أعلن يوم الثلاثاء الماضي 6/16 أنه تم الاتفاق على اختيار طرابلس الليبية مقرا للتحالف العربي من أجل الديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان. وقد وقع هذا الاتفاق ممثلون عن 32 منظمة مختصة في 14 دولة عربية. وهو ما يعني أنه من الآن فصاعدا ستكون العاصمة الليبية أهم معاقل الدفاع عن الديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان في العالم العربي.
ليس في الأمر أي هزل، لأن الخبر تم بثه من خلال وكالة الأنباء الليبية ووكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، وعنهما نقلت الخبر وسائل الإعلام العربية، وهي مصادفة دالة، أن يحدث ذلك في العام الأربعين لتولي العقيد القذافي السلطة في ليبيا عام 1969، وبعد أن توافقت بعض القبائل والمجتمعات الأفريقية على تنصيبه ملكا لملوك القارة في مؤتمر حاشد عقد في ليبيا قبل أشهر قليلة. وهو اللقب الذي أصبح الأخ العقيد يعتز به، حتى ردده أمام القمة العربية الأخيرة، مذكرا بأنه أيضا إمام المسلمين وعميد الحكام العرب، وببقائه طوال تلك المدة في منصبه فإنه أصبح ثالث أقدم حكام العالم، بعد ملك تايلاند بومبيبول أدوليادج الجالس على العرش منذ عام 1946، وملكة بريطانيا الثانية التي جلست على عرش بلادها في عام 1952، وبعد الاثنين يأتي العقيد القذافي رئيس ليبيا وملك ملوك عموم أفريقيا.
طوال تلك السنوات الأربعين ظل العقيد القذافي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في ليبيا، تغيرت مواقفه وشعاراته وانتماءاته وأرديته، لكنه ظل الثابت الوحيد في الجماهيرية «العظمى»، أدري أن بيتنا من زجاج فيما يتعلق بالمدة، وإن بدرجة أقل، لكن ذلك لا يمنعنا من التعبير عن الرفض لكل صور احتكار السلطة وإدامتها. وتحويل الجمهوريات إلى ملكيات معدلة، سيرا على درب الراحل كيم إيل سونج في كوريا الشمالية، الذي ورث ابنه السلطة، وقرأنا أخيرا أن الحفيد جاء دوره، وأنه يعد الآن لكي يخلف أباه المريض.
هو شأن ليبي أن تصبح الدولة عظمى، وجماهيرية أيضا، وأن يكون الكتاب الأخضر كتابها المقدس، وأن يكون العقيد ملكا للملوك، وأن يكون لليبيا تقويمها الخاص في تسمية الشهور الإفرنجية، وابتداء الشهور العربية بوفاة الرسول وليس بهجرته. ذلك كله يخص ليبيا السلطة والمجتمع، وليس لنا فيه كلام، لكن حين يقام تحالف عربي للديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، وتشارك فيه 32 منظمة عربية، وحين يختار هذا التحالف الوليد طرابلس مقرا له، فلابد أن يكون لنا في الموضوع كلام.
إذ لا أخفي أن الخبر استفزني لأول وهلة، حين استغربت أن تشارك 32 منظمة عربية في إقامة ذلك التحالف في الجماهيرية العظمى التي لم يُعرف لها رصيد لا في الديموقراطية أو التنمية، وسجلها في حقوق الإنسان لا تحسد عليه، لكنني حين فكرت في الأمر مرة ثانية وجدت أن الاخفاق في تلك المجالات الثلاثة حاصل أيضا في أغلب الأقطار العربية. وحين استعرضت ما أعرفه عن تلك الأقطار وجدت أن الاختلاف بين ليبيا وبينها هو في الدرجة فقط وليس في النوع. بمعنى أن احتكار السلطة قائم فيها كما أن التنمية متعثرة وانتهاكات حقوق الإنسان لعنة حلت بالجميع. وهو ما جعلني لا أستغرب أن تأتي 32 منظمة في تلك الأقطار لتقيم تحالفها في ليبيا، حيث أدركت أن العاصمة الليبية هي حقا المكان الأمثل لإقامة تحالف من أجل الديموقراطية المغشوشة التي تطبق فيها. مصداقا للمثل الشامي الذي يقول: هيك ديموقراطية ليس لها إلا هيك عاصمة. وهو تأويل امتص شحنة الغضب عندي، ودفعني إلى التفكير في إرسال برقية تهنئة إلى أمانة التحالف أقول فيها إنه اختيار صادف أهله.. مبروك علينا.

18 يونيو، 2009

هاتوا فلوسنا

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 25 جمادى الآخر 1430 – 18 يونيو 2009
هاتوا فلوسنا - فهمى هويدى
أستغرب اهتمام الصحف المصرية بمصير مجلس الشعب الحالي، ما إذا كان سيحل أم لا، والمواعيد المرشحة لذلك الحل، والسيناريو المعد له. ذلك أنني أشك كثيرا في أن يكون أغلب المصريين مهتمين بما إذا كان المجلس انعقد أو انفض، أو أنه مستمر أو معرض للحل. ولا أستبعد أن يكون بعضهم لم يسمع أصلا بأن في مصر شيئا اسمه مجلس الشعب. وربما ظهرت علامات الدهشة على وجوه نفر منهم إذا ما سمعوا الاسم. وتساءلوا قائلين: مجلس لأي شعب؟ وليس في هذا الكلام مبالغة، لأن كثيرين لم يسمعوا بمجلس الشورى إلا عندما احترق، وأصبح خبرا رئيسيا في صفحات الحوادث.
لست أشك في أن البعض مهتم بالموضوع. وهؤلاء البعض أكاد أحصرهم في خمس فئات هي: أعضاء مجلس الشعب الحاليون وأسرهم الواقفون في طوابير انتظار فرصة الفوز برضا قيادات الحزب الوطني لدخول المجلس المستجد والتلهف على مغانمه، قيادات الأحزاب المختلفة التي تنتظر حقها في «كعكة» المجلس الجديد، أمانة التنظيم في الحزب الوطني التي تتولى ترتيب الأوراق وتوزيع الأنصبة والأرزاق على الأعضاء، مباحث أمن الدولة التي تعد الجهة المعنية بتنفيذ جميع المهام المتعلقة بأحكام تشكيل المجلس طبقا للمخطط المرسوم.
لا أعرف عدد هؤلاء، لكنك إذا تذكرت أننا نتحدث عن بلد يعيش فيه أكثر من 80 مليون نسمة، فستدرك أنهم يشكلون قشرة صغيرة في المجتمع، ربما جاز لنا أن نصفهم بأنهم فئات المنتفعين بالشعب المصري. وإذا صح ذلك فهو يؤىد الادعاء بأن الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب في مصر لم يعد يعنيهم كثيرا أمر مجلس الشعب، لسبب جوهري أنه أثبت في الممارسة العملية أن تمثيله للحكومة أظهر من تمثيله للشعب. آية ذلك أننا لا نكاد نذكر له وقفة حقيقية إلى جانب الناس الذين ندب نفسه للحديث باسمهم، لا أتحدث عن الأصوات التي ارتفعت تحت قبته، لكنني أتحدث عن القرارات التي أصدرها والتحيزات التي اختارها. لقد صوت المجلس لمصلحة إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات، إلى جانب توسيع صلاحيات أجهزة الأمن في الملاحقة والتنصت والاعتقال، وتوسيع نطاق القضاء العسكري والاستثنائي. وكان له موقف محزن من قانون منع الاحتكار الذي تم تعديله لمصلحة رجال الأعمال بعد 24 ساعة من إقراره. أما دوره في المسؤولية السياسية فقد كان مفجعا. إذ لم يحاسب أو يستجوب أحدا في الكثير من الكوارث والفضائح التي وقعت. من فضيحة تسريب أسئلة الثانوية العامة إلى كارثة استيراد القمح الفاسد، مرورا بمأساة صخرة الدويقة التي انهارت فوق رؤوس مئات من البشر رغم التحذير من خطورتها. ولا تنس ملف العبارة التي قتل فيها 1300 شخص، وشكل المجلس لجنة لتقصي حقائق الكارثة، ثم أهمل توصياتها. في كل ذلك وقف المجلس متفرجا وفي بعض الأحيان كان متسترا على كبار المسؤولين التنفيذيين الذين ينبغي أن يتحملوا المسؤولية السياسية عن الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم.
إن الناس يمكن أن يثير اهتمامهم أو يشغلهم خبر حل مجلس الشعب إذا ما أدركوا أنهم بذلك سيخسرون شيئا، أما إذا استشعروا بأن المجلس يستخدم للانتقاص من حقوقهم أو الإضرار بمصالحهم وأمنهم أو تغطية الانحرافات والتستر على المفسدين. فقد يقنعهم ذلك أنهم بغيره ربما أصبحوا أفضل حالا. على الأقل من حيث إن أمثال تلك الممارسات ستتم من خلال الحكومة أو الحزب مباشرة، أعني أن اللعبة ستنكشف ولن يحتمى فيها بالتمثيل النيابي والإرادة الشعبية. لقد ذاب المجلس في الحكومة، والحكومة ذابت في الحزب، والحزب ذاب في الأجهزة الأمنية، وهذه تحركها الإرادة السلطانية. الأمر الذي يعني أن فكرة الفصل بين السلطات أو دولة المؤسسات وكل ما يقال عن البنيان الديموقراطي مجرد عناوين وواجهات، تستر حقيقة الدولة السلطانية.
سيهمنا مستقبل مجلس الشعب إذا كان حله سيحجب عنا مصلحة أو سيتقدم بنا خطوة إلى الأمام، بحيث يغير شيئا في الخرائط أو موازين القوى السياسية. لكننا إذا عرفنا أننا بصدد إخراج جديد لذات الفيلم القديم وإذا كانت نتائج انتخابات المجلس الجديد قد تسربت من الآن، على الأقل في حدود حصص أحزاب المعارضة، فينبغي ألا نلام إذا أصابنا الملل، وتركنا ساحة العرض. ومن حقنا في هذه الحالة أن نهتف: سيما أَوَنطة هاتو فلوسنا.

17 يونيو، 2009

على طريق الإصلاح السياحي

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 24 جمادى الآخر 1430 – 17 يونيو 2009
على طريق الإصلاح السياحي - فهمى هويدى
لا يكف الحزب الوطني عن إدهاشنا. فقد اكتشف أخيرا أن المرأة نصف المجتمع، ولأن الاكتشاف كان مثيرا ومفاجئا، والفرحة به لا تحتمل التأجيل، فقد سارع جهابذة الحزب إلى تعديل قانون مجلس الشعب، بحيث تضاف إليه حصة للمرأة لا تقل عن 64 مقعدا. ولكي لا تفوت الفرصة النادرة، فإنهم عرضوا التعديل على مجلسي الشعب والشورى بسرعة قبل فض الدورة البرلمانية. ونال تأييد الأغلبية الساحقة التي يتمتع بها الحزب، الأمر الذي اعتبره رئيسا المجلسين إنجازا تاريخيا وحضاريا، يستجيب لنداء الرئيس مبارك في برنامجه الانتخابي، ويتوج جهود السيدة قرينته في الدفاع عن المرأة وتفعيل دورها في المجتمع.
الأوصاف التي أطلقت على التعديل، والأسماء التي ذكرت في سياق الحفاوة به تكاد تحصنه ضد التعليق أو المناقشة، كما أن الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وهو يتحدث عن الأهمية «التاريخية» للتعديل، وصف ناقديه بأنهم رجعيون يريدون إعادتنا إلى قرون سحيقة مضت، مع ذلك أستأذن في أن أقول بعض الكلمات التي لم أستطع أن أحبسها بعد الذي قرأته في الصحف عنه.
الكلمة الأولى أنه ليس لدي أي تحفظ على تمثيل المرأة بأي عدد في المجالس النيابية والبلدية، وأعتبر ذلك التمثيل من مظاهر عافية المجتمع وحيويته. الثانية أنني تمنيت أن يتم ذلك التمثيل من خلال التطور الطبيعي للمجتمع، وفي انتخابات حرة ونزيهة يعطى فيها الجميع فرصا متكافئة، بحيث يصبح تعبيرا عن رضا الناس وليس تعبيرا عن رغبة السلطة. الثالثة أن تخصيص حصة «كوتة» للمرأة لا علاقة له بالإصلاح السياسي، وإنما هو أقرب إلى التجمل السياسي الذي يعنى بتحسين المنظر وطلاء الواجهة، ويندرج ضمن ما أطلقت عليه من قبل وصف «الإصلاح السياحي»، ذلك أن الإصلاح السياسي الحقيقي له مدخل مختلف تماما، يبدأ بإطلاق الحريات العامة، التي تكفل للناس تمثيلا يسمح لهم بحق المشاركة والمساءلة وتداول السلطة. الكلمة الرابعة أنني أشك كثيرا في أن أحدا في بر مصر سأل يوما ما كم عدد النساء في مجلس الشعب، لأن السؤال الكبير الذي يشغل الجميع طوال الوقت هو لماذا لا يقوم المجلس بوظيفته بحيث يكون رقيبا على السلطة التنفيذية وليس صدى أو أداة لها؟. الكلمة الخامسة أن وصف التعديل بأنه خطوة تاريخية ونقلة حضارية، يعد نوعا من الإسراف في خداع النفس الذي يوظف اللغة فى إهدار الحقيقة وتسويق الوهم.
إن بلدا مثل الهند، الذي تجاوز عدد سكانه مليار نسمة وترتفع فيه نسبة الأمية إلى 48 ٪، ومشكلاته السياسية والاجتماعية لا حدود لها، حققت فيه المرأة بالديموقراطية حضورا قويا في المجال العام. فقد رأست الجمهورية فيه قبل عامين سيدة هي براتبها باتل. وتقوم الآن سونيا غاندي بدور المايسترو في الحياة السياسية باعتبارها زعيمة الائتلاف الحاكم بقيادة حزب المؤتمر، الذي حقق نصرا كبيرا في الانتخابات الأخيرة. كما انتخبت لرئاسة البرلمان سيدة هي ميرا كومار التي تنتمي إلى طائفة «المنبوذين». وضمت الحكومة الهندية الجديدة 9 وزيرات أصغرهن سنا اجاثها سانجما وزيرة التنمية الريفية التي يبلغ عمرها 27 سنة!
هذا «التمكين» لم يفرض على المجتمع من أعلى ولم يتم بتدخل جراحي من جانب أي مؤسسة سياسية، ولكنه جاء ثمرة طبيعية للتطور الديموقراطي الذي نضج في ظله الوعي وارتقى بشكل تدريجي. صحيح أن الحكومة الهندية الآن تعد مشروعا لتحديد حصة المرأة في الحياة النيابية، لكن ذلك يعد تقنينا لوضع قائم بالفعل، وليس افتعالا لوضع يفرض على المجتمع. والفرق بين الحاصل هناك وما حدث عندنا يجسد الفرق بين الديموقراطية الحقيقية والديموقراطية «المضروبة»، أو بين الجد والهزل.

16 يونيو، 2009

الفقراء حسموا الانتخابات الإيرانية

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 23 جمادى الآخر 1430 – 16 يونيو 2009
الفقراء حسموا الانتخابات الإيرانية - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_16.html
مفاجأة انتخابات الرئاسة الإيرانية مضاعفة. ذلك أنه خلافا لكل التوقعات، فإن أحمدي نجاد لم يفز فحسب، وإنما تم له ذلك في الجولة الأولى ودون إعادة. وهو أمر يبدو أنه استغربه أيضا!
(1)
كنت قد عزمت على السفر إلى طهران لمتابعة الانتخابات، التي بدا أنها الأكثر سخونة وخشونة في تاريخ الثورة الإسلامية، حتى وصفها أحد المعلقين بأنها من قبيل صراع الأفيال، الذي لا يستطيع فيه أي «فيل» أن يسقط الآخر بسهولة. وحين شرعت في ترتيب أمر السفر قال لي أكثر من «خبير» إن المعركة ليست سهلة، وأن أحدا لن يكسبها في الجولة الأولى، ولن تحسم إلا في الإعادة، التي ستتم بعد أسبوع لاحق. بسبب التزامات العمل كان من الصعب عليّ أن أغيب مدة أسبوعين في متابعة الجولة الأولى والإعادة، ووجدت أنه من الأنسب أن أمرر جولة 12 يونيو الأولى، وأن أسافر بعدها إلى طهران، لأشهد معركة الحسم في الإعادة يوم 19 يونيو.
شجعني على ذلك أن ما سمعته عن ترجيح الإعادة لم يكن رأيا لواحد أو اثنين، ولكنه تقدير اتفق عليه أربعة من «الخبراء»، ثلاثة منهم إيرانيون والرابع لبناني (مطلع). واحد فقط غير رأيه قبل 48 ساعة من إجراء الجولة الأولى، هو الزميل محمود شمس الواعظين رئيس التحرير السابق لصحيفة «كيان» التي حسبت على الإصلاحيين وأوقفت. ذلك أنه أخذ بمشهد المظاهرات العارمة التي انطلقت في طهران ملوحة بالرايات الخضراء «رمز المهندس موسوي»، فاتصل بي هاتفيا من طهران قائلا إن الأمور تتجه إلى التغيير، وأن المعركة ستحسم في الجولة الأولى لصالح المهندس موسوي!
حينما دققت في الصورة لاحقا، أدركت أن الذين أكدوا الإعادة ومن رجح حسم المعركة لصالح موسوي من الجولة الأولى تحدثوا عن أجواء طهران وبنوا تقديراتهم على المواكب الحاشدة التي ملأت العاصمة ضجيجا وخطفت الأبصار في شارع «ولى عصر» أكبر وأطول شوارع المدينة.
وحتى أكون أكثر دقة فلعلي أقول إن تلك كانت أجواء شمال طهران، وهي المنطقة التي تتعدد فيها الأحياء الراقية ويسكنها القادرون، الذين يملكون السيارات التي ظلت تجوب العاصمة طوال الليل. أما جنوب طهران، حيث تنتشر الأحياء الفقيرة وتعيش الطبقات الشعبية، فلم يعرف هذه المواكب، ولم يكن سكانه يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل، أولا لأنهم لا يملكون سيارات، وثانيا لأنه عليهم أن يستيقظوا في الصباح الباكر ليجري كل منهم وراء رزقه.
في كل الانتخابات التي شهدتها إيران كانت طهران هي القاطرة التي ما إن تتحرك في اتجاه حتى تجذب بقية المحافظات وراءها. لكن القاطرة تعطلت هذه المرة إذ سارت الأصوات فيها باتجاه موسوي، بينما اختارت الأغلبية الصامتة في بقية المحافظات أن تصوت لأحمدي نجاد. اذ طبقا لتقديرات الداخلية الايرانية فان موسوي تفوق على احمدي نجاد في مدينتين فقط هما طهران واردبيل، وتساوى الاثنان تقريبا في 4 مدن اخرى، في حين حصل احمدي نجاد على اكثر من ضعف اصوات موسوي في القرى والمناطق الريفية، وكان الاكتساح اوضح في محافظات الاطراف خصوصا بين الاكراد والعرب.
(2)
معلوماتي أن أحمدي نجاد نفسه فوجئ بالنتيجة، وأن بعض استطلاعات الرأي التي جرت خلال الأيام الأخيرة لم تكن مطمئنة له. لذلك فإنه التزم الصمت ولم ينطق بكلمة طوال عملية الفرز، في حين أن موسوي استبق وعقد مؤتمرا صحفيا أعلن فيه فوزه.
بعض المحيطين به قالوا إنه حين حل يوم الحسم، كان قد بح صوته من كثرة ما تحدث في الرد على ناقديه وخصومه، خصوصا أنه أدرك أن المرشحين الثلاثة الآخرين، لا يتنافسون فيما بينهم بقدر ما أنهم اجتمعوا عليه. وهو ما بدا واضحا في خطابهم الإعلامي وفي المناظرات التي تمت بين كل واحد منهم وبينه. وكانت في حقيقتها محاكمات علانية، ربما أشبعت رغبات المثقفين المعنيين بالشأن السياسي والاقتصادي، لكنها كانت في صالحه من ناحية أخرى. إذ ثبتت في أذهان عامة الناس أن أحمدي نجاد واحد منهم وأصدق تعبيرا عنهم. إذ قدم نفسه بمظهره البسيط وجسده النحيل ووجهه الذي لا تظهر عليه آثار النعمة، حتى بدا صورة طبق الأصل كأي حرفي أو عابر في الشارع. عزز من تلك الصورة إدراك الناس لحقيقة أنه يعيش حياة بسيطة، لم ينس فيها أنه ابن حداد في قرية «أرادان» التي تسكنها 40 أسرة فقط، ولا مكان لها لا على الخريطة الجغرافية أو الاجتماعية في إيران. ثم إنه كأي مواطن ريفي، شديد التدين والتواضع، ولم يعرف عنه تعلقا بالوجاهة أو الثراء. ولأنه «واحد منهم» فقد ظل طوال السنوات الأربع الماضية مشغولا بتحسين أوضاع الفقراء والضعفاء، ومتفننا في كيفية توفير الخدمات لهم والتخفيف من أوجاعهم، خصوصا من خلال رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة معاشات المتقاعدين. ولأن الأمر كذلك، فلم يكن مستغربا أن يلتف حوله الفقراء، وألا تكف نخب المثقفين وسكان المدن عن توجيه النقد إليه والنفور منه.
المرشحون الذين كانوا يتحدَّونه في المناظرات كانت صورتهم مختلفة. عند الحد الأدنى فجميعهم كانوا يطلون على الناخبين بوجوه تطفح بآثار الرخاء والنعمة. مير حسين موسوي الأرستقراطي ابن تاجر الشاي المتكئ على رئيسين سابقين هما رفسنجاني وخاتمي، والاثنان من وجهاء السياسة، والأول من أهل الثراء. والشيخ كروبي رئيس مجلس الشورى السابق الذي يرأس مؤسسة الشهيد، الأكثر ثراء في إيران. والثالث هو رضائي الذي قاد حرس الثورة طوال 16 عاما. ويحتل منصبا رفيعا في مجمع تشخيص مصلحة النظام.
لأن الفقراء والبسطاء هم الأغلبية في إيران، ولأن أحمدي نجاد منذ انتخابه قبل أربع سنوات كان يقضي معهم أسبوعا كل شهر «في محافظة مختلفة» مصطحبا معه أعضاء حكومته لحل مشكلاتهم، فإن أغلبيتهم الساحقة صوتت لصالحه.
أما منافسه مير موسوي فقد صوتت لصالحه أعداد معتبرة من سكان المدن، وهذا الانحياز يفسر حالة الغضب التي اعترت البعض في طهران مثلا، ودفعتهم إلى الخروج غاضبين إلى الشوارع. الأمر الذي أوقع التداعيات المؤسفة التي ترتبت على ذلك، وأدت إلى إحراق بعض السيارات والاشتباك مع الشرطة.
(3)
المهندس حسين موسوي رئيس الوزراء الأسبق غاب عن المسرح السياسي طوال العقدين الأخيرين، وحين ترك الحكومة في عام 1989، كان الرجل معروفا بميوله الاشتراكية ومحسوبا على المحافظين. لكنه عاد هذه المرة محمولا على أكتاف الإصلاحيين، ومؤيدا بقوة من الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص المصلحة والرئيس السابق السيد محمد خاتمي، والأخير ظل يصحبه في جولاته ويخطب داعيا له في المؤتمرات الشعبية التي نظمها أنصاره، لأن موسوي ليس خطيبا جيدا. وخلال المناقشات التي دارت في تلك الجولات رأي المحللون وجها مغايرا له، مختلفا عما ألفوه فيه. إذ قدم نفسه باعتباره رجلا «معتدلا»، حتى بالمفهوم الشائع في العالم العربي، فإلى جانب حديثه عن الحريات العامة ودفاعه عن حقوق المرأة والشباب والتعددية الحزبية، فإنه دعا إلى أمرين أثارا الانتباه واللغط، الأول الانفتاح على الغرب والتعامل بمرونة مع الولايات المتحدة الأمريكية الأمريكية، بدعوى إخراج إيران من العزلة السياسية التي أوقعتها فيها سياسة أحمدي نجاد، بلغته المتشددة والمثيرة للجدل. ورغم أنه تمسك بحق إيران في استكمال برنامجها النووي «وهو الموضوع الذي لم يختلف عليه أحد من المرشحين»، إلا أن الاختلاف بينهم كان في حدود التشدد والمرونة التي ينبغي أن يلتزم بها المفاوض الإيراني. واعتبر موسوي أن «تطرف» أحمدي نجاد كان مصدرا لإثارة مخاوف الغرب من ذلك البرنامج، وتعهد من جانبه بأن يسعى لـ«طمأنة» الدول الغربية وكسب ثقتها من خلال خطاب ورؤية جديدين.
الأمر الثاني الذي لفت الانتباه في مواقف موسوي أنه رفع في مؤتمر عقده بجامعة طهران شعار «إيران أولا»، وأبدى في لقاء آخر تحفظا على الدعم الإيراني لحزب الله وحركة حماس، وقال في هذا الصدد إن حكومتنا تتحدث عن عزة الشعب اللبناني وعزة الشعب الفلسطيني، في حين أنها تتجاهل عزة الشعب الإيراني «ملمحا إلى الغلاء والبطالة». ونقل عن بعض أنصاره قولهم إن موسوي »سيوقف نهب مال الإيرانيين وإعطاءه للآخرين في الخارج. فالمصباح الذي يحتاجه البيت حرام على الجامع». وهو ما رد عليه أنصار أحمدي نجاد قائلين: كيف يمكن لموسوي أن يعتبر نفسه ملتزما بخط الثورة ومواقف الإمام «الخميني» وهو يروج لهذه الأفكار، في حين أن الإمام وهو يدافع عن كرامة ورفاهية الشعب في إيران، لم يغفل عن الأخطار التي يمثلها الأمريكيون والإسرائيليون، ولم يتردد في مقاومة مخططاتهم ومساندة قوى التحرر من شرورهم.
هذه الخلفية جعلت معارضي موسوي يتندرون على اللون الأخضر الذي اختاره شعارا يميزه، ويقولون إنه ليس علامة على النماء والحفاظ على البيئة كما يقول، ولكنه بمثابة إشارة خضراء تدعو الأمريكيين وأنصارهم إلى اختراق النظام الإيراني: «للعلم: أحمدي نجاد اختار اللون الأحمر. وهو رمز فريق «بيروزي» لكرة القدم، الأشهر في إيران. والكلمة معناها الانتصار».
(4)
إسرائيل لم تكن سعيدة بفوز أحمدي نجاد، أما واشنطن فكانت أكثر حذرا. والموقف الأول مفهوم، أما الثاني فيثير الانتباه. إن شئت فقل إن الأول تقليدي، والثاني ينسجم مع الخطاب التصالحي للرئيس أوباما، الذي دعا فيه إلى إجراء حوار مع إيران دون شروط مسبقة، وعلى أساس من الاحترام المتبادل. وهي الأجواء التي دفعت الأمريكيين إلى دعوة الدبلوماسيين الإيرانيين لحضور احتفالات اليوم الوطني،وإلى المشاركة في المحادثات متعددة الأطراف المتعلقة بالشئون النووية. والثابت أن حوار الطرفين بدأ بالفعل، وهناك اجتماعات متواصلة تعقد بينهما في جنيف. وتدل مؤشرات عدة على أن الإدارة الأمريكية الجديدة قررت أن تتعامل مع إيران كطرف ولاعب مهم في الشرق الأوسط. وتعاونها معه مهم ومفيد في التعامل مع عدة ملفات في العراق ولبنان وفلسطين.
وهناك اعتبار آخر مهم برز في الآونة الأخيرة، يتعلق بالوجود الأمريكي في أفغانستان، لأن القوات الموجودة هناك، ستواجه مأزقا شديدا خلال الأشهر القليلة القادمة. ذلك أن تلك القوات »60 ألف جندي« بدأت تواجه من الآن مشكلة في وصول الإمدادات إليها، التي اعتمدت فيها على باكستان خلال السنوات التي خلت. لكن هذه الإمدادات أصبحت في خطر الآن بسبب عدم الاستقرار الذي يسود الحدود بين البلدين، وفي بحث الأمريكيين عن بديل لإمداد قواتهم لم يجدوا أمامهم سوى مدخلين، أحدهما عن طريق جمهوريات آسيا الوسطي، والثاني عن طريق إيران. ومشكلة الطرق في الأولى أنها تظل مغلقة بسبب الثلوج طوال ستة أشهر في السنة، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل المرور وتوقف الإمدادات خلال تلك الفترة. وبعد استبعاد جمهوريات آسيا الوسطي تصبح إيران هي الخيار الوحيد المتاح أمام الأمريكيين. ولأن حدودها مع أفغانستان بطول 860 كيلو مترا، فإنها تعد معبرا نموذجيا يضمن توفير احتياجات القوات الأمريكية على مدى العام. ولأن الأمر كذلك فإن الأمريكيين حريصون على إنجاح الحوار مع إيران والاتفاق على المقابل الذي ستتلقاه في هذه الصفقة إذا عقدت.
من هذه الزاوية فإن تجديد انتخابات أحمدي نجاد للرئاسة لا يبدو أن له تأثيره على السياسة الخارجية، التي يتولى المرشد «السيد على خامنئى» مفاتيحها الأساسية. ولنا أن نحمد الله على أن تلك السياسة نجت من رياح »الاعتدال« الذي بشر به السيد مير موسوي.سألت خبيرا إيرانيا عن الخاسر الأكبر في الانتخابات، فقال إنه هاشمي رفسنجاني وليس موسوي، لأن الرجل الذي يعد أحد أعمدة النظام يشغل اثنين من أهم مناصب الدولة «رئيس مجلس الخبراء، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام» اتهمه أحمدي نجاد أثناء إحدى المناظرات العلنية بالفساد المالي هو وابنه، فجرح صورته وأهدر سمعته، ولم يبال باحتجاجه لدى المرشد، الأمر الذي يعد اغتيالا أدبيا وسياسيا له، يطعن في شرعيته وفي الظروف العادية فان ذلك يفترض ان يسدل الستار على دوره السياسي.

15 يونيو، 2009

مفاجأة.. إرهابي ليس مسلماً!

صحيفة الرؤية الكويتيه الأثنين 22 جمادى الآخر 1430 – 15 يونيو 2009
مفاجأة.. إرهابي ليس مسلماً! - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_15.html
توقيت الحادث بدا شديد الحساسية، فقد كان الرئيس أوباما عائدا لتوِّه من رحلته التي زار فيها الرياض والقاهرة، ووجَّه خلالها إلى العرب والمسلمين خطابا تصالحيا أثار لديهم درجات متفاوتة من الترحيب والتفاؤل.
في هذه الأجواء المعطرة، حاول رجل اقتحام متحف «الهولوكوست» في واشنطن وأطلق الرصاص على ضابط الحراسة الواقف عند باب الدخول، فأرداه قتيلا، كما استمر في إطلاق النيران على باحة داخلية قبل أن يردّ عليه الحراس ويلقون القبض عليه.
حين وقعت عيناي على «الخبر العاجل» الذي تم بثه على شاشة التلفزيون يومذاك. كان أول ما خطر لي أن يكون الفاعل واحدا من الشباب العرب أو المسلمين المهووسين الذين فتنوا بفكرة محاربة الصليبيين واليهود التي سوقها تنظيم «القاعدة»، ومن ثم تصور أنه يمكن أن يدخل الجنة إذا ما أسهم في تلك الحرب «المقدّسة».
ولا تستغرب، فأمثال هؤلاء الشباب لهم وجود في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، خصوصا بين الذين ولدوا في تلك الدول واتجهوا إلى التديّن البسيط، وعانوا من كونهم مضطهدين لأنهم مسلمون أو ملونون، ومن ثم أصبحوا مسكونين بمشاعر الرفض والمرارة والنقمة على المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها.
لم أتحمّس لهذه الفكرة، ليس فقط لظني أن المسلمين في الولايات المتحدة تعلموا درسا قاسيا من أحداث ١١سبتمبر، ولكن لأن «سيناريو» آخر خطر لي. وأعترف بأن ما جعلني أكثر قبولا لهذا السيناريو الآخر، أنني التقيت قبل أيام واحدة من الناشطات المسلمات في الولايات المتحدة، حدثتني عن صور اضطهاد المباحث الفيدرالية لهم، وكيف أن عملاءها أصبحوا يندسّون في أوساط المسلمين المترددين على المساجد بوجه أخص، لكي يتخيّروا أكثرهم ضعفا وخفة، ويقنعوهم بوجوب «الجهاد» ضد الأميركيين الكفار. وحين يجدون منهم قبولا، فإنهم يحددون لهم الأهداف التي يتعيّن الهجوم عليها، ويوفرون لهم «عدة الشغل» من خرائط وأسلحة ومتفجرات، لينتهي الأمر بهم إما إلى السجن أو الترحيل.
استرحت لهذا السيناريو، وقلت إن «أبالسة» المباحث الفيدرالية لابد أنهم ورَّطوا أحدا من المسلمين في الهجوم على متحف الهولوكوست، لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فمن ناحية تفسد القصة الأجواء التي أحدثها خطاب أوباما في أذهان الرأي العام الغربي، بما يعيد إلى الواجهة صورة العربي أو المسلم «الإرهابي»، وتهدم في الوقت ذاته الصورة المنصفة التي رسمها له أوباما في خطابه الذي ألقاه بجامعة القاهرة، ومن ناحية ثانية، فإن افتعال حادث من ذلك القبيل الذي وقع، من شأنه أن يساعد على إحياء فكرة الحرب على الإرهاب التي أعلنها الرئيس السابق بوش، ومن ناحية ثالثة، فإن تلفيق الحادث يمكن أن يكون ذريعة لإبعاد المسلمين من الولايات المتحدة، باعتبارهم خطرا يهدد الأمن القومي.
لم أكن الوحيد الذي تشكك في أن يكون الفاعل مسلما، فقد قرأت أن الإدارة الأميركية «حبست أنفاسها» لذات السبب حين تلقت الأنباء الأولى التي تحدّثت عن محاولة الاقتحام والقتل، المفاجأة أن كل ما خطر على بالي لم يكن له أساس من الصحة، إذ تبين أن الشخص المهاجم (جيمس فون برين) أميركي أبيض عمره 88 سنة، وله موقع إلكتروني سجل فيه كراهيته لليهود والسود. كما تبيّن أنه قضى سنتين في ولاية «إيداهو» التي بها مقر منظمة «النازيين الجدد» ولم تستبعد مصادر الشرطة أن يكون الرجل من أعضائها.
حمدت الله وتنفست الصعداء حين عرفت هذه التفاصيل، لكن شعورا بالخجل غمرني، لأنني أدركت أن التعبئة الإعلامية المضادة، التي ندينها ونقاومها حققت نجاحا في اللعب بمشاعرنا، حتى أن واحدا مثلي تصور للوهلة الأولى أن الفاعل عربي أو مسلم، ولم يخطر على باله أنه يمكن أن يكون أميركيا «قحا» ولا شأن للعرب أو المسلمين به، وحينئذ قلت إنه إذا كان ذلك التشويه المتعمد أثر على سلوكنا وخيالنا، فلابد أن نعذر المواطن الغربي العادي إذا ظل مسيئا الظن بنا، وخائفا ومتوجسا من تلك الوجوه «الشرق أوسطية» التي مازالت تلاحقها لعنة «11 سبتمبر».

14 يونيو، 2009

نريدها سياسة لا كياسة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 21 جمادى الآخر 1430 – 14 يونيو 2009
نريدها سياسة لا كياسة - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_14.html
أثار انتباهي في الحوار الذي أجراه التلفزيون المصري مع الرئيس مبارك، وتم بثه مساء الثلاثاء الماضي 6/9، أنه حرص على أن يذكر بعض القصص التي عبرت عن تعاطفه مع الفقراء وحرصه على تقديم يد العون لهم وحل مشكلاتهم، وقد كانت القصص التي حكاها الرئيس مؤثرة فعلا، وكان تعامله نبيلا ومشرفا لا ريب، وإني أستغرب إذا ما بدأت الرئاسة في تلقي آلاف الرسائل كل يوم، من شرائح المعذبين والمطحونين وذوي الحاجات الذين سدت الأبواب في وجوههم، لأن كل حالة مما تحدث عنها الرئيس لها نظائرها التي لا تحصى في بر مصر.
وإذا ما فتح باب تلبية طلبات هذه الألوف المؤلفة من المأزومين، فإنه قد يجد نفسه مضطرا إلى تشكيل حكومة جديدة في مقر الرئاسة للتعامل مع أحزانهم وبحث كيفية حل مشكلاتهم وتجفيف دموعهم.
أدري أن الحديث عن محدودي الدخل والفقراء والمعدمين ورعاية الحكومة لهم صار متواترا في الخطاب السياسي الرسمي مع اشتداد الأزمة الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، كما أن بعض الشخصيات التي تبحث عن شعبية أصبحت تسوق نفسها من خلال زيارة المناطق الشعبية والنائية، ويحرص الإعلام الرسمي والقومي على إظهارهم وهم يتبسطون مع الناس ويداعبون أطفالهم، إلى غير ذلك من الأفلام السياسيــة، إلا أنني أميل إلى إحسان الظن بالمشهد الذي نحن بصدده، لاقتناعي بأن الرئيس ليس بحاجة إلى تسويق، وأنه أحيانا يتحدث بعفوية يحمل خلالها كلامه بأكثر مما يحتمل، وهو ما يدعوني إلى إخراج حديث الرئيس عن سياق التمسح المفتعل في محدودي الدخل الذي سبقت الإشارة إليه.
مع ذلك، فلي ملاحظتان على ما قاله عن انفعاله بمعاناة الضعفاء والفقراء في مصر، الملاحظة الأولى أنه وقع على الحالات التي ذكرها بالمصادفة البحتة، أحدها أن موكبه كان مارا بأحد الشوارع فرأى رجلا محزونا ومنكسرا قاعدا إلى جوار جدار، فرجع إليه يسأله عما به، وعرف منه أن ابنته مصابة بورم سرطاني في المخ وأنه عاجز عن علاجها، فأمر بتسفيرها إلى لندن، (لا أخفيك أنني استغربت من سماح الأمن للرجل بالجلوس على رصيف شارع يمر به موكب الرئيس، وخطر لي أنه ربما كان مخبرا زرع في المكان على تلك الهيئة لإحكام إخراح المشهد)، لكني بعدما استبعدت تلك الفكرة الخبيثة قلت إن موكب الرئيس عادة ما يخترق الشوارع الرئيسية، ولو أنه مر بأي شارع جانبي أو ساقته قدماه إلى زقاق في أي حي شعبي لشاهد وجها آخر لم يخطر له على بال، ولا نعتبر الرجل الذي رآه وحدثه حالة عادية. ذلك أن أوجاع الناس وعذاباتهم الحقيقية غالبا لا تصل أخبارها إلى مسامعه، ويحجبها عنه الحجاب الذين يقال إنهم يطلبون من زائريه ألا ينقلوا إليه ما يكدر خاطره.
الملاحظة الثانية، ان كياسة الرئيس مرحب بها. وهو حد من الفضل يشكر عليه، إلا أن الأفضل أن تتحول تلك المشاعر في لمسة إنسانية عارضة إلى سياسة للحكومة، تنصف الفقراء وترعى الضعفاء، وتنشغل بالرعاية قدر انشغالها بالجباية. ذلك أن الانطباع عن حكومة رجال الأعمال الراهنة أنها أكثر انحيازا إلى الأغنياء وأقل التفاتا إلى الفقراء. ولو أن قنوات التوصيل والمنابر التي تدعي تمثيلا للناس صادقة وأمينة في التعبير عن واقع المجتمع لنبهته إلى المدى المروع الذي وصل إليه تدهور الخدمات في البلد، خصوصا في مجالات الصحة والتعليم والإسكان.
حتى إذا كان الرجل الذي وقعت عليه عينا الرئيس مخبرا زرعته الأجهزة الأمنية، فإننا نرجو ألا تعتبره مجرد مشكلة وتم حلها، وإنما نتعامل معه باعتباره «عيِّنة» للشعب المصري تستدعي فتح ملف عافية المجتمع وأحزانه المسكوت عنها.

13 يونيو، 2009

أكثر تشوهاً وأقل ديموقراطية

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 20 جمادى الآخر 1430 – 13 يونيو 2009
أكثر تشوهاً وأقل ديموقراطية - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_13.html
«الانقلاب الأبيض» الذي حدث في لبنان جاء مفاجئا لكثيرين، أنا أحدهم. ذلك أننا طوال الأسابيع التي سبقت الانتخابات في السابع من شهر يونيو الجاري، كنا نسمع من المعنيين بالشأن اللبناني أن النتيجة ستتراوح بين أحد احتمالين، الأول أن تفوز قوى المعارضة (تحالف حزب الله ــ عون) أو أن تفوز الموالاة (الحريري ــ جعجع) بفارق مقعد أو اثنين. لكن الذي حدث تجاوز بكثير تلك التوقعات، حيث حقق فريق الموالاة فوزا كاسحا، وتقدم على المعارضة بأربعة عشر صوتا دفعة واحدة، الأمر الذي قلب التوقعات وأحدث صدمة للذين حصروا تنبؤاتهم في الحدود السابق ذكرها.
منذ ذلك الحين وحتى اليوم. تابعت سيلا من التحليلات والتفسيرات لما جرى. بعضها تحدث عن أخطاء في بنية التحالف المعارض وسياسته، والبعض ركز على أخطاء في أداء وخطاب حزب الله ذاته. آخرون تحدثوا عن أزمة النظام اللبناني وطائفيته التي تستبعد أى ممارسة ديموقراطية حقيقية، في حين أشارت كتابات عنه إلى التدخل الخارجي والمالي والسياسي ونجاح حملات التخويف الإعلامية. ولست في وارد التحقيق في تلك الأسباب ومدى صحة بعضها أو كلها، لكنني لا أخفي قلقا من أمرين أظهرتهما الانتخابات بصورة لافتة للنظر. الأمر الأول هو الحفاوة الإسرائيلية والأميركية والغربية بشكل عام بالنتيجة، التى بدا فيها التهليل لخسارة فريق حزب الله أقوى من الترحيب بنجاح الآخرين. تجلى ذلك في عناوين الصحف الإسرائيلية التي صدرت في اليوم التالي لإعلان النتيجة، إذ كانت العناوين كما يلي: هزيمة لحزب الله في انتخابات لبنان (هاآرتس)- هزيمة لنصرالله (معاريف) - حزب الله: خسرنا (يديعوت أحرونوت) - لبنان: ضربة لحزب الله (إسرائيل اليوم) - (بالمناسبة، فى اليوم نفسه 6/8 كان عنوان صحيفة «الشرق الأوسط اللندنية» كالتالي: انكسروا وانتصر لبنان، وهو توافق لا تخفى دلالته).
الصحف الغربية عبرت بصورة أو أخرى عن الموقف ذاته، فذكرت «الجارديان البريطانية» أن نجاح الموالاة في لبنان «قدم لأوباما أول نجاح كبير لسياسته الإقليمية». أما نيويورك تايمز فقالت «إن التحالف الذي تؤيده الولايات المتحدة الأميركية تمكن من السيطرة على البرلمان».. وذكرت واشنطن بوست أن «التحالف المدعوم من الغرب فاز بالانتخابات». لا تنس في هذا السياق الضغوط الغربية التي مورست طوال الأسابيع التي سبقت التصويت. وكان أبرزها زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لبيروت، التي اجتمع خلالها بأركان الموالاة، وقال صراحة قبل مغادرته بيروت إن المساعدات الأميركية للبنان ستتوقف على طبيعة حكومته القادمة، في إيحاء لا يقبل الشك بأن استمرار تلك المساعدات مشروط بنجاح فريق الموالاة. هذه الخلفية تدلنا بوضوح على أن الذي انتصر فعلا ليس فريق 14 آذار كما يقال. وإنما هو واجهة لأطراف عدة لا يجمع بينها سوى العداء للمقاومة والحرص على إلحاق لبنان بالسياسات الغربية المهيمنة.
الأمر الثاني الذي يبعث على القلق، أن لبنان خرج من المعركة والانقسامات الطائفية فيه أعمق وأشد مما سبق. وبدا الانقسام السني الشيعي أكثر حدة من غيره. وثمة إجماع على أن ذلك الاستقطاب الحاد أسهم بشكل كبير في توسيع الفجوة بين الطرفين لصالح تجمع 14 آذار. صحيح أن النظام ذاته طائفي في الأساس، ولكن جسور العلاقة بين السنة والشيعة بوجه أخص- ظلت ممتدة طوال الوقت. ولكن من الواضح أن تلك الجسور انقطعت في الآونة الأخيرة، وحلت محلها فجوة مسكونة بالمرارة والتوجس وسوء الظن. الأمر الذي يعني أن لبنان خرج من تجربة الانتخابات وهو أكثر تشوها وأقل ديموقراطيـة.

11 يونيو، 2009

يخجلنا نشطاؤهم

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 18 جمادى الآخر 1430 – 11 يونيو 2009
يخجلنا نشطاؤهم - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_11.html
لا يستطيع المرء أن يكتم شعوره بالدهشة المقترنة بالخزي والخجل، حين يجد أن فكرة مقاطعة إسرائيل تتفاعل في العالم الغربي، في حين تتراجع بشدة في العالم العربي. لا أتحدث عن الحكومات الغربية التي يعرف الجميع حساباتها، لكنني أتحدث عن شرائح بين المثقفين الشرفاء، الذين لم تلوثهم حسابات الساسة. حركة المقاطعة هذه أكثر وضوحا في أوساط الأكاديميين الإنجليز، الذين نشطوا في هذه الساحة منذ عام 2002. إذ نشرت صحيفة «الجارديان» آنذاك (في 6 أبريل) خطابا مفتوحا لاثنين من أساتذة جامعة برادفورد (ستيفن وهيلاري روز) دعوا فيه إلى وقف مؤقت للعلاقات الثقافية والأكاديمية مع إسرائيل احتجاجا على ممارساتها الوحشية في الأراضي المحتلة. وخلال أربعة أشهر أيد 700 أستاذ جامعي هذه الدعوة، كان بينهم عشرة من الأكاديميين الإسرائيليين. وقد شجع الأكاديميين البريطانيين على إطلاق وتأييد الدعوة أن مقاطعتهم للنظام العنصري في جنوب أفريقيا حققت نجاحا أسهم في إسقاط ذلك النظام. فكرة المقاطعة تفاعلت على مستويات عدة. ففي السنة ذاتها (2002) قررت د.منى بيكر أستاذة الترجمة في جامعة مانشستر (مصرية الأصل) مع زوجها الأستاذ بذات الجامعة وقف التعامل مع اثنين من الأكاديميين الإسرائيليين كانا ضمن الهيئة المشرفة على بعض إصدارات الجامعة. وبعثت برسالة إلى أحدهما قائلة: إذا كان المثقفون قد تعرضوا للوم لأنهم سكتوا على الهولوكوست (معاناة اليهود في ظل النازية)، فإنها إحساسا منها بالمسؤولية إزاء معاناة الفلسطينيين اتخذت قرارها بإقصائهما إدراكا منها أنها يجب أن تفعل شيئا، ولا تلتزم الصمت حتى لا تتعرض بدورها للوم والإدانة في المستقبل.
لاحقا، في عام 2005، قررت جمعية المعلمين الإنجليز مقاطعة جامعتين إسرائيليتين لتأييدهما للاحتلال. وهو ذات الموقف الذي تبناه اتحاد الجامعات البريطانية في عام 2007. وفي 19 يناير من العام الحالي (أثناء العدوان على غزة) نشرت «الجارديان» خطابا مفتوحا وجهه عدد كبير من الأكاديميين إلى الحكومة البريطانية، طالبوها فيه باتخاذ خطوات مقاطعة إسرائيل على جرائمها التي ارتكبتها في القطاع، أسوة بموقفها من النظام العنصري في جنوب أفريقيا.
صحيح أن هذه الخطوات لم تستمر، بسبب الضغوط الإسرائيلية القوية، لكن أهم ما فيها هو الفكرة التي عبرت عنها، علما بأن دعوات المقاطعة لم تتوقف منذ عام 2002 وحتى الآن، ولايزال صداها يتردد في أوساط النخبة البريطانية.
المقاطعة صار لها أنصارها في الولايات المتحدة أيضا، إذ أطلقها بعض الأكاديميين في كاليفورنيا، أثناء العدوان على غزة، وكانت الكنيسية المشيخية البروتستانتية (الأكبر والأهم في أميركا) قد قررت في عام 2006 سحب استثماراتها الضخمة في إسرائيل، بعدما ارتفعت في داخلها أصوات قوية اعتبرت تلك الاستثمارات دعما للاحتلال والاستيطان في إسرائيل.
صدى المقاطعة تردد في كندا. إذ دعا اتحاد العاملين الكنديين في أعقاب الهجوم على غزة في يناير الماضي إلى مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين ومنعهم من القيام بالتدريس في جامعات «أونتاريو». وهو الاقتراح الذي قوبل بضغوط شديدة من الموالين لإسرائيل، وعدل بحيث دعا إلى قطع العلاقات مع الجامعات الإسرائيلية.
البروفيسور ديريك سامر فيلد أستاذ الطب النفسي البريطاني يعد أحد الناشطين البارزين الداعين إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وهو يدحض الادعاء القائل بأن المقاطعة لا جدوى منها، ويقول في ذلك إنها عند الحد الأدنى تفضح المشكلة وتعلن عن وجودها، ويستدل على ذلك بأنه ما من وزير إسرائيلي يزور لندن إلا وتكون «المقاطعة» على رأس مباحثاته، مضيفا أنها تسبب لإسرائيل إزعاجا مستمرا، مشيرا إلى أن الصمت على ما يجري بمنزلة تستر على جرائم الاحتلال، التي ينبغي أن يدينها كل صاحب ضمير في العالم.
ما رأي مثقفينا وزملائنا المحترمين؟

10 يونيو، 2009

المقاطعة.. المقاطعة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 17 جمادى الآخر 1430 – 10 يونيو 2009
المقاطعة.. المقاطعة - فهمى هويدى
فكرة مقاطعة العدو التي يستغربها بعض مثقفينا لها مكانها المتميز في سجل الوطنية المصرية، في أزمة بدا فيها الوعي أكثر نضجا والعدو أكثر وضوحا، والمناخ العام أقل تلوثا وضبابية. ذلك انه في أعقاب الحرب العالمية الأولى تبنت الحركة الوطنية المصرية مطلبين هما: إنهاء الاحتلال واعلان استقلال البلاد بصورة نهائية. وقتذاك تابع رموز الحركة الوطنية ترتيبات الاعداد لمؤتمر الصلح في باريس، الذي تقرر عقده عام 1919 لتسوية نتائج الحرب، وقرر هؤلاء أن يوفدوا إلى باريس ثلاثة من قادة الحركة (سعد زغلول ـ شعراوي ـ فهمي) لعرض المطالب المصرية، وحين ذهبوا إلى المندوب السامي البريطاني في القاهرة لإتمام الإجراءات، فإنه رفض أن يسمح لهم بالسفر، الأمر الذي أحدث صدمة أثارت غضب القوى الوطنية والجماهير المحتشدة وراءها. وحينذاك ظهرت فكرة جمع التوكيلات من الأمة لسفر الوفد. ورغم ارتفاع نسبة الأمية في مصر، فإن حملة التوكيلات لسعد ورفاقه حققت نجاحا واسع النطاق في مختلف أنحاء مصر، حتى تحوّلت إلى ثورة حقيقية تأججت بإلقاء القبض على سعد زغلول ورفاقه، الأمر الذي ووجِه وقتذاك (1919) بمقاومة من جانب المجتمع، شملت الدعوة إلى المقاطعة وإعلان الإضراب العام. وهيأت المناخ لظهور منظمات المقاومة السرية، إذ عمّت الإضرابات أنحاء مصر وقطع الوطنيون خطوط السكك الحديدية والهاتف، حتى وصل الأمر الى حد استيلاء بعضهم على السلطة ومحاولة إعلان استقلالها (كما حدث في مدينة زفتى بصعيد مصر). في الوقت ذاته شكل الوطنيون عدة جمعيات لمقاومة المحتل، من بينها «اليد السوداء» و«المصري الحر» و«الانتقام».
في هذه الاجواء كانت فكرة المقاطعة أحد اسلحة المقاومة البارزة، التي شملت كل ما له علاقة بالمستعمر. ونشرت صحيفة «الأمة» المعبِّرة بشكل غير رسمي عن الحزب الوطني (في 24 نوفمبر 1921) مقالا دعا إلى تلك المقاطعة، كتبه عامل بسيط في منيا البصل بالإسكندرية اسمه عبدالمتعال حلمي السيد، كان عنوانه «المقاطعة.. المقاطعة»، طلب فيه بمقاطعة كل البضائع القادمة من بريطانيا «المنسوجات والفحم والحديد والماكولات، لأن الاستعمار يغتصب بلادنا ويقتل حريتنا، ليبقى وطننا سوقا لتجارته وصناعته، فإذا علمنا أننا نستطيع أن نصيبه بالبوار والخسران في سوقنا، تحقق من خيبة أمله وضلال سياسته، واخلى لنا سبيل الحرية وطريق الاستقلال».
أحدثت الدعوة صداها بسرعة، ونشرت الصحيفة عددا من الرسائل التي بعث بها طلاب معهد طنطا الديني وتلاميذ المدارس الصناعية والثانوية، أعلنوا فيها تضامنهم مع مقاطعة البضائع البريطانية، قائلين في ذلك «لكي يتدبر أصحاب رؤوس الأموال الإنجليزية عاقبة ما قدمت أيديهم وسوء ما فعل قرارهم». واعتبار من 28 ديسمبر 1921 نشرت صحيفة «الأمة» على صدر صفحتها الأولى ولعدة أيام تالية إعلانا يقول: «لا ننشر ولا نعلن: الأمة لا تنشر من الآن إعلانات مطلقاً عن المتاجر الإنجليزية.» وفي يوم 28 ديسمبر من العام ذاته نشرت مقالا تحت عنوان «نفسية الشعب» قالت فيه: «إن المصالح الحقيقية للأجانب مصونة.. وإذا جاز أن يقع شيء من الضرر بطريق الاستتباع على بعض تلك المصالح جراء مقاطعة البضاعة الإنجليزية، فلا يغيب عن الأجانب أن الإنجليز هم سبب ذلك، وأن من الإنصاف ألا يُلام المصريون على ذلك». ووجهت «الامة» حديثها الى الجاليات الاجنبية (غير البريطانية) قائلة «نحن وأنتم فريسة غول واحد، فقفوا الى جانبنا ندرأ عادية هذا الغول». وفي نفس اليوم نشرت الصحيفة رسالة من أولياء أمور التلاميذ بالإسكندرية أعلنوا فيها أنهم قرروا أيضا مقاطعة اللغة الإنجليزية.
أنا مدين بهذه المعلومات للزميل الصحافي شريف عادل، الذي أصدر كتابا ثرياً حول الموضوع، اختار له عنوان «قطيعة ـ حملات المقاطعة في مصر»، ذكرنا فيه بزمن البراءة الوطنية، الذي اختلفت فيه قيم كثيرة، عما نشهده اليوم في زمن الوهن والوطنية المزيفة.. إنهم كانوا يقاطعون بضائع العدو، ونحن نتحرج من مقاطعة رموز العدو.

09 يونيو، 2009

الصراع حول المستقبل في لبنان وإيران

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 16 جمادى الآخر 1430 – 9 يونيو 2009
الصراع حول المستقبل في لبنان وإيران - فهمى هويدى
في أجواء موت السياسة في العالم العربي، تعد الانتخابات اللبنانية والايرانية شيئا مختلفا. على الأقل من حيث انها الانتخابات الوحيدة التي لا تستطيع أن تعرف نتيجتها قبل اعلانها رسميا.
(1)
قل ما شئت بحق الحاصل في البلدين، عن مدى بعده أو قربه من الديموقراطية. لكنك لن تستطيع أن تنكر هذه الحقيقة. ذلك أنه حتى صباح الاثنين (6/8) لم يكن بوسع أحد أن يعرف على وجه التحديد الطرف الفائز في الانتخابات النيابية اللبنانية التي جرت يوم الأحد. وهل هو فريق 8 آذار أو 14 آذار. الكلام ذاته ينطبق على مصير الانتخابات الرئاسية الايرانية التي يفترض أن تجرى يوم الجمعة 6/12، ويتنافس عليها أربعة أشخاص، لا يزال المحللون وعرافو السياسة يختلفون حول فرص كل منهم في الفوز.
اذا أردت أن أكون أكثر دقة فانني حين أقارن بين الانتخابات في لبنان وايران وبين نظيراتها في بقية الدول العربية فانني في حقيقة الأمر أقارن بين المنقوص والتعيس أو بين العور والعمى. ذلك أن خياراتنا أصبحت محصورة بين واحدة فيها رائحة حرية وأخرى قائمة على التزوير تسوق لنا وهم الحرية. بحيث تقودنا الموازنة الى القبول بالأولى والترحيب النسبي بها، وتفضيلها على الثانية. باعتبار أنه في مثل هذه الحالة، فان السيئ يقدم على الأسوأ، عقلا وشرعا.، ذلك أن أحدا لا يتمنى أن تجرى الانتخابات على أسس طائفية كما في لبنان، ولا في ظل مصفاة مسبقة للمرشحين تقصي أناسا وتجيز آخرين كما في ايران. لكن حين تتم الانتخابات بعد ذلك بحرية وبدون تزوير، فان ذلك يغدو وضعا متقدما بخطوات على البديل الآخر.
(2)
ليس صحيحا أن الانتخابات اللبنانية التي كتب هذا المقال قبل اعلان نتائجها، كانت فقط صراعا بين فريقي 14 و8 آذار، لأن الحضور العربي الاقليمي والدولي الغربي كان واضحا في كل مراحل تلك الانتخابات. ذلك أنه لم يعد سرا أن دول «الاعتدال» العربي، وعلى رأسها السعودية ومصر، كانت موجودة بدرجة أو أخرى في الانتخابات. وكان الحضور السعودي أقوى بكثير في مجال التمويل لفريق 14 آذار، في حين أن الدور المصري الداعم لذلك الفريق كان سياسيا واعلاميا بالدرجة الأولى. واللغط مثار حول توقيت اطلاق قضية خلية حزب الله في مصر الذي تزامن مع المرحلة الأخيرة من الاعداد للانتخابات اللبنانية، وبدا أن من بين أهدافه التأثير في المزاج الانتخابي في لبنان، بما يضعف موقف حزب الله في المعركة. بالمثل فان الدورين الايراني والسوري في مساندة حزب الله وفريق 8 آذار المتعاون معه لم يكن بدوره سرا، كما أن تلك المساندة تراوحت بين ما هو مادي وسياسي.
الطريف أن الدعم الاقليمي للطرفين المتصارعين في لبنان كان في أغلبه سريا وغير معلن (رغم أن لا شيء يبقى سريا في بيروت) في حين أن الدعم الدولي لصالح فريق 14 آذار كان مشهرا ومعلنا في أغلبه. اذ إضافة الى الأدوار التي ظل يقوم بها سفراء الدول الأربع الولايات المتحدة وفرنسا وانجلترا وألمانيا، فان بيروت ظلت طوال الأشهر الأخيرة تستقبل ضيوفا من الساسة الدوليين والغربيين، كانت رسالتهم واحدة، وهي الحث على مساندة فريق الحريري وجماعته، والتحذير من التصويت لحزب الله والجنرال عون. وكان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أرفع مسؤول غربي زار لبنان لهذا الغرض. اذ لم يخف الرجل شيئا، فقد عقد اجتماعا مغلقا في بيروت مع رموز فريق 14 آذار، وخرج منه ليطلق التصريح الذي قال فيه صراحة ان المساعدات الأمريكية للبنان سوف تتأثر بطبيعة الحكومة القادمة. وهو كلام له ترجمة وحيدة هي: اذا صوتت الأغلبية للحريري وجماعته فان «بَرَكة» المساعدات سوف تغرق الجميع، أما اذا فاز فريق حزب الله وعون، فلا ينبغي أن ينتظر اللبنانيون شيئا يذكر من الادارة الأمريكية.
في الوقت ذاته ظل الزوار الآخرون يتقاطرون طوال الوقت على العاصمة اللبنانية، من الأمين العام للأمم المتحدة الى موفد خاص أرسله في وقت لاحق. والمبعوث الأمريكي الخاص الى الشرق الأوسط، الى وزراء خارجية الدول الغربية المعنية بالملف. وحين حل موعد التصويت والحسم، جاء الى بيروت وفد المعهد الوطني الديموقراطي الأمريكي، ووفد دولي يراقب الفرز، ومائة مراقب آخرون يمثلون الاتحاد الأوروبي، فضلا عن خمسين مراقبا يمثلون عشرين دولة، أوفدهم مركز كارتر.
كان واضحا للعيان أن أولئك القادمين من كل صوب لم يجيئوا الى بيروت محبة في الديموقراطية وغيرة على نزاهة الانتخابات، ولكن ذلك الاحتشاد كان في أغلبه تعبيرا عن حرص القوى الدولية على انجاح فريق الحريري (جماعة 14 آذار) لأن لها مصلحة حقيقية في ذلك. واذا أضفت الى ذلك أن دول معسكر «الاعتدال» العربية تقف في نفس الخندق داعمة لذات الفريق، فان ذلك يسلط ضوءا كافيا على حقيقة الصراع وأطرافه الأصليين. وهو ما يسوغ لنا أن نقول ان المعركة الانتخابية في لبنان أصبحت جزءا من الصراع الدائر في الشرق الأوسط بين معسكري «الاعتدال» الذي تقف فيه بعض الدول العربية مع الولايات المتحدة واسرائيل، والممانعة، الذي يضم دولا عربية أخرى مع عناصر المقاومة الوطنية وتدعمها ايران. وهو ذاته الصراع الحاصل في الساحة الفلسطينية وفي الساحة العربية. ان شئت فقل انه صراع بين مشروعين سياسيين مختلفين، ووجهتين متباينتين. ومن ثم فانه من هذه الزاوية، يعد تجسيدا للصراع حول مستقبل المنطقة.
(3)
اذا كانت الانتخابات اللبنانية تعد نقطة تحول في حسابات القوى الدولية والاقليمية، فان الانتخابات الرئاسية الايرانية تعد بدورها علامة فارقة في حسابات القوى المحلية. وربما جاز لنا أن نقول أيضا ان القوى الاقليمية كانت مشاركة في الانتخابات اللبنانية، لكنها ظلت متفرجة في الحالة الايرانية. واذا سمحت الأجواء اللبنانية لبعض الرموز أن يستقووا بالخارج وأن يتباهوا بذلك أمام الملأ، فان ذلك يعد انتحارا سياسيا لأي مرشح في ايران.
إذن في ايران صراع بين الداخل والداخل، درج كثيرون على اختزاله في التنافس بين المحافظين والاصلاحيين. ورغم أن لذلك الصراع تجلياته بدرجات متفاوتة،خصوصا بعد رحيل الامام الخميني، أي طوال العقدين الأخيرين، فان الجولة الحالية هي الأعنف والأكثر شراسة بين التيارين. والسبب في ذلك أنه يدور بين مرشحين اقوياء اقرب الى الانداد.
في البداية رشح حوالي 480 شخصا أنفسهم لمنصب رئيس الجمهورية، بينهم 42 امرأة. ولكن مجلس صيانة الدستور المكلف بالتحقق من توافر شروط وملاءمات الترشيح في المتقدمين أجاز أربعة أشخاص فقط اثنان حُسبا على المحافظين وآخران من الاصلاحيين. الأولان هما أحمدي نجاد الرئيس الحالي ومحسن رضائي الرئيس السابق للحرس الثوري لستة عشر عاما خلت. أما الاصلاحيان فهما الشيخ مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السابق والمهندس حسين مير موسوي الذي رأس الحكومة في الفترة بين عامي 1989/1981، وسواء كان ترشيح اثنين عن كل تيار تعبيرا عن تعدد مراكز القوى داخل الفريقين، أم أنه كان حيلة انتخابية لتشتيت الأصوات لاضعاف مركز أحمدي نجاد في الجولة الأولى، بحيث يحتشد الآخرون ضده في الاعادة، فالشاهد أن المرشحين الثلاثة لم ينافسوا بعضهم بعضا بقدر ما انهم صوبوا سهامهم طوال الوقت ضد أحمدي نجاد، حتى قال الرجل في مناظرته مع الشيخ كروبي انه وجهت اليه خلال الحملة الانتخابية 32 ألف تهمة و«افتراء»!.
رغم أن المرشحين يفترض أنهم يمثلون الاصلاحيين والمحافظين، فان شعاراتهم تداخلت بحيث أصبح يتعذر على المواطن العادي أن يعرف بالضبط من منهم الاصلاحي ومن المحافظ. فالمرشح الاصلاحي حرص على أن يبدو محافظا، وجولة الواحد منهم في المدن والقرى مثلا أصبحت تبدأ بزيارة مقبرة الشهداء ثم امام الجمعة وبعدهما يتجه الى المسجد لكي يؤدي الصلاة ــ والمرشح المحافظ ما فتئ يتحدث عن الحريات الاجتماعية والعامة، حتى حرص أحمدي نجاد على التذكير بأنه هو من سمح للنساء بدخول «الاستاد» للتشجيع في مباريات كرة القدم التي تجرى على أرضه. (المحافظون الحقيقيون في مدينة «قم» اعترضوا على قراره وأوقفوه).
المناظرات العلنية التي تمت بين الرئيس الحالي ومنافسيه وبثها التلفزيون خلال الأسبوع الماضي كانت تقليدا جديدا اتبع لأول مرة، سمح للمجتمع أن يتعرف على ما في جعبة كل مرشح. ومن الظواهر الجديدة أيضا أن النساء كان لهن دور بارز في حملات المرشحين. أحمدي نجاد كانت شقيقته بروين نجاد وفاطمة رجبي زوجة المتحدث باسم الحكومة في مقدمة الداعين الى تأييده. وهذا ما فعلته الدكتورة زهرا رهنود زوجة مير موسوي، وليلى بروجردي حفيدة الامام الخميني ومعصومة خدنك مع محسن رضائي (الثانية زوجته) وفاطمة كروبي زوجة الشيخ مهدي كروبي، الذي كان من قادة حملته أيضا الصحفية جميلة كديور.
الاتهامات الأساسية التي وجهت الى أحمدي نجاد ركزت على فشل سياسته الاقتصادية التي أدت الى زيادة التضخم وارتفاع معدلات البطالة، واساءة استخدام العوائد النفطية، وتوتير علاقة ايران بالعالم الخارجي، خصوصا حينما فتح ملف «المحرقة» ودخل بسببه في معركة مع اسرائيل خسرت فيها ايران تعاطف العالم الغربي.
أما أحمدي نجاد فقد رد على ناقديه باتهامه لهم بأنهم موالون للغرب ومفرطون في مبادئ الثورة، وبأن تشدده الذي يلام عليه كان سببا في تحسين موقف ايران بشأن الملف النووي. ذلك أن حكومته «بأقل ثمن ممكن أو بثمن يقترب من الصفر حققت أهداف السياسة الخارجية للبلاد» وعلى حد قوله. وفيما يخص عوائد النفط فانه ذكر أنها ذهبت لصالح الفقراء الذين كان تحسين أوضاعهم على رأس أولوياته ووعوده.
لا تزال المعركة محتدمة، والاستطلاعات تتحدث تارة عن تقدم «مير موسوي» على «أحمدي نجاد»، وتتنبأ تارة أخرى باحتمال الاعادة بين الرجل.
(4)
كما رأيت فالمعركة شرسة في ايران ولبنان، رغم التباينات بين الحالتين التي سبقت الاشارة الى بعضها فيما خص موقف القوى الاقليمية والدولية في كل منهما. لكن هناك فروقا أخرى يتعين الانتباه اليها، منها مثلا أن الاختلاف بين المرشحين في ايران هو حول الوسائل وليس المقاصد. بمعنى أن الجميع يتحرك تحت مظلة الثورة الاسلامية ومبادئها. كما أن اللعبة السياسية هناك لها سقف يتمثل في الدور الذي يؤديه المرشد في ضبط المسار العام. لكن الوضع مختلف تماما في لبنان، حيث لا توجد قواسم مشتركة بين الطرفين المتصارعين، ويتحرك كل منهما باتجاه معاكس للآخر. ثم ان السقف هناك محكوم بقواعد اللعبة الدولية، ولا دخل للأطراف المحلية فيه. من الفروق المهمة أيضا أن الخلاف بين التيارين في ايران سياسي وفكري بالدرجة الأولى. لكنه في لبنان لم يخل من مسحة مذهبية حرصت أطراف عدة على اذكائها، فقد اصطف فيها أغلب «أهل السنة» في جانب واصطف أغلب الشيعة في جانب آخر، كما انقسم الموارنة فيما بينهم. من تلك الفروق كذلك أن نتائج الانتخابات في ايران لن تؤثر كثيرا على موازين القوى في الشرق الأوسط، أما نتائج انتخابات لبنان فسوف ترجح كفة على أخرى، سواء في الاشتباك الحاصل الآن بين دول «الاعتدال» ودول الممانعة، أو في الموقف من المقاومة بشكل عام. وعلى ذكر الانقسامات فهي في ايران ليست بين اصلاحيين ومحافظين فحسب، ولكنها أيضا بين نخبة في المدن تقف وراء المهندس مير موسوي وقطاع عريض من العوام الذين ينتشرون في القرى يقفون الى جانب أحمدي نجاد. لكن هذا الاختلاف «الطبقي» اذا جاز التعبير ليس قائما في لبنان، الذي اخترق فيه الاختلاف المذهبي كل الطبقات.
ذلك كله لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأهم التي تتمثل في أن الناس في نهاية المطاف وعند الحد الأدنى هم الذين يختارون الفائزين، لكن هذه الحالة على تواضعها تظل متجاوزة للحد الأقصى في أقطار أخرى، أعرفها وتعرفها.

Delete this element to display blogger navbar