Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2009

بدعة الأمن الفكري

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 7 جمادى الآخر 1430 – 31 مايو 2009
بدعة الأمن الفكري - فهمى هويدى
لا أخفي قلقا من صك وتداول مصطلح «الأمن الفكري»، وهذا القلق يتضاعف مرات إذا عرفنا أن الجهات الأمنية هي التي أطلقته، الأمر الذي يضفي على العملية عنصرا بوليسيا لا تخفى دلالته. صحيح أننا درجنا على الحديث عن الأمن القومي والأمن الغذائي والأمن المائي وتطرقنا إلى الأمن الاجتماعي والسياسي، وكان بوسعنا في كل مرة أن نحدد بصورة أو أخرى الدائرة التي يلتمس فيها ذلك «الأمن» وملامح وجوده على أرض الواقع، لكن إضافة الأمن الفكري إلى القائمة تضعنا بإزاء مصطلح فضفاض للغاية، لا تعرف حدوده وتحيرنا كثيرا مقاصده. فضلا عن أنه يثير عديدا من الأسئلة حول معايير قياس الأمن المنشود، والجهة التي يحتكم إليها في تحديد مدى توافر ذلك الأمن من عدمه.
كنت قد سمعت ذكرا لمصطلح الأمن الفكري في تونس، التي لا صوت فيها يعلو فوق صوت الأمن. ولذلك أقيم فيها مقر مؤتمرات وزراء الداخلية العرب، الذين هم أنشط الفاعلين في العمل العربي المشترك، وقيل لي اخيرا إن المصطلح بدأ يتردد في المملكة المغربية، التي تخوض فيها الأجهزة الأمنية معركة ضد الحركات الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرفة. وبالمناسبة فإن البعض في المغرب أصبحوا يتحدثون عن «الأمن الروحي»، في تعبير عن التحيز للطرق الصوفية التي أصبحت تحظى برعاية خاصة هناك، ربما كرد فعل لظهور جماعات العنف المسلح، التي تتحدث وسائل الإعلام عن انتسابها إلى تنظيم القاعدة. الجديد في الأمر أن مصطلح «الأمن الفكري» الذي ظل يتردد في الفضاء العربي خلال السنوات الأخيرة بدأ يتبلور في أوضاع مؤسسيه على أرض الواقع. فقرأنا عن كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز (وزير الداخلية السعودي) لدراسات الأمن الفكري في جامعة الملك سعود بالرياض. ثم نظم في الأسبوع الماضي «المؤتمر الوطني الأول لدراسات الأمن الفكري» في إطار الجامعة ذاتها. الأمر الذي يعني أن الموضوع بدأ يكبر وتكبر معه بالتالي ذراع الأمن ودوره في الساحة الثقافية، التي نعلم أن الأمن لم يكن غائبا عنها. ولكن الوضع المستجد يضفي شرعية على حضور ودور الأجهزة الأمنية، التي ظلت طيلة السنوات الماضية تعمل وراء الأستار وبعيدا عن الأعين.
تابعت ما نشر عن مؤتمر الأمن الفكري الذي عقد في الرياض اخيرا، ووجدت أن تركيزه الأساسي انصب على كيفية محاربة الفكر المتطرف والدعوة إلى الوسطية والاعتدال، وهو أمر له أهميته في السعودية وفي دول المنطقة الأخرى. من ثم فلا خلاف حول الموضوع، لكن التحفظات تثار بشأن كيفية التعامل معه والجهة أو الجهات التي يناط بها التصدى للمشكلة.
أدري أن الموضوع كبير، أكبر من أن يتصدى له فرد بذاته، كما أنه أكبر من أن يتم تناوله في هذه الزاوية. لكن لي فيه كلمات أولاها أنني لا أخفي امتعاضا من استخدام مصطلح «الأمن الفكري»، وأعتبره المدخل الغلط للتعامل مع الموضوع. كما أنني أسجل اعتراضا على تسليم الملف إلى أجهزة الأمن، التي لا ينبغي أن نقلل من دورها، ولكن هذا الدور يأتي لاحقا لأدوار جهات أخرى أو مكملا لها، ذلك أن التطرف أو الإرهاب هو مشكلة مجتمعية قبل أن يكون مشكلة أمنية. والتصدي لأي منهما لا ينبغي أن يترك للأمن وحده، وهو لن يحقق نجاحا إلا إذا فتحت أبواب الاعتدال واسعة، وتضافرت في ذلك جهود مؤسسات الدولة الأخرى، السياسية والتعليمية والدعوية والثقافية والإعلامية، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني. إنني أخشى أن يكون مصطلح الأمن الفكري مرادفا للقمع الفكري، وهذا الهاجس لن يزول إلا إذا أخرجنا الأمن من الموضوع، وكففنا عن مطالبة أجهزته بتدارك آثار فشل السياسة وخيباتها.

30 مايو، 2009

زمن شرعية القواعد العسكرية

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 6 جمادى الآخر 1430 – 30 مايو 2009
زمن شرعية القواعد العسكرية - فهمى هويدى
زفَّت إلينا صحف الأربعاء الماضي (5/27) خبر الافتتاح الرسمي لأول قاعدة عسكرية فرنسية على سواحل الخليج العربي. ورأينا على الصفحات الأولى صور الرئيس الفرنسي وهو يتمشى مختالا في أبوظبي، مصحوبا ببعض المسؤولين الإماراتيين. وقد ظهرت في خلفيته بارجة فرنسية ضخمة اصطف أمامها طابور طويل من جنود البحرية الفرنسية. وعلمنا من الكلام المنشور أن هذه ليست أول قاعدة عسكرية فرنسية في منطقة الخليج فحسب، وإنما هي الأولى منذ خروج الاحتلال الفرنسي من أفريقيا. علمنا أيضا أن تجهيز القاعدة استغرق 18 شهرا تقريبا، وسيعمل بها ما بين 400 و500 عسكري فرنسي، يتوزعون على ثلاثة مواقع هي: قاعدة بحرية في ميناء أبوظبي، وقاعدة جوية. إضافة إلى معسكر للتدريب على القتال في المدن وفي المناطق الصحراوية.
في الافتتاح أعلن أن «معسكر السلام البحري»، وهو الاسم الحركي للقاعدة العسكرية، يشكل مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين في اطار «معاهدة الدفاع المشترك» التي سبق توقيعها عام 1994، وقال الرئيس ساركوزي في تسويقه للعملية ان القاعدة العسكرية تشكل «رسالة سلام» إلى المنطقة بكاملها، وأضاف أن الوجود العسكري في أبوظبي دليل على ان فرنسا كقوة عالمية تمارس مع «حليفتها الإمارات» دورا في الدفاع عن الاستقرار في منطقة تشكل قلقا عالميا.
في حدود علمي فإن هذه هي المرة الأولى التي يحتفل فيها باقامة قاعدة عسكرية أجنبية على أرض عربية. صحيح أن ثمة قواعد عسكرية أميركية كثيرة في العالم العربي (كانت مجلة نيوزويك قد نشرت في شهر فبراير عام 2003 «قبل غزو العراق» خريطة لـ 35 قاعدة عسكرية في العالم العربي)، لكن هذه القواعد لاتزال غير معلنة رسميا وبعضها أقيم تحت مسميات مختلفة (تسهيلات مثلا). وفي التراشق السياسي الذي يحدث احيانا بين الدول العربية، يعير البعض ويجرَّحون جراء اتهامهم باستقبال قواعد أجنبية على أراضيهم. وبالمناسبة فإن وجود قاعدة فرنسية في منطقة يفترض أنها ساحة للقواعد الأميركية يثير الانتباه. ولا يفسر إلا بحسبانه من مظاهر التنافس أو التنسيق بين الدولتين الكبيرتين. وقد علق على ذلك أحد الخبراء بقوله اننا في الماضي كنا نتحدث عن تنويع مصادر السلاح، لكننا الآن دخلنا طورا جديدا انتقلنا في ظله إلى مرحلة تنويع القواعد العسكرية الأجنبية.
جيلنا كان يعتبر وجود القواعد العسكرية الأجنبية من الكبائر المحرمة سياسيا. وإلى عهد قريب كانت الثقافة السائدة في العالم العربي تصنف تلك القواعد بحسبانها فعلا فاضحا لا يتحقق الاستقلال إلا بعد الخلاص منه. ولكن هذه الثقافة انتكست بشدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بحيث أصبح وجود تلك القواعد حدثا عاديا يحتفى به رسميا وعلنا، وتبرزه الصحف وكأنه انجاز سياسي، الأمر الذي يشهد بمدى تدهور الثقافة السياسية السائدة.
الحدث يستدعي ملف أزمة النظام العربي، الذي كانت اتفاقية الدفاع المشترك بين الدول العربية من افرازاته. ويثير أكثر من سؤال حول الملابسات التي دفعت دولة الإمارات وغيرها من دول الخليج إلى محاولة البحث عن «كفيل» غربي يؤمنها، كما يثير سؤالا حول خيارات دولة الإمارات في مواجهة ما تعتبره تطلعات إيرانية، وهل تكون بالسعي لإحياء النظام العربي أم بتوقيع اتفاقية عدم اعتداء مع إيران أو الاحتماء بالدفاع المشترك مع فرنسا وإقامة قاعدة عسكرية لها على أراضيها؟. أيا كانت الإجابة عن تلك الأسئلة، فليتنا نتفق على أن الكبائر والموبقات السياسية لا ينبغي لها تحت أي ظرف أن تصبح من المباحات، لأنه في السياسة كما في الدين يظل الحرام بيِّنا والحلال بيِّنا. ولا مجال لاعتبار التطوع باستقدام القوات الأجنبية من المشتبهات.

28 مايو، 2009

أخبار منزوعة البراءة

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 4 جمادى الآخر 1430 – 28 مايو 2009
أخبار منزوعة البراءة - فهمى هويدى
قبل 24 ساعة من مناقشة الميزانية المخصصة لإغلاق معتقل جوانتانامو حدث مايلي: أعلن في نيويورك عن القبض على خلية «إرهابية» ضمت أربعة أشخاص وجهت إليهم تهمة التخطيط لتفجير كنيس يهودي وإسقاط طائرة عسكرية باستخدام صاروخ محمول على الكتف. أثناء التحقيق تبين أن ثلاثة منهم دخلوا الإسلام في السجون. وقال أحدهم إنه كان يتعاطى المخدرات أثناء القبض عليه. كما تبين أن واحدا منهم مريض نفسيا إلى جانب أنه «أمي» لا يجيد القراءة والكتابة. أما الثالث الذي اعتبره الادعاء «أعتى أفراد العصابة» فقد وصف بأنه رث الهيئة، يمشي وسرواله يكاد يسقط على الأرض. تبين أيضا أن أولئك الإرهابيين لم يتدربوا على السلاح في أي مكان معلوم، وأنهم معروفون في ملفات الإجرام بالولايات المتحدة. أضافت التقارير الصحافية أن مخبرا من عناصر المباحث الفيدرالية كان قد اخترق المجموعة، حينما لاحظ أن أفرادها يتحدثون عن كراهية اليهود والحرب الأميركية في العراق. وهذا المخبر استدرجهم ووفر لهم صاروخا غير فعال ومتفجرات فاسدة. وسجل لهم حواراتهم، وظل يراقبهم لمدة عام.

القضية مطبوخة وتوقيت إعلانها قبل 24 ساعة من تصويت الكونجرس مريب. إذ لست أشك في أن ذلك الإعلان الموحي بتجدد خطر «الإرهاب» عزز موقف الرافضين لإغلاق معسكر جوانتانامو، مما أدى إلى رفض إقرار الميزانية التي طلبها الرئيس الأميركي. وهو ما يضعنا بإزاء نموذج للتسريب الإعلامي الذي يستهدف تحقيق أهداف سياسية. ويبدو أننا نعيش هذه الأيام أحد مواسم اللعب بالإعلام في حلبة السياسة. ذلك واضح بشدة في الحالة اللبنانية. إذ يعرف الجميع أن ثمة معركة انتخابية مصيرية وحامية الوطيس ستحسم في السابع من شهر يونيو المقبل. ولأن أطرافا دولية وعربية حريصة على مساعدة تيار سعد الحريري «جماعة 14 آذار»، فإن نائب الرئيس الأميركي جون بايدن قام بزيارة مفاجئة لبيروت، لأول مرة منذ 26 عاما، وهناك التقى أركان تجمع 14 آذار، ثم أعلن في تصريحات صحافية أن مساعدات الولايات المتحدة للبنان سيحددها شكل الحكومة المقبلة «التي ستسفر عنها الانتخابات» في رسالة واضحة تقول للناخب اللبناني إن المساعدات الأميركية مشروطة بالتصويت للحريري وجماعته، أما إذا نجح تحالف حزب الله والجنرال عون «8 آذار» فلا مساعدات ولا يحزنون، ليس ذلك فحسب، وإنما سرب وسط ذلك الجو المحموم خبر نشرته صحيفة «دير شبيجل» الألمانية اتهم حزب الله بالضلوع في قتل الرئيس رفيق الحريري وأصبح التسريب عنوانا رئيسيا لصحيفة الشرق الأوسط «يوم 24/ 5» نصه كالتالي: تقرير ألماني: حزب الله اغتال الحريري هكذا مرة واحدة وفي الوقت ذاته تولت قناة «العربية» مهمة التركيز على الخبر طوال 24 ساعة، حدث ذلك في الوقت الذي استغربت فيه ناطقة باسم المحكمة الدولية الشائعة، وقالت للوكالة الفرنسية إنها لا تعرف من أين جاءوا بها. ويتضح في النهاية أننا بصدد فصل في التعبئة الانتخابية المضادة، كان الإعلام سلاحها الذي استهدف قصف مواقع الطرف الآخر تناغما مع تصريحات السيد بايدن لإضعاف فرصته في الفوز.

هذه التعبئة الإعلامية المضادة واضحة أيضا في حملة التخويف مما سمي بالخطر الإيراني. وهي الفزاعة التي تركز عليها إسرائيل بشدة، في حين تستمر في تهويد القدس وتوسيع المستوطنات. هذه الحملة عرفت طريقها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، التي كانت العناوين الرئيسية لصفحاتها الأولى خلال الأسبوع الماضي كالتالي: واشنطن: طهران في مفترق طرق ولصبرنا حدود «21/ 5» واشنطن: صواريخ إيران أكثر تطورا مما تصورنا «22/ 5» رئيس الأركان الأميركي: إيران تقترب من السلاح النووي ووقت الديبلوماسية ينفد «25/5» «لاحظ أن أميركا هي المتحدث في كل مرة».

حين فقدت الأخبار براءتها على النحو الذي رأيت، فإنها لم تعد وسيلة لتنوير الرأي العام، وإنما حولها أهل السياسة إلى أداة لتضليل الناس والعبث بمشاعرهم.

27 مايو، 2009

ما هو الثمن؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 3 جمادى الآخر 1430 – 27 مايو 2009
ما هو الثمن ؟ - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_27.html
أول من أمس (الاثنين 25 مايو الجاري) نشرت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية الخبر التالي منسوبا إلى محررها باراك رافيد: وافقت إسرائيل على سحب اعتراضها على انتخاب السيد فاروق حسني وزير الثقافة المصري مديرا لمنظمة اليونسكو. وكان ذلك ثمرة اتفاق تم بين الرئيس حسني مبارك ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أثناء اجتماعهما الذي عُقد في شرم الشيخ يوم 11 مايو الجاري. وفي تقديمه ذكر المراسل أن فاروق حسني الذي يشغل منصب وزير الثقافة بمصر منذ 22 عاما (عُيِّن في عام 1987) قال ذات مرة إنه لو استطاع لأحرق الكتب الإسرائيلية التي عرفت طريقها إلى المكتبات المصرية.
أضاف المراسل أن القرار الإسرائيلي جزء من صفقة سرية تم الاتفاق عليها بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي. وليس معلوما طبيعة المقابل الذي حصل عليه نتنياهو لتغيير موقف حكومته، لكن مسؤولا كبيرا في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي صرح بأن الصفقة تبادلية، وأن مصر ستتجاوب مع القرار باتخاذ خطوات أخرى من جانبها، فيما يعتبر مقابلا جيدا وملموسا. وأضاف أن إسرائيل ما كان لها أن تتخذ هذه الخطوة إلا إذا اطمأنت إلى أن ذلك يحقق مصالحها في نهاية المطاف.
هذا الجزء الأخير تجاهلته بعض الصحف المصرية التي نشرت الخبر، في حين لم تتوقف عنده صحف أخرى، الأمر الذي لا يقلل من أهمية التساؤل عن طبيعة الثمن الذي دفعته مصر في الصفقة، علما بأن المقابل المدفوع سيكون ماديا وملموسا وفي مصلحة إسرائيل، حسب كلام المسؤول الإسرائيلي الكبير، في حين أن القرار الإسرائيلي سياسي وأدبي لا أكثر. فضلا عن أنه لا يشكل ضمانة كافية لفوز الوزير المصري بالمنصب المنشود.
ليست هذه هي الملاحظة الوحيدة على أهميتها، لكن الملاحظة الأخرى التي لا تقل أهمية، والتي لا تخلو من مفارقة، أن إسرائيل لم تنس جملة قالها السيد فاروق حسني أثناء مناقشة برلمانية، ثم كفّر عنها بعد ذلك بدعوة الموسيقار الإسرائيلي دانيال بارينبوم لتقديم حفل في دار الأوبرا المصرية، دُعي إليه أغلب رموز الثقافة في مصر، الأمر الذي بدا كأنه اعتذار ومصالحة جماعية، ليس من الوزير فحسب، ولكن من أغلب المثقفين الرافضين للتطبيع مع إسرائيل.
المفارقة أن السيد نتنياهو حين جاء إلى شرم الشيخ، وعقد الصفقة التي «صفح» فيها عن السيد فاروق حسني، اصطحب معه بنيامين أليعازر، وزير الصناعة في حكومته، الذي قدمه إلى الرئيس باعتباره «صديقا قديما». وهذا «الصديق القديم» كان قائدا لوحدة «شكيد» الإسرائيلية التي قتلت 250 جنديا من وحدة كوماندوز مصرية في عام 1967. وقد تم تحقيق هذه الجريمة في فيلم وثائقي باسم «روح اشكيد» بثه التلفزيون الإسرائيلي في مارس عام 2007، وتضمن بعض مشاهد إطلاق النار على الجنود المصريين في العريش خلال حرب يونيو. وكان لبث الفيلم صداه الذي أغضب المصريين وأحرج الحكومة آنذاك، فقدمت ست دعاوى قضائية «لم يعرف مصيرها» ضد بن أليعازر بوصفه قائدا لوحدة قتل الجنود المصريين، في حين ألغيت زيارة لمصر كان مقررا أن يقوم بها باعتباره وزيرا في حكومة أولمرت. وقرأنا أن وزير خارجية مصر بعث برسالة «شديدة اللهجة» إلى وزيرة خارجية إسرائيل، ثم طويت صفحة الرجل بعد ذلك، وسكتت مصر عن جريمته ثم استقبلته بعد ذلك كصديق!
ينتابني شعور بالخزي والعار حين أجد أننا أغلقنا ملف قتل الأسرى المصريين ونسيناه، ثم استقبلنا أحد كبار القَتَلة بعد ذلك ضمن وفد عقد في شرم الشيخ صفقة لمسامحة وزير الثقافة على بضع كلمات قالها بحق الكتب الإسرائيلية. هل يُعقل أن يصبح طموح الوزير أغلى وأعز من دماء 250 جنديا مصريا؟.. وأليس من حقنا أن نعرف الثمن الذي دفع في تلك الصفقة، وأن نفهم كيف تحوّل قاتل الجنود المصريين إلى صديق؟! علما بأن جريمته بحقنا مما لا يسقط بمضي المدة بحكم القانون.



26 مايو، 2009

عن مصر المكان والمكانة

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 2 جمادى الآخر 1430 – 26 مايو 2009
عن مصر المكان والمكانة - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_26.html
حين يختار الرئيس باراك اوباما القاهرة لكي يوجه منها رسالة الى العالم العربي والاسلامي، فان احد الاسئلة التي ينبغي ان نفكر في الاجابة عليها هو ما اذا كان قد قصد المكان ام المكانة؟
(1)
ما دعاني الى طرح السؤال انه منذ اعلن النبأ في واشنطن فان صداه في مصر كان مبالغاً فيه، حتى ذهب سيل التحليلات التي نشرت في الصحف القومية بوجه اخص الى ان القرار بمنزلة شهادة جدارة للوضع القائم في مصر ووسام رصع جبينها . ولم يفت الذين كتبوا ذلك الكلام ان يشددوا على ان اختيار الرئيس الامريكي يرد على المتشككين ويقطع السنة المتقولين الذين يتحدثون عن تراجع مكانة مصر ودورها في محيطها العربي والإسلامى . ولم تكن تلك هي المبالغة الوحيدة ، لانني احد الذين يزعمون ان الآمال المعلقة على الادارة الامريكية الجديدة لا تخلو بدورها من مبالغة . وقد قصدت استخدام مصطلح الادارة الاميركية ، لان السياسة هناك ليست محكومة بنوايا الرئيس ورغباته الشخصية ، ولكنها تمر بقنوات مؤسسية كثيرة تؤثر في قرار الرئيس وموقفه ، بحيث قد تجعل من السياسة شيئا آخر مختلفا عما يردده السياسي الجالس على مقعد الرئيس . وهكذا شق في المسالة تصدى له عدد غير قليل من المعلقين الذين دعوا الى عدم التسرع والاستباق في الحكم على سياسة الرجل ، ومن ثم التعامل مع مقولاته بخليط من الترقب والحذر ، انتظارا للمرحلة التي تترجم فيها رسائله المطمئنة والمريحة الى افعال ومواقف تتبناها ادارته وحكومته . وحين يتعلق الامر بالشرق الاوسط وبالعلاقة مع الاسلام والمسلمين بوجه اخص ، فان الحذر يصبح اوجب ، لأن لأي رئيس امريكي كوابح وحدودا في التعامل معها لا يستطيع ان يتجاوزها ، حتى لو اراد .
لست في صدد تقييم موقف الادارة الامريكية الجديدة ، ولكني معني بمحاولة الاجابة على السؤال الذي طرحته في البداية ، المتعلق بالمكان والمكانة في مصر الراهنة . وهوما يدعوني الى استطراد بسيط يسلط الضوء على خلفيات زيارة الـ14 ساعة التي سيقوم بها الرئيس اوباما الى مصر في الرابع من شهر يونيوالقادم - ذلك ان الباحث لا تفوته ملاحظة ان الرئيس الامريكي كان قد خاطب العالم العربي والاسلامي بشكل مباشر مرتين على الاقل خلال المائة يوم الاولى من ولايته. احداها اثناء زيارته لتركيا في الخامس من شهر ابريل الماضي والثانية جاءت في ثنايا الرسالة التي وجهها الى الشعب الايراني بمناسبة عيد النوروز في شهر مارس . وقبل ذلك وجه اشارة ايجابية في اكثر من خطاب له ذكر فيها ان الولايات المتحدة ليست في حرب اواشتباك مع الاسلام، بل انه لم يستخدم مصطلح الحرب ضد الارهاب ، الذي لم يكن يخلومنه بيان سياسي صادر عن الادارة السابقة .
اذا صح انه سيوجه من القاهرة في زيارته المرتقبة رسالة الى العالم العربي والاسلامي للمرة الثالثة ، فان ذلك يحتاج الى تفسير . وقد القيت سؤالا في هذه النقطة على الصحفي الامريكي البارز سيمور هيرش ، محرر مجلة »نيويوركر« ذائع الصيت، حين التقيت به في دبي قبل ايام. في رده قال انه ليست لديه اجابة محددة ، لكنه لا يستبعد احد احتمالين، احدهما ان يكون لدى الرئيس اوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الاسرائيلي ، خصوصا ان زيارته للقاهرة تاتي بعد لقائه في واشنطن مع ممثلين للاطراف الثلاثة : ممثلي "المعتدلين" العرب والاسرائيليين والفلسطينيين . الاحتمال الثاني ان يكون اوباما قد ادخل تعديلا على برنامج زيارته الخارجية بناء على نصيحة بعض الجهات المعنية في واشنطن ، لكي يوجه لفتة خاصة الى مصر، التي ترعى حوار الفصائل الفلسطينية في حين تحتفظ بعلاقات ايجابية مع اسرائيل ، خصوصا ان القاهرة كانت قد توقعت منذ البداية ان تكون هي وليست انقرة المنصة التي يوجه منها الرئيس الامريكي الجديد اول خطاباته الى العالم الاسلامي.
(2)
موضوع مكانة مصر اثير في الاجتماع الاخير لمنتدى الاعلام العربي الذي عقد في دبي قبل عشرة ايام . اذ خصصت جلسة للفضائيات المصرية طرح فيها السؤال التالي : هل يمكن ان يستعيد الاعلام المصري مجده؟ - دعك من ان الاعلام اختزل في الفضائيات دون غيرها، الامر الذي استدعى استضافة اربعة من مسؤولي ونجوم القنوات المصرية ، لأن السؤال تمت صياغته بصورة افترضت ان الاعلام المصري لم يعد مؤثرا في الفضاء العربي . وهذا الافتراض لم يختلف عليه احد سواء من المتحدثين على المنصة ، اومن نخبة المثقفين المشاركين في الجلسة .
المتحدثون اثاروا ثلاث نقاط . الاولى ان لديهم هامشا واسعا في الحركة ، والثانية انهم يدركون انهم يؤدون مهمتهم في حدود الظروف المتاحة ، مدركين انهم يعيشون في بلد له اوضاعه الخاصة التي تختلف عن النماذج السائدة في اوروبا مثلا . والثالثة انهم يدركون ان هناك طفرة اعلامية في العالم العربي ، وان مسالة الريادة المصرية في الاعلام لم تستمر ، بعدما طور الاعلام العربي من امكانياته واصبح الجميع يتنافسون على جذب المشاهد العربي .
كلام ممثلي القنوات الفضائية المصرية كان صادقا ومعقولا . اما صدى الكلام لدى جمهور الحاضرين فقد كان مثيرا للانتباه . ذلك ان الاغلبية الساحقة من المتحدثين ركزوا على ان الفضائيات المصرية تعاني من الانكفاء والتركيز على الداخل. حتى قال احد المعلقين انها ليست فضائيات بالمعنى المعروف ، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي . آخرون تحدثوا عن انخفاض سقف الحرية في القنوات المصرية ، الامر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية اخرى منافسة . وخلال المناقشة سمعت اثنين من المثقفين العرب يقول احدهما للآخر ان مصر حين تقود الدعوة الى مراقبة مكاتب الفضائيات العربية وتستصدر لذلك قرارا من وزراء الاعلام العرب ، فان ذلك يغلق الباب امام احتمال استعادة الاعلام المصري لمجده . فرد الآخر قائلا انه اذا كانت وزارة الاعلام المصرية تتبنى هذا الموقف ازاء القنوات العربية ، فلا بد ان تكون قبضتها الرقابية على القنوات المحلية اشد واكثر صرامة . في هذه الاثناء وقف احد المثقفين قائلا انه ليس من العدل ان يوجه كل اللوم والعتاب للقنوات الفضائية ، لان الاعلام في مصر اذا كان منكفئا اومقيد الحركة ، فان ذلك يعد مرآة للسياسة ، ولذلك فليس من الانصاف ان يوجه الاتهام للاعلام المصري بالضعف ، لان الضعف الحقيقي يكمن في تراجع السياسة المسيطرة .
(3)
هذا التشخيص له شواهد اخرى تؤيده . لان غياب التاثير المصري عن ساحة الاعلام له نظيره في عالم السياسة . ذلك ان الذي يتاح لهم ان يترددوا في العواصم العربية في المشرق والمغرب - وانا احدهم - يواجهون حيثما ذهبوا بالسؤال : اين مصر ومتى تعود ؟ وكانت السودان احدث محطة سمعت فيها السؤال، حتى قال لي احد مثقفيهم ان الرؤساء والملوك العرب حيت وقعوا في انشاص عام 1946بيانهم الخاص بشان فلسطين ، فان الملك فاروق وُصِف في البيان بانه «صاحب بلاد النوبة والسودان وكردفان ودارفور» . وعلق على ذلك قائلا ان مصر الراهنة نفضت يدها من كل ذلك وادارت ظهرها لحدودها الجنوبية تماماً ، حتى اصبح بعض الناس فيها لا يعرفون الفرق بين دارفور وكارفور (المتجر الكبير) . وقال لي مثقف تونسي ذات مرة ان مصر في السابق كانت ترسل الى تونس نخبة من اساتذة الجامعات المرموقين ، ولكنها اصبحت الان توفد اليها ضباط المباحث ، ورجال امن الدولة . وفي لبنان - كما في اوساط الفصائل الفلسطينية - يتحدثون عن غياب مصر الشقيقة الكبرى ، وظهور وجه آخر لمصر لم تعد فيه فوق الصراعات والتحالفات ، ولكنها اصبحت طرفا في تلك الصراعات والتحالفات ، الامر الذي نال من هيبتها ومرجعيتها . واستوقفني في حوار مع بعض ممثلي الفصائل قول احدهم انهم يجيئون الى القاهرة امتثالاً «لقهر الجغرافيا» . وكان المصطلح جديداً على مسامعي ، حيث ادركت ان المقصود به هوالضرورة الجغرافية الملحة التي جعلت غزة ملاصقة للحدود المصرية ، ومن ثم اصبحت المنفذ الوحيد للفلسطينيين الى العالم الخارجي ، الذي لا يمر باسرائيل .
الشواهد كثيرة على تغير المكانة واختلافها في العقود الثلاثة الاخيرة ، عما كانت عليه قبل ذلك . حتى شاع في الكتابات السياسية وصف تلك العقود بانها مرحلة «الجزر» ، في مقابل سابقاتها التي اعتبرت سنوات المد القومي .
لا غرابة والامر كذلك ، ان يتحدث الباحثون في الشؤون الاستراتيجية والسياسية عن ثلاثة مشروعات تتحرك في المنطقة هي : التركي والايراني والاسرائيلي . ولا يكاد المرء يجد اشارة الى تحرك للدور المصري الا في حدود ما تنشره صحفنا القومية لاسباب مفهومة . واذا اردنا ان نكون اكثر دقة فاننا لا نكاد نجد دورا لمصر الراهنة الا في حدود رعاية حوارات الساحة الفلسطينية التي فرضتها الضرورة الجغرافية . ولا يفوتنا هنا ان نلاحظ ان بلدا مثل قطر (لا وجه للمقارنة مع تركيا بالمناسبة) اصبح يتحرك على مساحة في العالم العربي اوسع بكثير ، حتى اثبت وجودا في لبنان وفلسطين واليمن وفي العلاقات بين تشاد والسودان .
(4)
تسلط كتابات الدكتور جمال حمدان عالم الجغرافيا السياسية الاشهر اضواء مهمة على الدور المصري في صعوده وتراجعه . ويظل كتابه عن عبقرية المكان في «شخصية مصر» مرجعا مهما في ذلك ، رغم صدور اجزائه الثلاثة قبل نحو 30 عاما . وقد وقعت في ثنايا الجزء الثاني من مؤلفه على بعض الخلاصات التي تتصل بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده . ولم استطع ان اقاوم الرغبة في التذكير بها في ختام المقال . من ذلك قوله ما يلي :
* كقاعدة عامة اساسية، تتناسب قوة مصر السياسية تناسبا عكسيا مع درجة عزلتها وانغلاقها داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي ، وطرديا مع مدى انطلاقها خارج حدودها . فكلما كانت مصر ضعيفة عاجزة ، تضاءل حجمها السياسي وخف وزنها ، كلما انطوت وتقوقعت داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي . وعلى العكس ، كلما كانت قوية فوارة وزاد ثقلها ، كلما فاضت قدرتها خارج حدودها وامتد نفوذها وتمدد وجودها عبرها (ص 723) .
* كما كانت عزلة مصر السياسية تعني عزلتها عن العرب بالتحديد ، فان تلك العزلة كانت دائما نتيجة لارتباطها بالغرب بالتحديد . فسواء في ظل خضوعها للاستعمار المباشر كما في مصر الملكية ، اوفي ظل تعاونها معه كما في السبعينات اخيرا ، فان عزلة مصر العربية كانت من نتاج ارتباطها بالغرب عموما واستعماره اوامبرياليته خصوصا . وعلى العكس كان الاستقلال السياسي الحقيقي يرادف كسر العزلة السياسية وفك العزلة عن العرب بالدقة . (ص 724)
* اثبتت تجربة القرن الاخير على الاقل ان الاستعمار الغربي او الامبريالية العالمية لا مانع لديها بالضرورة من الاعتراف بزعامة مصر الاقليمية اوالعربية في حد ذاتها ، اذا ما هي اعترفت بالتبعية لها اوبالتحالف معها . فما دامت زعامة مصر الاقليمية تضمن لها ان تنقاد المنطقة برمتها خلفها التبعية لها ، فلا باس في الاعتراف لها بتلك الزعامة بل وتثبيتها فيها (ص 725) انك اذا طالعت هذه الخلاصات مرة ثانية فستجد فيها اجابة على كثير من الاسئلة المثارة حول مكان مصر ومكانتها . كما ستجد فيها تفسيراً لعوامل المد والجزر في الحالة المصرية ، قد تريحك من ناحية وتعذبك من ناحية اخرى .

25 مايو، 2009

بكائية على جدران الجامعة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأثنين 1 جمادى الأخر 1430 –25 مايو 2009
بكائية على جدران الجامعة - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_25.html
«حين وجدت أن الجامعات المصرية خرجت من قائمة أفضل 500 جامعة في العالم، في حين ضمت القائمة ست جامعات إسرائيلية وثلاثا من جنوب أفريقيا، استعادت ذاكرتي تجربة أربعين عاما عشتها في رحاب الجامعة، طالبا ثم معيدا، ثم صعودا في درجاتها المختلفة حتى صرت أستاذا بهندسة الإسكندرية.
وخلال هذه الرحلة عايشت وشاهدت أحداثا ومواقف لم تستطع السنون أن تمحوها. خلال هذه الرحلة شاهدت في الجامعة أساتذة وطلابا كانوا طرفا فاعلا في حركة المجتمع وفي مواجهة نظام الحكم. كما كنت شاهدا على قوة وحيوية المجتمع المدني في مصر. الذي جرى التضييق عليه بقسوة في وقت لاحق. حتى فقد عافيته وأصبح عاجزا ومشلولا في أحيان كثيرة.
إن شريط التجربة طويل وحافل، كما أن دروسها لا تحصى، وإذا جاز لي أن أشير إلى بعض مشاهدها غير المنسية. فإنني أذكر منها اللقطات التالية:
- عاصرت كلية هندسة الإسكندرية وأبوابها الثمانية جميعا مفتوحة على مصاريعها، وكذلك باقي كليات الجامعة، والطلاب يتنقلون من كلية لأخرى دون أن يستجوبهم أحد. ومرت السنون وعشت لأشاهد الكلية وأربعة من أبوابها مغلقة بصفة دائمة، وبابان يفتحان نهارا لدخول الأساتذة والعاملين، والبابان الباقيان تحولا إلى معابر حصينة لمرور الطلاب، بل تفتيشهم إذا لزم الأمر.
- عاصرت الانتخابات الطلابية تجرى بنزاهة وحرية، في عصر شمولي، ويخصص للأنشطة الطلابية ميزانيات كبيرة، ينفقها الاتحاد المنتخب دون وصاية من أحد. وعشت لأشاهد الانتخابات الطلابية في الجامعة تحسم بالتزكية في إدارات أمنية منذ أكثر من عشر سنوات، وينصب على اللجان الطلابية المختلفة أساتذة، أسموهم روادا للأنشطة، وقالوا في الظاهر إن بيدهم مفاتيح كل شيء في حين أنه ليس لهم من الأمر شيء.
- عاصرت الجامعة في مظاهرات 1968 وحرس الجامعة يذود عن أسوارها وأبوابها ويتصدى لقوات الداخلية التي حاصرتها، مستشعرا قدسية دوره في حماية الحرم الجامعي ومن يلوذ به من أساتذة وطلاب. وعشت لأشاهد الحرس الجامعي يسمح بدخول البلطجية ومن يسمون جنود الأمن، للاعتداء على الطلاب واعتقالهم، وما مقتل الطالب محمد السقا برصاص الشرطة منا ببعيد.
- عاصرت، كطالب، مجلس كلية الهندسة وقد ثار لأن طالبا بالسنة الرابعة فقد بصره من جراء قذائف الخرطوش التي استخدمتها قوات الداخلية في قمع مظاهرات 1968، فشكل لجنة لامتحان الطالب شفاهة، ومنحت لأول مرة درجة بكالوريوس الهندسة لطالب ضرير. ومرت السنون وعشت لأشاهد إدارات الكليات والجامعة تتبارى، ليس في الدفاع عن الطلاب كما فعل أسلافهم، بل في فصلهم بتهمة قراءة القرآن في المدرج بين المحاضرات.
- عاصرت زمنا كان القضاة يحلمون فيه بكادر مالي مماثل لكادر أعضاء هيئة التدريس. وعشت لأرى القضاة وقد تحسنت أحوالهم في حين أن أعضاء هيئة التدريس تجمدت رواتبهم تقريبا منذ السبعينيات فاضطروا لأن يتظاهروا ويضربوا عن العمل طلبا لتحسين أوضاعهم.
- عاصرت زمنا كان رئيس الجمهورية يحرص فيه على لقاء أساتذة الجامعة في ناديهم، وعشت لأشاهد رئيس الوزراء يأبى أن يقابل ممثلي أساتذة الجامعات المصرية في مكتبه. بل أصبحت جميع نوادي أساتذة الجامعات مجمدة أو معينا لها مجالس إدارات حكومية، عدا نادي جامعة القاهرة، الذي تأبى وزارة التضامن الاجتماعي إلا أن تلحقه بها.
- عاصرت، كطالب دراسات عليا، وقد خصص لكل طالب ماجستير مبلغ مئتي جنيه «تعادل عشرين ألف جنيه بمقاييس اليوم» تكفي الباحث لأن يشتري ويصنع بها ما يلزم بحثه من تجهيزات، وعشت لأشاهد طلاب الدراسات العليا يتحملون تكاليف البحث العلمي بالكامل ولا يبالون بالحصول على المئتي جنيه التي لا تكفي لشراء كتاب بأسعار اليوم.
- عاصرت حتى زمن قريب الجامعات غير الحكومية لا يتجه إليها إلا من لم يجد لنفسه مكانا في الجامعات الحكومية، وعشت لأشاهد الكثيرين من المتفوقين الميسورين يتجهون إلى الجامعات الأميركية والألمانية ومثيلاتها فرارا من ضعف الإمكانات والتكدس والتسيب الذي يضرب أطنابه في الجامعات الحكومية.
- عاصرت زمنا كان المتفوقون فيه بلا استثناء يتنافسون باستماتة وبشرف على الفوز بوظيفة معيد بالجامعة. وعشت لأشاهد اعتذار المتفوقين عن عدم تسلم هذه الوظيفة واستقالات للمعيدين وفرار الأساتذة سواء للجامعات الخاصة أو أي جامعات أخرى بالمنطقة أو لخارج الجامعة. وطبقا لرواية وزير التعليم د.هاني هلال، فإن أعضاء هيئة التدريس بهندسة القاهرة «التي هو أحد أساتذتها» تناقص من 1600 إلى 400.
- عاصرت زمنا كانت درجات الخريج هي المقياس الوحيد لتعيينه في العمل الذي يريد والمحافظة التي يريد في قطاعات الدولة، وكان الخريج يملأ استمارة رغبات، كما في تنسيق الكليات في الثانوية العامة، يرتب بها المحافظات التي يرغب في العمل بها. فكان الأوائل يعينون بوظيفة معيد، ومن يلونهم يتم تعيينهم في الإسكندرية ثم البحيرة ثم المحافظات الأبعد طبقا لدرجاتهم وترتيب رغباتهم. لذلك كان كل واحد يحرص على التفوق قدر ما يستطيع. وعشت لأسمع عن أوائل كليات يقدمون على الانتحار لأن المحسوبية أصبحت المسوغ الأول للتعيين، ولا أقول الوحيد.
أ.د.علي بركات أستاذ بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية».

23 مايو، 2009

مظاهرات مرغوبة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 29 جمادى الأول 1430 – 24 مايو 2009

مظاهرات مرغوبة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/880370.html

هذا نوع من المظاهرات نستطيع أن نتحدث عنه ونحن مرتاحون، ومطمئنون إلى أن تشجيعه لن يوقعنا تحت طائلة القانون، أو يعرّضنا لمظنة الاتهام. كما أن المشاركين في تلك المظاهرات بوسعهم أن يخرجوا إليها وهم واثقون من أنهم سيعودون إلى بيوتهم سالمين، ولن يقضي أحدهم ليلته في «تخشيبة» قسم الشرطة. إذ من الأرجح أن رجال الأمن المركزي لن يجدوا مبررا للتعرض لهم في هذه الحالة، لأن موضوع هذه المظاهرات لا علاقة له بالسياسة ولا بالأمن العام، وإنما هو إلى الأمن الخاص أقرب. هذا إذا لم يتعللوا بأن من شأن خروج تلك المظاهرات إلى الشارع أن يؤدي إلى تعطيل المواصلات العمومية. وهي الذريعة التي ابتدعها «ترزية» القوانين لقمع وجرجرة أي جماعة من الناس تخرج إلى الشارع دون إذن من الأمن إلى غياهب السجون والمعتقلات.

المظاهرات التي أعنيها هي التي ينظمها العزاب والعازبات، يطالبون فيها بحقهم في العثور على شريك للحياة. ولأنها كذلك، فهي ليست ضد أي جهة، ولكنها ضد الشعور بالوحدة ولمصلحة الرغبة المشروعة في التواصل مع الجنس الآخر. وهي فكرة تحتاج إلى شجاعة، خصوصا في عالمنا العربي والإسلامي، الذي لا تحتمل التقاليد أكثر من الهم إلى الموضوع أو التحرّك إزاءه في الظلام، وتستنكر بشدة التطرّق إليه في العلن والحديث عنه بصوت عال يسمعه الآخرون.

لست صاحب الفكرة، ولكنها استوقفتني حين قرأت أخيرا عن مظاهرة قام بها أولئك العزاب والعازبات في ريو دي جانيرو «عاصمة البرازيل»، رفعوا خلالها لافتات تعلن أنهم سئموا العيش في ظل الوحدة، وأن كل واحد منهم أو واحدة يريد شريكا في الحياة، في حين كتب بعضهم على لافتات أخرى نداء يقول: أريد حبيبا الآن.

ذكر التقرير الذي بثته الوكالة الفرنسية للأنباء أن المشكلة حادة في البرازيل، وأن هناك 52 مليون عازب من أصل مجموع السكان البالغ عددهم 190 مليون شخص،

وجدت أن الفكرة شجاعة، ويمكن أخذها على محمل الجد، خصوصا إذا وُظفت لمصلحة تشجيع الزواج وليس تشجيع اللهو والعبث، وسواء تم ذلك من خلال المظاهرات أو المسيرات الجماعية أو حفلات التعارف، فإن الهدف يظل مشروعا والاجتهاد فيه يغدو مستحبا، بدلا من الهروب من المشكلة بكتمانها أو الاحتيال عليها، خصوصا في مجتمعاتنا التي تتزايد فيها معدلات العنوسة، وترتفع نسب الطلاق بشكل ملحوظ.

في حدود علمي، فإن الجاليات الإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة تعاني من هذه المشكلة، وبعضها كان أكثر شجاعة منا في التعامل معها ـ وقيل لي، في لوس أنجليس بالولايات المتحدة، إن المركز الإسلامي هناك ينظم رحلات جماعية مختلطة للشباب والفتيات لكي يوفر لهم فرصة التعارف وإقامة أسر مسلمة جديدة، بدلا من البقاء في ظل الوحدة، أو الذوبان في المجتمع الأميركي من خلال الزواج بأميركيين غير مسلمين، الأمر الذي يؤدي إلى اندثار الأسر المسلمة هناك بمضي الوقت.

صحيح أن التقاليد السائدة في مجتمعنا تستنكر إعلان الرغبة في الزواج من جانب الفتيات بوجه أخص (كتاب «عايزة أتجوز» للمدونة غادة عبدالعال كان مفاجئا وجريئا في عنوانه، ما روّج له، حتى أعيد طبعه خمس مرات، لكنه كان يسخر من العرسان وينتهى بإبقاء المشكلة بلا حل).

إلا أن المسألة لم تكن بهذا التعقيد في المجتمعات الإسلامية المبكرة. إذ يذكر صحيح البخاري أن امرأة اسمها سبيعة بنت الحارث مات عنها زوجها، فلما انتهت عدّتها فإنها تزينت و«تجمّلت للخطاب». فدخل عليها رجل اسمه أبو السنابل، وقال لها ما لي أراك تجمّلت للخطّاب ترجين النكاح (تريدين الزواج)؟ وحين تقدّم لخطبتها فإنها رفضته. وفي رواية أخرى أن شابا وكهلا تقدّما لخطبتها «فحطّت إلى الشاب».

حدث ذلك قبل ألف عام، لكننا حين «تقدّمنا» كل تلك السنين تمنّعنا عليه وتحرّجنا منه، حتى صرنا نتردد في الجهر بالمطالبة بالحلال، ونؤثر عليه الحرام في السر!

............................

22 مايو، 2009

فتّش عن السياسة في الصحافة

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 28 جمادى الأول 1430 – 23 مايو 2009

فتّش عن السياسة في الصحافة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/879799.html

لست أشك في حسن نية الذين دعوا إلى إصدار ميثاق شرف للصحافة العربية، لكنني أشك كثيرا في أن يسهم الميثاق في الدفاع أو الحفاظ على شرف المهنة.

صحيح أننا لا ننكر أن ثمة انفلاتا وهبوطا في مستوى الحوار الصحافي. وأن النموذج الذي تقدمه الصحافة المصرية في هذا الصدد يبعث على الخزي والحزن، من حيث إنها في تعاملها مع المخالفين لا ترعى فيهم إلّاً ولا ذمة، إلا أن هذه مشكلة لا يحلها ميثاق الشرف الصحافي. الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إننا نتفق على وجود المشكلة لكننا نختلف في حلها.

فكرة ميثاق الشرف طرحت في الاجتماع الأخير للأمانة العامة لاتحاد الصحافيين العرب، وكانت صدى لتنامي ظاهرة التجاوز والتدهور الذي أصاب لغة الخطاب الإعلامي، خصوصا في ظل الانقسام العربي الراهن. إذ دأبت بعض الأبواق على تجريح الطرف الآخر على نحو ذهب أبعد من نقد السياسات وتسفيهها، وبلغت حد النيل من الأشخاص والخوض في أوضاعهم وعلاقاتهم العائلية. وبذلك أصبحنا بصدد صحافة هابطة لا يقتصر أثرها على إفساد الذوق العام وتشويه المدارك، وإنما ذهبت إلى حد إفساد العلاقات بين المجتمعات والدول العربية الشقيقة.

عند تحليل الظاهرة نجد أن الإعلام بتأثيره الكبير وانتشاره الواسع أصبح إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية سواء في تحسين صورتها أو تصفية حساباتها. ولم يعد سرا أن جميع وسائل الإعلام «القومية» في مصر مثلا تخضع للتوجيه السياسي والأمني، سواء كانت صحفا أو قنوات تلفزيوينة أو محطات إذاعية.

وهذا التوجيه والاختراق الأمنيان حاصلان بدرجات متفاوتة في الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية والصحف الأخرى التي توصف بأنها خاصة ومستقلة. لذلك فليس من قبيل المصادفة أن تتبنى تلك المنابر موقفا واحدا وتكاد تقول كلاما واحدا فيما خص العديد من القضايا الكبيرة المثارة مثل «خلية» حزب الله والعلاقة مع إيران وحماس، والعلاقة مع الإخوان، والموقف من سورية وقطر.. الخ.

كذلك لم يعد سرا أن فرص التقدم والترقي في الصحافة القومية المصرية باتت مفتوحة على مصاريعها للصحافيين الأكثر ذوبانا في السياسات المتبعة والأكثر «تجاوبا» مع التوجهات الأمنية. وحين ساد هذا الانطباع وذاع أمره في المحيط الصحافي فإنه دفع أعدادا غير قليلة من الصحافيين إلى التنافس في إثبات الالتزام والولاء والتجاوب مع السياسات والتوجهات الصادرة من الجهات العليا، بعدما أصبح كل واحد منهم مقتنعا بأن دوره في «المكافأة» قادم يوما ما. وقد رأوا بأعينهم أن تلك المكافآت والجوائز توزع على زملائهم كل حين، خصوصا في مواسم تغيير القيادات الصحافية.

إذا صح ذلك التحليل، وأحسب أنه صحيح، فهو يعني أن المعارك التي تخوضها الصحف ضد الأشقاء، والأسلحة الفاسدة والكتابات الهابطة التي تستخدم فيها هي بالأساس معارك سياسية وليست صحافية، الأمر الذي يعني أن الصحافة في هذه الحالة مجرد وكيل وليس طرفا أصيلا، ومخاطبتها في هذه الحالة، من خلال ميثاق الشرف الصحافي، تغدو توجها نحو العنوان الغلط. الأمر الذي يعني أن السعي لإصدار ذلك الميثاق هو من قبيل إبراء الذمة وسد الخانة ليس أكثر.

إن المشكلة الحقيقية تكمن في هيمنة السياسة على الصحافة. الأمر الذي يستدعي بقوة ملف الحريات العامة، التي يشكل إطلاقها المدخل الحقيقي لعلاج أزمة الصحافة، صحيح أن لدينا مشكلة أخرى تتعلق بضعف وتراجع كوادر المهنة، التي أصبحت في بعض الأحيان مهنة من لا مهنة له.

إلا أن هذه تأتي في مرتبة تالية من الأهمية، علما بأن رفع يد السياسة عن الصحافة كفيل بتصحيح القصور في أوضاعها المهنية بمضي الوقت.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الصحافة ظالمة حقا لكنها مظلومة أيضا.

...................................

21 مايو، 2009

ما هكذا تكون «الرعاية»

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 26 جمادى الأول 1430 – 21 مايو 2009

ما هكذا تكون «الرعاية» - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_21.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/878624.html

ظل اللواء عمر سليمان من الشخصيات القليلة التي تحظى بالثقة والاحترام بين المتربعين على قمة هرم السلطة في مصر. وهذه المواصفات تجعلنا نزن كلامه بميزان مختلف عن غيره من المسؤولين. خصوصا أولئك الذين يتحدثون في الشأن الفلسطيني ويسيء كلامهم إلى مصر إساءة بالغة، بحيث أصبحوا ينتقصون من رصيدها كلما تطرقوا إلى الموضوع. حتى غدوا نموذجا لذلك الذي أراد أن «يكحلها» فأعماها.

لأن الرجل من جنس آخر ومقام آخر، فقد استغربت ما نشرته جريدة «الأهرام» على لسانه يوم الاثنين 5/18 من أنه لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار أو فك الحصار أو التهدئة أو تحريك عملية السلام في المنطقة من دون التوصل إلى اتفاق ينهي الانقسام في الساحة الفلسطينية. وهو كلام حمّل الانقسام بالمسؤولية عن كل العناوين والملفات المتعثرة في الملف الفلسطيني. كأنما كان كل شيء سائرا على ما يرام خصوصا في مسيرة العملية السلمية منذ توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993، ولكن الانقسام الذي حدث في عام 2007 أوقف المراكب السائرة وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، بحيث تراجعت كل «الإنجازات» التي تحققت بين عامي 93 و2007. وهو ما لا يصدقه عقل ولا تؤيده شواهد الواقع، ولا يقول به حتى أبومازن ذاته.

لا أريد أن أهون من شأن الانقسام، لكننا لا ينبغي أن نهول من شأنه أيضا. ولا ينبغي أن نحوله إلى مشجب نعلق عليه كل الإخفاقات التي حدثت أو العقبات التي وضعت أمام التسوية المرجوة.

إنني أفهم أن تتذرع السلطات الإسرائيلية بالانقسام لكي تستمر في الحصار وتمنع الإعمار وتسوّف في مفاوضات السلام، باعتبار أنها لا تريد أن تفوت فرصة وتتعلق بأي ذريعة لكي تواصل الضغط على الفلسطينيين لإذلالهم وإجبارهم في غزة على الإذعان لشروط الرباعية الدولية، في الوقت الذي تواصل فيه من جانبها توسيع المستوطنات وإكمال السور العازل وتهويد القدس وطرد الفلسطينيين منها بعد تدمير بيوتهم.

أفهم من رجل في حصافة اللواء سليمان أن يقول إن الاحتلال هو المشكلة، وإن مواقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة تضاعف من تعقيد أي تقدم مرجو. وإن الانقسام يضر بوحدة الصف الفلسطيني حقا، لكن هناك أمورا يمكن أن تنجز حتى مع استمراره. فقد ظلت المفاوضات مستمرة في ظل ذلك الانقسام طوال السنتين الأخيرتين، بين أبومازن وجماعته وبين الحكومة الإسرائيلية السابقة، وقرأنا أن خمسين اجتماعا عقدت بين أحمد قريع رئيس الوفد المفاوض وبين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة، لكن تلك الاجتماعات لم تسفر عن شيء. فلا حركت حاجزا ولا أطلقت أسيرا، ولكنها ظلت ستارا يخفي التوسعات الإسرائيلية على الأرض. إلى جانب ذلك فالتهدئة التي قصد بها وقف إطلاق الصواريخ من غزة تمت في ظل الانقسام، وتجددت عمليا بعد ذلك والانقسام لايزال مستمرا.

أما ما كان مثيرا للدهشة في كلام السيد عمر سليمان فهو قوله أيضا إنه لا يمكن في ظل الانقسام أن يكون هناك أيضا حديث عن إعادة الإعمار وفك الحصار. وهو كلام يمكن توقعه من الأطراف الأخرى ذات المصلحة في استمرار الدمار وتجويع سكان القطاع. لكنه لم يكن متوقعا من رئيس المخابرات العامة الذي كان ينبغي أن يعلن عن أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تؤجل لأي سبب. بعد التدمير الوحشي الذي تعرض له القطاع وأدى إلى تشريد ربع مليون فلسطيني في القطاع. وهو خير من يعلم أن ثمة اقتراحا مسكوتا عليه بتشكيل جهة محايدة تتبع الجامعة العربية أو أي مؤسسة دولية تتولى الإشراف على الإعمار. ولكن حكومة رام الله ترفضه لكي تواصل ابتزاز حكومة غزة ولي ذراعها.

ولست أشك في أنه يعرف كذلك أن الحصار فرضته إسرائيل على القطاع بعد حسم الأوضاع في غزة.

وأرادت بذلك عدة أمور

أولها تأديب القطاع ومعاقبته لأنه صوّت لحركة حماس في الانتخابات.

وثانيها إخضاع حكومة غزة وإجبارها على الاعتراف بإسرائيل.

وثالثها الانتصار لحكومة أبومازن في رام الله.

ورابعها الضغط على أهالي القطاع للثورة ضد حكومة إسماعيل هنية أو على الأقل عدم التصويت لها في أي انتخابات قادمة.

إذا كان ما نشر على لسان السيد عمر سليمان دقيقا، فأخشى أن يحمل كلامه باعتباره انحيازا إلى موقف الأطراف الأخرى وإسهاما في ابتزاز حكومة القطاع وإرغامها على الخضوع للرغبات الإسرائيلية التي تبنتها الرباعية الدولية. وهو ما يسحب من رصيده كطرف نزيه يفترض أنه راعٍ للحوار وليس خصما فيه.

...................

Delete this element to display blogger navbar