أغلب الظن أنها مصادفة، أن تتحدث صحف الأحد «26/4» عما حققه الرئيس أوباما من وعود وما لم يحققه خلال المائة يوم الأولىلولايته، في حين ينشر في القاهرة في اليوم ذاته إعلان احتل صفحة كاملة وجهالشكر للرئيس مبارك «لأنه وعد فأوفى». صحيح أنه لا وجه للمقارنة بينالاثنين من الناحية الزمنية، لأن أوباما لم يمكث في مكتبه أكثر من مائةيوم.
أما الرئيس مبارك فقد أمضى في منصبه أكثر من عشرة آلاف يوم. احتفلتبها صحيفة «الدستور» على طريقتها قبل عدة أسابيع. مع ذلك فلا بأس منالمقارنة بين مضمون الإعلانين الأميركي والمصري. إذ طبقا لما ذكره موقعمقياس أوباما، الذي أقامته صحيفة «سانت بيترسبورج» فإن أوباما أطلق خلالحملته الانتخابية 500 وعد، وخلال المائة يوم الأولى حقق منها 27 وعدا ولميف بستة.
من الوعود التي حققها الرئيس الأميركي أنه أصدر قرارا بالانسحابمن العراق، وأرسل لواءين إلى أفغانستان. ووجه خطاب مصالحة مع العالمالإسلامي، ورفع القيود عن زيارة كوبا، وأنشأ صندوقا لمنع مصادرات المنازل. كما قام بتعيين جمهوريين في إدارته، وصولا إلى إهداء كلب لابنتيه مالياوساشا.
من الوعود التي لم يف بها أوباما أنه لم يعترف بإبادة الأرمن خلالزيارته لتركيا. كما أنه لم يستصدر قانونا لتخفيض الضريبة بقيمة ثلاثة آلافدولار على الشركات التي تستحدث الوظائف ولم يمنع أعضاء مجموعات الضغط منالعمل لحساب الإدارة في مجال عملهم خلال السنتين الأخيرتين.. إلخ.
الإعلان الذي نشرته صحيفة «الأهرام» واحتل صفحة كاملة في ذلك اليوم (قيمتها أكثر من 200 ألف جنيه) تصدره عنوان يقول: سيادة الرئيس شكرا، وعدتوأوفيت، وإلى جانب العنوان ظهرت ثلاث صور. واحدة كبيرة نسبيا للرئيسمبارك، والثانية أصغر لرئيس الوزراء، والثالثة أصغر لوزير الإسكان، (كلواحد ومقامه). ثم وضعت في قلب الصفحة صورة ملونة كبيرة على ثمانية أعمدةلمجموعة من البنايات، وتحتها صورة أخرى بالحجم نفسه لحجرة استقبال واسعة،تناثرت فيها مجموعة من المقاعد والأرائك المريحة، بين الصورتين ظهر مربعكتبت فيه الكلمات التالية: نظرا للإقبال الشديد ونفاد جميع وحدات المرحلةالأولى، تعلن مجموعة «كذا» للاستثمار عن فتح باب الحجز للمرحلة الثانية «2200 وحدة سكنية»، وذلك بأسبقية الحجز بدءا من يوم كذا.
لا يحتاج المرءالى أن يبذل جهدا لكي يدرك أمرين،
أولهما أن مخاطبة الرئيس في العنوانأريد بها الترويج لمشروع إسكان أقامته إحدى شركات الاستثمار التي عرضت فيالإعلان كيف أن مشروعها ييسر الأقساط على المشترين ويوفر مختلف أسبابالراحة والمتعة للساعين إليها.
الأمر الثاني أنه ليس في الإعلان ما يوحيبأن له علاقة بوعود الرئيس مبارك، إلا أن يكون الوعد المقصود الذي لم يعلنأن يزداد رجال الأعمال ثراء وأن يوفروا للقادرين أسباب الرفاهية التيينشدونها، من بحيرات صناعية وحمامات سباحة إلى الملاعب والمطاعموالمقاهي.. إلخ.
لن أختلف مع من يقول إن المقارنة ظالمة بين ما أعلن في أميركا والإعلانالذي نشر في مصر، باعتبار أن الجرد الذي تم هناك أجرته مؤسسة محترمة تأخذالأمور على محمل الجد،
في حين أن الإعلان المنشور في «الأهرام» استخدم اسمالرئيس وامتدح وفاءه بما وعد، لكي يروج لمشروع استثماري خاص به.
هذا كلامصحيح لا ريب، لكني أردت بالمقابلة أن ألفت الانتباه إلى الجد هناك والهزلهنا، وإلى أنهم هناك يحاسبون رئيسهم على ما فعل خلال مائة يوم، بينما ليستلدينا جهة تستطيع أن تحاسب الرئيس على عشرة آلاف يوم.
في الوقت ذاته فلديشك كبير في أن الحزب الوطني إذا أراد تقييم ما حققه الرئيس خلال عشرة آلافيوم، فإنه سيقول أكثر مما قاله الإعلان الذي نشره المستثمر المتذاكي، الذييبدو أنه يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف.
في أسبوع واحد احتلت مصر المركز الأول في الإصابةبإنفلونزا الطيور وخرجت تماما من تصنيف أفضل خمسمائة جامعة في العالم، ليسذلك سوء حظ بطبيعة الحال، ولكنه سوء إدارة وترتيب.
لن نفصل في مسألة الإصابة بإنفلونزا الطيور التي أفاضت الصحف المصريةفي الحديث عنها طيلة الأيام الماضية، لكن ما يحتاج إلى بعض التفصيل هوالشق الخاص بالفشل الأكاديمي الذريع الذي شهد به تصنيف الجامعات الأفضل فيالعالم، وهو ما صدمنا به زميلنا الأستاذ لبيب السباعي حين نعى إلينا الخبرفي الأهرام «عدد 4/27»، وأرفقه ببعض البيانات التي تملؤنا شعورا بالحسرةوالغضب.
قال زميلنا في تقريره المفجع إنه قبل ثلاث سنوات جاءت جامعة القاهرة فيمركز متأخر في الترتيب العالمي للجامعات، لكن الموقف أصبح أسوأ الآن. حيثغابت الجامعات ومراكز البحوث العلمية المصرية والعربية جميعها من التصنيف،في حين انضمت إلى قائمة الجامعات الأفضل ست جامعات ومراكز بحثية إسرائيلية (كانت ثلاثا في التصنيف السابق) وثلاث جامعات من جنوب أفريقيا.
كنت قد كتبتقبل أيام عن بعض مظاهر تخريب التعليم في مصر، وجاء التقرير الدولي الذينحن بصدده لكي يعلن إحدى النتائج التي حققها ذلك التخريب. وقد عبرت فيماأشرت وقتذاك عن الدهشة إزاء سكوت المسؤولين عما يحدث في ذلك القطاع، الذيهو في تماس مباشر مع الأمن القومي للبلد، باعتبار أن ضحايا آثاره المدمرةهم الأجيال الجديدة، ها نحن نجد أن المأساة ذاتها تتكرر مع التعليمالجامعي، إذ حين أعلن قبل ثلاث سنوات أن جامعة واحدة في مصر هي جامعةالقاهرة قد أصبحت في مركز متأخر ضمن الجامعات المحترمة، وهي التي ظلتمنارة للمعرفة في العالم العربي على الأقل، فإن ذلك الفقر العلمي لم يحركشيئا في بر مصر. بالتالي ظل مؤشر التدهور يستمر في الهبوط حتى خرج التعليمالجامعي تماما من المنافسة، في الوقت الذي وجدنا فيه أن الآخرين لايتوقفون عن الصعود ويصرون عليه.
لا أعرف صدى الصدمة الأخيرة، لكنني أتصورأن أي إدارة رشيدة تتحلى بالوعي والمسؤولية لابد أن تتحرك بسرعة للإجابةعن سؤالين هما:
لماذا تراجعت أوضاع الجامعات ومراكز الأبحاث؟ ومن بالضبطالمسؤول عن ذلك التراجع؟
وكيف يمكن إنقاذ الموقف والنهوض بالجامعات ومراكزالبحث العلمي؟.
حين نجح الاتحاد السوفييتي في إرسال رائد فضاء إلى القمر محققا بذلكسبقا علميا كبيرا على الولايات المتحدة، فإن الدنيا قامت ولم تقعد فيواشنطن، وأصدر وزير التعليم هناك في عام 1961 قرارا بتشكيل لجنة ضمت 18شخصا من أكبر العقول الأميركية لتقييم حالة التعليم في البلد، وإصدارالتوصيات التي تمكن أميركا من اللحاق بالاتحاد السوفييتي ومنافسته.
وأصدرتاللجنة بعد سنتين من العمل الجاد تقريرا ذاع صيته آنذاك، تضمن توصياتمتعددة للنهوض بالتعليم، كان عنوانه «أمة في خطر».
وهذا الذي حدث للجامعاتالمصرية يستحق استنفارا مماثلا من جانب الغيورين على التعليم والمستقبلوالأمن القومي للبلد. ولكن يبدو أن ثمة مشكلة في العثور على هذا الصنف منالناس، أو أنهم موجودون فعلا ولكنهم مشغولون بأمور أخرى.
هذه البلادة التينتعامل بها مع ملف التعليم ليست حكرا عليه فقط، لأننا نرى تجسيدا لها فيالتعامل مع إنفلونزا الطيور، التي كانت شبحا يلوح في الأفق منذ سنتين،وتحولت مع اللامبالاة والتراخي المشهودين إلى خطر داهم يهدد البلادوالعباد.
وهو ما يعني أن المشكلة أكبر من الجامعات أو من إنفلونزا الطيور،وأنها تكمن في أسلوب إدارة المجتمع وترتيب أولويات مشكلاته، التي أصبحالأمن السياسي على رأسها، وكل ما عداه أقل أهمية أو عديم الأهمية.
لقاء الرئيس عمر البشير يفتح الشهية لطرح كم من الأسئلة بعدد المشكلات والتحديات التي يواجهها السودان، وبحجم اللغط المثار حول سياساته في الداخل والخارج.
(1)
فالسودان ليس بلداً كبيراً فحسب ولكنه مشكلة كبيرة أيضاً، ذلك أننا نتحدث عن بلد هو الأكبر من حيث المساحة من أي دولة عربية وإفريقية أخرى (مساحته أكثر من مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع في حين أن مساحة مصر مثلا لا تزيد كثيراً على مليون كيلومتر مربع)، وسكانه البالغ عددهم 40 مليون نسمة هم نصف سكان مصر. أما مشكلته فهي متعددة الأوجه، فمن ناحية، له حدود مشتركة مع تسع دول عربية وإفريقية، الأمر الذي يجعل سيطرته على حدوده من المستحيلات، ومن ناحية ثانية، فإن أهله يتوزعون على 600 قبيلة، يتكلمون 115 لغة ولهجة محلية، تتفرع منها لهجات أخرى، وهذه القبائل يتحكم فيها زعماء محليون من شيوخ وسلاطين وأمراء، ولكل منهم عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بالضرورة بالسلطة المركزية في الدولة. وطوال السنوات الماضية كنا نسمع عن الشمال والجنوب في السودان، لكننا لم نلاحظ أن هناك كيانات أخرى في كردفان ودارفور وبلاد النوبة. ثم إنه بلد غني، بمياهه ونفطه وغازه وغاباته ومعادنه التي تتراوح بين اليورانيوم والذهب والنحاس والفوسفور والمنجنيز والكروم.. إلخ. وإلى جانب ذلك فثروته الزراعية والحيوانية لا حدود لها، فالحديث عن 200 مليون فدان صالحة للزراعة و50 مليون رأس من الغنم والماعز، إضافة إلى 23 مليوناً من الأبقار و35 مليوناً من الإبل. وإلى جانب أهميته الاستراتيجية في المحيط الإفريقي، فإن إطلاله على البحر الأحمر بساحل طوله 644 كيلومتراً، ضاعف من تلك الأهمية. وتلك كلها عوامل جعلت السودان مطمعا للدول الكبرى وساحة لصراعاتها، ونقطة جذب للمتآمرين والمغامرين والمبشرين. بسبب كل ذلك لم تتوقف المشكلات في السودان منذ استقلاله في عام ،1956 ولأن الأقدار وضعته في موقع باب العالم العربي إلى إفريقيا، فإن ذلك كان سبباً آخر لمحاولة تفكيكه وإدامة إشعال نار الفتنة فيه، حتى لا يستقوي بموارده، على نحو يمكنه من أن يصبح صاحب دور في القارة، وهو ما يستكثره عليه الطامعون والمتربصون والمتآمرون.
(2)
كانت هذه الخلفية حاضرة في ذهني حين ذهبت للقاء الرئيس عمر البشير في بيته، ولم يغب عن بالي أن الرجل الذي يمسك بزمام السلطة منذ عشرين عاما، مطلوب أيضا للمحكمة الجنائية الدولية بسبب مشكلة هي جزء من مسلسل التآمر على السودان، وحين حسدته على ثباته وقوة أعصابه، استشهد في تعليقه بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” وبالحديث النبوي الذي يقول ما معناه إن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا مخلوقا بشيء، فلن يلحقوا به إلا ما كتب الله له أو عليه.
لم أستغرب الرد، فقد كنت أعلم أنه حافظ للقرآن وله خلفيته الدينية التي حصلها منذ صغره حين كان حفظ القرآن أول ما يتعلمه أبناء جيله (من مواليد عام 1944). ولما صار رئيسا، فإنه ظل يواظب على أداء الفرائض الخمس من الفجر إلى العشاء في مسجد صغير مقام إلى جوار بيته الرئاسي، والذين يعرفونه يقولون إنه لا يزال متأثرا ببيئته الصوفية، رغم أنه تخرج في الكلية الحربية في عام النكسة (1967) وقدر له أن يشترك بعد ذلك في حرب العبور عام ،1973 وفي رحلته أعطى الدراسات العسكرية جزءا كبيرا من وقته، خصوصا أنه كان متخففا من الأعباء العائلية، حيث لم ينجب من زوجتيه (الثانية كانت زوجة شهيد من رفاقه) وعوض الإنجاب عن طريق تبني طفلين من أبناء الجنوب. في الوقت ذاته، فإنه انكب على دراسة الماجستير في العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان في الخرطوم، وبعدها حصل على ماجستير العلوم العسكرية من ماليزيا، ثم حصل على زمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية.
حين التقيته كان وفد سوداني قد غادر الخرطوم إلى “لاهاي” لحضور جلسة إحدى المحاكم الدولية التي تنظر نزاعا مع الجنوبيين حول حدود منطقة “أبيي” الغنية بالنفط خاصة.
وكان اثنان من المبعوثين الأمريكيين قد أنهيا زيارتهما للسودان. سألته عن المهمتين فقال إن القضية المرفوعة في “لاهاي” أريد بها رفع الظلم عن الإقليم الشمالي الذي اقتطعت مساحة واسعة من أرضه بغير حق وأدخلت ضمن حدود “أبيي”، كان سوء النية واضحا في هذه العملية. ولم يكن أمامنا سوى أن نلجأ إلى التحكيم الدولي لحل ذلك الإشكال. أما فيما يخص المبعوثين الأمريكيين فإن مهمتهما اقتصرت على أمرين، العلاقات الثنائية بين واشنطن والخرطوم، المجمدة والمسكونة بالتوتر، وموضوع المنظمات الإغاثية التي قررنا طردها من السودان بسبب أنشطتها المريبة والمعادية في دارفور (عددها 13 منظمة).
* ألم يتطرقا إلى القرار الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية؟
- لم يتحدثا في هذا الموضوع، لكننا فهمنا أن التعامل “الإيجابي” مع النقطتين اللتين جاءا لبحثهما من شأنه أن يوفر أجواء أفضل لتهدئة الضجة التي أثارها.
سألته عن نتائج الزيارتين فقال إن النتائج لم تظهر بعد، ولكن المقدمات تعطي انطباعاً مريحاً نسبياً، ففيما يخص المنظمات فإننا تمسكنا بقرارنا بإبعادها، لأن لدينا أدلة قوية تثبت تآمرها ضدنا وانتسابها إلى قوى الضغط الصهيونية. ولكننا كحل وسط لم نمانع في استقبال بدائل عن المنظمات الأمريكية التي طردت (عددها أربع والباقي منظمات أوروبية). أما فيما يخص العلاقات الثنائية، فإن إعادتها إلى مسارها الطبيعي تتطلب وقتا لم تتضح معالمه بعد.
استطرد الرئيس البشير قائلاً إن السودان لديه خبرة طويلة مع المبعوثين الأمريكيين، أكثرها غير مشجع، لأن المشكلة لا تكون في المبعوث القادم من واشنطن، ولكنها في القوى الضاغطة على القرار السياسي هناك. وفي السابق استقبلنا زوارا أمريكيين، قالوا لنا كلاما طيبا هنا وحين عادوا إلى بلادهم اضطروا إلى تغييره للحفاظ على مستقبلهم السياسي. وقد قلت لأحدهم مرة (اسمه السناتور دانتورس) إن من المبعوثين من يأتي إلى السودان في حين يكون تقرير الزيارة مكتوبا سلفا، وجاءنا مبعوث آخر كان معادياً لنا، لكنه حين حاورنا اقتنع بكلامنا. وحين تحسن موقفه أعفي من منصبه.
* سألته: هل هذا الشك ينسحب على المبعوثين الأخيرين؟
- قال: ينبغي أن ننتظر حتى نقيم النتائج. لكن ما نستطيع أن نقوله إنهما تحدثا بروح إيجابية، وجدناها تعبيرا عن الخطاب المتصالح والمنفتح الذي تقدمه الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.
(3)
* هل هناك علاقة بين تأجيل الانتخابات العامة إلى شهر فبراير/شباط المقبل، وبين التخوف من انفصال الجنوب في استفتاء عام 2011؟
- لا علاقة بين الأمرين. فالتأجيل سببه أن ترتيبات إجراء الانتخابات الخاصة بالدوائر لم تتم، إضافة إلى أن نتائج التعداد السكاني لم ترض عنها حكومة الجنوب، التي تصر على أن تكون نسبة الجنوبيين 33%، في حين أن المسح الذي أشرفت عليه الولايات الجنوبية بين أن نسبتهم 21% فقط. ثم إننا لسنا قلقين من نتائج الاستفتاء الذي ارتضينا أن نحتكم إليه في الاتفاق الموقع معهم. وحتى الآن فهناك 40% من الجنوبيين يريدون البقاء في إطار الدولة الواحدة. وهذه النسبة تتزايد، خصوصاً في ظل الصراعات الحاصلة بين القبائل الجنوبية التي يرفض بعضها الخضوع لسلطان الحركة الشعبية. وهذه الصراعات لم تتوقف طيلة السنوات الأخيرة، وأحدثها ما وقع في جونجلي قبل أيام وأدى إلى مقتل 300 شخص على الأقل.
* من أين تأتي الجماعات المتمردة في دارفور بالسلاح؟
- هم يحصلون على سلاحهم من تشاد بحكم الصلات القبلية. وتشاد تحصل على السلاح من ليبيا. وقد تحدثنا مع الليبيين بهذا الخصوص، فكان ردهم أنهم يقدمون السلاح إلى الحكومة التشادية وليس إلى المتمردين.
* لماذا لم تعلنوا عن الغارات التي شنت ضد قوافل تهريب السلاح حين وقعت في شهر فبراير/شباط الماضي؟
- السبب أن أجهزتنا كانت تريد أن تتحقق من مصدر الغارتين ولم تتوصل إلى شيء، إلى أن أعلنت “إسرائيل” عن دورها في ذلك.
* هل كانت الحكومة السودانية على علم بعمليات التهريب؟
- السودان مفتوح على تسع دول ويتعذر ضبط حدوده تماما. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن ضبط حدودها مع المكسيك، فنحن نعذر إذا لم ننجح في إحكام الرقابة على الحدود، ونحن نعلم أن قبيلة الرشايدة المنتشرة في إريتريا والسودان ومصر تقوم بتهريب كل شيء عبر الحدود من الطعام إلى البشر والجمال مروراً بالسلاح. وقد علمنا من إخواننا في مصر أن ثمة سلاحاً يتم تهريبه عبر الصحراء لكننا لم نستطع أن نوقفه.
* إلى أي مدى تأثر السودان بالأزمة الاقتصادية العالمية؟
- تأثرنا ليس كبيراً ومقصور على عوائد النفط الذي انخفضت أسعاره ويشكل 40% من موارد الميزانية. ولكن ذلك لم يعطل شيئا من مشروعاتنا للتنمية. فقد ساعدتنا ظروف كثيرة على إنجاز الكثير من مشروعات البنية الأساسية، خاصة سد مروي وشبكة الطرق والجسور التي ربطت بين ضفتي النيل، وأصبح لدينا وفرة في الطاقة مكنتنا من توصيل الكهرباء إلى أنحاء السودان وكانت النتيجة أن السودان أصبح ترتيبه السادس بين الدول العشر الأسرع نمواً في العالم.
* ما مدى ما يقال من أن السودان أصبح منطقة جذب للاستثمارات الخارجية، بعد أن كان طارداً لها؟
- هذا الكلام صحيح، ولابد أن نعترف بالفضل في ذلك لجهتين: الصناديق العربية التي مولت العديد من المشروعات الكبيرة في السودان، والصين والدول الآسيوية الأخرى التي قدمت لنا خبرات ومعونات ساعدتنا على النهوض بالواقع السوداني. ذلك أننا بعدما حاربتنا الدول الغربية، فإننا فتحنا أبوابنا للصينيين ودعونا الماليزيين وجاءنا الهنود والباكستانيون والكوريون، حتى أصبحنا الدولة العربية الوحيدة التي انفتحت على الشرق.
* ما مدى صحة ما قاله وزير الزراعة في الحكومة الزبير بشير من أن الأمريكيين طلبوا من السودان عدم التوسع في زراعة القمح ليظلوا وحدهم الممسكين بهذا الملف؟
- ليست لدينا أوراق رسمية تثبت ذلك، لكنني لا أستبعده. لأنهم فعلوا نفس الشيء أثناء حكم الرئيس عبود، حيث أعطونا القمح والدقيق مجانا، وطلبوا منا ألا نزرع القمح في الولاية الشمالية.
(4)
سألته عن رأيه فيما يقال عن فتور العلاقات مع مصر بسبب حضوره قمة الدوحة التي سعت مصر لمنع عقدها ولأن القاهرة دعت إلى عقد مؤتمر دولي لأجل دارفور من دون علم الخرطوم أو استشارتها.
فقال إن العلاقات مع مصر ليست فاترة وليست حميمة، لكنها إيجابية مع ذلك، والتفاهم والفهم المتبادل قائم بين البلدين، وذلك هو الأهم. وبالمناسبة فإن السودان كان أول من دعا إلى عقد القمة بعد بدء العدوان على غزة، وقد اتصلت هاتفياً بالرئيس بشار الأسد لهذا الهدف، ولذلك فإن قطر حين عرضت استضافة القمة، فإننا كنا في مقدمة الملبين.
تطرق الحديث إلى مبادرة السلام العربية، فقال الرئيس البشير إنه من أنصار سحبها، لأنها لم ولن تؤدي إلى شيء، وأنه أبلغ الرؤساء العرب بذلك في أحد الاجتماعات المغلقة، ولولا حرص الخرطوم على عدم شق الصف العربي لكان لها موقف آخر.
قلت هل تعتبر السودان من دول الممانعة أم دول الاعتدال؟ فكان رده لا تنس أن السودان هي دولة “اللاءات” التي أعلنت في قمة الخرطوم بعد هزيمة 67 (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف)، وهي مازالت على ذلك العهد إلى الآن. ولذلك فهي تقف مع المقاومة على طول الخط.
* قلت ما رأيك في الأزمة الحاصلة الآن بين مصر وحزب الله؟
- قال: نحن نثق في حزب الله وقيادته ونعتبره مقاومة شريفة جديرة بالحفاوة والتقدير. نعرف أنه لم يمارس أي أنشطة ضد أي دولة عربية أو غير عربية. ونأمل في احتواء الأزمة بأسرع ما يمكن، حتى لا ينصرف الاهتمام عن “إسرائيل” التي تمثل العدو الأساسي والأول للدول العربية.
سألته وأنا أهم بالمغادرة: هل في السودان معتقلون سياسيون؟ فقال: إن الدكتور حسن الترابي كان آخر المعتقلين وقد أطلق سراحه. قلت ما رأيك في موقفه المؤيد لقرار المحكمة الدولية؟ قال: إن الترابي عزل نفسه عن الإجماع الوطني، منذ استسلم لأحقاده الشخصية وتراجعت لديه أولوية المصالح العليا للوطن.
تركتُ مناقشة في الخرطوم حول التطبيع مع إسرائيل، ووجدتُ أن المناقشة مستمرة في القاهرة حول الموضوع ذاته. جرى حوار الخرطوم في إحدى جلسات المؤتمر القومي، التي نوقش فيها ملف الإعلام والمقاومة. وقدم فيها زميلنا غسان بن جدو، أحد نجوم قناة «الجزيرة»، ورقة شرح فيها موقف القناة من ظهور بعض الإسرائيليين على شاشاتها. معتبرا أن ذلك يشكل استثناء ضروريا، وضريبة تدفعها الجزيرة نظير السماح لها بتغطية الأراضي الفلسطينية.
أما في القاهرة فالجدل أثير بمناسبة أول زيارة يقوم بها لدار الأوبرا المصرية المايسترو الإسرائيلي دانيال بارينبوم. الموضوع كان واحدا، في حين أن الاتجاهات بدت مختلفة. فالرأي القوي في مناقشات مؤتمر الخرطوم كان مع مقاطعة إسرائيل ومنع صحافييها وسياسييها من الظهور على شاشات التليفزيون. أما الرأي الأعلى صوتا في الإعلام المصري وليس الأقوى بالضرورة فكان مع الترحيب بالمثقفين والفنانين الإسرائيليين الذين يدعون إلى السلام ويعارضون الاحتلال.
حين تتبعتُ المناقشات الدائرة على الجانبين وجدتُ أن هناك التباسا واشتباكا بحاجة الى أن تتضح فيه الخطوط والمعايير. بطبيعة الحال ليس لدي كلام مع دعاة التطبيع في كل الأحوال، الذين مازلت أجد حرجا في مصافحة الواحد منهم، لشكي في طهارة أي يد تصافح إسرائيليا. ولكنني أناقش آراء الوطنيين الغيورين الذين تحركهم النوايا الحسنة ولهم تقديرهم واجتهادهم في رؤية المصالح العليا. ذلك أنني أعتقد أن مقاطعة المثقف للإسرائيليين ينبغي أن تكون الأصل في كل الأحوال، مادامت إسرائيل على موقفها الاحتلالي وسياساتها الاستيطانية، وأعتبر أن تلك المقاطعة هي الموقف الشريف الذي يمكن أن يتسق به المثقف الحر مع ضميره الوطني. لا فرق في ذلك بين مثقف في دولة اختار نظامها أن يتصالح مع إسرائيل، أو دولة ظلت على موقفها من رفض الصلح مادام العدوان الإسرائيلي مستمرا.
هذا الأصل يمكن أن ترد عليه استثناءات تفرضها الضرورات التي تبيح المحظورات، من هذه الاستثناءات مثلا ما يلي: * أن يكون المثقف فلسطينيا ومضطرا إلى العيش إلى جوار الإسرائيليين. * أن يكون الإسرائيلي معارضا للصهيونية وليس فقط معارضا للاحتلال. * أن تضيق الخيارات بحيث تكون المصلحة مرجحة على الضرر والمفسدة الناشئتين عن التواصل مع الإسرائيليين.
في غير هذه الحالات، حين تتسع الخيارات وتنتفي الضرورات، فإن الالتزام بأصل المقاطعة هو ما ينبغي أن ينحاز إليه كل مثقف شريف. وأي مساومة أو تفريط في هذا الموقف تصب في مجرى موالاة العدو ومكافأته وتشجيعه على التمدد والتمكين من الأرض المحتلة. ذلك أنه إذا كانت المقاومة المسلحة أعلى درجات التعبير عن رفض الاحتلال، فإن المقاطعة هي أدنى تلك الدرجات. إذ هي وحدها التي تذكره بجريمته طوال الوقت.
إذا قمنا بتنزيل المعايير التي أشرت إليها على أرض الواقع، فذلك سوف يمكن الفلسطينيين من الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم مباشرة مع الإسرائيليين، وسوف يسمح بمد الجسور مع العناصر الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، كما سيقنعنا بأن دعوة الموسيقار الإسرائيلي كانت تطبيعا لأن الأمر لم تكن له أي ضرورة، وسيجعلنا نحتمل ظهور الإسرائيليين بصفة استثنائية في بعض البرامج التليفزيونية. مادام ذلك شرطا لتغطية الأحداث في إسرائيل والأراضي التي احتلتها. إذ سيكون المردود في العالم العربي متجاوزا كثيرا للثمن الذي دفع. وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي تدفع فيها إسرائيل أكثر مما تقبض، لأنها اعتادت منا أن تقبض دون أن تدفع. بحيث تبتلع هي الأرض ونأكل نحن الهواء. ...........................
نحن لا نكف عن تخريب التعليم وتدمير الأجيال الجديدة. هذه كارثة لا ريب، تتضاعف عدة مرات حين نرى بأعيننا شواهد التخريب، ثم لا نلقي لها بالا، وبمضي الوقت نعتاد عليها ونتعايش معها، بحيث نظل نتردى من هاوية إلى أخرى ونحن مغيبون وذاهلون.
ليس في هذا الذي ذكرته خبر جديد، على الأقل بالنسبة للمهتمين بشأن التعليم في بلادنا. وهذه كارثة أخرى. لكنني لا أريد أن أصدق أن يستمر عرض مسلسل الجرائم التي ترتكب بحق التعليم دون أن يحرك ذلك ساكنا أو يستفز أحدا من المهتمين بأمر هذا البلد.
لقد باتت وقائع تلك الجرائم تصدمنا بين الحين والآخر، وأحدثها ما نشرته صحيفة «الأهرام» أخيرا بخصوص بدعة «المراكز التعليمية» التي تجسد مرحلة ما بعد الدروس الخصوصية. وإذا كانت البدعتان تشتركان في أنهما من نماذج التعليم الموازي، الذي نشأ في ظل فشل التعليم الحكومي وسوء سمعته، إلا أنهما تختلفان في الهدف. إذ حتى الآن، على الأقل، فالدروس الخصوصية تستهدف تقوية التلاميذ، وتمكنهم من تحصيل الدروس بطريقة أفضل، لكي يفوزوا في نهاية العام بدرجات أعلى ومجاميع مرتفعة.
أما المراكز التعليمية فشأنها مختلف. إذ حسـب التقريـر المنشـور في 13 أبريل، الذي أعده زميلنا وجيه الصقار فإنها أصبحت ساحة لغواية التلاميذ وإفسادهم، وتدميرهم ليس علميا فقط، وإنما خلقيا أيضا. إذ حسب التقرير المنشور، الذي اعتمد على شهادات لبعض أولياء الأمور ومديري المدارس الحكومية، فإن تلك المراكز تجمع المراهقين والمراهقات في فصول بدعوى إعطائهم دروسا خصوصية، ولكن هذه اللقاءات تتيح لهم فرص التعارف وإقامة علاقات غرامية تقود إلى انحرافات متعددة. خصوصا أن بعض تلك المراكز «التعليمية» تعرض على المراهقين والمراهقات أفلاما فاضحة وكليبات إباحية في أوقات تمتد أحيانا إلى منتصف الليل. في حين يظن الأهل أن أبناءهم وبناتهم يسهرون على تحصيل الدروس، التي يدفعون للمدرسين دم قلبهم لتغطية مصاريفها. فإن أولئك المراهقين يكونون محلقين في عوالم أخرى لا علاقة لها بالعلم أو التعليم، ولا تسأل عن التربية.
في التقرير معلومات أخرى مثيرة ومدهشة تفضح تلك المراكز التي تحصل على تراخيص باعتبارها كتاتيب لتحفيظ القرآن أو مكاتب لتعليم الكمبيوتر أو غير ذلك من الأنشطة العلمية، وكما يحدث في الأراضي التي تباع للاستصلاح والاستزراع، ثم تتحول إلى منتجعات وفيللات للأكابر في غفلة من الحكومة، فإن التراخيص التي تصدر تحول الكتاتيب إلى صالات للهو وعرض الأفلام الهابطة.
لا أعرف حجم هذه المراكز المدمرة، ولكن الذي أعرفه أن ثقة الناس أصبحت معدومة في التعليم الحكومي، إلى الحد الذي يوقعهم في شباك تلك الفئات المنسوبة إلى التعليم زورا وبهتانا. أعرف أيضا أن هذا الكلام منذ نشر يوم 13 أبريل الجاري، لم يكترث به أحد ولم يعلق عليه أحد من مسؤولي وزارة التربية والتعليم، لا تصويبا ولا تكذيبا. أعرف أيضا أن العبث بالتعليم هو تخريب المستقبل.
ولست أنسى في هذا الصدد ما ذكره تقرير لإنقاذ التعليم قرع الأجراس بقوة وهو ينبه إلى خطورة هذه المهمة، حتى قال الخبراء الذين وضعوه إن التعليم أهم جبهات الدفاع عن الأمن القومي، متقدما في ذلك على الجيش والصناعة. كما قالوا إنه لو قامت قوة معادية بفرض نظام تعليمي متدني الأداء، لكان ذلك مدعاة لإعلان الحرب. ...........................
هذا خبر أتمسك بصدقيته، حتى لو ثبت بعد ذلك أنه ليس صحيحا. فقد نشرت صحيفة «الوفد» في 20 أبريل الجاري أنه أثناء إجراء «البروفة» النهائية لحفل المايسترو الإسرائيلي دانيال بارينبوم. اعترض د.رضا الوكيل رئيس البيت الفني بدار الأوبرا المصرية على وجود كاميرا التلفزيون الألماني المصاحبة للعازف الشهير فوق خشبة المسرح لتصوير البروفة. باعتبار ذلك مخالفا لتقاليد الأوبرا، التي تمنع الكاميرات من الصعود فوق خشبة المسرح. وهو ما تلزم به وتخضع له كل قنوات التلفزيون المصرية، التي أعطي كل منها عشر دقائق للتصوير من مكان محدد خلف مقاعد المشاهدين، طبقا للبروتوكول الموقع بين الأوبرا واتحاد الإذاعة والتلفزيون.
المايسترو الإسرائيلي لم يعجبه هذا الموقف، وأصر على وجود التلفزيون الألماني فوق خشبة المسرح مع تصوير البروفة كاملة. حاول رضا الوكيل أن يشرح له أن ذلك أمر مرفوض، لأنه يخالف تقاليد الأوبرا. لكن صاحبنا تمسك برأيه وقال إن وجود الكاميرا على المسرح ضروري لتصوير وجهه. الوكيل من جانبه رفض أن يتراجع، وأصر على الالتزام بالتقليد المتفق عليه. إزاء ذلك لجأ السيد دانيال إلى المدير الفني والإداري للأوركسترا، د.إيناس عبدالدايم، التي طلبت من الوكيل استثناءه من القاعدة المتبعة، خصوصا أن الرجل هدد بالانسحاب إذا لم تتم الاستجابة إلى طلبه.
الغريب أن الوكيل كان قد استشار د.إيناس قبل أن يلجأ إليها المايسترو الإسرائيلي، فأيدته في موقفه، لكنها تراجعت بعد ذلك، وآثرت تفويت الأزمة عن طريق الاستجابة لطلبات الضيف، وهو ما وضع رئيس البيت الفني للأوبرا في موقف حرج. إذ بعدما تخلى الآخرون عن موقف الالتزام بالتقاليد المتبعة في الأوبرا، فإنه بدا وكأنه الوحيد المعارض لطلبات السيد دانيال.
ما همني في تلك التفاصيل أن د.رضا الوكيل رفض أن يقبل بتصرف المايسترو الإسرائيلي، فقرر أن يستقيل من منصبه احتراما لنفسه واحتجاجا على إهدار تقاليد الأوبرا. ورغم أنه لم يمض على تعيينه في المنصب سوى شهر تقريبا، فإنه رفض أن يتراجع عن موقفه، حتى يوم نشر الخبر على الأقل.
قد يقول قائل إن الذي يجرح مشاعر الأمة بدعوة الموسيقار الإسرائيلي للعزف في القاهرة، بعد عدة أسابيع من مذبحة غزة، لا يستكثر عليه أن يخرق قواعد العمل في الأوبرا ويستثنيها من تقاليده، وهذا كلام لا يخلو من منطق أؤيده، ولدي استعداد للدفاع عنه، إذ رغم أن الرجل مؤيد لحقوق الفلسطينيين ومستنكر للجرائم الإسرائيلية، فإننا ونحن نقدر موقفه يجب أن نقنعه بأنه منبوذ ومقاطع في العالم العربي، بسبب جرائم البلد الذي ينتمي إليه ويحمل جنسيته.
في الوقت ذاته فإن دعوة المايسترو الإسرائيلي مسؤولية وزير الثقافة الذي له حساباته الخاصة المعروفة وليست مسؤولية د.رضا الوكيل. مع ذلك فإن الأخير وهو يؤدي وظيفته اختار أن يدافع عن تقاليد المكان الذي يعمل فيه، وقرر أن يدفع ثمن اختياره بالاستقالة.
ورغم أن دعوة المايسترو الإسرائيلي تظل خطأ جسيما لا يغتفر، فإن نزاهة د.الوكيل ينبغي أن تذكر له. ذلك أننا في زمن يعاني من محنة انهيار تقاليد العديد من المهن، بقدر ما يعاني من محنة تخاذل الكثيرين من الذين يفترض أنهم حراس تلك التقاليد والقائمون على صيانتها.
إنني أتمنى أن يظل د.الوكيل ثابتا على موقفه، على الأقل لكي يبقى في أذهاننا نموذجا للمسؤول الذي لم يتخل عن تقاليد مهنته، ودفع راضيا ثمن اختياره وإذا فعلها فإنه سيرفع من معنوياتنا، وسيقنعنا بأن البلد مازال فيه أمل، وأن صنف الشرفاء الذين لم تفسدهم الغوايات والمناصب لم ينقرض بعد. ..............................
تحفل الصحف المصرية هذه الأيام بسيل من المواعظ التي ما برحت تعطينا دروسا في مسؤوليات الأمن القومي والمقدسات الوطنية والخطوط الحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها أحد. وهو أمر لا بأس من التذكير به، إذا وضع في موضعه الصحيح، ولم يخضع للعبث أو التلاعب الذي يستهدف التحريض والإثارة بأكثر مما يُراد به تحقيق المصالح العليا للوطن.
وأخشى ما أخشاه أن تبتذل أمثال تلك المعاني الكبيرة وسط الهرج الذي يسود الساحة الإعلامية والثقافية، بعدما أصبح الموضوع محل مزايدة من جانب المهللين والمنافقين والكائدين، وأضرابهم من الذين ينخرطون في كل جنازة، ليشبعوا فيها عويلا ولطما. أتحدث عن واقعتين محددتين برزتا في الفضاء المصري خلال الأيام الأخيرة:
الأولى تمثلت في قضية خلية حزب الله، التي بدأت «حبة» وحوّلتها المكايدة السياسية إلى «قبة» كما يُقال، شغلت بها مختلف المنابر الإعلامية،
أما الثانية فقد شغلت دوائر المثقفين، الذين ثار بينهم لغط كبير بمناسبة صدور حكم بإلغاء رخصة مجلة «إبداع»، بسبب نشرها قصيدة قيل إنها ماسة بالذات الإلهية.
صحيح أن الموضوعين مختلفان، لكن ذلك لم يمنع وجود بعض القواسم المشتركة بينهما، في المقدمة منها أن الواقعتين وثيقتا الصلة بالأمن القومي للبلد، إذ من الناحية النظرية، فإن الاعتداء على السيادة والحدود يمسّ الأمن القومي في الصميم، وفي الوقت ذاته، فإن المساس بالذات الإلهية يُعد بدوره تهديدا للأمن القومي، من حيث إنه بمنزلة إخلال بالتماسك العقيدي المرتجى وعدوان على المقومات الأساسية للمجتمع.
لقد لاحظت في بعض الكتابات انفعالا شديدا ومبالغة مفرطة في التنديد بخلية حزب الله، رغم أن المعلومات الأساسية في الموضوع لم تتوافر بعد، وكل ما لدينا لا يتجاوز بلاغات مباحث أمن الدولة، وتسريبات معينة عن التحقيقات طعن المحامون في صحتها. لكن المعلقين تعاملوا مع التقارير والتسريبات باعتبارها حقائق، لأسباب مفهومة.
لكن ما أثار انتباهي أن الذين بالغوا في هجومهم على حزب الله وخليته باسم الدفاع عن الأمن القومي والخطوط الحمراء، هوّنوا كثيرا من مسألة المساس بالذات الإلهية، واعتبروا ما جرى بحقها نوعا من حرية التعبير التي ينبغي ألا يحدها قيد ولا شرط، وهو موقف وضعنا إزاء معادلة خلاصتها أن لافتة الأمن القومي استخدمت للطعن في حزب الله، في حين وظف شعار حرية التعبير لحماية المساس بذات الله.
قبل أن أسترسل في مناقشة هذه النقطة ألفت النظر إلى أنني حين سئلت عن موضوع إلغاء ترخيص مجلة «إبداع» بسبب نشرها للقصيدة، قلت إنني ضد الاثنين، ضد إلغاء رخصة المجلة، وضد المساس بالذات الإلهية. وكان رأيي ـ ولايزال ـ أنه لابد أن تكون هناك أساليب أخرى للفت انتباه صاحب القصيدة إلى ما فيها من تجاوز، كما لم تكن هناك ضرورة للتعامل مع المسألة بمنطق البتر والإلغاء، من ثم، فإن تحفظي الأساسي لا ينصبّ على استبعاد موضوع الاعتداء على سيادة البلد وحدوده ـ في حال ثبوتهما ـ من منظومة الأمن القومي والخطوط الحمراء، وإنما ما أدعو إليه أن يعد المساس بالعقائد والمقدسات ضمن عناصر تلك المنظومة.
يوما ما كان غلاة العلمانيين الأتراك يعتبرون أن المساس بأتاتورك بمنزلة خط أحمر، في حين أن المساس بالذات الإلهية هو «وجهة نظر» يتعين احترامها. لأنها تتعلق بممارسة حرية التعبير، والذين يهونون من شأن المساس بالذات الإلهية يقفون في ذات الخندق، من حيث إنهم ينضمون إلى أولئك الذين وصفهم القرآن بأنهم «لا يرجون لله وقارا».
إن المعارك تفتعل، لأن واحدا من حزب الله جاء لمساعدة الفلسطينيين، وترتفع الأصوات مستهجنة التصرّف، ومعتبرة أنه بمنزلة عدوان على «الخط الأحمر». وهذه الأصوات ذاتها حين تهوّن من شأن المساس بالذات الإلهية ولا ترى فيه غضاضة، فإنها لا ترى فيه سوى أنه خط «بمبي» ـ هل هذا معقول؟! ...........................
حين اقترب أحمدي نجاد من عش الدبابير (أو الزنابير) انهالت عليه اللسعات والقرصات من كل صوب. كان أجرأ من الجميع حين قال أمام مؤتمر مكافحة العنصرية في جنيف: إن إسرائيل هي الدولة الأكثر قسوة وعنصرية، ودعا إلى وضع حد لتجاوزات الصهاينة.. الذين هاجروا من أوروبا والولايات المتحدة لكي يقيموا دولتهم العنصرية فوق أرض فلسطين، التي تم اغتصابها بالقوة المسلحة. إلى غير ذلك من الكلام الذي نعرفه جميعا. لكن بعضنا لا يملك شجاعة الإفصاح عنه. والبعض الآخر يسكت عنه عمدا، إيثارا للسلامة وتجاوبا مع رياح التطبيع والتسوية.
قام الرئيس الإيراني بدور فتى القصة الشهيرة الذي انبرى وسط جموع الكذابين والمنافقين ليفضح قبح منظر الملك، ويعلن على الملأ أنه «عار»، مع فارق أساسي هو أن الكذابين والمنافقين انقلبوا على من جهر بالحقيقة وفضحها، بدلا من أن يقفوا إلى جواره في انتقاد قبح وبشاعة منظر «الملك».
ذلك أن الرجل ما إن قال كلامه هذا حتى انتفضت ضده أغلب الدول الغربية. فانسحبت بعض الوفود احتجاجا، وزايدت تشنجيا على الجميع فألغت عضويتها للمؤتمر من الأساس، غضبا لإسرائيل وغيرة على سمعتها، وكانت الولايات المتحدة قد قاطعته من البداية. وأعلن متحدث رسمي أميركي أن تصريحات أحمدي نجاد معيبة ومشينة وحاقدة، في حين أصدرت فرنسا بيانا دان خطاب «الحقد» الذي عبر عنه الرجل، ودعا إلى رد فعل حازم حياله. وقال متحدث باسم الفاتيكان إن كلام صاحبنا اتسم بالتطرف، واستنكره الأمين العام للأمم المتحدة، قائلا إنه حذر أحمدي نجاد من الخلط بين الصهيونية والعنصرية، معربا عن أسفه لأن كلامه تسبب في الانقسام والاستفزاز.
أما إسرائيل فقد هاجت وماجت ونددت باستقبال الرئيس السويسري لنظيره الإيراني، كما احتجت على اجتماع الأمين العام للأمم المتحدة معه. وأعلنت استدعاء سفيرها لدى الأمم المتحدة في جنيف احتجاجا على استقبال أحمدي نجاد في مقر المنظمة.جميعهم أرادوا أن يقولوا إن «الملك» ليس عاريا. وأن من ينبغي إدانته هو من أشار إلى القبح وفضحه وليس الذي جسّده وسار مختالا به، ليس ذلك فحسب، وإنما وصلت الوقاحة بنفر من الكذابين والمنافقين حدا جعلهم يتهمون الرئيس الإيراني بأنه معادٍ للسامية.
هناك مفارقتان في هذا المشهد، الأولى أن وصف الصهيونية بالعنصرية ليس اختراعا جديدا ولا هو تطرف من جانب أحمدي نجاد، لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في دورتها الثلاثين، بتاريخ 10 نوفمبر 1975 قرارها الرقم 3379 الذي أعلن أن «الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز». وقبل ذلك في 11 ديسمبر 73 أصدرت قرارها الرقم 3151، الذي دانت فيه «التحالف الأثيم بين العنصرية في جنوب أفريقيا والصهيونية العالمية». وهو ما يعني أن عنصرية إسرائيل كان مسلَّما بها من قبل أغلبية الأعضاء في الأمم المتحدة، حين كان الموقف العربي أكثر حزما ووضوحا وأقل تخاذلا.
وللأسف فإن هذا الموقف تغير بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994، التي تمت في أجواء التراجع العربي الذي خيم عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وترتب على ذلك أن ألغت الجمعية العامة قرار عنصرية إسرائيل في نفس العام، وكان المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة آنذاك من بين الذين أيدوا إلغاء القرار بتعليمات من الرئيس عرفات.
المفارقة الثانية، أننا لم نسمع صوتا عربيا أيد أحمدي نجاد في موقفه المندد بعنصرية إسرائيل وجريمتها في فلسطين، الأمر الذي ذكرنا بما فعله رئيس الوزراء التركي طيب أردوجان في دافوس، حين كان هو من غضب لفلسطين في رده على شمعون بيريز، ثم غادر المنصة محتجا، في الوقت الذي ارتبك فيه الأمين العام لجامعة الدول العربية، وجلس متفرجا.ألا ينبغي أن يستوقفنا أنه في الحالتين، كان من يمثل غير العرب هو الذي غضب لفلسطين وحمل عبء الدفاع عنها، في حين لم نلمح غيرة مماثلة من قادة العرب؟
حتى «الظاهرة الصوتية» التي وبِّخنا بها يوما ما لم نعد نمثلها.. يا ويلاه! ....................
لااعرف متى يمكن ان يتوقف الانفعال في الاعلام المصري بسبب موضوع خلية حزبالله، لكن اعرف ان التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة والمتجاوزةللحدود، يقلب الموازين ويسيء الى مصر باكثر مما يسيء الى غيرها.
(1)
منالمفارقات ان التهمة التي وجهت الى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح الى غزةسبق ان »اقترفتها« مصر في الستينات. ذلك ان النظام الناصري حين اختار انينحاز الى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، فانه وجد نفسه مدفوعاالى مناصرة حركات المقاومة خصوصا في انحاء القارة الافريقية، وهذه النصرةشملت تهريب السلاح بمختلف الوسائل، ولا يزال يعيش بيننا الى الان عدد منالضباط الذين اشرفوا على تلك العمليات، وقد تحدثت الى بعضهم، واحترمترغبتهم في عدم نشر اسمائهم. وسمعت منهم قصصاً عن الكيفية الى كانت مصرتهرب بها السلاح الى الجزائر الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك، وكان ذلكيتم عبر البحر والبر، العمليات البرية كانت تمر بالاراضي الليبيةوالمغربية دون علم سلطاتها في كثير من الاحيان، ولكي تصل الى هدفها فانهاكانت تخترق الاسوار المكهربة التي اقامها التونسيون على الحدود لوقفالتهريب،
اما العمليات البحرية فكانت تراوغ لانزال حمولتها على الشاطئالجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسنعاصم رحمه الله. تحدث بعضهم ايضا عن تهريب السلاح الى اليمن الجنوبي، الذيكان خاضعاً للاحتلال الانجليزي، حيث كانت الاجهزة المصرية تزود القوىالوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالي. وتكررت عمليات التهريبالى العديد من الدول الافريقية، التي منها تنزانيا وغانا وغينيا. وكانتشركة النصر للاستيراد والتصدير غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتهامصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك افتتحت الشركة مكتبا دائماًلها في باريس، لانه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الافريقية، لكنالوصول اليها كان يمر في الغالب بالعاصمة الفرنسية، وسمعت من الاستاذ محمدفايق الذي كان مسؤلا عن الملف الافريقي في مكتب الرئيس عبد الناصر انالسلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية الى روديسيا الشمالية، وحين لفت نظرالرئيس كينيث كاوندا الى ذلك، كان رده انه لا يقبل ان يقوم بدور الشرطيلحماية النظام العنصري في روديسيا الشمالية (زامبيا الان).
اكثرمن ذلك فان المخابرات المصرية قامت في تلك الفترة بعمليتين عسكريتينناجحتين ضد اسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة، ودون علمها. فقد تم قصف ميناءايلات من الاردن في عام 1969 دون علم سلطاتها. وتم في 1970 اغراق الحفارالاسرائيلي الذي كان متجها الى خليج السويس في مياه المحيط امام ابيدجانعاصمة غينيا التي لم تكن سلطاتها بدورها على علم بالموضوع.
(2)
صحيحان ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي ظل قيادة من طراز مختلف، الا ان تلكالممارسات سوغتها السياسة رغم انها مخالفة للقانون. ذلك انه من الناحيةالقانونية البحتة، فانه لا ينبغي استخدام اقليم دولة لاي غرض بغير علم اورغبة منها والا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا الى القولبان الرغبة في »النصرة« هي التي دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصريةالى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة بانتهاك السيادة، باعتبار ان حلمالتخلص من الاستعمار شكل احد الضرورات التي تبيح »المحظورات«، كما تقولالقاعدة الشرعية الشهيرة.
الذي حدث في حالتنا ان السياسة لم تكنراغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الامر الذي يدعوناالى القول بانه من الناحية القانونية فان سعي حزب الله الى استخدامالقاهرة لاطلاق اي انشطة ضد اسرائيل دون علم الدولة المصرية او رغبة منهاهو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ انني لم اتحدث عن اقدام الحزبعلى ممارسة اية انشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العامالمصري، لان المجال الاول لم يعد محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصرالله به.)
لا مشكلة اذن في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلتالسياسة عن »النصرة«، او رأت ان تمارسها بشكل اخر، فتلك ايضا حساباتهاالتي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الابواق الاعلاميةالمصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأقانوني ارتكبه حزب الله الى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، بحيث حولتهمن خطأ قانوني ارتكبه حزب الله الى حملة شرسة وظالمة ضد الحزب، مستخدمة فيذلك اساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته. وقد استندت فيذلك الى ما ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث امن الدولة تحدث عنمخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من شأنه ان يهدد امنها القومي، وكانتالنتيجة انه خلال ايام قليلة تحول حزب الله الى عدو لمصر، وتمت »شيطنته«،وهو الذي اسهمه قد ارتفعت الى عنان السماء بعد انتصاره على اسرائيل في عام 2006.
(3)
لا تفوتنا هنا ملاحظتان، احداهما تتعلق بما وراءحملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت اطلاق الحملة فيما يخص المسألةالاولى. فينبغي ان ندرك ان ثمة اطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله ان يختفيمن الوجود. وان لم يتحقق ذلك فعلى الاقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لاناعضاءه من اتباع المذهب الشيعي، وليس لان لديهم تحالفا مع ايران، او لانهميشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب واحدهو انه فصيل مقاوم لاسرائيل بالدرجة الاولى، استطاع ان يثبت في مواجهتهاوان يتحداها بنجاح، لاول مرة في تاريخ الدولة العبرية. ولو انه تخلى عنالمقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وابقى على كل صفاته وارتباطاتهالاخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهدهفي دفع »عملية« السلام. واذا جاز لنا ان نتصارح في هذا الصدد، فاننا نقرران الاطراف التي اعنيها ليست اسرائيلية وامريكية فقط، ولكنها لبنانيةوعربية ايضاً. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض الصحف والفضائيات العربية،يستطيع ان يحدد تلك الاطراف، بالاسم والعنوان.
اما توقيت اطلاقالحملة فانه يثير اسئلة عديدة. ذلك ان عضو حزب الله الذي اتهم بقيادةالخلية القي القبض عليه في 19 نوفمبر الماضي، وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلكالحين. بحيث لم يعلن رسمياً عن القضية الا في 9 ابريل الحالي، اي بعدحوالي خمسة اشهر. وتزامن ذلك الاعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابيةاللبنانية، التي تجرى في 7 يونيو، ويتصارع فيها تيارا 14 و8 آذار (مارس). والاول ضد المقاومة ومع لبنان »المعتدل« جدا، والثاني مع المقاومة ومعلبنان المستقل والرافض للهيمنة الامريكية، لا اعرف ان كان ذلك التزامنمجرد مصادفة ام لا، لكن الذي حدث ان الحملة المصرية ضد حزب الله وظفتلصالح تيار 14 آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل ان 15 الف نسخة من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرحزعيمه، تنقل يوميا من القاهرة الى بيروت، لتسهم في اضعاف موقف الحزب فيالانتخابات.
(4)
في حملة شيطنة حزب الله، ارتكب الاعلامالمصري عدة خطايا لا تغتفر، على الاصعدة المهنية والاخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فان ابواقنا الاعلامية اجرت المحاكمة وفصلت في القضيةحيث اعلنت ادانة حزب الله، وتنفيذ حكم الاعدام السياسي والادبي بحقه. كلذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر امام القضاء، ولم تسمع للقاضيفيها كلمة. وفي هذا الجانب فان ما نشرته الصحف المصرية كان في حقيقتهاعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الاجهزة الامنية في المحيطالاعلامي.
من الناحية الاخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوتالعالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني الخاضع للتوجه الامني، للسبابوالشتائم والاهانات التي عبرت عن افلاس في الحجة وهبوط في مستوى التعبير،وايثار لغة »الردح« على اسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.
من الناحية السياسية، كانت ابرز الخطايا ما يلي:
* ان الاعلام المصري بالغ في التجريح والاهانة حتى وجد نفسه يقف في مربعواحد مع المربع الاسرائيلي. ولذلك كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا منجانب اسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب الله. ولم يفوت الاسرائيليونالفرصة، فاصبحوا يتحدثون عن الحزب بانه »العدو المشترك« للقاهرة وتل ابيب.
* ان اعلامنا وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح الى غزة لم يذكر مرة واحدة انالمشكلة الحقيقة في الاحتلال وان التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورةاضطر الناس للجوء اليها لمواجهة ذلك الاحتلال.
* لم يفرق اعلامنابين التناقض الرئيسي والثانوي. والاول هو ما بين مصر والعرب اجمعين وبيناسرائيل، والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بينالاثنين، بالغ اعلامنا في هجومه على حزب الله بشكل ضار وكانه اصبح يمثلتناقضا رئيسيا مع مصر، في الوقت الذي يفترض ان يكون الحزب مع مصر في مربعواحد ضد اسرائيل.
* الغريب والمدهش ان اعلامنا لم يعتبر اسرائيلالنووية المصرة على التوسع ونهب الارض تهديدا للامن القومي المصري، وصدقان شابا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن ان يشكلوا ذلك التهديد.
* لم نجد وعيا بحقيقة ان عدو عدوي صديقي، ووجدنا في المتابعة الاعلاميةالمصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن عدو عدوي، عدوي ايضا، وكأن معاهدة السلامبين مصر واسرائيل جعلت اعداء اسرائيل اعداء لنا ايضا.
لان حزب اللهالمقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ عليه فضلا عن الاعتزاز به، فاننا يجب اننتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبهفي النهاية ولا نخسره. وللاسف فان اعلامنا اهدر هذه المعاني والضوابط،الامر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الاعلام والسياسة في هذهالحالة.