Subscribe:

Ads 468x60px

31 مارس، 2009

أجراس الغارة على السودان – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1430 – 31 مارس 2009
أجراس الغارة على السودان – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الغارة التي ضربت أهدافا في السودان تنبهنا إلى أهمية وخطورة النشاط العسكري المريب، الذي يدور في الحديقة الخلفية لمصر، في تماس مكشوف مع أمنها القومى.
(1)
صحيح إن بعض التفاصيل لم تتضح بشكل نهائي، إلا أن ثمة جوانب في العملية باتت محسومة على نحو لا يقبل الجدل. فاللغط لا يزال مثارا حول أهداف قافلة السيارات التي استهدفتها الغارة. بين قائل إنها كانت تهرب سلاحا للتجارة فيه، وقائل إنه سلاح إيراني أريد توصيله إلى قطاع غزة.

وليس مؤكدا ما إذا كانت الطائرات أمريكية أم إسرائيلية، رغم أن واشنطن نفت صلتها بالموضوع، بعكس تل أبيب التي لم تنف، وإنما أعطت انطباعا على لسان رئيس الوزراء إيهود أولمرت بأنها قد تكون الفاعل في العملية. وهناك روايات متعددة للغارة، بعضها يتحدث عن ثلاث غارات تمت خلال الشهرين الأخيرين، والبعض الآن تحدث أيضا عن إغراق قاربين محملين بالسلاح في البحر الأحمر. ثم هناك تساؤل عن الجهة التي خرجت منها الطائرات المغيرة، وهل هي أريتريا أم جيبوتي أم إحدى حاملات الطائرات الموجودة في البحر الأحمر؟. مع ذلك لم يعد أحد يجادل في عدة أمور، منها أن الخبر الذي انفردت صحيفة «الشروق» بنشره ونقلته عنها الصحف العالمية كان صحيحا. منها أيضا أنها المرة الأولى التي تغير فيها طائرات خارجة من مكان ما في شرق إفريقيا على قافلة تحمل سلاحا يظن أنها متجهة إلى سيناء. وذلك بعد توقيع الاتفاق الأمريكي-الإسرائيلي الذي رتب التعاون بين البلدين في وقف تهريب السلاح إلى غزة. وهذه الطائرات اخترقت الأجواء السودانية، في عدوان صريح على سيادتها.

من تلك الأمور المؤكدة أيضا أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي هما الوحيدان اللذان يقفان وراء العملية، حيث لا يهم كثيرا في السياق الذي نحن بصدده من الذي قدم المعلومات ومن قام بمباشرة القصف. بذات القدر فلا يغير من الأمر كثيرا أن تكون الطائرات قد خرجت من جيبوتي أو أريتريا أو مكان ما في البحر الأحمر، لكن الذي يهمنا هو أن هناك أعينا متربصة في جنوب مصر وفي البحر الأحمر، تراقب المنطقة وجاهزة لضرب أي تحركات فيها تعتبرها متعارضة مع مصالحها، وأن تلك الأعين ليست مفتوحة على السودان فقط وإنما على مصر أيضا.
(2)
عملية التربص الحاصلة في جنوب مصر والبحر الأحمر ليست جديدة، ولكن الجديد فيها فقط أن الأضواء سلطت عليها بعد الغارة الأخيرة، التي تحولت إلى جرس إنذار ما زالت أصداء رنينه تتردد في العالم العربي، علها توقظه وتنبهه إلى ما يدبر ويرتب من حوله منذ زمن ليس قصيرا. ذلك أنه من الأمور المدهشة أن تقف مصر بالذات موقف المتفرج إزاء التدابير والترتيبات التي تنسجها إسرائيل منذ نصف قرن تقريبا حول عمقها الإستراتيجي، ولا تصدر عنها مخططات واضحة وحازمة تستهدف التعامل مع تلك التدابير، بما يحول دون تأثيرها السلبي على الأمن القومي للبلاد. هذه التدابير الإسرائيلية وثقها بحث سبق أن أشرت إليه، صدر في عام 2003 عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا التابع لجامعة تل أبيب. عنوانه «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»، وقد أعده ضابط الموساد المتقاعد موشي فرجي.

في البحث كلام صريح عن الإستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل بعد تأسيس الدولة العبرية، ووضع خطوطها الرئيسية ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء آنذاك، الذي دعا إلى ثلاثة أمور،
أولها العمل على إضعاف الدول العربية عن طريق محاولة اختراقها من الداخل للتعاون مع الطوائف والجماعات غير العربية التي تعيش في ظلها وعلى تخومها، خصوصا في شمال العراق (الأكراد) وجبال لبنان (الموارنة) وجنوب السودان (ذوو الأصول الزنجية).
الأمر الثاني تمثل فيما أطلق عليه الإسرائيليون محاولة «شد الأطراف» عبر سياسة حلف الجوار، أو حلف محيط الدائرة. بمعنى مد الجسور مع الدول المحيطة بالعالم العربي والتعاون معها لإضعافه والضغط عليه من خارجه، وهذه الدول هي: إثيوبيا وتركيا وإيران.

الأمر الثالث تعلق بالبحر الأحمر، الذي اعتبرته إسرائيل منفذا حيويا لها يمكنها من كسر الحصار العربي المضروب حولها. وفي هذا الصدد نقل الباحث عن بن جوريون قوله: إن سيطرة إسرائيل على نقاط في البحر الأحمر ستكون ذات أهمية قصوى، لأن هذه النقاط ستساعد إسرائيل على التخلص من أي محاولة لحصارها وتطويقها، كما ستشكل في ذات الوقت قاعدة انطلاق عسكرية لمهاجمة أعدائنا في عقر دارهم، قبل أن يبادروا إلى مواجهتنا. وهو ذات المعنى الذي كرره بن جوريون في مقام آخر حين قال: لو تمكنا من السيطرة على مواقع حيوية في البحر الأحمر، فإننا سنتمكن من اختراق سور الحصار العربي، بل والانقضاض عليه وهدمه من الخلف.

في مطلع الخمسينيات، شكل بن جوريون فريق عمل ضم خمسة من الخبراء لوضع الإستراتيجية التي تحقق هذه الأهداف هم: إسرائيل جاليلي خبير الشؤون الإستراتيجية ــ إيجنال ياوين خبير الشؤون العسكرية ــ موشيه ساسون خبير الشؤون العربية ــ وؤبين شيلوح خبير العلاقات السرية مع الأقليات ــ جولدا مائير خبيرة في الشؤون السياسية والاتصالات.

(3)
ما يهمنا الآن في الإستراتيجية التي وضعت وبدأت إسرائيل في تنفيذها منذ أواخر الخمسينيات هو موقع السودان والبحر الأحمر فيها. ذلك أن السودان ــ والكلام للباحث ــ اعتبرت حالة نموذجية لتحقيق هدفين من وجهة النظر الإسرائيلية، أولهما إضعاف مصر عن طريق تهديد عمقها الاستراتيجي في مواجهة الدولة العبرية. وثانيهما إثارة القلاقل في السودان عبر استمالة التمرد في الجنوب ودعمه، وضمان تقاسمه للمزايا الإستراتيجية الكاملة في المنطقة. ضاعف من أهمية السودان في الاستهداف الإسرائيلي أنه يطل بدوره على البحر الأحمر، الذي اعتبرته إسرائيل رئة ثانية، وممرا يوصلها بالدول الآسيوية ودول شرق أفريقيا. وهو ما عبر عنه أوري لوبير مستشار بن جوريون للشؤون العربية بقوله: لابد من رصد وملاحظة كل ما يجرى في السودان. ذلك القطر الذي يشكل عمقا إستراتيجيا لمصر، بالإضافة إلى سواحله المترامية على البحر الأحمر، مما يشكل له موقعا إستراتيجيا متميزا. وهذا يتطلب منا إيجاد ركائز لنا إما حول السودان أو في داخله. وهو السياق الذي يفرض على السودان تقديم الدعم إلى حركات التمرد والانفصاليين في الجنوب.

اختراق السودان لإضعافه وتهديد عمق مصر الإستراتيجي، اقتضى توفير عدة نقاط للارتكاز تيسر عملية الوصول إلى متمردي الجنوب. وهو ما دفع إسرائيل إلى البحث عن مواقع لها في ثلاث دول محيطة بالسودان هي: إثيوبيا وأوغندا وكينيا. وهو ما تحقق في عام 1958، حيث باشرت جولدا مائير العملية بنفسها مبتدئة بإثيوبيا. وكان أهم إنجاز حققته هناك أن القيادة الإسرائيلية انتزعت من إمبراطورها الراحل هيلاسلاسي الموافقة على تولي مهمة الإشراف المباشر على أجهزة الأمن الإثيوبي وتدريبها بواسطة عناصر إسرائيلية نشطة، وهو ما شمل جهاز الأمن الداخلي والشرطة والاستخبارات ووزارة الداخلية. وذكر الباحث في هذا الصدد أن «سيطرة إسرائيل على الأجهزة الأمنية الإثيوبية بمعزل عن مخططها لإقامة مواقع الوثوب والانطلاق إلى السودان وبقية الدول العربية المجاورة».

تلك السيطرة أتاحت للاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) وجناح المخابرات العسكرية أن يوجها اهتماماتهما إلى السودان والدول العربية الأخرى. ولهذا الغرض أنشأ جهاز الموساد شركة «أينكودا» لتكون واجهة له، وقاعدة لإطلاق الجواسيس والعملاء إلى كل من السودان واليمن وعدن، للاتصال بالعناصر المقاومة في الداخل. وقد تمت الاستعانة بتلك العناصر في مهمة إيصال الدعم إلى حركة التمرد في جنوب السودان.

كان التعاون العسكري هو أبرز أوجه النشاط الذي مارسته إسرائيل مع الدول الثلاث خلال تلك الفترة. ومن المعلومات التي ذكرت في هذا الصدد أن عدد المستشارين، الذين قدموا إلى إثيوبيا، وتولوا في عام 1960التدريب والتدريس في المعاهد العسكرية الإسرائيلية حوالي 600 شخص. وهؤلاء حملوا معهم السلاح الإسرائيلي بدءا من الرشاش «عوزي» إلى الصواريخ «جبرائيل» مرورا بالطائرات المقاتلة.
ما حدث في إثيوبيا تكرر مع أوغندا ــ المتاخمة للسودان ــ حيث أوفدت إسرائيل عددا كبيرا من المستشارين العسكريين (قدر عددهم بنحو 500) بقيادة الكولونيل باروخ بارسيفر. وهؤلاء قاموا باختراق القوات المسلحة هناك وتوجيه قيادة الجيش، إضافة إلى تدريب رجال سلاح الطيران ووحدات المظليين، الذين كان يتم إيفاد أعداد منهم للتدريب في إسرائيل.

منذ ذلك الوقت المبكر ـ أضاف الباحث ـ عمدت إسرائيل إلى تعزيز وجودها العسكري من خلال إقامة القواعد العسكرية الموجهة ضد الدول العربية. فأقامت قاعدة بحرية لها في ميناء «مصوع» عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، إضافة إلى القواعد الجوية في كل من إثيوبيا وكينيا، والوجود الجوي في غينيا. وكانت إسرائيل قد أقامت عدة قواعد جوية في تشاد، وعلى الأخص في المناطق المجاورة لحدود السودان، ومنها مطار بحيرة «إيرو» ومطار «الزاكومة» ومطار «مفور». وحين قطعت العلاقات بين تشاد وإسرائيل، تبين أن مهمة القواعد كانت مراقبة الحدود الليبية والسودانية، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها ضد مصر، لضرب أهداف منتخبة في مؤخرة الجبهة المصرية.

(4)
في الدراسة تفاصيل كثيرة عن الدعم الإسرائيلي للتمرد في جنوب السودان، الذي وصل إلى حد الاشتراك في القتال إلى جانب الانفصاليين ضد الجيش السوداني في بعض الحالات. وهو دعم تجاوز الشأن العسكري إلى ما هو سياسي واقتصادي. تضمنت التفاصيل أيضا معلومات أخرى عن التغلغل الإسرائيلي في إريتريا وأفريقيا الوسطى وزائير، ومن الواضح أن ذلك التمدد تم بعد توقيع مصر لمعاهدة «السلام» مع إسرائيل في عام 1979. (في عام 1997 وصل عدد المستشارين الإسرائيليين في إريتريا إلى 650 شخصا، عملوا بأجهزة الأمن والاستخبارات ومحطات للتجسس على اليمن والسودان).

ولا تقل خطورة عن كل ما سبق التفاصيل التي تحدثت في الدراسة عن الوجود الإسرائيلي الكثيف عند منابع النيل، الذي يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، من حيث إنه يمكن قوة معادية من بسط نفوذها الذي يمكنها من التأثير على أهم مورد للحياة في مصر. ما الذي تعنيه كل تلك المعلومات؟ هي تعني بوضوح شديد أن إسرائيل سعت إلى تثبيت أقدامها في شرق أفريقيا بوجه أخص منذ نصف قرن لكي تنصب نفسها شرطيا في البحر الأحمر، ولكي تضغط على مصر من خلال إضعاف السودان والهيمنة على منابع النيل. وتأثير الاتفاقية التي وقعتها مع الولايات المتحدة بشأن منع تهريب السلاح إلى غزة لا يضيف الكثير إلى تعزيزاتها التي أقامتها في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، لأنها موجودة ومتمكنة من المنطقة، ولكنه ربما أحكم ضبط العملية من جهات أخرى مثل المحيط الهندي وجبل طارق.

إننا لا نستطيع أن نتوجه باللوم للإسرائيليين لأنهم خططوا ووصلوا إلى شرق أفريقيا خلال نصف القرن المنصرم، ولكننا ينبغي أن نسائل أنفسنا عن الذي فعلناه نحن في ترتيب أولويات أمننا القومي، تحسبا ليوم نجد فيه إسرائيل تهيمن على البحر الأحمر، وتطل علينا من الجنوب وتخرج لنا لسانها من فوق الهضاب المحيطة بمنابع النيل عند بحيرة فيكتوريا!
........................

30 مارس، 2009

في انتظار جان مونيه العربي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 3 ربيع الثاني 1430 – 30 مارس 2009

في انتظار جان مونيه العربي – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_30.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/840525.html

إحدى مشكلات العمل العربى المشترك أنه يفتقد رجلا مثل جان مونيه، وفى غياب نموذج هذا الرجل، فإن كل عمل عربى ــ حتى إذا كان على مستوى القمة، التى تعقد اليوم فى الدوحة ــ سيظل يدور فى حلقة مفرغة لن يغادر نقطة الصفر، هذا الكلام ليس رأىى وحدى، لكن سبقنى إليه وزير الخارجية الألمانى اسابق يوشكا فيشر، الذى كتب مقالا فى العام الماضى تحت عنوان «الحاجة إلى جان مونيه عربى».

وقال فيه إن ظهور مثل هذا الرجل فى العالم العربى أصبح ضرورة لأنهم لا يزالون بحاجة إلى رمز يتفانى فى الدفاع عن توحدهم ولا ينشغل إلا بتحقيق ذلك الحلم، الذى لم يعد مستحيلا بعد نجاح تجربة الاتحاد الأوروبى، وهو ما اعتبر الوزير الألمانى السابق أن ظروف تحقيقه أفضل منها فى القارة الأوروبية، بحكم التجانس اللغوى والثقافى فى العالم العربى، الذى افتقرت إليه أوروبا.

صاحب الفضل فى تعريفى بجان مونيه هو الباحث اللبنانى الأستاذ رغيد الصلح، الذى كتب عنه مقالا فى صحيفة «الحياة» اللندنية نشر فى 30/10 من العام الماضى (2008) بمناسبة احتفال أوروبا بعيد الميلاد المائة والعشرين للرجل، الذى يوصف بأنه «أب الاتحاد الأوروبى» و«مواطن الشرف الأوروبى الأوحد»، ولأننى أحد الذين يتعلقون بحلم الوحدة العربية فقد احتفيت بالمقال واحتفظت به فى أوراقى، لسبب لم أحدده فى حينه، ربما لأننا أصبحنا بحاجة إلى شهادات تؤيد حقنا فى أن نقيم اتحادا عربيا يجمع شتات هذه الأمة، التى يزداد تمزقها حينا بعد حين.

لقد استولى «الحلم الأوروبى» على عقل وقلب جان مونيه منذ التحق بالحياة العامة وحتى يوم وفاته، ولأنه ظل يدافع عن ذلك الحلم طوال الوقت، ولأنه تجاوز فى أنشطته ونظرته حدود بلده الأصلى فرنسا، فقد أسند إليه عقب الحرب العالمية الأولى منصب نائب الأمين العام لعصبة الأمم وعمره لم يزد على 31 عاما، وخلال الحرب العالمية الثانية انضم إلى الجنرال ديجول وتحول إلى شخص رئىسى فى مقاومة الاحتلال النازى، ونقل عنه فى عام 1943 قوله: «إن أوروبا لن تعرف السلام ولن تذق طعم الرخاء إذا لم تسلك طريق الاتحاد فيما بينها»، وهذا الرأى لم يكن مجرد شعار أطلقه واحتفظ به، ولكنه أصبح برنامج العمل اليومى لجان مونيه ومحور حياته، حتى قال عنه أحد رؤساء الحكومة الهولندية، جيل زيتلسترا «لم أعرف رجلا مثل مونيه فى إصراره على التركيز فى حياته على هدف واحد، أما هو فقد قال عن نفسه: كل ما أنجزته فى كل مفصل من مفاصل العمر، كان نتيجة خيار واحد وواحد فقط، وهذا التركيز حمانى من بعثرة جهودى وإضاعتها».

هذا التركيز حين اقترن بإرادة قوية وقدرة استثنائية على الإقناع، فإن ذلك مكنه من إخراج السوق الأوروبية المشتركة إلى النور، رغم المعارضة القوية من بعض الدول، وفى مقدمتها بريطانيا، التى انسحب مندوبها من اجتماعات التحضير لها ذات مرة، وقال ساخرا: «سوف أعود بعد سنوات إلى مثل هذه الاجتماعات، وسأجدكم تواصلون إثارة ذات القضايا التى تتحدثون فيها الآن».

لقد نجح مونيه فى صنع الأساس لبناء الاتحاد الأوروبى، وتغلب على العقبات الجمة، التى وضعت فى طريقه، وكان منها اتهامه بالتعاون مع النازيين، وكان يردد دائما أن «الشعوب لا تقبل على التغيير إلا عندما يتحول إلى حاجة، وهى لا تعرف إلى تلك إلا عندما ترزح تحت وطأة الأزمات»، المدهش أن هذه العبارة نقلها عن حاكم عربى قال إنه التقاه ذات مرة وحدثه عن تجربته فى الحكم، لا نعرف من هو ذلك الحاكم، لكننا نعرف جيدا أننا غارقون فى الأزمة، وأننا أشد ما نكون حاجة إلى جان مونيه عربى ينذر حياته للعمل من أجل تحقيق الحلم العربى المؤجل والمجهض، وللأسف فيبدو أن انتظارنا سيطول إلى أجل لا يعلمه إلا الله.

......................

29 مارس، 2009

عتب المغاربة فى محله

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 2 ربيع الثانى 1430 – 29 مارس 2009
عتب المغاربة فى محله – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_29.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/839249.html


معهم حق عرب المغرب إذا شعروا بأن أهل المشرق يتجاهلونهم، ويتعاملون معهم بحسبانهم عربا من الدرجة الثانية، لذلك فإنني أتفهم الأسباب التي دفعت صحيفة «الشمس» الليبية إلى الاحتجاج على هذا الوضع والدعوة إلى إعادة النظر في انضمام الدول المغاربية إلى الجامعة العربية التي تحولت إلى منظومة يسيطر عليها المشارقة، قلت إنني أتفهم أسباب الغضب والعتب، لكنني لا أوافق على الصيغة الانفعالية التي طرحت بها الفكرة وانتهت بتبني الخيار الأسوأ، المتمثل في الانسحاب من الجامعة والبحث عن مظلة أخرى غيرها.

وحتى نضبط الفكرة ونضعها في إطارها الصحيح فلعل الأدق والأصوب أن يوجه العتب إلى الأنظمة، والحكومات المشرقية، لأن التلاحم بين الشعوب قائم والتفاعل حاصل بين النخب الثقافية، فالشعوب المغاربية حاضرة دائما في معظم منتدياتنا الثقافية، والمثقفون والمهنيون المغاربة أصبحوا يحتلون موقعا متميزا في الأنشطة العربية المختلفة، فالأمين العام لاتحاد المحامين العرب مغربي، وكذلك الأمين العام للمؤتمر القومي العربي، والأمناء العامون لاتحادات الصيادلة والمعلمين والفلاحين، والشباب العرب ليبيون، والأمين العام للمنظمة العربية للثقافة والعلوم تونسي، والأمين العام لاتحاد العمال العرب جزائري ونائبه ليبي، وهكذا. وقد شهدنا أثناء العدوان على غزة حضورا قويا لشعوب المغرب العربي سواء في مظاهرات الاحتجاج العارمة التي خرجت إلى الشوارع، أو في المعونات التي أرسلت للمحاصرين أو وفود الأطباء الذين تطوعوا لعلاج الجرحى والمصابين في القطاع.

مع ذلك، فلا مفر من الاعتراف بأن النشاط الحكومي في المشرق لا يولي نفس القدر من الاهتمام بدول المغرب العربي، الاستثناء الوحيد على ذلك هو تونس التي اتخذت مقرا لاجتماعات وزراء الداخلية العرب وهو أمر مفهوم، باعتبار أن ذلك هو المجال الوحيد للعمل العربي المشترك الذي يمكن أن ترحب به تونس.

من حق المغاربة أن يستاءوا حين يجدون أن جهود تنقية الأجواء العربية تركز على ما يحدث في المشرق، ولكنها لا تقترب من المغرب، وكأنه خارج الأجواء العربية. وكانت النتيجة أن ظلت الحدود مغلقة منذ عام 1994، أي طيلة 15 عاما بين المغرب والجزائر مثلا، دون أن يبذل أي جهد عربي لإصلاح ما بين البلدين، ومن حقهم أيضا أن يعتبوا علينا لأن كل اجتماع عربي يتحدث عن احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، في حين لا يأتي أحد على ذكر احتلال إسبانيا لسبتة ومليلية المغربيتين. ومن حقهم كذلك أن يستغربوا وقوف العالم العربي متفرجا على مشكلة الصحراء والبوليساريو، التي تؤرق المملكة المغربية ولم تحل إلى الآن.

إن أهل المغرب أبدوا تبرما من إصرار مصر على احتكار منصب الأمين العام للجامعة العربية. وكلنا يذكر تعليقات الاحتجاج التي صدرت عن أكثر من عاصمة حين رشحت مصر السيد عمرو موسى لهذا المنصب قبل عدة سنوات. كما ترددت تلك الاحتجاجات حين رشحت مصر وزير الثقافة السيد فاروق حسني لمنصب مدير اليونسكو، في حين رشحت المغرب د.عزيزة بناني وهي أستاذة جامعية مرموقة، كانت عميدة لكلية الآداب وهي الآن مندوبة المغرب لدى اليونسكو. وقد اضطرت الحكومة المغربية إلى سحب ترشيحها مجاملة لمصر واستجابة لضغوطها.

هذه الأجواء جعلت حكومات المغرب العربي تستشعر عزلة عن المشرق، الأمر الذي دفعها لأن تقترب أكثر من أوروبا والاتحاد الأوروبي، في حين أن حكومات المشرق بدا تعويلها أكبر على الولايات المتحدة الأميركية. لكن المشكلة أبعد من ذلك وأعمق لأنها لا تكمن في عدم اكتراث المشرق بالمغرب بقدر ما تكمن في أن الحكومات القائمة لا تعبر عن نبض شعوبها، كما تكمن في غياب مشروع عربي يظلل الجميع ويستنهض همتهم.

لذلك فإن الشرخ لم يعد قائما فقط بين المشرق والمغرب، ولكنه أصاب الصف المشرقي أيضا، حتى تصالحت بعض دوله مع إسرائيل في حين تخاصمت مع أشقائها.
......................................

27 مارس، 2009

كوميديا التفويض

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 1 ربيع الثانى 1430- 28 مارس 2009

كوميديا التفويض – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_27.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/838222.html

عجز الكاتب الأميركي مارك توين عن استخدام سلاح السخرية الهائل الذي يجيده، حين صدمته الممارسات التي تورطت فيها القوات الأميركية عند اجتياح الفلبين عام 1901م. إذ وجد أن تلك الممارسات الفظيعة تمت تغطيتها بعبارات بليغة عن التحرير والهدف النبيل والمهمة الرسالية. وبرر موقفه بقوله إن قائد القوات الأميركية في تلك الحملة، الجنرال فردريك فانستن هو المسؤول عن العجز الذي أصابه، لأنه ما من سخرية باتت قادرة على أن تعطي ذلك الرجل حقه، بعدما تجسدت فيه حتى أصبح يحتل قمتها.

هذه الخلفية خطرت لي حين تابعت جلسة مجلس الشعب يوم الاثنين الماضي 23-3، التي ناقشت موضوع تفويض رئيس الجمهورية في عقد صفقات شراء السلاح، إعمالا للنص الدستوري (المادة 108) الذي يقضي بأنه عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الشعب لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات لها قوة القانون، على أن يكون التفويض لمدة محددة.

الموضوع كان في ظاهره بسيطا وسهلا للغاية، فالقانون الذي أدخل صفقات السلاح في نطاق التفويض الممنوح للرئيس صدر في عام 1972، في أجواء العمل على إزالة آثار عدوان 67، وحرب الاستنزاف التي أعقبته. إذ منذ ذلك الحين وحتى الآن، نحو 40 عاما، والرئيس ينفرد بعقد صفقات السلاح، في غياب أي رقابة برلمانية. وحين طرح موضوع تجديد هذا التفويض كان السؤالان اللذان خيما على المناقشة هما: هل مازالت الضرورة والأحوال الاستثنائية قائمة حتى الآن؟ ثم، ألا يعد استمرار التفويض طوال هذه المدة انتقاصا من حق البرلمان في الرقابة وعدوانا على سلطاته الدستورية؟

إلى هنا والكلام جاد ومعقول، لكن الكوميديا بلغت ذروتها في الرد على السؤالين. في البداية قدمت لجنة الدفاع والأمن القومى، التي يفترض أن تكون الأكثر اعتناء بالموضوع، تقريرها الذي أعلنت فيه استقالتها من المهمة. إذ قالت ما خلاصته إن الدنيا تغلي من حول مصر وأمنها مهدد، الأمر الذي يتطلب اتخاذ قرارات سريعة وفي سرية تامة، ويقتضي استمرار العمل بتفويض الرئيس في شراء السلاح لثلاث سنوات قادمة (تنتهي عام 2012).

تحدث كثيرون من أعضاء الحزب الوطني في هذا الاتجاه، مؤكدين أنه ما لم يتم التفويض المذكور فإن كارثة ما ستحل بالبلد، حيث سينكشف أمنها القومي وسنصبح جميعا في حيص بيص. وزاد أحد الأعضاء من جرعة التنبيه إلى الخطر، حين قال إن حكومة متطرفة يجرى تشكيلها الآن في إسرائيل. وسيشغل ليبرمان منصب وزير الخارجية، وهو الذي هدد بضرب السد العالي وإعادة احتلال سيناء لتهجير الفلسطينيين إليها. الأمر الذي يعزز أهمية منح التفويض للرئيس للتعامل مع تداعيات هذا الموقف (زكريا عزمى).

قال آخرون إن التفويض ضرورة، وإن المسألة ليست سهلة، فالرئيس مبارك مسؤول عن أمن مصر وأمن المنطقة وأمن أفريقيا وهو حريص على السلم والأمن العالمي (كمال الشاذلى)،

وإننا بصدد الاستفتاء على حب مصر، ومن يعارض التفويض يكن مشكوكا في ولائه للبلد (محمود خميس)،

وقال ثالث إن التفويض يعد تعبيرا عن الثقة في حكمة الرئيس مبارك (مفيد شهاب)

ويبعث برسالة تحية إلى قائد ديموقراطية مصر الحديثة (أحمد عز).

أضاف خامس أننا نسلم للرئيس أرواحنا، فلماذا نعترض على تسلمه لكمية من الحديد؟ (العمدة أبوالحسن).

لم يتطرق أحد إلى موضوع عمولات السلاح ربما اطمئنانا إلى مصيرها، لكن أصوات المعترضين ضاعت وسط الهرج السائد، خصوصا قول أحدهم إننا نشتري السلاح من نفس البلد الذي يبيع لإسرائيل والادعاء بالحاجة إلى السرية باطل من أساسه (محمد شردي)،

وقال آخر إننا لم نعرف بالضبط ما إذا كنا في حالة حرب أم سلم، أيام غزة قالت الحكومة إن مصر في حالة سلم، والآن تقولون إننا في خطر وفي حالة حرب (سعد عبود).

انتهت الجلسة بموافقة الأغلبية على التفويض، الأمر الذي أعاد إلى ذهني كلام مارك توين، فتساءلت هل هناك سخرية يمكن أن تعطي ذلك المشهد حقه؟

...................

26 مارس، 2009

الموقف تحت السيطرة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 29 ربيع الأول 1430 – 26 مارس 2009
الموقف تحت السيطرة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_26.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/836642.html

لايزال الوقت مبكرا للتعرف على الآثار الاجتماعية للانهيارات التي حدثت في عالم الاقتصاد. مع ذلك فالأمر لم يخل من أصداء ومؤشرات لاحت هنا وهناك، ترسم صورة مصغرة لتعدد تلك الآثار وكيفية تفاعل المجتمعات المختلفة معها، فارتفاع معدل البطالة وانخفاض ساعات العمل في الكثير من الوحدات الإنتاجية، ترتب عليهما ازدياد إقبال الناس على الكنائس. وعلى القراءة. إذ تشير مختلف التقارير الصحافية إلى أن الكنائس في الولايات المتحدة وأوروبا أصبحت أكثر أهمية في حياة الناس، ليس فقط لأن بعضها أصبح مأوى لأعداد كبيرة من المشردين والمطرودين من بيوتهم، ولكن أيضا لأن زيادة أعداد العاطلين عن العمل دفعت كثيرين للانخراط في مختلف الأنشطة التي تقوم بها.

ارتفاع نسبة الإقبال على القراءة كان واضحا في أوروبا عنه في الولايات المتحدة، فقد ذكر تقرير بثته «نيويورك تايمز» أن مبيعات الكتب في فرنسا زادت في ديسمبر الماضي بنسبة 2 ٪ على ما كانت عليه في العام الذي سبقه. أما في شهر يناير فإنها زادت بنسبة 2.4 ٪ على ما كانت عليه في الشهر ذاته من العام السابق، إلا أن أسواق الكتب كانت أقل انتعاشا في إنجلترا والولايات المتحدة، حيث انخفضت مبيعاتها لأقل من واحد في المئة عما كانت عليه في العام السابق، وكان الركود أوضح ما يكون في كتب السفر والموضات وكتب الرفاهية الغذائية.

في النمسا، انتعشت الشركات التي تنتج لوازم السلع التي يتم تجميعها منزليا، ونشرت الصحف تصريحا لمدير شركة «هورنباخ» كبرى شركات مواد البناء والأدوات المنزلية، قال فيه: «كلما ازداد الحديث عن الكساد والانكماش الاقتصادي وضرورة ترشيد الإنفاق ازدادت أرباحنا وتضاعفت». وكان الرجل - اسمه شتيفان جولد شفايندت - قد صرح لوسائل الإعلام بأن شركته بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة المدربة لمواجهة زيادة الطلب على منتجاتها، بعدما أصبح الناس بسبب الأزمة أكثر اعتمادا على أنفسهم في عمليات البناء والصيانة المنزلية، بالإضافة إلى تفضيلهم للأثاث الذي يتم تركيبه وتجميعه منزليا، عبر الاستعانة بالكتيبات الإرشادية.

إسرائيل تعاملت مع الأزمة بصورة مغايرة، إذ اعتبرتها الوكالة اليهودية فرصة لاستجلاب أكبر عدد ممكن من اليهود في روسيا التي ضربتها الأزمة من عدة أوجه، فانخفضت قيمة الروبل بنسبة 50 ٪ وتراجعت كثيرا موارد الحكومة مما أدى إلى هروب رءوس الأموال للخارج. وهي أوضاع زادت من معاناة الناس، واليهود من بينهم بطبيعة الحال. وقد ذكر تقرير قدم إلى الحكومة الإسرائيلية حول الموضوع، أعدته الوكالة اليهودية بالمشاركة مع جهاز «انتيف» الاستخباري الذي اختص باستقدام اليهود في الاتحاد السوفييتي سابقا، أن في روسيا والدول المجاورة لها 900 ألف يهودي أكثر من نصفهم يمكن جذبهم إلى إسرائىل في الظروف الراهنة، خصوصا بعدما انخفضت نسبة المهاجرين إلى الدولة العبرية خلال السنوات الأربع الأخيرة.

في لندن نشرت صحيفة «إندبندنت» نتيجة دراسة ذهبت إلى أن عام 2009 سيكون عام الطلاق. حيث يتوقع أن يقدم مليون متزوج على الانفصال بسبب الأزمة المالية، وأشارت إلى أن زوجات رجال الأعمال الأثرياء المتضررات سيقدن موجة الزوجات المطالبات بالطلاق، كما تحدثت عن أن مكاتب المحامين المتخصصين بالطلاق، شهدت خلال الشهر الأول من العام الحالي زيادة بمعدل ثلاث مرات في استفسارات الطلاق بالمقارنة بمثيله في العام الماضي، ونقلت عن محامية متخصصة بالطلاق ـ اسمها ماريا تيلور ـ أن «الفقاعة انفجرت»، لأن الذين أجلوا طلاقهم أملا في انقشاع الأزمة أدركوا أنها ستطول فأصبحوا يتعجلون إيقاعه. وهذه الظاهرة تحدثت عنها صحيفة «تشاينا ديلى» الصينية، التي نقلت عن مستشاري الزواج قولهم إن الركود الاقتصادي أصبح سببا مباشرا لزيادة حالات الطلاق في المدن الصناعية بوجه أخص.

قد يعنُّ لك أن تسأل عن صدى الأزمة عندنا، وردي أننا اعتدنا في مثل هذه الحالات على أمرين:
أولهما الإعلان الرسمي عن أن الموقف تحت السيطرة و«كله تمام»،
وثانيهما أن الجهات الأمنية لديها الخبر اليقين، وأنها لن تقصر في القيام «بالواجب» في كل الظروف. وليس مطلوبا منا أكثر من أن «نتفرج» على ما يحدث.
....................

25 مارس، 2009

ما لم يقله صفوت الشريف

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 28 ربيع الأول 1430 – 25 مارس 2009

ما لم يقله صفوت الشريف - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_25.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/835789.html

لابد أن نعترف للسيد صفوت الشريف (76 سنة) بعبقريته في ضمان الاستمرار، وقدرته الفائقة على الانحناء لكل العواصف، وكفاءته في إثبات الحضور. وهي الصفات التي ثبتت مكانه في «الصورة» منذ أكثر من ثلاثين عاما. وسمحت له بأن يتحول من ضابط بالمخابرات العامة إلى وكيل لمصلحة الاستعلامات. وهو الموقع الذي قفز منه إلى منصب رئيس الهيئة في ملابسات تعددت بشأنها الروايات، إلى أن صار بعد ذلك أمينا للجنة الإعلام بالحزب الوطني، ثم وزيرا للإعلام لأكثر من عشرين عاما. وهو الطموح الذي توقف حين أصبح رئيسا لمجلس الشورى وأمينا عاما للحزب الوطني ورئيسا للجنة الأحزاب ورئيسا للمجلس الأعلى للصحافة. وهي رحلة ليس بوسع كل أحد أن يقطعها، ووظائف ليس بوسع أى أحد أن يؤديها. لأنها تتطلب مواهب خاصة، وقدرة عالية على التكيف والمرونة.

صحيح أننا لا نعرف بالضبط ما الذي يفعله مجلس الشورى، كما نعرف حجم الدور الذي يؤديه في الحزب الوطني، في وجود جمال مبارك الأمين العام المساعد للحزب، كما أننا نعرف أن قرارات لجنة الأحزاب والمجلس الأعلى للصحافة تحسم في أروقة الأجهزة الأمنية. لكن ذلك لم يمنع السيد صفوت الشريف من أن يتمدد فوق تلك المساحة الشاسعة، وأن يوهمنا بأنه يؤدي عملا حقيقيا.

ما دعانى إلى هذا الاستطراد أننى وقفت عند خطبة عصماء للرجل في اجتماع مشترك لأمانتي الشباب والإعلام في الحزب الوطني، أبرزتها «الأهرام» على صفحتها الأولى يوم الاثنين 23/3 الجاري ركز فيها على أمرين، الأول أن شمائل الرئيس مبارك لا نظير لها، والثاني أن الحزب الوطني كامل الأوصاف. وإذا انتبهت إلى هذين العنصرين في كلمته فسوف يفسر لك ذلك لماذا ظل الرجل طافيا فوق سطح الحياة السياسية في مصر طول الوقت؟!

في النقطة الأولى قال إن الرئيس مبارك لم يتغير منذ كان أمينا عاما للحزب ونائبا لرئيس الجمهورية، إذ ظل على تواضعه ومكانته السياسية وحكمته ورؤيته الثاقبة للمواقف ورحابة صدره التي جعلته يستمع لكل الآراء. وهو كلام ليس لي إلا اعتراض واحد عليه، وهو أنه ربط بين تلك الشمائل وبين شغل الرئيس مبارك لمنصب أمين عام الحزب ونائب رئيس الجمهورية. الأمر الذي يفتح الباب للالتباس واللغط، لأن بعض المتصيدين والدساسين قد يتساءلون: هل هذه خصال نشأت بعد توليه هذين المنصبين أم أنها كانت ملازمة له قبل ذلك؟!

ولأنه رجل لمّاح، فإنه بعد أن امتدح الرئيس مبارك تذكر أن الاجتماع الذي يتحدث فيه عقد في اليوم التالي مباشرة لعيد الأم، وأراد أن يستثمر المناسبة في موعظة وطنية، فقال إن الولاء الأكبر لمصر والانتماء الأعظم لها. ونحن في احتفالنا بعيد الأم نعلن أن مصر سوف تستمر الأم إلى الأبد والرائدة في المنطقة كلها.

فيما يخص الحزب قال السيد الشريف في النص الذي نشرته «الأهرام» ما يلى: إن الحزب يؤمن بالديموقراطية والتعددية. ويحقق إصلاحا مستمرا، ويستهدف ذاكرة الأمة بماضيها، ويثبت اقدامها لحاضرها، ويبني روحها لمستقبلها، ويواجه التحديات بقوة وتواصل أجيالها. وبعد أن قدم هذه اللوحة البلاغية الجميلة قال ما يلي: إنه ليس حزب رجال الأعمال، ولكنه حزب مصر كلها، ولا يوجد صراع في داخله أو مراكز قوى، ثم إنه لا يوجد فيه يمين أو يسار.

ورغم أن كلامه استقبل بالتصفيق أثناء الاجتماع، فإن أحد الحاضرين قال لي بعدما انفض السامر إن الحقيقة التي تجاهلها السيد الشريف وهو يستعرض «لاءاته» هي أنه لا وجود للحزب أصلا بين الناس.

.......................

24 مارس، 2009

أوان الافاقة والمراجعة ( المقال الاسبوعى )

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 27 ربيع الأول 1430 – 24 مارس 2009
أوان الافاقة والمراجعة - فهمى هويدى - المقال الاسبوعى
من مفارقات القدر وسخرياته أنه في حين يتردد خطاب التصالح بين الخصوم بقوة في الساحة الدولية، فان الاستقطاب والتقاطع بين الأشقاء أصبحا يخيمان على المشهد السياسي العربي.
(1)
حينما دعا الرئيس الأمريكي باراك أوباما الى فتح صفحة جديدة مع ايران في خطابه الذي وجهه بمناسبة عيد النوروز يوم الجمعة الماضي (3/20) فانه كان يتقدم خطوة الى الأمام على الدرب الذي اختار السير فيه، بعيدا عن نهج سلفه الرئيس بوش، وهو ما بدا واضحا في الحوار الذي أجرته معه صحيفة نيويورك تايمز «في 3/8 الحالي»، وجاء خاليا من لغة الاستقواء والغطرسة التي دأب بوش على التحدث بها، ذلك أن الرجل لم يشر الى الارهاب أو محوري الشر والخير أو الفوضى الخلاقة أو نشر الديموقراطية، أو غير ذلك من المفردات التي ظل الرئيس الأمريكي السابق يلوح بها طوال سنوات حكمه الثماني، وانما حرص أوباما على أن يطل على الجميع وقد مد يده الى الآخرين، مبديا رغبته في أن يتعاون معهم في تحقيق التعايش الآمن والأهداف المشتركة، حتى انه في حديثه عن العراق، ذكر أن من بين أسباب النجاح في تحقيق «الاستقرار» هناك، أن قيادة القوات الأمريكية مدت يدها الى «أشخاص تعتبرهم اسلاميين أصوليين أبدوا استعدادا للعمل معنا».
الرسالة في الاشارة الأخيرة يمكن أن نفهمها على نحو أوضح حين نطالع العدد قبل الأخير من مجلة نيوزويك «الصادر في 3/10» الذي كان عنوان غلافه كالتالي الاسلام الراديكالي حقيقة من حقائق الحياة، كيف نتعامل معه؟، وفي الداخل، المقال الذي كتبه في الموضوع رئيس تحرير المجلة فريد زكريا، وكان عنوانه «تعلم العيش مع الاسلام الراديكالي». وفي سياق المقال، قال اننا لسنا مضطرين الى الموافقة على رجم المجرمين بالحجارة، ولكن حان الوقت للتوقف عن معاملة كل الاسلاميين وكأنهم مشاريع ارهابيين.
هذا الفرز للآخر بما يؤدي الى التمييز بين المعتدلين والمتطرفين في الساحة الاسلامية، أمر جديد على الخطاب السياسي الأمريكي، وأغلب الظن أن ذلك التمييز يقف وراء دعوة أوباما في حديثه الى نقل تجربة العراق لأفغانستان، والشروع في محاورة «العناصر المعتدلة» في حركة طالبان.
(2)
صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد منحاز منذ وقت مبكر الى فكرة الحوار مع الجميع دون تمييز، كما قال لي أحد الذين كانوا ضمن فريقه في حملته الانتخابية، الا أننا ينبغي أن نلاحظ في خطابه أمرين، أولهما أنه يريده تغييرا في الوسائل وليس في الأهداف، ذلك أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية كما هي لم تتغير، ولكن التطور الحاصل هو في سبل تنفيذها، حيث يريد أوباما ان يستخدم «القوة الناعمة» في حين أن سلفه كان يلجأ دائما الى القوة الخشنة والباطشة.
الأمر الثاني أنه في تعامله مع ملف الصراع العربي الاسرائيلي، ينطلق من انحيازه الى الرؤية الاسرائيلية التي تتبناها وتساندها مراكز قوة لا يستهان بها في الولايات المتحدة. وحتى اذا اختلف مع تل أبيب في أمر ما «توسيع المستوطنات مثلا» فان خلافه سيظل من قبيل تعدد الاجتهاد في تحقيق مصلحة اسرائيل.
لابد أن نلاحظ أن حديث أوباما عن التفاهم مع من أسماهم «معتدلي طالبان» جاء متزامنا مع قرار الحكومة البريطانية التعامل مع حزب الله في لبنان، الذي كان مدرجا ضمن «الجماعات الارهابية»، ومع قيام وفد يمثل البرلمان الأوروبي بزيارة دمشق والتقاء رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل والأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي رمضان عبدالله وآخرين من قادة فصائل المقاومة، كما جاء ذلك الكلام في أعقاب وصول أكثر من رسالة من واشنطن الى دمشق عبر أعضاء الكونجرس الذين توافدوا على العاصمة السورية في الأسبوع الذي سبقه.
لا تفوتنا أيضا ملاحظة أن الادارة الجديدة في واشنطن تحدثت عن فتح صفحة جديدة للعلاقات مع روسيا، كما أبدت رغبتها في اجراء «حوار صريح» مع كوريا الشمالية وفي ذات الوقت، أصدر الكونجرس قانونا يرفع جزئيا حظر السفر الى كوبا وتصدير الأدوية اليها في بادرة تخفف من الحصار المفروض عليها وتمهد لتطبيع العلاقات معها.
ما أريد أن أقوله ان الاتجاه الى مد جسور الحوار والتفاهم بين الخصوم، بمن فيهم عناصر حزب البعث في العراق الذي عملت حكومة بغداد على «اجتثاثه»، هو سمة هذه المرحلة، وثمة عوامل عدة اسهمت في توفير تلك الأجواء. فالأزمة الاقتصادية صارت هم الجميع الذي ينبغي أن تتضافر جهودهم لمواجهته. ثم ان الادارة الأمريكية دخلت حربين فاشلتين في العراق وأفغانستان وتضغط اسرائيل لتوريطها في عمل عسكري ضد ايران، ذلك كله من شأنه أن يرفع من درجة التوتر وعدم الاستقرار الذي ينبغي أن يوضع له حد. من ناحية ثالثة، فان الصمود المشرف الذي وقفته غزة في مواجهة الانقضاض الاسرائيلي الشرس على المدنيين في القطاع أقنع كثيرين في الغرب بأن قوة السلاح فشلت في تركيع الفلسطينيين، وأنه لم يعد هناك مفر من التفاهم مع حركة حماس التي تسيطر على القطاع.
(3)
هذه التطورات المهمة أصبحت محل لغط وجدل في الأوساط السياسية والاعلامية الغربية، بحيث لم يعد السؤال: هل تتحدث حكومات القرار في أوروبا وأمريكا مع ايران وحماس وحزب الله أم لا؟، وانما أصبح السؤال: كيف يمكن أن يتحقق ذلك، وما النتائج المرجوة من ذلك الحوار؟
قد نشرت صحيفة التايمز البريطانية في 2/26 الماضي رسالة بعنوان «التوصل الى السلام لا يتحقق الا بالتحاور مع حماس»، وقعها 11 من السياسيين البارزين في بريطانيا والعالم الخارجي. منهم اللورد كريس باتن، المفوض السابق لدى الاتحاد الأوروبي، واللورد بادي أشداون، الممثل السابق للمجتمع الدولي في البوسنة، وشلومو بن عامي، وزير الخارجية الاسرائيلية السابق، وجاريث ايفانز، وزير خارجية استراليا السابق، وخلال يومي 4و5 مارس الحالي، عقد في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في روما حوار حول سياسة الرئيس أوباما الجديدة في الشرق الأوسط، وحضر ذلك المؤتمر الدولي مشاركون من الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا، وفي 3 مارس الحالي نشرت صحيفة «هاآرتس» أن مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع أعدوا وثيقة سجلوا فيها تحفظاتهم على الحوار بين واشنطن وطهران، وأنهم سوف يقدمون تلك الوثيقة الى وزيرة الخارجية الأمريكية لوضع الموقف الاسرائيلي في الاعتبار، وقرأت في 3/11 «وصفة» لكيفية انجاح الحوار مع ايران، في مقالة لديفيد أغناثيوس، أحد كتاب صحيفة واشنطن بوست، قدم فيها خلاصة لحوار مع لي هاملتون، عضو الكونجرس السابق عن ولاية أنديانا، الذي ترأس مجموعة لدراسة الوضع في العراق عام 2006، وقد وصفه بأنه «نصير الصبر تجاه ايران».
أضيف الى ما سبق المعلومات التالية التي خرجت بها من لقاءاتي مع عدد من كبار الصحافيين الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم، للمشاركة في مؤتمر «الاعلام والسلطة»، الذي دعا اليه مركز الجزيرة للدراسات، وعقد بالدوحة يومي 8 و9 مارس الحالي:
- ان الرئيس أوباما الغارق حتى أذنيه في مشكلتي الأزمة الاقتصادية وتداعيات الانسحاب من العراق، والذي فوجئ بأن الوضع في أفغانستان أسوأ مما توقع، لم يلق بثقله بعد في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، ورغم أن لديه صورة وافية عن الوضع في المنطقة، خصوصا القضية الفلسطينية التي كان الرئيس الأسبق جيمي كارتر أحد الذين حدثوه باستفاضة في شأنها، الا أنه ترك هذه الملفات مؤقتا لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومساعديها.
ان الفريق الجديد في وزارة الخارجية ليس منسجما تماما مع توجهات الرئيس أوباما، فالسيدة كلينتون لها موقفها المتشدد ازاء حركة حماس، كما أن دينيس روس، المبعوث الأمريكي، الذي يتعامل مع الملف الايراني له موقفه المعارض لطهران، لذلك فان ذلك الفريق مرشح للتغيير في المستقبل، ومن رأي سيمور هيرش محرر «نيويوركر» الشهير، أن السيدة كلينتون قد لا تستمر طويلا في منصبها.
- ان تركيا مرشحة لأن تلعب دورا مهما في مرحلة المصالحة الراهنة، وكانت تلك هي الرسالة التي نقلتها الى القادة الأتراك وزيرة الخارجية الأمريكية أثناء زيارتها لأنقره قبل أسبوعين، ومما له دلالته في هذا الصدد أن الرئيس أوباما سوف يخاطب العالم الاسلامي من العاصمة التركية، التي سيزورها خلال شهر أبريل القادم، والدور التركي المرتقب ليس جديدا تماما، فقد كان لأنقره دورها في المحادثات بين سورية واسرائيل، كما أنها سعت للقيام بدور في المصالحة الفلسطينية، لم تتحمس له القاهرة في حينه، وهناك الآن اتصالات تركية ايرانية سورية عراقية، للتفاهم حول وضع العراق بعد الانسحاب الأمريكي، والزيارات التي قام بها خلال الأسابيع الأخيرة الشيخ هاشمي رفسنجاني للعراق، وكل من الرئيس التركي عبدالله جول والمالكي لطهران تمت في هذا السياق.
ان التفاهمات بين ايران والولايات المتحدة بدأت بالفعل عبر قنوات متعددة، أحدها اجتماعات تواصلت خلال الأسابيع الأخيرة في جنيف، ومثل ايران فيها دبلوماسي مخضرم، رفض في البداية فكرة تحديد سقف زمني للمحادثات، وقال لنظيره الأمريكي انه لا يمانع في ذلك اذا تحدد سقف زمني للمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية.
(4)
لسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل العالم العربي مهيأ للتعامل مع هذه الرياح الجديدة؟
يوجد صعوبة في الرد على السؤال بالايجاب، فأنظمتنا العربية غير مستعدة للانفتاح على قواها السياسية الفاعلة في الداخل ناهيك بالتصالح معها، لأن ذلك يتطلب اصلاحا سياسيا لم يعد مدرجا ضمن أولوياتها. كما أنها غير مستعدة لتغيير سياساتها الخارجية.
أدري أن ثمة حديثا رطبا يتردد في الفضاء العربي عن المصالحة وتنقية الأجواء بين الأشقاء، وهو حديث انطلق أثناء قمة الكويت الاقتصادية، وعبر عنه خطاب العاهل السعودي الملك عبدالله، كما أننا تابعنا تحركات لبعض القادة قيل انها تسعى لتحقيق ذلك الهدف، لكن من الواضح أن تلك الجهود رطبت الأجواء وفضت الاشتباك مؤقتا، لكنها لم تغير شيئا في المواقف والسياسات وهو ما يسوغ لنا أن نقول: ان ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز حدود «التهدئة» بين معسكري «الاعتدال» الذي تقوده مصر والسعودية، والممانعة الذي تقوده سورية، والخلاف بين الطرفين استراتيجي وعميق، فالأولون يتحدثون عن التحدي الايراني ويتمسكون بالتسوية السياسية، والآخرون يتحدثون عن التحدي الاسرائيلي وينحازون الى المقاومة، الأمر الذي يجعل التناقض بينهما شديدا واللقاء متعذرا. ولذلك فان الرئيس السوري بشار الأسد كان دقيقا حين صرح بعد قمة الرياض الأخيرة «التي دعا اليها العاهل السعودي الملك عبدالله وحضرها غير الرئيس السوري الرئيس المصري وأمير الكويت»، بأن الاتفاق تم على «ادارة الخلاف» وليس انهائه.
لا يعني ذلك أن طريق الاتفاق مسدود، لكنه وعر بكل المقاييس وتذليل صعوباته يتطلب ارادة مستقلة وشجاعة في المراجعة ونقد الذات، توازن بين خبرة التعامل مع كل من النهجين من زاوية المصالح العربية العليا، ولعل الرياح التي تهب الآن في الأفق والرسالة التي وجهها الرئيس أوباما الى ايران تشجع الطرفين على الافاقة والنظر بتجرد في صواب الاستراتيجيات التي أصابت أقطارنا بالوهن، ومزقت الصف العربي حتى كادت تخرجه من مجرى التاريخ.

22 مارس، 2009

خبرة ليست للتصدير

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 26 ربيع الأول 1430 – 23 مارس 2009

خبرة ليست للتصدير – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_5425.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/834018.html

هل صحيح أن الخبرة المصرية في التعليم قابلة للتصدير إلى الخارج؟ هذا السؤال خطر لي حين قرأت في ذلك الصباح خبرا عن اجتماع وزير التعليم المصري د.يسري الجمل، مع نظيره الأفغاني فاروق وارداك. حيث بحثا أوجه التعاون المشترك، وتبادل الخبرات في مجال التعليم، وطبقا للكلام المنشور فإن د.الجمل عرض على ضيفه الأفغاني التجربة المصرية الموضوعة لتخريج طلاب مزودين بالمهارات الحياتية. ويبدو أن الوزير نجح في إبهار الضيف حتى خرج الرجل من الاجتماع لكي يقول للصحافيين إن التجربة المصرية «تعد نموذجا رائعا يمكن الاستفادة منه». (أهرام الجمعة 3/20 الجاري)، الأمر الذي أثار فضولي، لأنني لم أتصور أن الخبرة المصرية في مجال التعليم بالذات يمكن أن تنفع أي بلد آخر، وآخر ما خطر لي على بال أن يقول قائل إنها تعد نموذجا رائعا يمكن الإفادة منه.

ما أزعجني في الموضوع ليس أن يقول الوزير الأفغاني هذا الكلام، ولكن أن يصدقه ويأخذه على محمل الجد، بحيث يبدأ في اقتباس الخبرة المصرية في مجال التعليم. حتى تمنيت أن يكون الكلام الذي صدر عنه من قبيل المجاملات المجانية، التي يمتدح بمقتضاها الضيف مضيفيه بكلام يريحهم ويرد لهم مقابل استضافته خلال الزيارة، مثلما يحدث مع زوار آخرين كثيرين.كما أنني خشيت أن نصدق بدورنا الكلام، بحيث نعتبره شهادة نرد بها على تحفظات الناقدين.

ذلك أنك لو سألت أي مواطن مصري عادي عن خبرته مع التعليم الحكومي. فإنك ستفتح على نفسك بابا للشكوى المرة يتعذر إغلاقه. إذ الانطباع العام أن المدارس الحكومية في مصر لم تعد تعلّم أحدا، وأن التعليم الحقيقي إما أن يتم في المدارس الخاصة أو من خلال الدروس الخصوصية، حتى ان بعض المعلمين أصبحوا يستأجرون شققا وطوابق في بعض البنايات لإعطاء الدروس للطلاب خارج المدرسة. وبات معروفا أن التلاميذ ينقطعون عن الذهاب إلى مدارسهم الحكومية في النصف الثاني من العام الدراسي، لكي يتفرغوا للمذاكرة، بعدما اقتنعوا بأن ذهابهم إلى المدارس بمنزلة مضيعة للوقت، خصوصا في سنوات الشهـادات التي تتطلـب مجاميـع عاليـة.

لا تسأل عن أحوال المباني المدرسية ولا عن أحوال المدرسين البائسة، لكنك لن تستطيع أن تنكر أن تسريب الامتحانات والغش أثناءها والعبث بالنتائج النهائية، أصبح من سمات الخبرة المصرية التي ينبغي أن نسترها لا أن نصدرها. ليست هذه هي كل الصورة بطبيعة الحال، ولكنها بعض ملامحها الكارثية. وهي التي لا ينفرد بها التعليم، لكنها شملت قطاع الخدمات خصوصا الصحية منها. ذلك أن الدولة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لم تتخل عن مشروعها السياسي فقط، وإنما تخلت أيضا وبصورة تدريجية عن مسؤولياتها تجاه المجتمع.

بالتالي، فكما أن دورها تراجع في العالم العربي، فإن ذلك التراجع تحقق بذات القدر على الصعيد الداخلي، فانهارت الخدمات تباعا، وكان أهم تقدم حدث خلال تلك المرحلة من نصيب الأجهزة الأمنية التي تعززت قدراتها بقدر تعاظم دورها في المجتمع.

لا أستبعد أن يكون الوزير الأفغاني قد رتبت له زيارات لبعض المدارس المعدة لاستقبال الضيوف، التي يستعار لها تلاميذ ومدرسون مستحمون ومهندمون من جهات أخرى (كما حدث أثناء زيارة قرينة الرئيس الأميركي السابق لمدينة الإسكندرية قبل عامين). ولذلك أقلقني ما ورد في الخبر المنشور من أن بعض رجال التعليم في أفغانستان سيدعون إلى مصر للتعرف على التجربة التعليمية على الطبيعة، لأن ذلك لو حدث فربما أفسد الفيلم كله. لأنهم سوف يكتشفون أن الوضع في مصر يختلف عنه في أفغانستان في الدرجة فقط وليس في النوع.

وسأكون مسـرورا لا ريب إذا علمت أن الأمر كله مجرد «كلام جرايد»، وأنه لا الوزير الأفغاني قال ما نسب إليه، ولا زيارة رجال التعليم الأفغان لها أصل من الحقيقة، وأن الخبر ليس أكثر من موضوع للإنشاء دبجه موظف في العلاقات العامة يريد أن يستجلب رضى الوزير وليس لتخطي دوره في الترقية.

................

Delete this element to display blogger navbar