Subscribe:

Ads 468x60px

28 فبراير، 2009

خذوا بالكم من عيالكم

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 3 ربيع الأول 1430 – 28 فبراير 2009

خذوا بالكم من عيالكم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_28.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/817726.html

حين كانت وسائل الإعلام مشغولة بقصة الصبي الانجليزي البالغ من العمر 12 عاماً، الذي أنجب طفلاً من فتاة عمرها 15 عاماً، كان أعضاء النادي القاهري الكبير يتناقلون فيما بينهم قصة شاب مراهق عمره خمسة عشر عاماً، حاول اغتصاب طفل في السابعة من عمره، ولكن رجال الأمن سمعوا صياح الطفل فأنقذوه في الوقت المناسب.

ويبدو أن ذيوع الخبر استدعى ملف انحرافات سلوكية وأخلاقية أخرى، حيّرت مسؤولي النادي الذين حين فتحوا أفواههم صدموا الجميع، إذ لم يخطر ببال أحد منهم أن هذا المكان الراقي والمحترم يمكن أن يشهد مثل هذه الانحرافات، التي تجاوزت إدمان المخدرات إلى حالات الاغتصاب والتحرّش الجنسي وعلاقات الشذوذ بين الجنسين.. الى آخر الرذائل التي نسمع عنها.

سألت، فقيل لي إن ما يحدث في النادي له نظيره في نواد أخرى، ثم إنه استنساخ لما يحدث في المدارس والجامعات الخاصة التي يدفع فيها الآباء عشرات الألوف من الجنيهات لتعليم أبنائهم.

حدثتني أكثر من أم عن الرعب الذي يعشن فيه بسبب انتشار هذه الممارسات، وقالت إحداهن إنها استقالت من عملها واختارت أن تقعد في البيت لكي يكون أولادها تحت عينيها لأطول وقت ممكن، وذكرت أن أمّا غفلت عن ابنتها عشر دقائق في ساحة لعب الأطفال بالنادي، وحين عادت قالت لها إن صبياً عرض عليها أن يلعبا معا لعبة «الزوج والزوجة»، وفهمت أن أكثر ما يزعج الأمهات والآباء الآن أنهم لا يستطيعون أن يتابعوا أبناءهم داخل المدارس.

لست في موقف يسمح لي بالحديث عن حجم هذه الممارسات، وهل هي حالات استثنائية، أم أنها ظواهر اجتماعية؟ وهل هي مقصورة على فئات وشرائح بذاتها، أم أنها سلوكيات عابرة للطبقات، أم أن لكل طبقة فسادها ورذائلها؟ وهل لهذه الممارسات وجود في الحضر فقط، أم أن لها صدى في الأرياف أيضا؟ لم أجد إجابة عن تلك الأسئلة، وفهمت من خبراء مركز البحوث الاجتماعية والجنائية أن عنايتهم موجّهة نحو موضوع إدمان المخدرات فقط.

وحين استطلعت آراء بعضهم في هذه الحالات وجدتهم يُجمِعون على أنها قد تكون صادمة حقا، لكنها ليست مفاجئة.. وقالوا في هذا الصدد إن الأسرة لم تعد تربي الأبناء، بسبب ركض الآباء والأمهات طوال الوقت خارج البيت لتوفير لقمة العيش، بحيث تكون النتيجة أن أولئك الأبناء يكتسبون معارفهم من التلفزيون أو مواقع الإنترنت أو الشارع أو الشغالات، وإلى جانب غياب دور الأسرة، فإن المدارس التي لم تعد تعلم شيئا لا يتوقع منها أن تربي. كما أن أحدا لم يعد معنيا بتوفير أوعية بريئة لاستيعاب طاقات الشباب من خلال الرياضة أو نحوها، في حين انتشرت المقاهي والخيام التي تروِّج للهو والعبث.

في الحديث عن الإنترنت قال أحدهم إن ثمة موقعا يشرح سلوكيات الولد الطيب. وفي الوقت ذاته يعلم من يريد سلوكيات ومباذل الولد السيئ، من خلال توفير المعلومات والصور «الإيضاحية» التي تساعد على إتقان استيعاب «الدروس». في الوقت ذاته فإن الإعلام، وهو يتنافس على جذب المشاهدين ودغدغة مشاعرهم، أصبح لا يتردد في بث البرامج الخليعة والكليبات التي تلقن الصغار والمراهقين أصول الغواية والتحرّش، وقرأت أن مجلة جديدة تخصصت في هذه «الثقافة» صدرت في بيروت باسم «جسد» كتب على غلافها: «للراشدين فقط».

أدرى أن الموضوع ليس سهلا، وإن السلوكيات الاجتماعية بوجه خاص لا تعالج بالأوامر والنواهي وفرمانات الحظر والمصادرة، لكني أدعو فقط إلى أن يمنح الموضوع قدرا من الاهتمام من جانب الباحثين والمسؤولين عن مستقبل الأجيال الجديدة، (إن وجدوا!). وإلى أن يتحقق ذلك، فلا بديل عن إعلان الطوارئ في كل بيت يضم فتيانا وفتيات، بحيث يفتح الآباء والأمهات أعينهم جيدا على أبنائهم حتى لا يُفجعوا في أعز ما يملكون.

..................

26 فبراير، 2009

أين الخطأ في بر مصر؟


صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 1 ربيع الأول 1430- 26 فبراير 2009
أين الخطأ في بر مصر؟ – فهمي هويدي
أكثر التعليقات التي صدرت في أعقاب حادث قنبلة حي الحسين ركزت على أمرين، أولهما أنه دال على استمرار وجود البؤر الإرهابية في المجتمع المصري، وثانيهما أنه يبرر إعلان الطوارئ وإصدار قانون الإرهاب. ورغم أن تلك التعقيبات كانت من قبيل الانطباعات المتعجلة، لأن التحقيقات في الحادث لم تكن قد تبلورت بعدُ بما يحدد طبيعة الفاعلين، فإنها ليست مفاجئة ولا غرابة فيها. وقد أزعم أنها انطباعات تقليدية، من قبيل ما يتردد في أعقاب أي حادث من ذلك القبيل. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذا الكلام يعبر عن حالة من الكسل العقلي التي تبسّط الأمر، مكتفية بوضعه في خانة الإرهاب، ثم تقنع بالإجراءات لإبراء الذمة في التعامل معه. وهي الإجراءات التي أثبتت تجربة ربع القرن الأخير أنها لم ولن توقف عجلة الإرهاب، لسبب جوهري هي أنها ظلت تتعامل مع الفعل بعد وقوعه، ولم تعتنِ بخلفياته على النحو الذي يستبق ويحول دون وقوعه. إن شئت فقل إنها تتعامل مع النتائج وليس الجذور.
لكي أشرح هذه الفكرة أنبه إلى أن وقوع أي عمل إرهابي يستدعي استجابات في ثلاثة اتجاهات على الأقل. فالشرطة ينبغي أن تتحرك للقبض على الجناة وتتبع الفاعلين والمحرضين، والنيابة تستجوب والقضاء يعاقب، غير أن هذه الحلقات لا تكفي في استئصال الشر إلا بجهد يبذله الخبراء والمختصون للتعرف على دوافع الفعل ومقاصده.
بكلام آخر فإن التحرك الذي يعقب الفعل يحاول الإجابة عن أسئلة كثيرة لكي تأخذ العدالة مجراها، تتعلق بمن وكيف وماذا ومتى. لكن السؤال الذي لا يأخذ حقه من التحقيق والتدقيق عادة هو لماذا؟ علما بأن علامات الاستفهام الأولى تعاقب على الذي وقع، في حين أن طرح السؤال لماذا يمكن أن يكون عنصرا مساعدا لتجنب تكرار ما وقع.
لا أحد يجادل في أهمية توقيع العقوبة على الفاعلين والمحرضين كلٌ بما يستحقه. لكننا إلى جانب ذلك نريد أن نفهم لماذا أقدم هؤلاء على فعلتهم، وما هي رسالتهم التي أرادوا توصيلها، وما هو العنوان الذي توخوا مخاطبته؟. وفي الجريمة الأخيرة التي وقعت بحي الحسين، نريد أن نعرف ما إذا كان الذين وضعوا المتفجرات أفرادا أم جماعات؟ وهل لهم امتدادات خارج القاهرة أو خارج مصر أم لا؟ وهل هم عاطلون ناقمون على المجتمع؟ أم متدينون اختاروا أن يحاربوا السياحة؟ أم هم مخربون أرادوا أن يضروا باقتصاد البلاد؟ أم غاضبون أرادوا الاحتجاج على موقف مصر من حصار غزة؟ أم أنهم سلفيون مهووسون من أهل السنة أرادوا تصفية الحساب مع الشيعة الذين يترددون على مقام الإمام الحسين؟
إن المسارعة إلى الحديث عن مد الطوارئ أو تعجل خطوات إصدار قانون الإرهاب لم يكن تعبيرا عن الكسل العقلي فقط، لكنه تسبب في إساءة الظن بالمشهد كله، حيث تصور البعض أن الأمر لا يخلو من ترتيب مسبق، بحيث تنفجر القنبلة بعد الظهر، ثم تعلو الأصوات في المساء داعية إلى مد الطوارئ وضرورة إصدار قانون الإرهاب. وهو احتمال أستبعده ليس لأن الحكومة تتعفف عن مثل هذه الأساليب، ولكن لأنها لم تعد بحاجة إليها أصلا، بحيث أصبحت تلجأ مباشرة إلى ما تريد، دونما حاجة إلى لف ودوران أو إخراج من أي نوع.
إن المسألة التي تحتاج منا إلى تفكير جاد ومسؤول هي أنه إذا صح أن بؤر الإرهاب مازالت تتوالد في مصر، فما هو الغلط في بيئة المجتمع الذي أصبح لا يكف عن تفريخ الخلايا الإرهابية بلا توقف طوال ربع قرن؟
.....................

25 فبراير، 2009

هل هي مصادفات سعيدة؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 30 صفر 1430 – 25 فبراير 2009
هل هي مصادفات سعيدة؟ - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_25.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/813497.html

لا أعـرف إن كانـت تلك أمـورا مرتبــة، أم أنهـا مجــرد مصادفـات سعيـدة. فمنذ أُعلن أن الرئـيس مبـارك يعتـزم زيارة واشنطن في شهر أبريل المقبل بعد غيبة استمرت ثلاث سنوات، لفتح صفحة جديدة مع إدارة الرئيس أوباما، توالت الأخبار على النحو التالي: سافر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى واشنطن للتمهيد للزيارة ـ أعلن في القاهرة أن وفدا يمثل «المجتمع المدني» (وأرجوك لا تسألني أين ذلك المجتمع) سيتوجّه إلى العاصمة الأميركية لإجراء الاتصالات اللازمـة مع أعضـاء الكونجـرس لـذات الغـرض ـ نشـرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الاثنين 16 فبراير الجاري مقالا كانت خلاصته أن الإدارة الأميركية الجديدة ينبغي ألا تستقبل الرئيس المصري، في حين أن ثمة أمورا مازالت عالقة بين البلدين لم تتم تسويتها، تتمحور حول سياسة القمع التي اتخذتها حكومته إزاء الناقدين والمعارضين السياسيين. وتحدّث المقال عن سجن أيمن نور والقضايا المرفوعة على د.سعد الدين إبراهيم، إلى هنا الأمر عادي، فمبرر الزيارات التمهيدية مفهوم، والمقال المنشور يعبِّر عن وجهة نظر صحافية يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها.
ما حدث بعد ذلك جعلنا نأخذ الإشارات التي جاءت من واشنطن على محمل الجد، فقد تم الإفراج فجأة عن أيمن نور. وتحدّثت جريدة «الشروق» عن رفع اسم د.سعد الدين إبراهيم من قوائم ترقب الوصول بالمطار، وعن احتمال عودته إلى القاهرة بعد إسقاط التهم عنه، كما أشارت إلى أن ثمة قائمة تُعدّ لإطلاق سراح بعض السياسيين ضمن قائمة للمفرج عنهم صحيا. تحدّثت أيضا عن الانتهاء من قانون الإرهاب والاتجاه إلى تقديمه إلى مجلس الشعب لإصداره، لإنهاء حالة الطوارئ. وقالت «الشروق» صراحة في عدد الاثنين 23 فبراير الجاري إن زيارة الرئيس مبارك إلى واشنطن قد تتأجل إلى ما بعد شهر أبريل المقبل «لتمكين الجانبين من تصفية كل القضايا العالقة»، وربطت بين ذلك التأجيل وبين الاتجاه إلى عرض مشروع مكافحة الإرهاب على مجلس الشعب قبل نهاية دورته الحالية في يونيو المقبل.
مجمل هذه الأخبار والإشارات يقول لنا بوضوح إن الرئيس مبارك لم يكن مرحَّبا به في واشنطن خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم الرئيس بوش، وإن استقباله في واشنطن في ظل الإدارة الجديدة أصبح مشروطا بتصحيح أوضاع معينة في مصر، وإن الخطوات التي اتُّخذت أو التي هي «قيد الترتيب»، تمت في سياق الاستجابة للطلبات الأميركية، لتذليل العقبات التي تعترض إتمام الزيارة المرتقبة.
لا يجد المرء صعوبة في التوصُّل إلى ذلك الاستنتاج، خصوصا أن أحدا لم يُكذِّب أو يصوِّب الأخبار المنشورة ومدلولاتها. ولم يذكر أي متحدث رسمي أن التزامن بين ترتيب الزيارة المفترضة والقرارات المصرية الأخيرة هو مجرد مصادفة، وليس أكثر.
لابد أن يستوقفنا في هذه الأجواء ما نشره موقع صحيفة «جيروزاليم بوست» يوم الأحد 23 فبراير الجاري من أن الرئيس الأميركي أعطى ضوءا أخضر للرئيس محمود عباس للدخول في حوار مع حركة حماس لتشكيل حكومة للوحدة الوطنية، كما أن واشنطن أبلغت القاهرة أيضا بموافقتها على استئناف جهودها لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
ذلك كله يستحق الحفاوة ويبعث على الارتياح بدرجات متفاوتة، ولا يعيبه إلا شيء واحد هو أنه يؤيد ما قاله الرئيس السادات ذات مرة إن 99 ٪ من أوراق اللعبة بيد أميركا.

24 فبراير، 2009

موت السياسه فى مصر (المقال الاسبوعي)

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 29 صفر 1430 – 24 فبراير 2009

موت السياسه فى مصر – فهمي هويدي (المقال الاسبوعي)

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6323.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/812732.html

الخبر السار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت تنتفض وتلجأ الى الاضراب لكي تضغط على الحكومة دفاعاً عن مصالحها، أما الخبر المحزن فان مصالح الوطن لم تعد تجد قوة تغار عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.

(1)

أصبحت الاضرابات عنواناً ثابتاً على جدران مصر. حتى كدنا نسأل: من يضرب هذا الصباح؟. بالتالي فلم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل: من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟. وهو تطور مهم جدير بالرصد والاثبات. ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة اضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فان شهر يناير من هذا العام شهد 56 احتجاجاً بصور مختلفة، والى منتصف شهر فبراير سجل المرصد 32 احتجاجاً. وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجاً، تراوحت بين الاضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات الى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيراً في العام الذي أعقبه (2008).

الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، اذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى الى تراجعها في السنوات الأخيرة، فان التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها. اذ خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتاً غاضباً للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد. وتعد مظاهرات 18و19 يناير التي خرجت في عام 1977 احتجاجاً على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، اذ في حين لم نكن نسمع له صوتاً في الشأن الخاص أو العام، فاننا أصبحنا نسمع أصواتاً عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى الى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع. وقائمة تلك التحديات طويلة، اذ تراوحت بين تقنين تراجع الحالة الديموقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. الخ.

أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع الى سببين جوهريين، أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين الى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية. أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه »من طالت عصاه قلَّت هيبته«، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.

(2)

للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت اليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها. وغني عن البيان أنه لم يكن يهوِّن من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج الى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج الى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهي بمقدور كل أحد.

أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فانه يحتاج الى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا الى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.

ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية. ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديموقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام. وهم اذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فانهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا اليها مرة أخرى.

بكلام آخر فان الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. اذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها الا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي الى النهوض به. واذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فان الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوي على المخ.

أردت من كل ذلك أن أقول: اننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. واذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.

(3)

اذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. اذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة. والأحزاب لا تنشأ الا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فانها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بازاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليس الأحزاب هي التي تشكل السلطة.

ورغم عملية »الاخصاء« التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فانها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها ـ بمقتضى القانون ـ أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، الا بعد موافقة الأمن.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. اذ المطلوب منها في حقيقة الأمر اما أن تظل جزءا من »الديكور« الديموقراطي. فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون. أو أن تتحول الى أجنحة للحزب الحاكم. وأي خروج عن هذا الاطار يعرض الحزب اما الى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل ابراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فان تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك. ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لاعادة اصدار جريدة »الشعب« الناطقة بلسان الحزب، فان الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.

واذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فانها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. اذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.

ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية. التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي الى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس ادارتها. واذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد ـ بطلب من أجهزة الأمن ـ فان النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.

نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة. اذ لأن ثمة قرارا أمنيا باخضاع النقابة وتأديبها، فان رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة، والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الاسكندرية التي وُضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها. والى جانب ذلك فهناك 7 نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ16 عاما على الأقل، وهي تضم الفئات التالية: الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريون اضافة الى المعلمين والتجاريين والزراعيين.

الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وانما عمد أيضا الى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب ان لم تنضوِ تحت لوائه وتَذُبْ فيه.

(4)

في نهاية المطاف، وبعد57 عاما من الثورة على النظام الملكي واعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدىّ حنين الى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.

اذ تم اختطافه واقصاء »الجمهور« منه عبر اضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى. في حين تحول الوطن الى »وقف«« سُلمت مقاليده ومفاتيحه الى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل. الاضعاف والتصفية أفضيا الى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. اذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية. ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب الا أنك اذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد »خيال مآتة« تتقاذفه الرياح كتب عليه »الحزب الديموقراطي«. الأمر الذي قد يجعلك تنفجر في البكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.

حين يعلن موت الحياة السياسية فانه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن. اذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة الى الرأس المعطَّل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.

.....................

Delete this element to display blogger navbar