Subscribe:

Ads 468x60px

21 نوفمبر، 2009

مطلوب تحقيق فيما جرى

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 4 ذوالحجة 1430 – 21 نوفمبر 2009
مطلوب تحقيق فيما جرى - فهمى هويدى
أرجو ألا تُستغَل أحداث مباراة الخرطوم في تسميم العلاقات المصرية ـ الجزائرية، أو المصرية ـ العربية بوجه عام. أدري أن ذلك المطلب يبدو صعبا الآن في ظل أجواء الشحن الراهنة، وبعد الأحداث المؤسفة والمحزنة التي وقعت في الخرطوم، فقد سمعت من المصريين العائدين من السودان والمقيمين فيها قصصا لا تكاد تُصدَّق عن الاعتداءات التي تعرّض لها المشجعون المصريون بعد انتهاء المباراة التي فاز فيها الفريق الجزائري. ولولا أن بعض الرواة أعرفهم وأثق بما قالوه، كما أن الوقائع التي تحدثوا عنها تواترت بشأنها الروايات على نحو يوحي بصحتها، لاعتبرت ما قيل من قبيل الشائعات التي تستهدف الوقيعة بين أبناء الشعبين الشقيقين.
لقد أدركت مما سمعت أن آلاف الجزائريين الذين قدموا إلى السودان كان بينهم أناس لم يحضروا لتشجيع فريق بلادهم فقط، وإنما جاءوا أيضا للثأر من المصريين، بعدما نجحت الصحف الجزائرية الصفراء في تحريضهم وإثارة مشاعرهم، خصوصا حين أشاعت أن 8 قتلى جزائريين سقطوا أثناء المباراة الأولى بين الفريقين، وروّجت أكاذيب ادعت أن الفريق الجزائري تعرّض للعدوان ولعملية ترويع حين جاء إلى القاهرة. وإزاء استمرار عمليات التسميم والتهييج، فإن نفرا من القادمين من الجزائر جاءوا في الجولة الثانية بنية تصفية الحساب، حتى إن منهم من ذهبوا إلى أسواق الخرطوم واشتروا كميات كبيرة من السكاكين والسنج والمطاوي، التي استُخدمت في اعتراض طريق المشجعين المصريين والاعتداء عليهم.
لا مفرّ من الاعتراف بأن ما جرى أحدث جرحا عميقا في نفوس المصريين يتعذر علاجه في الوقت الراهن، ولا نستطيع أن نحمّل الشعب الجزائري المسؤولية عنه، لأن الجماهير الغاضبة التي شنت غاراتها على تجمّعات المصريين وحافلاتهم جاءت مشحونة بالمرارة، ومملوءة بالنقمة والغضب، وكانت واقعة تحت تأثير الإعلام الذي عمد إلى الاتجار بالفتنة وأصرّ على تأجيجها. المدهش أن ذلك حدث رغم فوز الجزائريين، ويعلم الله وحده ما كان يمكن أن يحدث لو أن فريقهم خسر المباراة.
بسبب ذلك، فإنه لا سبيل إلى تجاوز الجرح، ومن ثم ترميم العلاقات المصرية ـ الجزائرية إلا بإجراء تحقيق محايد فيما جرى، سواء في القاهرة أو في الخرطوم، حتى تتبين الحقائق للجميع، وتنفضح الأكاذيب والدسائس، وتنقشع الغشاوة عن الأعين التي كانت ضحية للدسّ والتحريض والإثارة. وفي ضوء ذلك التحقيق ينبغي أن يحمل كل طرف مسؤولية ما نُسب إليه، يسري ذلك على مؤسسات السلطة المسؤولة عن حماية اللاعبين والمدنيين، ووسائل الإعلام التي روّجت للأكاذيب وأشعلت الحريق، واتحادات كرة القدم التي عمّقت في الخصومة وشحنت اللاعبين وجمهورها بمشاعر البغض والمرارة. (ذكرت الأنباء أن رئيس اتحاد الكرة الجزائري رفض مصافحة نظيره المصري، الذي كان قد توجه إليه لأجل ذلك، أثناء اجتماع دعا إليه الرئيس عمر البشير لتهدئة النفوس وترطيب الأجواء، حضره الإداريون من الجانبين).
وحده ذلك التحقيق الذي يفضي إلى الاعتذار عن أي خطأ وقع أو التعويض عن كل جرم ارتكب، يمكن أن ينقذ العلاقات المصرية ـ الجزائرية، فيداوي ما انجرح ويصل ما انقطع، وبغير ذلك ستظل المرارة في الحلوق وسيتحول الشرخ الذي أحدثه ما جرى إلى عقبة تضيف تصدعا جديدا إلى العلاقات العربية ـ العربية، وستكون تلك شهادة نجاح وتفوق لدعاة التسميم ومثيري الفتنة.
إن علاقات الشعبين المصري والجزائري أغلى من أن تترك للغوغاء ودعاة الإثارة والتحريض، الأمر الذي يتطلب ـ إلى جانب التحقيق ـ تدخلا من مستوى رفيع في البلدين يوقف التدهور الحاصل قبل فوات الأوان. وهذا التدخل مطلوب حتى لا نقدم هدية أخرى للذين يدعون إلى تسميم العلاقات المصرية ـ العربية، الذين لم يتمنوا الخير يوما ما لمصر ولا للعرب.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar