Subscribe:

Ads 468x60px

18 نوفمبر، 2009

العناوين الغلط فى مصر

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 1 ذوالحجة 1430 – 18 نوفمبر 2009
العناوين الغلط فى مصر - فهمى هويدى
لماذا علقت على زيارة الرئيس مبارك للمنتخب القومي وحضوره تدريباتهم، وسكتُّ عن الزيارة التي قام بها الرئيس لمتجر «كارفور» التي استغرقت دقائق معدودة، ألقى الرئيس خلالها نظرة على بعض المصريين وهم يتسوّقون؟ هذا السؤال ألقاه عليّ أكثر من قارئ خلال اليومين الماضيين في رسائل تلقيتها اختلط فيها العتب بالاستياء والغضب.
وقبل أن أعرض لمضمون تلك الرسائل ألفت الأنظار إلى أن ما أكتبه أنا وغيري بحذر يراعي السقوف والمقامات، يوصل المراد إلى القراء الذين يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء والفطنة، لكن بعضهم يتشجع فيفتح قلبه ويأخذ راحته في التعبير عن مكنون نفسه، متخليا عن الحذر الذي يتوخاه المشتغلون بمهنة الكتابة، الأمر الذي يوقع المرسل في الغلط ويوقع الكاتب المتلقي في الحرج.
الذين علقوا على زيارة الرئيس لمتجر «كارفور» ركزوا على فكرة واحدة، هي أنه إذا أراد أن يرى الشعب المصري على حقيقته، فإن ذهابه إلى «كارفور» كان اختيارا للعنوان الغلط، منهم من شكك في أن الأجهزة الأمنية تعمّدت أن تبعده عن رؤية الحقيقة. ومنهم من قال إن الرئيس لو كان يقرأ عناوين الصحف اليومية لأدرك أن العنوان الذي كان ينبغي أن يقصده هو إما قرية البرادعة التي اختلطت فيها مياه الشرب بمياه المجاري، الأمر الذي أدى إلى إصابة أهلها بالتيفود، أو محافظة الجيزة التي تحوّلت شوارعها وميادينها إلى مقالب للقمامة.
قارئ آخر خفيف الظل قال إن تزوير الانتخابات أدى إلى تزوير صوت الشعب المصري، وزيارة «كارفور» أدت إلى تزوير صورة الشعب المصري، وكانت النتيجة أن الرئيس أصبح يسمع صوتا آخر غير صوتنا، ويرى صورة أخرى غير صورتنا الحقيقية، حتى أصبحنا مجتمعا افتراضيا بلا صوت أو صورة.
تلقيت ثلاث رسائل أخرى تحدثت عن الخطأ في العنوان من زاوية مغايرة. وكانت الرسائل صدى لما نشرته «الأهرام» (عدد 16 نوفمبر الجاري) في قلب صفحته الأولى وبعرض ثمانية أعمدة عن أن الرئيس أمر بتوفير كل الدعم للمنتخب، وأنه تقرر إقامة جسر جوي لنقل المشجعين إلى السودان.
أصحاب الرسائل أعربوا عن تقديرهم لتلك المساندة بدرجات متفاوتة، رغم أن أحدهم غمز في الحزب الوطني بعدما أعلن أمينه العام أن أمانة التنظيم سترتب نقل 2000 مشجع إلى الخرطوم قائلا إن الحزب لو تفرغ لرعاية الرياضة لقدّم خدمة جليلة للبلد بدلا من بقائه بلا عمل طوال الوقت، بعد ذلك قالوا إن أنباء المجاعة الخفية التي تضرب قطاع غزة على نحو دمر الحياة الإنسانية فيها لابد أنها قد وصلت إلى مسامع الرئيس مبارك أثناء مشاركته في مؤتمر الأمن الغذائي في روما، بعدما وجّه وزير الزراعة في غزة رسالة إلى المؤتمر عرض فيها معالم تلك الكارثة. والسؤال الذي طرحوه كالتالي: أليس حريا بالرئيس مبارك أن يأمر بإقامة جسر جوي لإغاثة المحاصرين في غزة، أسوة بما فعله لمساندة المنتخب القومي لكرة القدم؟ أضاف أحدهم قائلا إنه حين رفع البعض قبل سنوات قليلة شعار «مصر أولا» فإن الذين يحسنون الظن بالشقيقة الكبرى توقعوا أن تكون تلك بداية دعوة لتحسين أوضاعها واستعادة حيويتها، لكي تصبح في وضع أفضل يمكّنها من أن تنهض بمسؤولياتها، ولكن بعد مرور عدة سنوات على ترديد الشعار، فوجئنا بأن أكوام الزبالة أصبحت من معالم القاهرة، والمياه الملوثة تصيب سكان الدلتا بمختلف الأراضي، والخدمات تنهار كما رأينا في حوادث القطارات المفجعة، وهو ما أعطانا انطباعا بأن الذين استقالوا من مسؤوليات مصر العربية انتقلوا إلى طور آخر تبين لنا أنهم استقالوا فيه من إدارة مصر الوطن، وحين انكشفت هذه العورة، فإنهم حاولوا تغطيتها بمهرجان مساندة فريق كرة القدم.
في الرسائل كلام آخر تنطبق عليه الملاحظة التي ذكرتها قبل قليل، من حيث إنه بوح تخلى عن الحذر المفترض، لكنه دال على شيء لا ينتبه إليه المسؤولون أو لا يريدون سماعه، أقصد أنها مشحونة بقدر من الغضب والنقد القاسي، الذي يعلم الله وحده عواقبه.
المدهش والمقلق أيضا أن ثمة حالة من اللامبالاة الشديدة من جانب السلطة بمثل تلك التفاعلات الحاصلة في الشارع المصري، المسكونة بالغضب، والمقترنة باليأس من الأوضاع القائمة، وأخشى ما أخشاه ألا يتحرك المسؤولون في البلد وألا يفيقوا إلا عندما يتحقق الانفجار أو تعم الفوضى، وهي نبوءة أرجو أن تكذبها الأيام.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar