Subscribe:

Ads 468x60px

19 نوفمبر، 2009

مبدعون ممنوعون من الصرف

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 2 ذوالحجة 1430 – 19 نوفمبر 2009
مبدعون ممنوعون من الصرف - فهمى هويدى
هذا الأسبوع كرّمت «دار الشروق» زميلنا الأستاذ أحمد بهجت في يوم ميلاده الـ 77، وكرّمت ملكة بريطانيا جزارا من مقاطعة ويلز تقديراً للخدمات التي قدمها لصناعة اللحوم. حضرت المناسبة الأولى وقرأت ما نشرته صحيفة «ديل ميل» عن الحدث الثاني، ووجدت أن عملية التكريم هنا وهناك لم تخل من مفارقة، فأحمد بهجت كاتب مبدع ومرموق، ظل يخاطب أجيال القراء المصريين طوال الخمسين سنة الأخيرة على الأقل، ولايزال حتى هذه اللحظة يطل على قراء «الأهرام» من خلال زاويته الرقيقة «صندوق الدنيا» وله أربعون كتابا أمتعت الكبار والصغار، وكتابه «أنبياء الله» طبعت منه حتى الآن 36 طبعة. ورغم عطائه الغني، فإنه لم يُكرّم في بلده من أي جهة رسمية، ولم يذكره أحد في جوائز الدولة التي تُوزع كل عام على قليل ممن يستحقون، وكثير ممن لا يستحقون.
المُكرّم الآخر، الجزار ويليام لويد ويليامز، رجل مغمور لا يعرفه إلا أهل بلدته «ماكنيليث»، الذين أحبوه وأقبلوا على محل الجزارة الذي يملكه، وطوال عشرين سنة لم يغادر مكانه في متجره، وإنما كان الناس يرونه كل صباح منهمكا في عمله أو باشا في وجوه زبائنه، وقد ارتدى طاقية يدفئ بها رأسه، ووضع خلف أذنه قلما جاهزا لتدوين طلبات الزبائن، وقد اعتز به لدرجة أنه ذهب لحضور حفل التكريم الذي أقيم له في قصر باكنجهام والقلم في مكانه. وكان قد أرسل خطابا للقصر استأذن فيه أن يحضر بقلمه خلف أذنه، ولم يرفعه إلا لحظة عبوره بوابة القصر الملكي حسب طلبات زوجته.
حين وقعت على الخبر قلت: لماذا لم تكرّم الدولة أحمد بهجت رغم رقي إبداعه وعلو مكانته وذيوع صيته، ولماذا كرّمت ملكة إنجلترا جزارا مغمورا في مقاطعة ويلز؟ الفرق بين الحالتين هو ذاته الفرق بين النظامين. في إنجلترا الأصل أن تُحترَم لأنك مواطن. وعندنا الأصل أن يُستخَف بك لأنك مواطن، ولا يحتاج المواطن في إنجلترا لأكثر من التفاني في أداء واجبه حتى يكافأ، وعندنا يكافأ المواطن لأحد سببين: إما التفاني في خدمة السلطان، أو شموله برضائه، وعلى سبيل الاستثناء يجوز أن يُعطى المواطن المتميز بعض حقه في الثناء والمديح في حالة واحدة، هي أن يتوفاه الله وتصعد روحه إلى السماء.
في عام سابق اختارت إنجلترا ناظر مدرسة بسيطا واعتبرته رجل العام، لأنه كان مثلا أعلى لتلاميذه، وحين وقعت مشاجرة بين نفر من أولئك التلاميذ، فإنه تدخل ليحمي المُعتدى عليهم فتلقى طعنة أردته قتيلا، فاستحق التكريم لشهامته ومروءته.
في كل عام في بلادنا لابد أن يكون رجل العام إما السلطان نفسه أو أحد رجاله، ولا تمنح جوائز الدولة ـ كقاعدة دعك من الاستثناء ـ إلا لحواريي السلطان والمرضيّ عنهم الذين تجيزهم أجهزته الأمنية. هناك عملك سندك، وهنا قد يشفع لك عملك في الآخرة، لكنك بحاجة إلى سند فوقه لكي تكافأ في الدنيا، الجوائز في مصر ليست محايدة، فهي لا تمنح تقديراً لقيمة الخبير أو المبدع فقط، لأن هذه القيمة تأتي في مرحلة تالية، وأحيانا لا تكون شرطا أساسيا، فهي نادرا ما تمنح لشخصية مستقلة سياسيا، ولا يمكن أن يفوز بها ناقد أو معارض مهما كان إنجازه، أما إذا كانت له علاقة بالاتجاه الإسلامي ـ حتى ولو كان ملتحيا فقط ـ ففرصته ليست واردة أصلا، ولأن الأمر كذلك، فقد حذفت من أجندة جوائز الدولة أسماء كبيرة من الرموز الوطنية والثقافية مثل د.عبدالعظيم أنيس والدكتور جلال أمين والمستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا والدكتور سيد دسوقي والدكتور حامد الموصلي والدكتور محمد كمال إمام وأمثالهم كثيرون.
وفي حدود علمي، فإن هيئة بقامة مجمع اللغة العربية رشحت الدكتور حسن الشافعي 15 مرة، وأخرى بوزن مجمع البحوث الإسلامية رشحت د.محمد عمارة 14 مرة، وتم تجاهلهما، وحين رشح أتيليه القاهرة ذات مرة من أهان الجائزة، أخذ بترشيحه، لأنه يوافق الهوى ويخدم أغراض السياسة وألاعيبها.
لقد حجبت أجهزة الدولة جوائزها عن أحمد بهجت وعن هؤلاء جميعا وأمثالهم، لكن تلك الأجهزة ظلت عاجزة عن أن تحجب عنهم احترام المواطن العادي ولا مكانتهم في التاريخ.

7 التعليقات:

غير معرف يقول...

اخى المهندس المحترم محمود فوزى حفظه الله اشكرك لجهدك الطيب فى هذه المدونه ولكننى اسال هل من الممكن ان تنقل حبنا وتقديرنا من فلسطين قطاع غزة للمثقف الكبير والكاتب والمفكر والاب فهمى هويدى لان مقالاته والله كالماء البارد للظمان على قلوبنا وتؤنسنا بالله عليك بلغه كل المحبة منا لاب واخ وحبيب وقريب وشكرا لكم جدا اخوانكم من غزة فلسطين

شاعر سبيل يقول...

الدولة تكرم المبدعين والجادين باعتقالهم حتى تحفظهم من العين
حتى اسأل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح

Sonnet يقول...

عن الجوائز....
لقد زاد شوقي لتكريم اسم ناظر مدرستي الابتدائية الراحل. كما ذكرت في مقال سابق بعنوان أيام المدارس.

((
فلنبدأ المقال إذن....و أي ناظر هذا الرجل الذي حاولنا لسنوات أن نسمى الشارع على اسمه أو المدرسة. لكن فشلنا. فالمدرسة معروفة باسم شهيد. بينما الشارع معروف باسم آخر. إذن نسمى المنطقة التي تحتوى معظم المدارس على اسمه. نسمى شارع المدارس. فى النهاية، لم نفلح فى شئ. رحمه الله و لا نزكى على الله أحدا.))

هل من الممكن أن نقوم بعمل موقع إإليكتروني بعنوان: مبدعون ممنوعون من الصرف ...أو مبدعون مكرمون. و نمنح الجوائز الافتراضية على غرار تصميم نوبل، و نضع فيه المعايير كاملة للترشيح الإلكتروني.

م/محمود فوزى يقول...

السلام عليكم
فى البدايه اعتذر عن التاخر فى الرد على التعليقات

م/محمود فوزى يقول...

غير معرف
جزاكم الله خيرا على كلامك الجميل
وربنا يفك حصاركم فى غزة

يمكنك مراسله الاستاذ فهمي هويدي على بريده
fhoweidy@gmail.com
انا للاسف لايوجد معى رقم هاتفه الشخصي وما افعله فى المدونه هو محاوله نشر مقالاته الرائعه لافاده الناس بها ولايوجد اى تنسيق معه فى ذلك
جزاكم الله خيرا

م/محمود فوزى يقول...

شاعر سبيل
جزاكم الله خيرا على الزياره الكريمه

اذا كان هذا هو التكريم من قبل الدوله للمبدعين فنتمنى ان لا تكرمهم ابدا

م/محمود فوزى يقول...

Sonnet
جزاكم الله خيرا على فكره تكريم المبدعين المنسيين
وربنا يوفقك فى فكرتك

جزاكم الله خيرا على الوفاء لناظر المدرسه

Delete this element to display blogger navbar