Subscribe:

Ads 468x60px

18 أكتوبر، 2009

نكتشفهم 
بعد رحيلهم!

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 30 شوال 1430 – 19 أكتوبر 2009
نكتشفهم 
بعد رحيلهم! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/10/blog-post_18.html

طوال الأسبوع الماضي حفلت الصحف المصرية بالمقالات التي أشادت بزميلنا الدكتور محمد السيد سعيد مبرزة نضاله كشخص نبيل، ومثقف من طراز رفيع، ووطني شريف انحاز دائما إلى هموم وطنه وأمته، والرجل يستحق ذلك كله لا ريب، لكن السؤال الذي شغلني وأنا أتابع تلك الكتابات هو: لماذا يكتشف الشرفاء في بلادنا وترتفع أسهمهم بعد وفاتهم؟

ذلك حدث أيضا مع الراحلين محمود عوض وصلاح الدين حافظ والدكتور أحمد عبدالله رزه، والدكتور عبدالوهاب المسيري ومحمد سيد أحمد، ومجدي مهنا ومحمود المراغي وعادل حسين وعبدالله إمام.
وجميعهم مثقفون وطنيون ما إن مات الواحد منهم حتى انبرت صحفنا مشيدة بهم ومسلطة الأضواء على مكانتهم الرفيعة ومواقعهم الشريفة وعطائهم الكبير، والفراغ الذي خلفوه في حياتنا الثقافية بعد رحيلهم.

لست أشك في أن أمثالهم كثيرون في المحيط الثقافي وفي مختلف مجالات العمل العام، لكنني ذكرت تلك الأسماء ليس فقط لأنني أعرفها جيدا بحكم زمالة المهنة أو الصداقة الشخصية،
ولكن أيضا لأن النماذج التي ذكرتها حظيت باهتمام مشهود من جانب وسائل الإعلام، إضافة إلى أن أغلبهم انتسبوا إلى مؤسسات صحافية فتحت صفحاتها بعد وفاتهم لتقريظهم والإشادة بمناقبهم وفضائلهم.
في الوقت ذاته فإن تلك النماذج توافرت لها قواسم مشتركة تؤيد ظاهرة الاكتشاف المتأخر للشرفاء في البلد، التي استلفتت نظري، ووجدت أنها جديرة بالملاحظة والإثبات.

لقد اشترك هؤلاء وأمثالهم في كونهم يتقاسمون حقا النزاهة والاستقامة المهنية والاستقلال في الرأي والانحياز إلى القيم الوطنية والشريفة.
لكنهم تقاسموا شيئا آخر، هو أنهم دفعوا غاليا ثمن مواقفهم ونزاهتهم. فمنهم من اعتقل وأهين في السجون. ومنهم من عانى من المرض وعجز عن أن يدبر نفقات علاجه، ومنهم من عاش فقيرا ومات فقيرا، وعانى أبناؤه من الفاقة بعد مماته. الأمر الذي يعني أن حظوظهم بعد الرحيل كانت أفضل كثيرا من حظوظهم عندما كانوا على قيد الحياة.

إذا قارنت حظوظ أولئك الشرفاء قبل الرحيل بحظوظ أقرانهم من الأحياء المنافقين والمهرجين والمصفقين وماسحي أحذية السلطة وبلاطها، فستدرك مدى شعور الأولين بالحسرة والأسى ليس لحالهم فقط، ولكن لحال البلد أيضا.
ولك أن تتصور هذا الشعور حين تجد أن الشرفاء يعانون وينكل بهم في أرزاقهم وأحلامهم، في حين يكافأ المنافقون والأفاقون بالعطايا والمزايا والمناصب
. وحين تجد أن الناس يكبرون في المقام كلما صغروا في مراتب الاستقامة والشرف. ويزدادون ثراء كلما صاروا أكثر انكسارا وذلا، ويقتربون من الصدارات كلما ابتعدوا عن ضمائرهم وتخلوا عن قيمهم ومبادئهم.

في أكثر من مقام ومناسبة قلت إننا في زمن صارت الاستقامة فيه، مجرد الاستقامة، نقيصة يعاتب عليها المرء ويجد من يسخر منه بسببها ويتهمه بالخيبة وقصر النظر.

أما المواقف الشريفة خصوصا إذا تعلقت بالكرامة المهنية أو الوطنية، فقد أصبحت باهظة التكلفة. وعلى من يريد أن يكون شريفا أن يكون مستعدا لدفع ثمن مواقفه، من رزقه أو تطلعاته أو من حريته وربما مستقبل أسرته أيضا.

إن التكريم الذي لقيه الدكتور محمد السيد سعيد بعد وفاته، لم يكن لينال عشر معشاره لو أنه استمر على قيد الحياة. وهو من دخل السجن وعذب حينا من الدهر، وتضاعفت عذاباته حينما حل به المرض، إلى أن عولج على نفقة الحكومة الفرنسية في نهاية المطاف.

والشرفاء من أمثاله، الذين ذكرت بعضهم مروا بنفس التجربة، ودفعوا فاتورة مواقفهم النبيلة بصورة أو بأخرى.
صحيح أن تكريمهم بعد الوفاة خير من إنكارهم وتهميشهم طوال الوقت، لكني لا أخفي شكا في دوافع بعض الذين سارعوا إلى ذلك التكريم، ممن لم يكتبوا ما كتبوه تقديرا لنبل الرجل ومكانته، وإنما ابتهاجا برحيله لأن مجرد وجوده يسبب إحراجا لهم ويفضح قبح مواقفهم.
......................

5 التعليقات:

عاشقة الأحزان يقول...

انا هنا

عاشقة الأحزان يقول...

احسنت

بجد خلتينى احب الانسان دا قوووووووووووى

ربنا يكرمك يارب
دمت فى حفظ الرحمن

ايناس

norahaty يقول...

السلام عليكم ورحمة
الله تعالى وبركاته
بعض من ذكرت معروف
قدرهم وهم أحياءاًوامواتاً
معروف قدرهم مهنيا وعلمياً اما إن جئت من الناحية المادية (فلا تأخذ بها)ليست بالمهمة اليس كذلك؟لان هذا هو قدر المثقفين على طول الزمان الا من قلة .لسه قارئة الان ان معظم الادباء والمفكريين كان يشتغلون مهنة اخرى
(تفتح بيت)او يتوكل بهم شخص ما
ليلبى طلباتهم :سقراط وهو سقراط!!
كان يعتمد على تلميذه افلاطون
فى امورهـ المالية!

م/محمود فوزى يقول...

الاخت الكريمه ايناس
جزاكم الله خيرا على التعليق

انا معكى فى ان كاتبنا الكبير فهمي هويدي كتاباته عاده رائعه
وعشان كده باحاول افيد بيها الناس
ربنا يكرمه ويكرمك

م/محمود فوزى يقول...

الدكتور نور
جزاكم الله خيرا على التعليق
فيه نقطتين
التكريم المعنوى والحاله الماديه
يعنى مثلا ناس مهمه وبتفيد البلد فلازم نهتم بيهم ونستفيد منهم ونكرمهم مش نكرم اللى بيهاجم الاسلام
وده فى حد ذاته تثبيط لاى حد عايز يفيد البلد

كمان برضه الحاله الماديه
انا معاكي ان فيه حالات كتيره كان المثقفين بيعانو
لكن فى الدول اللى بتهتم بثقافه مواطنيها الموضوع بيختلف
طبعا تاريخنا فيه اهتمام كبير بالادب والمثقفين
كمان يعنى ماهو فيه ناس (مثقفه) ماسكين مناصب مهمه فى الاعلام
والدوله مساعداهم
يعنى اشمعنى دول

Delete this element to display blogger navbar