Subscribe:

Ads 468x60px

19 سبتمبر، 2009

أبعد من الاستعباط السياسي

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 29 رمضان 1430 – 19 سبتمبر 2009
أبعد من الاستعباط السياسي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_19.html

نحن مقبلون على مرحلة حاسمة في مسلسل الاستعباط السياسي،
وإذا كنت في شك من ذلك فارجع معي إلى وقائع المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية المصري مع نظيره الإسباني يوم الثلاثاء
 8 سبتمبر الجاري، ذلك أن السيد أحمد أبوالغيط قال إن مصر ترفض معادلة التطبيع مقابل تجميد الاستيطان، لكنه توقع تحرّك بعض الدول العربية باتجاه التطبيع إذا اتخذت إسرائيل «خطوة كبيرة» تجاه الفلسطينيين، تعكس استعدادها للتفاوض الجاد،
وهو يشرح فكرته، قال إن المطلوب اليوم موقف عربي مصمم على أن تتوقف إسرائيل بالكامل عن عمليات الاستيطان، وفي القدس الشرقية، وأن تقبل بالبدء الفوري للمفاوضات مع الفلسطينيين، على أساس خريطة الطريق ومفهوم الدولة الفلسطينية،
وفي هذا الصدد أشار إلى قرار مؤتمر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير بالقاهرة الذي أبدى استعدادا «للنظر والبحث في الإجراءات (التطبيعية) التي يمكن اتخاذها في مواجهة خطوات إسرائيلية».

في المؤتمر ذاته قال وزير الخارجية الإسباني ميجيل موراتينوس إن بلاده تدعم جهود المبعوث الأميركى جورج ميتشيل، الساعية إلى إقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان،
وفي حال التزام الدولة العبرية بذلك، فإننا نرغب في أن يكون هناك اتجاه من الدول العربية إلى تحسين علاقاتها مع إسرائيل،
وكان الوزير الإسباني قد صرح عقب اجتماعه مع عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن الأوروبيين يتطلعون إلى أن تشهد الفترة المقبلة وضع أساس جيد للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر وقف الأنشطة الاستيطانية، مضيفا أن هناك حاجة أيضا إلى جهد كبير لبناء الثقة (الحياة اللندنية 9 سبتمبر الجاري).

قرائن الاستعباط في هذا الكلام كثيرة. فوزير الخارجية المصري يتحدث عن رفض القاهرة لمقايضة التطبيع بتجميد الاستيطان، وفي الوقت ذاته يتحدث عن إجراءات تطبيع عربية إذا اتخذت إسرائيل «خطوة كبيرة». وهذه الخطوة محصورة في التجميد الذي يمهد للمفاوضات، الأمر الذي يثير السؤال التالي:
ما المرفوض إذن؟

من دلائل الاستعباط أيضا أن السيد أبوالغيط تحدّث عن «خطوة كبيرة تتخذها إسرائيل» لا تستهدف سوى الاستعداد للتفاوض الجاد، وهي كارثة إذا لم يكن الرجل يعلم أن الحكومة الحالية بتطرفها المعلن (الآخرون يضمرون التطرف) لا تستطيع أن تتخذ أي خطوة باتجاه الفلسطينيين يمكن أن توصف بأنها «كبيرة»، وستكون الكارثة مضاعفة إذا صدق أن إسرائيل مستعدة لأي «تفاوض جاد».

أما أم الكوارث فتتمثل في القبول بصفقة الاستيطان الذي تتلاعب به إسرائيل علنا الآن، مقابل بدء التطبيع وإطلاق المفاوضات، فهذا التجميد الموهوم الذي يصور بحسبانه إنجازا سياسيا، لن يتم، ولكن سوف يستمر التلاعب به، وهو في نهاية المطاف رمزي ومؤقت، بمعنى أنه يوقف الجديد لمدة تسعة أشهر فقط، ويضفي شرعية على ما تم إنشاؤه، رغم بطلانه من الناحية القانونية،
والنتيجة المطلوبة هي أن تبدأ مفاوضات عقيمة لا أمل فيها، في حين يلزم العرب أنفسهم بخطوات تطبيعية محددة، تمثل تنازلا عن آخر ورقة بيدهم في دفاعهم عن القضية الفلسطينية، وهو ما يعنى أن الإسرائيليين سيكسرون آخر حاجز في المقاطعة، وأن الفلسطينيين سيجلسون معهم على طاولة المفاوضات لكي يأكلوا الهواء!


في تجل آخر من تجليات الاستعباط تحدث وزير الخارجية الإسباني عن «تحسين» علاقات العرب مع إسرائيل، وعن الجهد الكبير المطلوب «لبناء الثقة»، وهو كلام لا يخلو من تدليس، فضلا عن أنه يتجاهل أن هناك احتلالا وحصارا وهدما لبيوت الفلسطينيين ونهبا لأرضهم.

أعني أنه يدعي العمى عن أن هناك قاتلا وقتيلا، وأن القتيل اعترف بحق القاتل في الوجود، وجرم مقاومته حتى اعتبرها إرهابا، وقدم في «المبادرة» تنازلا عن حق العودة، وكل ذلك لم يشفع له، ولايزال مطلوبا منه أن يقدم المزيد من التنازلات لكي ينال الرضا ويعزز الثقة.

لماذا لا يتحدث وزير الخارجية المصري بمثل ما تحدث به نظيره التركي، حين قال إن المطلوب اتخاذ خطوات لتعزيز الثقة من جانب الإسرائيليين وليس العرب؟..
سأترك الإجابة لك، لأنني أخشى ألا يمثل الاستعباط تفسيرا كافيا لهذا الموقف.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar