Subscribe:

Ads 468x60px

11 سبتمبر، 2009

خطيئة لا تُغتفر

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 22 رمضان 1430 – 12 سبتمبر 2009
خطيئة لا تُغتفر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_11.html

ثمة حديث عن موسم عودة الهاربين من مصر، والمقصود مجموعة رجال الأعمال الذين هربوا من البلد إما بفلوس اقترضوها من البنوك لتمويل تعاملاتهم ثم عجزوا عن سدادها، أو بفلوس نهبوها وأخذوها معهم إلى الخارج، وهؤلاء طبقا لما نشرته جريدة الأهرام في 5 سبتمبر الجاري عددهم 74 شخصا استولوا على ما يقرب من 240 مليار جنيه، أي ما يعادل أربعة مليارات ونصف المليار دولار.

هذه العودة بدأت بالفعل، حين خرجت علينا الصحف ذات صباح بخبر وصول واحدة من هذه المجموعة التي عرفت باسم «المرأة الحديدية»،
في الوقت ذاته توالى نشر أخبار عن تسويات جارية مع الآخرين. وبدا التسامح واضحا معهم حين لاحظنا أنهم أصبحوا يظهرون في وسائل الإعلام ويطلون علينا عبر شاشات التلفزيون الرسمي، متحدثين عن وفائهم بما عليهم وترتيبات عودتهم، فيما بدا أنه تحسين لصورتهم وتمهيد لعودتهم، بعد الصفح عما فات، ومحاولة التوصل إلى حلول وسط، تنقذ ما يمكن إنقاذه من الحقوق التي ضاعت.

خلال الأسابيع الأخيرة التي لاحت فيها بوادر التسامح والمصالحة. تحول أولئك الهاربون من «مطاريد» اتُّهموا باستغلال النفوذ ونهب أموال الشعب إلى رجال أعمال «اضطروا» إلى الهرب ثم ندموا على ما فعلوا، وقد حان الوقت لعودتهم إلى الوطن الأم، بعد سداد ما يمكن سداده من الأموال التي اقترضوها (لم يعد أحد يتحدّث عن أنهم نهبوها)، ثم إعادة محاكمتهم مرة أخرى.

في توضيح ما جرى، ذكر رئيس مجلس إدارة الأهرام د.عبدالمنعم سعيد (في عدد 5 سبتمبر الجاري) أن التعامل مع ملف الهاربين كان أمامه نهجان،
الأول يحكِّم القانون وحده، ويستخدم الأساليب الأمنية في الملاحقة، التي كان منها الاتفاق مع شركات خاصة لمتابعتهم في الخارج وإبلاغ الانتربول ووحدة غسل الأموال بالأمم المتحدة بأسمائهم.
النهج الثاني تبنى موقفا أكثر رشدا، فانطلق من محاولة توفيق أوضاعهم وجدولة ديونهم تمهيدا لتمكينهم من بدء حياة جديدة وصفحة جديدة.
وذهب د.سعيد في تفهمه لوضعهم إلى القول: إن أصل القضية يكمن في الخلل الجسيم الذي حل بالبنيان الاقتصادي للبلاد، ما أفرز تلك الصور من الانحراف.

رغم أن الكاتب تحدّث عن نهجين في التعامل مع الموضوع، فإن الممارسة العملية دلت على أن النهج الثاني هو الذي استقر العمل به، بما يعني أن منطق التفاهم هو الذي ساد، بما استصحبه ذلك من تصالح وتسامح نسبيين،
إن شئت فقل إن عنصر الملاءمة السياسية تدخل، وحسم الأمر في نهاية المطاف.

أول ما خطر لي حين تابعت فصول المشهد كان السؤال التالي:
لماذا تغلب منطق التسامح والتصالح مع الذين نهبوا أموال الناس وهربوا إلى الخارج،
في حين يغيب هذا المنطق تماما في التعامل مع المخالفين السياسيين؟
لماذا امتدت يد الصفح للأولين في حين لا يشهر سوى الهراوة والسوط في وجوه الآخرين؟

وهذا التساؤل يجري على لساني، يتراءى لي شريط طويل من المناضلين والمخالفين السياسيين الذين لايزالون يقبعون في السجون، وترفض الأجهزة الأمنية إطلاق سراحهم، رغم أن منهم من صدرت بحقهم عدة أحكام بالبراءة والإفراج الفوري.
تذكرت مجدي حسين وسعد أبوفجر وشباب المدونين، غير العشرات من الذين قُدّموا للمحاكمات العسكرية وتمت معاقبتهم، ثم رفض الأمن إطلاق سراحهم، وفي المقدمة منهم عبود الزمر الذي قضى 25 عاما في السجن وأتم التأبيدة، ولا يراد له أن يرى النور.
تذكرت أيضا الثلاثين ألف شخص من عناصر الإخوان الذين مرّوا بالسجون خلال السنوات العشر الأخيرة (حسب تصريح الأستاذ عاكف في حفل إفطار الجماعة)، ولاتزال أفواجهم تحشر في السجون كل يوم تقريبا.

هؤلاء جميعا لم يفكر أحد في التعامل معهم لا بمنطق الفهم أو السياسة ولا بمنطق الإعذار، وإنما خوطبوا بلغة الهراوة والسوط وحدها، وهو ما يسوغ لنا أن نكرر السؤال:
لماذا كان التفاهم محتملا ومقبولا مع الذين نهبوا أموال البلد،
في حين ظل الخصام والقمع من نصيب الذين اختلفوا مع النظام؟

الإجابة الحاضرة في ذهني الآن هي أنه في بلادنا يظل التسامح ممكنا مع الذين اعتدوا على حق المجتمع، إذ تلك مسألة هيِّنة فيها نظر،
أما الاختلاف السياسي مع النظام، فهو الخطيئة الكبرى التي لا تُغتفر.
................

1 التعليقات:

م/محمود فوزى يقول...

الاخ الكريم
جزاكم الله خيرا على التعليق
اعتذر على مسح التعليق لاحتواءه على شتائم
رغم انى اتفق معك فى كثير من النقاط
حيث أنه لا يوجد لدي الحكومة مانع ابدا فى عوده هؤلاء الذين أخذوا أموال البلاد وتركونا بينما على النقيض مثلا يتم التعامل بالقنون حرفيا مع متعثرين صغار الذين تعثروا فى سداد قرض بعده الاف رغم انه قد سدد بعضه الا انه يطبق القانون بلا هواده عليه

بالطبع ايضا هؤلاء الذين يخالفون النظام لا يمكن التهاون معهم(من وجهه نظر الحكومة) فالمبدأ معروف من ليس معنا فهو ضدنا

ربنا يرحمنا

Delete this element to display blogger navbar