Subscribe:

Ads 468x60px

09 يوليو، 2009

اكتشاف رجل محترم

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 16 رجب 1430 – 9 يوليو 2009
اكتشاف رجل محترم - فهمى هويدى
بين الحين والآخر يلوح ضوء في الأفق يذكرنا بأن جنس الرجال المحترمين لم ينقرض بعد في مصر. كان ذلك هو انطباعي بعدما قرأت الحوار الذي نشرته «الشروق» في 7/6 الحالي مع المستشار عادل زكي أندراوس رئيس محكمة استئناف القاهرة، والرئيس السابق للجنة العليا للانتخابات. في ذلك الحوار تحدث الرجل في أمور عدة كان من بينها ما يلي:
- إنه باعتباره عضوا في مجلس القضاء الأعلى التقى الرئيس مبارك عدة مرات مع غيره من أعضاء المجلس، وفي تلك اللقاءات كان الحديث يدور حول الأوضاع السياسية والاقتصادية العامة. ورغم أن الظروف المالية للقضاة ليست مريحة عموما، إلا أن الموضوع لم يثر في أي لقاء مع الرئيس. لأنه من العيب أن يطلب القاضي زيادة راتبه من رئيس السلطة التنفيذية.
- إنه حين كان رئيسا للجنة العليا للانتخابات طلبت منه مباحث أمن الدولة شطب أسماء بعض المرشحين الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك فعل بعض المرشحين المنافسين. وقد حققت اللجنة في هذه الطلبات ثم تجاهلتها بعدما تبين أنها غير جدية.
- إن اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات اعتبرت أن شعار «الإسلام هو الحل» الذي اعتاد مرشحو الإخوان رفعه يتوافق مع الدستور. ذلك أنه يتضمن نصا صريحا يقرر أن دين الدولة هو الإسلام وأن شريعته هي المصدر الأساسي لقوانينها. فضلا عن ذلك فإن تطبيق مبادئ الشريعة لا يشكل أي إضرار بالمجتمع.
- إن الشعارات الدينية المحظورة قانونا هي التي تطلب من الناخبين التصويت لمصلحة مرشح معين تبعا لديانته، مسلما كان أو مسيحيا، إذ إن تلك هي الحالة التي يتعين فيها على السلطة أن تتدخل لإزالة الشعار (وهو ما لم يحدث على أرض الواقع لأن أجهزة الأمن قامت برفع وتمزيق لافتات «الإسلام هو الحل» التي رفعها مرشحو الإخوان).
يخرج المرء من قراءة الحوار بأفضل مما دخل فيه. إذ يدرك أنه بإزاء قاض نزيه، يعتز بمهنته ويحترم نفسه ويحترم القانون والدستور، ويحترم المجتمع الذي ينتمي إليه. لا أعرف الرجل وأستحي أن أقول إنني لم أسمع به من قبل، لأنه كما ذكر في الحوار ظل حريصا على أن يعيش بكبريائه في محرابه، بعيدا عن الأضواء والإعلام. ولا أخفي أن كلامه فاجأني، من حيث إنه يتحدث بلغة لم تعد مألوفة في زماننا، الذي تحولت فيه النخب إلى أذرع لأجهزة الأمن، وإلى معسكرات مشتبكة. وأحيانا ميليشيات متصارعة. لأسباب سياسية أو دينية أو مذهبية. لم أستغرب أن تطلب منه أجهزة الأمن شطب بعض مرشحي الإخوان لانتخابات مجلس الشورى، فذلك موقف تقليدي عادي من تطبيقات شعار «الشرطة في خدمة الشعب». إنما الذي استغربت له هو قدرته على أن يرفض الاستجابة للطلب لأننا اعتدنا على أن تعامل طلبات الأمن باعتبارها «أوامر». استغربت أيضا حديثه عن شعار «الإسلام هو الحل» واعتبار الدعوة إليه أمرا يتوافق مع الدستور. ليس فقط لأن استهجان ذلك الشعار وتسفيهه موقف تقليدي للإعلام والسياسة في مصر، ولكن أيضا لأن الرجل ليس مسلما، ولم أنتبه إلى أنه قبطي إلا حين قرأت اسمه. ذلك أن لغته التي استخدمها في هذا الشق لم تعد مألوفة بين النخبة القبطية، التي شاعت الحساسية بين أفرادها، حتى العقلاء منهم الذين أصبحوا يتكلمون لغة مسكونة بالتوتر والاحتقان.
ذكرني المستشار عادل أندراوس بجيل الرجال المحترمين بين المثقفين المصريين، وبين الأقباط بوجه أخص، الذين كان منهم بين القانونيين الدكاترة سليمان مرقس وشفيق شحاتة ووليم سليمان قلادة. ولست أشك في أن جنس المحترمين من الرجال والنساء لم ينقرض تماما، رغم أن النماذج الطافية على سطح المجتمع المصري توحي بغير ذلك. لكن المشكلة فيما يبدو أن المناخ العام يجذب الأخيرين وحدهم ويسلط عليهم الأضواء. وحالة المستشار عادل أندراوس دالة على ذلك. إذ لم نسمع له صوتا ولم نر له صورة، إلا حين أحيل إلى التقاعد، وبعدما اطمأنت السلطة إلى أنه خرج من منصبه ولن يعود إليه.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar