Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2009

بدعة الأمن الفكري

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 7 جمادى الآخر 1430 – 31 مايو 2009
بدعة الأمن الفكري - فهمى هويدى
لا أخفي قلقا من صك وتداول مصطلح «الأمن الفكري»، وهذا القلق يتضاعف مرات إذا عرفنا أن الجهات الأمنية هي التي أطلقته، الأمر الذي يضفي على العملية عنصرا بوليسيا لا تخفى دلالته. صحيح أننا درجنا على الحديث عن الأمن القومي والأمن الغذائي والأمن المائي وتطرقنا إلى الأمن الاجتماعي والسياسي، وكان بوسعنا في كل مرة أن نحدد بصورة أو أخرى الدائرة التي يلتمس فيها ذلك «الأمن» وملامح وجوده على أرض الواقع، لكن إضافة الأمن الفكري إلى القائمة تضعنا بإزاء مصطلح فضفاض للغاية، لا تعرف حدوده وتحيرنا كثيرا مقاصده. فضلا عن أنه يثير عديدا من الأسئلة حول معايير قياس الأمن المنشود، والجهة التي يحتكم إليها في تحديد مدى توافر ذلك الأمن من عدمه.
كنت قد سمعت ذكرا لمصطلح الأمن الفكري في تونس، التي لا صوت فيها يعلو فوق صوت الأمن. ولذلك أقيم فيها مقر مؤتمرات وزراء الداخلية العرب، الذين هم أنشط الفاعلين في العمل العربي المشترك، وقيل لي اخيرا إن المصطلح بدأ يتردد في المملكة المغربية، التي تخوض فيها الأجهزة الأمنية معركة ضد الحركات الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرفة. وبالمناسبة فإن البعض في المغرب أصبحوا يتحدثون عن «الأمن الروحي»، في تعبير عن التحيز للطرق الصوفية التي أصبحت تحظى برعاية خاصة هناك، ربما كرد فعل لظهور جماعات العنف المسلح، التي تتحدث وسائل الإعلام عن انتسابها إلى تنظيم القاعدة. الجديد في الأمر أن مصطلح «الأمن الفكري» الذي ظل يتردد في الفضاء العربي خلال السنوات الأخيرة بدأ يتبلور في أوضاع مؤسسيه على أرض الواقع. فقرأنا عن كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز (وزير الداخلية السعودي) لدراسات الأمن الفكري في جامعة الملك سعود بالرياض. ثم نظم في الأسبوع الماضي «المؤتمر الوطني الأول لدراسات الأمن الفكري» في إطار الجامعة ذاتها. الأمر الذي يعني أن الموضوع بدأ يكبر وتكبر معه بالتالي ذراع الأمن ودوره في الساحة الثقافية، التي نعلم أن الأمن لم يكن غائبا عنها. ولكن الوضع المستجد يضفي شرعية على حضور ودور الأجهزة الأمنية، التي ظلت طيلة السنوات الماضية تعمل وراء الأستار وبعيدا عن الأعين.
تابعت ما نشر عن مؤتمر الأمن الفكري الذي عقد في الرياض اخيرا، ووجدت أن تركيزه الأساسي انصب على كيفية محاربة الفكر المتطرف والدعوة إلى الوسطية والاعتدال، وهو أمر له أهميته في السعودية وفي دول المنطقة الأخرى. من ثم فلا خلاف حول الموضوع، لكن التحفظات تثار بشأن كيفية التعامل معه والجهة أو الجهات التي يناط بها التصدى للمشكلة.
أدري أن الموضوع كبير، أكبر من أن يتصدى له فرد بذاته، كما أنه أكبر من أن يتم تناوله في هذه الزاوية. لكن لي فيه كلمات أولاها أنني لا أخفي امتعاضا من استخدام مصطلح «الأمن الفكري»، وأعتبره المدخل الغلط للتعامل مع الموضوع. كما أنني أسجل اعتراضا على تسليم الملف إلى أجهزة الأمن، التي لا ينبغي أن نقلل من دورها، ولكن هذا الدور يأتي لاحقا لأدوار جهات أخرى أو مكملا لها، ذلك أن التطرف أو الإرهاب هو مشكلة مجتمعية قبل أن يكون مشكلة أمنية. والتصدي لأي منهما لا ينبغي أن يترك للأمن وحده، وهو لن يحقق نجاحا إلا إذا فتحت أبواب الاعتدال واسعة، وتضافرت في ذلك جهود مؤسسات الدولة الأخرى، السياسية والتعليمية والدعوية والثقافية والإعلامية، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني. إنني أخشى أن يكون مصطلح الأمن الفكري مرادفا للقمع الفكري، وهذا الهاجس لن يزول إلا إذا أخرجنا الأمن من الموضوع، وكففنا عن مطالبة أجهزته بتدارك آثار فشل السياسة وخيباتها.

4 التعليقات:

حوراء المقـدسية Jerus Nymph يقول...

الأمن الفكري

و الامن القومي جزء واحد و ليس اثنين

Abdou Basha يقول...

أحيي الاستاذ فهمي هويدي لاعتمامه بتسليط الأضواء على مصطلحات الهوس الأمني التي تخترق العناوين اليومية، وتوحي للمواطن العادي أن خلفها أعمال جبارة، بينما هدفها الرئيس هو تدعيم السلطة

م/محمود فوزى يقول...

السلام عليكم
الاخت الكريمه حوراء
جزاكم الله خيرا على المتابعه المستمره
الامن القومي والفكري مترابطان
ولكن هنا التخوف هنا من قمع الافكار وخاصه فيما يهم البلاد
وذلك بعدما نرى ان الامن القومي نفسه يتم تفسيره بعكس الحقيقه ويتم تقليل اولويه قضايا هامه وخطيره
ربنا يرحمنا

م/محمود فوزى يقول...

الاخ الكريم عبده باشا
جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق
اتفق معك اننا نرى عناوبن كبيره احيانا زلا نرى لها اثرا كبيرا على ارض الواقع لايهام الناس
ولكن التقدم الحديث قلل من محاولات التعتيم
يجب ان يدركوا ذلك جيدا

Delete this element to display blogger navbar